التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجزء الثاني - المـ بدء التنزيل في سورة آل عمران

  

ملاحظة هامة

 سأورد في موضوعي هذا آيات قرءانية لأقرأها قراءة بنيوية دون الدخول إلى محتواها و هذه أوّل مرّة أورد الآيات بهذه الطريقة و ربّما بعد نهاية قراءة الموضوع عاد إليه القارئ ثانية ليربط أوّل الموضوع بآخره. 

 

"أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ (24)

تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّه ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ (25)

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ (26)"

إبراهيم

 

أدخلنا الكتاب الٓمٓـ سورة البقرة إلى تشريح القرءان تشريحا كليّا أمكننا من معرفة أبقاره كلّها و بداية رؤية بناءه ، هذه الألفاظ التي يدخل عليها الفاتح المـ تدخلنا في سورة البقرة و منها إلى القرءان كله لنكتشف وجود البناء فيه و يزول الريب عمن يعتبر كلمات القرءان ركاما لغويا إصطلاحيا. 

 

الٓمٓـ فاتح يدخلنا لعوالم البنآء القرءاني ، فاتح كامل و بتعبير القرءان كتاب ، شفرة لمن يريد تسميته شفرة لكنها شفرة لفتح عالم البنآء. فاتح بدأنا من خلاله فتح بنآء النص و ندرك أهمية هذه الخطوة الآن. فمعرفة لبنات البنآء ستجعلنا نرى عمرانه المستتر. ربّما لإدراكنا العميق أنّ محتوى النص متفجر هو من جعلنا نحوم حوله عشرات السنين لمحاولة الدخول المنهجي لمعرفة بنآءه و كان يقينا عاطفيا أنّ بنآء القرءان يبينّه القرءان نفسه و لم ننتبه أنّ الفواتح هي مفاتيح بيان هذه البنية ، هي بتعبير القرءان إنجيل

" الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2)  نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ"

 

تنزل السماء التوراة مع إنجيلها ، و تنزل القرءان مع إنجيله ، فطريقة قراءة رسالة لا تنبع من خارجها بل من داخلها فالرسالة هي من تحدد كيفية قراءتها و كيفية ضبط مفاهيم كلماتها. 

 

هذا الضبط و إن طال السير فيه و طال السبت فيه أهم شيء لمعرفة ما تحمله الرسالة من محتوى. فهم طريقة البنآء نابع من تصوّر أرساه الفاتح الٓمٓـ و من أول عبارة في القرءان بعد الفاتحة ، بعد الإفتتاحية ، بعد فهرست القرءان بتعبيرنا ، بادرنا النص بالفاتح الٓمٓـ ليقول لنا أنني كتاب ليس كالكتب ، كتاب يحمل شرح بنآءه من داخله و بمعرفة البنآء يمكن بعدها رسم المفاهيم المجرّدة و منها إلى المحتوى الرهيب المكنون.

 كيف نقرأ القرءان ؟؟ هو هذا السؤال الوجيه و الأوّل قبل الدخول لمضمون القرءان و محتواه. و ربّما بنى الناس من القرءان و أخرجوا منه مجموعة من القواعد أسموها قواعد نحوية و صرفية و اجتهدوا في معرفة الإشتقاق و التراكيب لكنّه إجتهاد نابع من تتبع جزئي لكلمات القرءان وصولا إلى التجذير و الإشتقاق و هذا ما سمح للغة العربية بالتقدم و الإرتقاء في إختراع المصطلحات الجديدة و لكن هذه القواعد لا يمكنها الهيمنة على النص القرءاني و ما لا يمكنها الإدعاء بالهيمنة عليه إذ هذه القواعد و هذه اللغة المسماة عربية ليست إلا إقتباس من نص القرءان و هذه القواعد و من أرساها يعترفون أن لا إمكان للهمينة على نص القرءان بقواعدهم إلاّ بإختراع نظريات الشذوذ و نظريات التضاد و نظريات تحاول الإلتفاف على النص القرءاني لتثبيث هيمنهتها. و كلّما أبحرنا في الفواتح كلما اتضح هذا بشفافية بل و اتضح حجم الإدعاء الكاذب أنّ رسالة السماء إتكأت على لغة بشرية إصطلاحية محاصرة بالتاريخ و الجغرافيا لتصيغ نصّها.

 
فرضية الكتاب الٓمٓـ في الدخول إلى بنآء نص ترسم طريقا جديدا لإكتشافه و إكتشاف بنيته من داخله. هذا هو الفرق الجوهري بين الإجتهادات الذاتية التي تحاول قراءة النص القرءاني من خارجه أي بإستيراد آليات من خارجه ، من مقولات لغوية شعرية أو من عبارات نسبت لأعراب أو من كلمات من لغات بشرية أخرى يدّعي أصحابها أنّ القرءان اقتبسها و من تعريفات لغوية اصطلح على معناها ناطقو "اللغة العربية" أو اختلفوا حولها و محاولة قراءة النص القراءن بهدي منه. 

هي الأزمة الوجودية التي ما فتئت تلاحقنا من يوم بدأت قراءة القرءان. و هي طريقة ضبط معاني كلماته ، و كان من المفروض أن تنتبه الإنسانية إلى الفواتح و تدرسها من جميع الإتجاهات خاصة بين أبناء أمتنا فهي مفاتيح الدخول إلى النص لكن اكتفينا بالفرضية الأقل جهدا و الأعلى ثمنا فيما بعد ، فرضية تأسيس القرءان على أركان لغة بشرية اسماها الناس اللغة العربية.  

و قد مكنتنا سياحتنا بالفاتح الٓمٓـ للإنتباه لوجود بنآء خاص في القرءان تحددت بعضا من معالمه و مكنتنا هذه السياحة من الخروج بفكرتين :

القرءان صحيفة خاصة لها بنآءها الخاص 

إمتناع قراءة هذا النص قراءة صحيحة دون فهم هذا البنآء 


الفاتح الٓمٓـ في البقرة جعلنا نكتشف وجود نوعين من العلامات. فكلمات القرءان في هذا البنآء تشبه الجسم الحي ، أجهزة محددة مستقرة ثابثة و رسل تتنقل بين هذه الأجهزة و اكتشفنا بالفاتح الٓمٓـ  البقر الأحادي و منه إجتماع البقر الأحادي وفق نظام لم نشرحه إلى الآن في بقر ثنائي فما فوق تدخل على الأجهزة و الآن سنفصل عمارة البنآء من نتائجه التي استخلصناها من تتبع الفاتح المـ.

 

البقر الأحادي

"إِنَّ الْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ" 

يمكن اعتبار عدّة البقر الأحادي  أربعة عشر علامة :




 

علينا أن نعترف أنّ لرسم الفاتح الٓمٓـ دور كبير في فهمنا لدوره فرسم الميم مـ قادنا إلى رؤيته كعلامة تريد أن تتصل بغيرها و في كثير من المصاحف يرسم هذا الفاتح بهذه الصيغة الٓمٓ  و يصعب بعدها فهم ما يريده صاحب النص القرءاني من إيراد فاتح كهذا. و عكس ما يتصور الناس فللرسم القرءاني أهميته القصوى في معرفة البنآء و ضبطه و هذا ما سيزداد وضوحه كلّما غصنا في الفواتح. 

 

ثم لنطق العلامات أهميته، فما ورثناه من نطق ذو أهمية خاصة فالعلامة ى التي تأتي في آخر الكلمات تحمل نطقين. فهي ياء في كلمة " الحى " و تشبه الألف في كلمة " أولى "  و هي تمد اللام نطقا. غياب النقطتين في الياء ى التي تختم الكلمات تعطينا فكرة عن وظيفتها ، هذا قبل أن نؤسس لهذه الوظيفة من داخل النص.

 

و التاء كذلك لها رسمين ت ة و الهاء تحمل رسوما مختلفة  هـ ـهـ ه ـه و كذلك رسمي الكاف ك كـ ، فمن دون النطق ما كان بالإمكان تحديد ماهية الرسوم بتنوّعها ، إنّ هذا النطق هو ما نسميه البيان. أن تبين النص أي أن توّضح علاماته و إن كان هذا التعريف سابق لأوانه لكنّي أسجله هنا للتنبيه على صعوبة تحديد نطق العلامات برسمها وحده و لعلّ هذا ما يشرح حاجة رسالة القرءان و نصّه إلى حامل بشري يبينه.

 

 في هذا الجدول تجلية للبقر الأحادي متصلا و منفصلا و في بقية البحث حين نكتب علامة فلن نفصل في اتصالها أو إنفصالها إلا إن كان التفصيل ضروري.






من خلال هذا البقر الأحادي يمكن تأليف بقر ثنائي و ثلاثي و ما فوق كما سنرى و قبل أن نعرض جداول الإتصال نسدل مجموعة من الملاحظات.

هناك علامة واحدة من البقر الأحادي الهمزة ء تتمازج مع علامتي الألف ا  و  الواو و لتكوين بقر ثنائي يشبه التزواج التام و كأننا أمام علامة واحدة :  أ   -   إ  -  ئـ  -   ؤ

لا يمكن أن نجد علامة تحت علامة في القرءان أو فوقها و إنّما نجد الإتصال في تلاوة محددة. فكلمة "صخر" لا يمكن فيها أن نضع الخاء على الصاد أو تحتها و إنّما ترى الخاء تتلو الصاد في الكتابة لكن الصلة بين الألف ا و الهمزة ء و بين الواو و الهمزة خاصة . و هذا يعطينا خصوصية الهمزة بل يعطينا مفهوم الهمزة ء و الألف ا و الواو و لكننا لسنا في هذه المحطة الآن، محطة تحديد مفاهيم العلامات.

 

عند تحديدنا للبقر تم تحديد العظام ، و هذه العظام هي الأجهزة المستقرة و هذا ما رأيناه في المـ البقرة في مسيرة تشريحية طويلة قادنا إليها الفاتح الٓمٓـ في الجزء الأوّل ، فكلمة "جميع" جذرها عند اللغويين " ج م ع" لكن نراها على ضوء الفاتح الٓمٓـ إتصال عظمين " ج ع "  تخللها بقر ثنائي ـميـ . 

سيخطر بالبال مباشرة أن الكلمة " جميع " قريبة جدا من حيث العظام من الكلمات التالية :  جعل -  جوع  - يهجعون

و كلمة "فرعون" بهذا التقسيم هي هيكل عظمي قوامه "  ر ع ". إننا أما تغيير جذري في طريقة بحث المفاهيم في القرءان و رغم أننا لم نحدد معاني و مفاهيم العظام و لا البقر و لم نحدد الوظائف لكن نرى من خلال تحديد نوعي العلامات بين عظام و بقر فتح لأفاق جديدة لربط الكلمات ببعضها من هدي القرءان نفسه أي من خلال حديثه هو عن طريقة ضبط بنآء كلماته.

  

و نلاحظ كذلك أن هناك كلمات في القرءان و هي أكثر من أن تحصى لا عظام لها فهي بقر كلّها كـ " الله – الملائكة – الماء " ، كلمات تتبخر حين محاولة تجذيرها. و في القرءان كلمات ليس فيها إلاّ العظام ككلمات "حرث – حجر" و حينئذ نحن في صعوبة خاصة لتحديد المعاني إن لم يكن لها أصل عظمي و لكنها مشكلة ستجد حلّها بل و ستفتح لنا أفاقا جديدة في الفهم.

 

في ضوءه الفاتح الٓمٓـ البقرة تم تحديد العظام  و قد سميناها سابقا شهور و سنبقي الآن تسميتها بالعظام في باقي البحوث :




بين البقر و العظام تتأسس كلمات القرءان ، بقر أو عظام أو كلمات يتداخل فيها البقر و العظام وفق بنآء خاص محدد المعالم. و يمكننا الأن تفصيل البقر ، فالبقر الأحادي هو البقر أما البقر الثنائي و ما فوق فسنسميه غنما  :

 


"وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ" 

 

من هنا فصاعدا فسنسمي البقر ، البقر الأحادي حصرا و الغنم البقر الثنائي فما فوق . فما يدخل بين العظام هو ما نسميه الظهور أي ما يسند الجذزر فيما بينها و قد تكون العظام ملتصقة ليس فيها بقر أو غنم يسندها لذلك أتت أو للتنبيه على إمكان الغياب. و أما ما يدخل على أطراف العظام فهو ما نسميه الحوايا 

 

ففي كلمة يَقْتَرِفُونَ  ، التاء تـ بقر الظهور أما الياء يـ و فون فهي الحوايا التي تحتوي العظمين ق  ر ، فالياء بقر و "فون" غنم. 

 

و أما ما اختلط بعظم فما التصق بعظام حتى يظن القارىء أنها عظم من العظام و هي ليست كذلك ففي كلمة بقر و من شدة التصاق الباء بالبقر يظن فقهاء اللغة أنّها من العظام 


بَقَرَة    الْبَقَرَ  بَقَرَٰتٍ


و كذلك في كلمة قمر فالميم و كأنها عظم هنا و كلمة قرأ  و كأن الهمزة عظم من العظام.

 

و نعرض فيما يلي البقر و الغنم و يكفي في هذه المرحلة تحديد الغنم الثنائي و بعضا من الثلاثي 

 




 

البقر هو الأصل فمنه سيتكوّن الغنم و  يمكن للبقر و الغنم أن يكونا ظهرا أو من الحوايا أو مختلط بعظم

ففي كلمة ٱلۡقَلَٰٓئِدَ " عظمين " ق د " ظهرها " ـلئـ " و   غنم خاص من الحوايا "ال". و في كلمة "مَقَالِيدُظهرها  الغنم ـاليـ و بقر  الحوايا مـ. 

و في  كلمة "خالصة " عظمين " خ ص " ظهرها  "ال" و من حواياها التاء المربوطة ـة و هنا الملاحظة التي لا تخطئها العين فأل التعريف ال لا يدخل على الكلمات في البداية كما نظّر لهذا فقهاء اللغة بل يمكن لـ أل التعريف أن يأت في وسط الكلمات و في نهايتها  

رجال – قال – مثقال – يزال

 و هذا جدول غنم الظهور المكوّن من بقرين 

 




و كأمثلة عن بقر وغنم الحوايا :

 

بقر الظهور :  تَجۡـَٔرُونَ – الركع  - مصلحون – الثمرات – عند – عهد  -  زوج  -  قدير 

غنم الظهور : قتور – حدائق -  حاسد 

 

تمثل الهمزة ء حالة استثنائية فهي الوحيدة التي تبقى بقرا في الظهور  و لا تتصل بغيرها بالبقر إلا  تابعة (ائـ  -   لئـ  - مأ – وائـ  - ينئـ  ). و نقدم هنا كل الكلمات التي وردت فيها الهمزة بقر ظهور في القرءان :

تَجۡـَٔرُونَ  -  يَجۡـَٔرُونَ - تَجۡـَٔرُواْ  -  شَعَٰئِرِ




و لا يتجاوز الغنم ثلاث بقرات في الظهور  و تحصر عدتّه إلى ستة  و الأمر الغريب أنّ غنم الظهورالمؤلف من بقرات ثلاث ورد مرة بصيغة واحدة في القرءان و هذا جدول الغنم مع إيراداته : 

 





وردت هذه الكلمات كلها مرة واحدة ووحيدة في القرءان إلا "مقاليد " فقد وردت مرتين ( الزمر 63  - الشورى 12 ) و ليس هناك عبثية في الإيراد. و نسجلها هنا للذكرى.

 

نعرض هنا جداول بقر و غنم الحوايا أي ما يحتوي العظام من جهة اليمين و اليسار و على سبيل المثال ففي كلمة 

المغضوب "  نعتبر غضـ عظام دخل على يمينها غنم المـ و على يسارها غنم وب ،  و في كلمة "كثيرة" ، الكاف كـ و ة بقر حوايا  و الياء ـيـبقر ظهور و ث ر عظام.

 

"أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَ اللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" الرعد 41

 

لقد اهتم فقهاء اللغة من أباءنا بالحوايا و الظهور و ما اختلط بعظم  من  مثل " سـ - ون  - ة  - أ – ب ...". و هو إجتهاد عبقري و كبير و لكن من غير هدي قرءاني ، هو محاولة التأسيس لبنآء النص القرءاني دون ما نعرف هل هذا الإجتهاد يدعمه من صاغ النص بإشارة منه أو بوضوح. و لذلك ظنوا أن أمر البنآء اصطلاحي و أنّ هذه التراكيب قواعدها أرساها البشر بفعل تعاقب الزمن و تعقد الإتصال و لذلك لم يستطيعوا أن يعطوا للعظام و البقر مفاهيم كل علامة منهما و لم يعطوا للغنم وظيفته و كأنّهم يملكون سيارة و لم يشحموا المحرك بالزيت فاحترق المحرّك ، لم يصلوا لمعرفة سبب إيراد "ون " للدلالة على الجمع مثلا و الأمر عندهم مجرّد اصطلاح كان يمكن أن يأت اصطلاح آخر غيره للتدليل على هذا الجمع.

 

و هذا الذي نقوم به قراءة للكتاب " المـ " و ما يقودنا إليه و يمكن أن تكون قراءة خاطئة لكن أغلب الظن أن فكرته الأساسية صحيحة أي أن هذه الفواتح وظيفتها كشف البنآء القرءاني، كشف البنية. 

من العلامات الأربع عشر من البقر سأحصر هذه التوطئة في دراسة بقر الميم و إنشاءها لغنم الإتصال في بداية الكلمات مع غيرها من البقر و هو جدول يهتم فقط بالبقر و الغنم في الكلمات التي عمودها الفقري عظمين فما فوق. 

 




الخانات البيضاء تعني أن الميم لا يتصل مبتدئا بالهمزة و لا بالكاف و لا باللام في الكلمات التي لها عظمين فما فوق فمثلا في كلمة مَـَٔابٖ تتصل الميم مع الهمزة في بدء الكلمة لكن هذه الكلمة ليس فيها عظما. و أما الخانات الخضراء فهي الغنم المكونة من ثلاث بقرات فما فوق و لنوضح الأن كل خانة في هذا الجدول بمثال قرءاني أين يتصل الغنم بالعظمين بادئا الكلمة :

 




في الجداول التي سنعرضها مستقبلا سنلاحظ العلاقات بين البقر و الغنم في في الحوايا و الظهور و من خلالها يمكن بدء رسم مفاهيم كل علامة و رغم أنّ فعلنا هذا عمل غير مؤسس من الفاتح المـ فقد بادرت بتوضيحه الآن ليتم حين التأسيس الحديث في العمق دون التشعب في التفاصيل.

 

أعرض هنا جدول بقر و غنم الحوايا مع الأمثلة القرءانية في الكلمات التي عمودها عظمين:

 




كل الجداول التي نعرضها رغم التحقيق المستمر فيها تحتاج تدقيق و تصحيح و رغم الإستعانة ببرنامج كحيل المتميز في البحث إلا أنه عمل بشري من فرد يحتاج من القارىء المهتم التدقيق في تفاصيله.

 

و نعود الآن بعد فسحة في ضبط مسمياتنا من بقر و غنم و ظهور و حوايا ، نعود للفاتح المـ في سورته آل عمران ، فكما فتح علينا أبواب البنآء في سورة البقرة سيفتح لنا الآن أبوابه لرسم الخطوة المقبلة المجهولة فأهم شيء أن لا نحاول التلاعب بل تتبع قراءتنا بكل فرضياتها و محاولة ترجمتها على كلمات القرءان علّنا نصل لمراد صاحب النص.

 

الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا

 بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)"

 

أمر محير و من البداية ربط الفاتح  الٓمٓـ  بآية يظهر لأول وهلة أن لا علاقة لها مطلقا بالفاتح. فالكتاب المـ لم يسمى كتابا إلا بعد الفاصلة "نزّل عليك ٱلۡكِتَٰبَ "

"ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ"

 

 و على عكس المـ البقرة الذي سميّ كتابا مباشرة مما سمح لنا بالدخول للبنآء القرءاني ، فالكتاب المـ آل عمران مرتبط دخوله بفهم الفاصلة و دورها و سبب إقحامها هنا. فلا إمكان لرسم الخطوة المقبلة إلاّ بفهم سبب إيراد هذه الفاصلة و إختيار كل كلمة فيها كما هي عادة القرءان.

 

و لا ينبغي دخول الفاصلة على أنّ كلماتها مفهومة فنحن إلى الآن نعتبر هذا القرءان غير مفهوم و نريد أن نجد آليات الدخول إلى محتواه من داخله، فالياباني بعدما اكتشف دور هذا الفاتح في فهم البنية أصبح أكثر حذرا في التعامل مع القرءان ، حذرا لدرجة مراعاة أي علامة فيه و هو الآن في جنّة وارفة لا يدري عنها شيئا و يريد أن يجد نسقا لعمرانها هذا، عمران كثيف يحمل تفاصيل شرح عمرانه في ثناياه.

 

لنبدأ في قراءة الفاصلة فليس لنا إلاّ هي للدخول إلى فهم ما يقوله لنا الفاتح في هذه السورة فتكرار المـ في آل عمران بعد إيرادها في البقرة يثبث أنّ الفاتح المـ وظيفي . هو مفتاح يفتح غرفا عديدة ، كل فتح لبيان قضية متعلقة بعمران القرءان و بناءه و لبيان ما يحمله من محتوى.

" ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ"

 

إنّ العبارة كلّها و بنفس الكلمات وردت في سورة البقرة كجزء من ءاية :

 

"اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ "

 

كأنها في سورة آل عمران اقتباس من سورة البقرة جُعلت ءاية . إشارة إذن أنّ الفاتح المـ في سورة آل عمران سيركز على أمر جزئي بُحث من فاتح البقرة ليلقي عليه الضوء بصورة كاملة. هذا الأمر الجزئي هو ما يجب علينا أن نجده ثم نضع عليه المجهر لنشرحه تشريحا ملّيا و لو تركنا الياباني لحظات لقرأنا في مقطع الأيات 

 

نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ"

 

فعملنا هنا تصديق لعملنا في المـ البقرة أي أنّنا سنبحث عن الكلمات التي تبدأ بـ "المـ" ، فما بين المـ البقرة و المـ آل عمران ليس إلاّ نص سورة البقرة ، فعملنا هنا يدب أن يصدّق على عملنا السابق في سورة البقرة. و لنعد الآن للأية التي أقحمت بين المـ و ٱلۡكِتَٰبَ لنشرحها في اتجاهات عديدة علّها تقودنا لطريق معين فليس لنا إلاّ هي للغوص و محاولة الربط.

 

عبارة " اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ" وردت ثمانية مرات :

 

"اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ " البقرة

   " اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ " آل عمران

 

" اللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا" النساء

" فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ اللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ" التوبة

 " اللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ" طه 

" اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ" النمل

 

لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ" القصص  "وَهُوَ ٱللَّهُ

" ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ  فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ " التغابن

 

" اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ" التي وردت ثماني مرات بهذه الصيغة و كأنّنا لسنا في عبارة مؤلفة من مجموعة كلمات بل نحن أمام وحدة معلّبة. و هي إذن إشارة للبحث عن الوحدة، عن الوحدة التي تتكرر  في مقطع معين .


تعلّم الياباني أنّ ال هي من الغنم و قد سماها الأسلاف أل التعريف و يريد الأن أن يحذفها من الله و خرج بنتيجة محيرة "له" و قد أعاد قراءة القرءان مرة و أخرى لكنّه لم يقتنع بعد أن هناك علاقة خاصة بين "الله" و "له" ، فكلمة الله هي الأكثر ورودا في القرءان 
(2393  مرّة في النص بهذه الصيغة ) و اعتبر الياباني أنّ الله هو صاحب النص و أن التوقيع  

من جهة تتحدث بإسمه " بسمه ".  لا يمكن نزع ال من الله "لا إله إلاّ هو" . الله هو إذن الكلمة الوحيدة في القرءان التي لا يمكن نزع التعريف أي الإختصاص منها ، و ها أنا أدخل في المفاهيم رغم أنّي ياباني. و لكنّه إستنتاج مقبول أنّ لصاحب النص خصوصية و لا يصنع هذه الخصوصية إلاّ هذا الغنم الخاص "ال". و يمكن إذن نزع هذا الغنم من كل كلمات القرءان التي يرد فيها في البداية إلا "الله" فهو "لا إله إلا هو". هي إشارة سنستعملها بطبيعة الحال لما نصل لبحث البقر و الغنم و العظام بحثا مفصلا في القرءان و حينها لن نعتبر ال ضمن الغنم .

 

ثم يجد الياباني هتين العبارتين في القرءان :

" هُوَ ٱلۡحَيُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ"

"وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ"

 

فالحى في ءاية آل عمران يمكن حذف التعريف منه. و مقطع  "الله لا إله إلا هو" يشير إلى خصوصية كلمة الله  و يشير إلى أمر آخر و هو نّه الأكثر ورودا في القرءان إشارة من المقطع أن نبحث عن الكلمات الأعلى ورودا في سورة آل عمران و التي تبتدىء بالفاتح المـ .

 

أما المقطع " ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ" فقد ورد ثلاث مرات في القرءان:

 

" ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ" البقرة 

 

"اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" آل عمرن

"وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا" طه 

 

ثنائية وردت دائما ملتصقة في القرءان ، فلا يرد القيوم إلا ملتصقا بالحى ، إرتباط القيوم دائما بالحي أتى  في طه بصيغة "للحي القيوم" كسر خفيف للتعريف و لكنّه كسر لا يفصم الإرتباط الوثيق بين الحي و القيوم. 

 

القيوم هو من يرتبط بالحي ، فقد ورد "القيوم" في المواضع الثلاثة فقط مرتبطا بالحي أما الحي فقد ورد في مواضع أخرى في القرءان غير مرتبط بالقيوم :

 

"تخرج الحي من الميت"

"و توكل على الحي الذي لا يموت"

 

 بحث الإرتباط هو المقصود فإرتباط القيوم بالحي إرتباط لا ينفصم ، فمتى وُجد القيوم فالحي هنا. هو دعوة لبحث الثنائيات المرتبطة. دعوة لملاحظة أمر متعلق بالثنائيات، فعن أي ثنائيات تريدنا ءاية البقرة البحث عنها ؟؟

ستتضح هذه الثنائية قريبا و لكن هناك فرق بين الحى و القيوم علينا ملاحظته حين إيراد الثنائيات.

الحى لا تنقيط في ياءه عكس القيوم فكل ياءات القرءان التي تأتي في ءاخر الكلمات لا تنقيط فيها و لكنها تنطق ياءا. فالأية هنا ترسل لنا إشارة أخرى لملاحظة ياءات القرءان أي ملاحظة رسوم العلامات و خطورة هذه الرسوم. 

  

نبدأ عملنا بتصديق المـ البقرة  ببحث العبارات التي تبدأ بالفاتح "المـ" في سورة آل عمران و ها هي معروضة في الجدول أدناه :

 


هي الثنائية التي لا تغفلها العين ، ثنائية الميعاد – المهاد فهي البداية و هي النهاية. لسنا هنا أمام كلمة افتتحت السلسلة و ختمتها بل نحن أمام ثنائية أشارت لنا بها ثنائية "الحى القيوم" ثم تأكيد لبحث قضية الثنائيات فكلمتي الميعاد و المهاد تحملان نفس البداية "المـ " و نفس النهاية " ـاد".

 ثم نزداد تأكيدا حين نتلو الأيات التي ورد فيها "الميعاد" و المهاد 

 

"رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ" 9

"رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَٰمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ" 194

 

" وَ لَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَايْءَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَ لَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ " الرعد 31

 

" لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَٰرُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ" الزمر 20

 

كلمة "الميعاد" وردت في هذه المواضع الأربع و الأمر الغريب أن "الميعاد" ارتبط بعبارة "لا تخلف / لا يخلف" و هذا الإرتباط و لو أنه كُسر قليلا بإيراد يخلف و تخلف و بإيراد "الله" بين "يخلف" و "الميعاد" إلاّ أن الإرتباط و الصلة واضحة و كأننا دوما في إرتباط الثنائيات

الحي القيوم     -    الميعاد  المهاد    -    المـ  ـاد


و كأنّ قضية الثنائيات هي الهدف و الغاية من كل هاته الإشارات. 

 

ثم الأيات التي وردت فيها كلمة "المهاد"

 

" وَ إِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهَادُ " البقرة 206

"قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ" 12

"مَتَٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ" 197

" لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ وَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهَادُ" الرعد 18

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ "  ص 56

 

الأمر في "المهاد" متعلق كذلك بالإرتباط الثنائي بين "المهاد" و "بئس" في الخمسة مواضع التي ورد فيها.

 

ربما يعتبر القارئ أنّ كل هذا محض مصادفة و لكن كثرة المصادفات تؤكد الإشارة و ستزداد المصادفات لحد يصعب فيه نفي الإشارةهي إشارة لبحث الثنائيات ، ثنائيات سيضبطها المقطع 

 

"اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ"

 

فالله هو المراد "لا إله إلا هو" و لما كان "الله" هي الكلمة الأكثر في القرءان ( 2393  مرّة في النص بهذه الصيغة) موّزع على 85 سورة. ما دام "الله" هي الكلمة الأكثر ورودا في القرءان  فكلمة الله هنا تريد من الياباني أن يبحث عن الكلمات التي تُفتتح بالفاتح المـ مع شرط ورودها الأعلى مقارنة بباقي السور.

إنّها فرضية تستحق المتابعة و إذ نعتبرها فلأننا نرى في هذا المقطع شرح للغز إيراد الفاتح المـ هنا ، فلو شفّرت نصا و أوردت فيه كلمة هي الأكثر ورودا في نصك فأنت حتما تريد قول شيء.

 

و حين البحث في سورة آل عمران سنجد الكلمات أدناه هي الأعلى ورودا ووضعت الملائكة في خانة خاصة لإستحالة كتابها بالخط المبرمج في الكومبيوتر:

 




هو إذن برنامج رسمه الفاتح المـ آل عمران ، برنامج بحث يسلط الضوء على جزء مما سطره فاتح البقرة المـ إذ عبارة "الله لا إله إلا هو الحى القيوم" إقتباس من ءاية كاملة من البقرة جُعلت ءاية. تسليط الضوء على كيفية التجذير كما سنراه قريبا. 

بحث قادنا إلى كشف ثنائية البداية و النهاية " الميعاد – المهاد "  و بينهما كلمات كأنها مبعثرة في تسلسلها ثم تأتي الأمثلة السابقة  من ملئكة و المحراب و غيرها من الكلمات الأعلى ورودا في سورة آل عمران لنطبق عليها هذا البرنامج البحثي.

ما الذي تقوله الثنائية 

الميعاد  - المهاد

تتشابه الكلمتان في البداية المـ و في النهاية ـاد و تختلف في الوسط  ـيعـ -  ـهـ و الكلمة إذن في القرءان بداية و نهاية و وسط 

المـ  ـيعـ  ـاد           المـ  ـهـ  ـاد

 

إختيار هاتين الكلمتين ليس عبثيا فمن جهة بقر متصل بعظم  ـيعـ  ، بقر خاص يـ متصل بعظم خاص ع فرسم الياء يختلف إن أتت في البداية و الوسط يـ  ـيـ  أو النهاية ى و كذلك رسوم العين المختلفة   عـ  ـعـ  ـع  ع  و كذلك البقر ـهـ برسومها المختلفة هـ  ـهـ   ـه  ه  ، فهذا الإختيار غايته تنبيهنا للرسم القرءاني و أهميته في تعيين مفاهيم العلامات و كأنّ طريق الياباني الأول في تحديد مفاهيم الكلمات و معانيها سيبدأ من ملاحظته لرسم الكلمات.

 

و بعد بحثه لثنائيات البقر أي الغنم سينتبه أنّ هناك نظاما خاصا سيمكنه من تأكيد مفاهيم علاماته و هذا سبب إيراد الثنائيات 

الحي القيوم     -    الميعاد  المهاد    -    المـ  ـاد   -  الميعاد  خلف  - المهاد بئس 

.

كيف ننظر إلى الكلمة في القرءان ؟؟   المـ  ـيعـ  ـاد

 

يمكننا حذف ال التعريف كما سبق ايضاحه    :   مـ  ـيعـ  ـاد

 

و لو عدنا للقرءان لرأينا أن هذه الكلمة  وردت دون ال التعريف 

 

. الوسط ـيعـ اتصال بقر ـيـ بعظم ـعـ . و البداية بقر ـمـ . إذ كما قلنا في البداية فأل التعريف يمكن حذفها إن أتت في البداية في كل كلمة قرءانية إلا في كلمة الله.

فالكلمة القرءانية إذن هي النظر لإتصال بقر بعظم ـيعـ  ـاد ، و اتصال عظم بعظم ـعـاد  هذا الذي يؤسس للتشريح الكلمة القرءانية و هذا ما سيتم التفصيل فيه في الجزء الثالث. 

 

المـ  ـهـ  ـاد ، بقر ـمـ  بقر ـهـ ثم بقر متصل بعظم   ـاد . فالأصل هو اتصال البقر بالعظم ليتم التأسيس فماذا لو أنّ الكلمة كلّها بقر ؟؟ سؤال سنبقيه للجزء الثالث فيكفي هنا توضيح الأفكار الأساسية و ترك القارىء يسبح بنفسه في عوالم الفاتح الثنائيات.

 

وعند تتبعنا ـيعـ  في كلمات القرءان سنراها تتنقل كأنها في رحلة.

 




بيان  إذن أن رحلة يعـ في هيكل الكلمات يشير أنّ الكلمة رحلة و أنّها في القرءان محطات و إجتماع المحطات يعطينا ماهية الكلمة و مفهومها في القرءان و أنّ سهم التكوين في الكلمات موّجه فـ عيشة و شيعة يحملان معاني مختلفة تماما مع أنهما في القرءان يحملان نفس العلامات و كذلك بين بر و رب. 

 

و هي إشارة بإسم يعقوب في آل عمران و أنّ الأسماء في القرءان ليست ألقابا إصطلاحية بل كلمات مصممة بدقة. فتنوع رسم  

عين – عيسى – بعيد – سميع

 

بين الفتح عـ و الغلق ـعـ  بيان مرتبط بالإتصال ، فحينما يبدأ العين فاتحة الكلمة فرسمه مفتوح و حين يتوسط أو ينهي الكلمات فرسمه متنوع بين الغلق و الفتح ـعـ ـع و ع.

 

كيف تُغلق علامة و تنفتح و تحتفظ بنطقها ؟؟ هي إشارة لأصالة الرسم القرءاني و أهميته الرهيبة في عوننا على رسم المفاهيم و المعاني ثم أمر أخر و هي وجهة العين ، فالعين موجهة من الشمال إلى اليمين ع عكس الحاء مثلا ح فهي موّجهة من اليمين إلى الشمال. العين نظرتها للوراء و الحاء نظرتها للأمام. في رحلة تربط من يسير بما وراءه بالعين و بما أمامه بالحاء.

عـ  ـعـ ـع  ع

 

و عندما تتصل الياء بالعين من الجهة اليمين تُغلق العين ـيعـ  و لكن العكس ينتج رسمين

غلق العين ـعـ معناه إنهاء التوجيه الذي تحمله و لكنّنا هنا نسبح على سطح المفاهيم و لم نصل بعد إلى تعيينها بهدي القرءان نفسه.

 

و كذلك الهاء حين  تتوسط الكلمات متصلة من الجهتين ـهـ ترسم شكلا متناظرا على سطح أفقي. فالسطح كأنه مرآة بين عالم ظاهر فوق السطح و عالم خفي تحت السطح فما في السطح ظهر مقابله في الواقع

 

رَزَقْنَٰهُمْ 

 

أما هاء الله فهي في النهاية و هاء البداية هـ عالم مختلط داخليا . ذاك سبح بعيد عن موضوعنا و لكنّه ربما فتح نوافذ لمن يريد أن يسبح في عالم العلامات محاولا استخراج مفاهيمها من رسمها حصرا. و لقد سبق الحديث كذلك عن رسم الياء بين يـ ـيـ و ى بين الحى و القيوم. فعالم كلمات القرءان رسم لرحلة بين العلامات داخلها ، بين عظام إن وجدت كهيكل تتأسس عليه الكلمة ليأتي البقر و الغنم إليها بين ظهورها و الحوايا أو ليختلط بالعظم الوحيد ثم الكلمة في القرءان موّجهة ، أو بتعبير القرءان تحمل تلاوة من بداية إلى قلب ثم نهاية و قد تمتزج النهاية مع البداية أو مع القلب أو قد يمتزج الكل فيخرج لنا فاتحا خاصا  ص  ق  ن.

 

 

 

ثم نأتي للعبارات التي اختيرت من وحي كلمة الله في الأية الفاصلة 

 



و لكنّه بحث نرجئه لجزء ثالث.

تعليقات

  1. اخي الكريم احس من بين السطور انك تحمل رسالة عظيمة الشأن. ولكني أحس أني كباسط كفيه إلى الماء ليبغ فاه وما هو ببالغة. فبعد القرءاة المتأنية أحاول أن أستخرج أو الخص شيئاً مما قرأت، ولكني أجدني لا أمسك شيئاً، وأخرج صفر اليدين. فأنت تتوسع تتوسع ثم لا تنهي شيئا. فأرجو من حضرتك التخلي عن الكتابة الأدبية وشرح الموضوع بألفاظ علمية يمكن فهمها بسهوله بالاضافة الى ضرب أمثلة للايضاح ثم الرجوع لتركيز ما تقول في نقاط يمكن استخلاصها من الشرح. ولك كل الشكر والتقدير.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...