التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سياحة بين الكهف و المزمل


نقلتنا سورة المزمل إلى نصف القرءان ، إلى نصف الليل ، إلى ما قبل النصف بقليل "أو انقص منه قليلا"، نقلتنا  إلى ءايات سورة  الكهف (انظر بحث المزمل) و لعلنا لا نخطئ الهدي إن نحن بدأنا السياحة بالآية 60  من سورة الكهف لنحضر أنفسنا لرحلة  القول الثقيل في سورة المزمل "إنّا سنلقى عليك قولا ثقيلا" بل لنحضر أنفسنا في غوص غريب في كشف طريقة قراءة القرءان "إنّ ناشئة الليل اليل هي أشد وطأ و أقوم قيلا". و نحن في سورة الكهف نبحث لنا عن فتحة ينبعث منه النور لنجد مخرجا من وطأة الليل.


من البداية سنرسم نتائج القراءة ليتابعنا من يقرأ كون طلاسم التيه في منعرجات القراءة. و نحن نقرأ آيات الكهف نقرأ لقاءا بين التوراىة و بين محمد "القرءان" ، لقاء يشرح مسيرة كل منهما بدقة ، مسيرة ماضية حوصرت فيها الرسالتان و طمست معالم الهدي فيهما و سار حاملي التوراىة و محمد  سيرا سطحيا لم يستطع فتحها للعالمين لتبدأ القراءة الواعية لهما لفهم مشروع وجودنا و غاية رحلتنا في الوجود و سبب وجود الرسالة لهدي العالمين.
ثم حديث في الآيات عن المستقبل المشرق أين ستلتقي التوراىة بمحمد لقاء يجمع ظاهرهما و يجمع بينهما لمعرفة سبب اختلاف العلامات لينطلق البحث في العمق ثم في الآيات شرح لسبب هذه المسيرة و شرح لكيفية تجاوز الماضي المعيق. و ليس هناك دقة و جمال يمكنها تبطين الأفكار و تجلية الحق و التنبؤ الدقيق بالحدث كهذا القرءان في جلال العبارات و جمال السرد و دقته.  و سنعتبر إذن ءايات سورة الكهف بدءا من الآية  60  حديثا عن طريقة لقراءة الرسول ، و سنقرأها من هذا البعد إذ سبق لنا قراءة هذه الأيات من بعد أخر في بحث "مجمع البحرين و تيه الحوت" .

وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا

موسى هو من يرغب أن يبلغ مجمع البحرين، هو من يرغب بلوغ نقطة الالتقاء ، نقطة الجمع بين بحرين. بحران كأنهما يسيران في اتجاهيين  مختلفين و ها هو إسم موسى يعلن أن للبحرين مجمع و أنّ غايته قبل كشف ما لديه أن يبلغ المجمع. 

 

موسى كما نرى لا يتحدث عن المنبع المشترك بل عن المجمع. فإتحاد المجمع لا يعني إتحاد المنبع فلكلا البحرين  مساره الخاص و لكن للبحرين مجمع يحولهما إلى بحر واحد بالإجتماع. و في البحث عن المجمع يتوجه موسى قولا للفتى ، فرحلة موسى في البحث و غاية قول موسى، غاية الحدث كلّه، غاية السير كله فتى موسى   "لفتـ ا ـه" ، فاللام ترسم الغاية و إن كان الغموض يعم فهمنا للفتى فالآيات ستجليه لنا بطريقتها. 

 

إنّ موسى لا يبرح حتى يبلغ مجمع البحرين. أن تبرح يعني أن تكون ساحتك مكشوفة، أن لا يكون فيها ما يستر الساحة أو جزءا منها و يلقي عليه ظلال الغموض. رحلة موسى في البلوغ رحلة يكتنفها الغموض. و هو إذ يقول "لا أبرح" ينبهنا أن الغموض في رحلته لا يمكنه أن يرتفع حتى يبلغ مجمع البحرين. فغموض السير في البحر و لبلوغ المجمع طبيعي بل الغموض مرتبط بالسير كلّه إلى أن نبلغ المجمع.

ما هي ماهية البحرين ؟؟ و ما هو هذا الغموض  الطبيعي في الرحلة الذي لن يرفع إلى أن نبلغ المجمع ؟؟
كشف الساحة لا يأتي إلا بعد رحلة طويلة، رحلة في البحر بل رحلة للبحث عن مجمع البحرين. غموض الساحة هو من صميم الرحلة و لكن الغاية أن يبرح موسى أن يكشف كل الغموض، أن يجل ساحته و يكشف كل ما فيها.

غاية سير موسى فتاه، و في شجرة فتى القرءانية يستفتونك/يفتيكم .... ما يدل على إختيار الأمثل، الأعلى تأهيلا  و من أول وهلة يمكننا إعتبار الفتى حاملا للبحر الأخر مقابلا لبحر موسى ، فالغاية هي الفتى ، الغاية أن يجتمع موسى و فتاه لتنكشف الساحة و يرتفع الغموض. موسى و فتاه يعلمان أن لبحريهما مجمع و أن بلوغه حتمي مهما مضت الحقب و مهما فشلت محاولات بلوغ المجمع. 

إمّا أن نبلغ المجمع أو أن تمض الحقب. إما أن نبلغ المجمع أو المضي الحقبي و الإكتفاء بل الإنكفاء في الماضي. إذ من يتوقف يبقى في القرءان "ماضي" ، يعيش على تركة ماضيه الفكرية حقبا إلاّ أن تحين ساعة الإنقلاب الجديدة. إننا في سورة الكهف، أين المكهوف يبحث عن منفذ فإذا أعيته الحيل استراح مستسلما لـ "قدره" علّ مفاجأة سارة تنير دربه. غاية موسى و فتاه إيجاد نقطة المجمع و ما لم يبلغا المجمع فالسير متصل إلى تحقيق الغاية.

 إختيار موسى لهذا السير إشارة للتوراة فهي بحره و أمّا الفتى فبحره محمد ، ما نسميه في تعبير أمتنا القرءان ، فمحمد هو هذه الصحيفة الحاملة للهدى و التي ستحمل صفة الحمد بعد طول مسيرة الإنسانية في الخصومة معها و إبعادها عن المشهد بل و محاولة طمسها طمسا نهائيا و لا شك أن حامل الرسالة صلوات الله عليه محمد فالحمد سمته حين يقر له العالمون و المؤمنون في نهاية سيرهم أنّه بلّغ محمدا النص و أدى أمانة التبليغ و الهدي.


 فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا

ها قد اختزل القول و اختصر الحدث و تفاصيل الرحلة لنجد أنفسنا  بين المجمع، نحن في "مجمع بينهما" ، فالمجمع الذي بلغاه مجمع لكنّه يحفظ ماهية كل بحر. كأنّه هوّة بين البحرين و لكل بحر سد يمنعه من الإلتقاء بالبحر الأخر. ما بينهما حديث عن عمق كل بحر، فالرحلة لبلوغ المجمع رحلة على السطح لا تغوص للبحث في عمق كل بحر. رحلة بلوغ المجمع هي رحلة لا عمق فيها ، رحلة بحث ظاهرية بتعبيرنا، رحلة على سطح كل بحر. رؤية لظاهر البحر ، حديث عن علامات كل بحر و ما أن تبلغ ما بين البحرين فأنت في بحث العمق إذ عندما يتدفق البحران يخرج كل منهما عمقه و كأن موسى و فتاه لا يجتمع عمقهما إلا حين الوصول للمجمع.
و سنقف الأن مع مفهوم البحر في القرءان إذ البحر بمعناه المعروف في لغتنا ليس إلا معنى من معاني المفهوم الشامل القرءاني. و المعنى الحسي يمكنه فقط أن يعيننا لرسم المفهوم هذا إن كان المعنى الحسي الذي تذهب إليه اللغة صحيحا، ثم ما هو الحس ؟؟ و من يقرّر أن المعنى الحسي هو ما تتفاعل معه الحواس و من يقرّر أنّ هذا المعنى هو الأساس و المرتكز ؟؟؟ أسئلة لا نجد لها جوابا في منظومة آباءنا إلا لمما عند محاولة الخروج من الحس إلى غيره بتقنية المجاز الذوقية  أو غيرها من آليات ما سمته أمتنا بلاغة. و ها هي التراكيب التي نجدها في القرءان عن البحر.

فالفلك تجري في البحر و يمكننا رسم مسار  في البحر و تعيين طريق السير فيه. و في البحر صيد و طعام حلال ، و في البحر إذن عمق و حياة  بل هو مصدر رزق. و من البحر في القرءان البحر المسجور ، ما يحمل في داخله خزانات الطاقة التي تسمح بتبادل الحرارة مع المحيط و تعطي لمن يحمل البحر طاقة تبقي حياته.

و البحر يقابله البر ، و الفرق بينهما علامة الحاء في وسط البحر ، علامة تشبه المحار ، و عندما يبصرها من لا يعرف يظن أنها صخرة و هي تحمل في باطنها عمقا و رزقا و ربما حملت فيها الجواهر.  و تعلق الغرق في القرءان بالبحر ما يعني أن الباطن و العمق طبيعة البحر. أما البر فالإستقرار فيه هو الثابت و أن عمقه يحتاج جهد جهيد للولوج فيه . و عبارة "ظلمات البر و البحر" تشير إلى أنّ الظلمة طبيعة في البحر بل هي طبيعته و لو أتت العبارة هكذا "ظلمات البر و ظلمات البحر"  لأمكننا إعتبار الظلمة حالة عرضية في البحر.

 

يمكن مواصلة رحلة البحث عن ماهية البحر في القرءان بتتبع شبكته أو بالمشترك اللفظي و الإستفادة من جهد الأباء و لمن يريد أن يستزيد يمكنه بحث شجرة "ب ح ر" و التركيز على الجذر الشهري "ح ر"  لعل المفهوم حينها يرتسم بعمق. و ربما سياحتنا البسيطة هنا تسمح لنا الآن بتحديد مفهوم للبحر.

 

  البحر ما يحمل الحياة في عمقه أمّا البر فما يحمل الحياة في سطحه. و بحر موسى كبحر الفتى ، يسمح لك سطحهما بالتنقل و الجريان و لكن لا يسمح لك بمعرفة ما فيهما من حياة إلا بولوج العمق و هنا مشكلة الحوت.

الحوت  هو الوعاء المغلق الذي لا يسمح لمن يحيا فيه  إمكان الخروج منه و لا مغادرته ذاتيا. من يحيا في البوتقة حين يغادرها لا يمكنه إلا أن يتبخر في المحيط كأن لا وجود سابق له "سربا" و من السرب و شجرته في القرءان سراب وصف لفناء حالة قائمة. كالسراب الذي ما إن اقتربت حتى يفنى كأنّه غير موجود. و الحوت هنا بمجرد دخول عمق البحر "في" أصبح سرابا كأنّه لم يكن موجودا في رحلة البحث عن المجمع أساسا.

 موسى و فتاه نسيا حوتهما ، فالحوت في التوراىة و محمد سيرته واحدة "حوتهما" ، لا يمكن لهذا الحوت  إعتبار وجودا للبحر و إن حاول الولوج فيه تبخر و غرق و كأنّ التاريخ يعيد نفسه مع حوت محمد و بنفس طريقة حوت التوراىة و في نفس سبيله سلك فعمق الرسالة عند الحوت لم تتجاوز السطح. و نسيان موسى و الفتى للحوت إشارة بريشة القرءان الرحيمة أنّ الحوت لا مكان له في الرحلة و لا يستطيعها و لا يمكن لموسى و فتاه أن يتذكرا وجود حوتهما في هذه لرحلة  فوجود الحوت فيها لا معنى له.

فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا

سفر نصب بلا شك. سفر البحث عن مجمع البحرين . أي سفر هذا ؟ و من يستطيع تحملّه. إنّ ما تنتظرنا من مفاجآت في الآيات المقبلة كفيلة بدفعنا لفتح أعيننا جيّدا لنقتنع بأمور مهمّة تساعدنا في إنارة كهف بحثنا عن المجمع. و لا يستطيع أن تستمر الرحلة دون الفتى فهو من يمكنه و غير جهد توفير غذاء الرحلة  و إمداد الطاقة كي يرتفع النصب. و بدل لقاء المجمع ها نحن أمام لقاء النصب.
سفر، و في السفر أسفار ، فالسفر رحلة في الواقع أو رحلة في النص ز السفر كما يقول الراغب الأصفهاني رحمه الله بريشته الرائعة "السفر كشف الغطاء" و هو بهذا يرسم مفهوما للسفر ، فالسَفَر بالفتح كشف لظاهر الأمر و كأنّنا في رحلة ظاهر النص نحاول فقط فهم ما يحمله سطحه من علامات و بداية فهم ألفاظه و بناءه و حتى هذا السَفَر مجهد مضني ، نصبه يحتاج غذاء لمواصلة الرحلة. 

موسى و فتاه جاوزا و لم تضف الآية لفعل المجاوزة عبارة " مجمع البحرين" فما بعد المجمع بحر واحد انتفى فيه النظر للإختلاف الظاهري بين البحرين فمهما طالت الحقب ستصل المسيرة لهذا الإلتحام العضوي بين البحرين لتبدأ رحلة أخرى بعد السفر، رحلة الغوص العميق بعد أن انكشف الظاهر و تجلى.
هي دعوة قرءانية لإحداث الإلتحام بين التوراىة و محمد ، إحداث الرابط ، بلوغ المجمع بتعبير القرءان و حينها نبلغ البرح و تنكشف الساحة و يزول الغموض و حينها نلقى السفر لتبدأ رحلة العمق الحقيقية. 

قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا

إيواء الصخرة ينقلك لمحيط مغلق لا يمكنك الإنفلات منه إلا بعامل خارجي شديد. إيواء الصخرة ، إيواء من لا يسمح لك بالحياة و الإرتقاء ، فجذر الصخر في القرءان متعلق بما يغور دون إمكان للخروج الذاتي. فالصخور في كوكبنا هي ما يتكون تحت القشرة و لا يخرج إلاّ بفعل براكين أو زلازل فالضغط يمنعه من الخروج.  و الذي يغور في نص الرسالة لا يعرف طريقا للخروج منها لموضوعها يعيش حالة الصخر بل حالة الصخرة إن تعلق الأمر بالمجتمع، أين رحم الصخر يعني توليد الصخر في كل مرحلة يأتي إمكان الخروج من محيطه.
"يا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ"

السماء مفهوم متعلق بكل تكوين طبقي و السماوات توليد للسماء فهي بهذا تحمل معنى الإرتقاء و الأرض كل ما من شأنه حمل الحياة أما الصخر فما هو في الباطن مما لا يمكنه ذاتيا لا حمل الحياة و لا إمكان الإرتقاء و يحتاج خروجه للحياة جهدا خارجيا كبيرا أما الإرتقاء فجهد يقترب من المستحيل.

 هو تذكير بمسيرة التوراىة مع من كان مطالبا بحملها ليجليها للعالمين لتبدأ مسيرة ءادم في طريق مستقيم نحو إرتقاء متصاعد ليصل لهدف فهم سر الوجود ، مسيرة و قعت في محيط صخري فغارت التوراىة نحو المحيط المغلق و لم تستطع الخروج و الحياة و لم يكتب لنصها أن يرتق و كذلك تحققت نبوة الأية مع أمة محمد فبدل تجلية الرسالة تم طمس المعالم و حصار النص و إطفاء النور فالصخر يأوي موسى و محمد  إيواء لظاهر النص لكن لا بحر هناك و لا مجمع للبحرين.
من يريد أن يبلغ مجمع البحرين سينسى الحوت ، لا بد أن يتخذ لنفسه طريقا بعيدا عن الحوت ليخرج من إيواء الصخرة. وهم تصور إمكان ارتقاء الحوت  في محيط صخري ، فمسيرة بلوغ مجمع البحرين مسيرة لا يمكنها أن تنقل الحوت إذ النقلة تحتاج تحول المحيط الصخري برمته. ذاك هو الشيطان فهو في القرءان ما نسميه بلغتنا الوهم.

 في الأولى سرب الحوت كأنّه لم. يكون هناك أساسا. أمّا هنا فالعجب آتي من إستحالة متابعة رحلة البحث عن المجمع لمن يأوي إلى الصخرة، فعجب الحوت الذي يعيش في محيط صخري عجب طبيعي لذ لا يمكن للحوت  حتى التفكير في وجود مجمع للبحرين بل أن يبحث عنه.

قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا

ها هو القول يجمع بين موسى و فتاه في ماهية واحدة ، في كينونة واحدة "كنّا" ، بل الأمر تجاوز طلب ما يجب إلى أكثر من الواجب، كان يمكن الإكتفاء بالتوراىة لبدء رحلة فهم الوجود و غايتنا نحن في هذا الوجود و لكن الأمر محسوم، جوهرا محسوم أنّ رسالة موسى لن توصل الإنسانية لمجمع البحرين فالأمر يحتاج بغي، يحتاج أكثر من المطلوب و ها هي رسالة القرءان تخرج للوجود بغيا بعد أن سيجت الصخرة  التوراىة.
الردّة على الأثار هي عودة لفهم الأسباب و تقصيها "قصصا". ما السبب الذي يمنع أن يقتنع الحوت بضرورة رحلة كهذه ؟ ما الذي فعلته الرسالة ليفشل مسعى إقناعهم ؟

فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا

قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا

 (و ج د ) لا يدل على الإمساك بما نبحث عنه بل يدل في القرءان على أن ما عثرت عليه أمر له بال، أمر يعوّل عليه، أمر جد. فمن يلعنه الله لن تجد له نصيرا، حال من افتضح أمره و بان سرّه و أزيلت عنه الستائر، لا يمكن أن تعثر على مدافع جدّي له. لن تجد له نصيرا رغم كثرة الصائحين لكن لا أحد يستطيع نصرته لأنّ الفضيحة مدوّية.

و أمّا سبب لقاء هذا العبد تحديدا فهو آت من تجربة طويلة في البحث عن سبب الفشل في إيجاد مجمع البحرين. فموسى سبق أن جرّب السير مرات و مرات ليصل للمراد لكنّه لم يفلح في بلوغ الهدف إلى أن وجد "عبدا من عبادنا". تصوير دقيق لمحطة بعد سفر بين المحطات طويل.

أن يجد موسى و فتاه عبدا من "عبادنا" أي أنّهم عثروا على جوهرة. على عبد يمكن التعويل عليه في تقديم الإجابة عن سبب الفشل. و سمات العبد:

"ءاتيناه رحمة من عندنا"   -  "و علّمناه من لدّنا علما"

 عبد ، و العبد من يتلقى أوامر سيره من جهة عليا ، هذا العبد لم يتكلف صفة الرحمة بل هي أمر طبيعي فيه ، إذ الإتيان هو ما يصل بلا جهد، الإتيان دائما في القرءان طوعي طبيعي و أمّا المجيء فيحمل الجهد و يتطلبه. إنّ هذا العبد يتعامل طبيعة بمفهوم الرحمة و رغم أنّ الرحمة في العبد عندية أي صعبة الإستخراج ، تعاند من يحاول الإمساك بها ، فالرحمة صفة لصيقة بالعبد لا يتكلفها. 

 ثم  هذا العبد معلّم، يحمل علاماته فيه من  الجهة العليا التي يتلقى أوامره منها.  علاماته من لدن ، أي علاماته كلها من هذه الجهة العليا ، فاللدن مفهوم متعلق بمجال لا ينفك منه صاحبه ، و "ألد الخصام" من لا تفتر خصومته أبدا فخصامه لا ينفك عنك مهما أبديت له بوادر الصلح و حسن العشرة.
رحمة طبيعية في النص لكنّها صعبة الإستخراج و علامات من الجهة الأعلى التي يستمد منها العبد تعليماته ، علامات لم يخترع شيئا منها بل هي من "لدنّا". عبد من "عبادنا" فهم جميعا على شاكلة العبد ، رحمة طبيعية فيهم و تعليم كلّي من الجهة العليا و نفهم إذن أن العبد ليس إلاّ الأيات التي ستلي و أنّ العباد هي مجموع ءايات محمد. 

عبد سيعبّد لنا الطريق للإجابة على سرب الحوت و إتخاذ سبيله في البحر عجبا. فالعبد ليس إلاّ هذه الأيات التي ستلي ، عبد وجده موسى و فتاه، عبد وجداه ، ففيما يحمل أمورا جدية. هو عبد و لكنّه ليس الوحيد ففي محمد عباد أخرون يشرحون سبب غياب الحوت عن رحلة بلوغ مجمع البحرين و عندما نتابع إجابته لموسى بين الأيات التي ستلي سنجد هذا التراتب الفنّي الدقيق :

فأردت  -  فأردنا  -   فأراد ربّك

 لنبدأ في مسايرة الحوار ، فموسى اقتنع أنّه أمام رجل جدّي يمكنه أن يجيبه عن اسئلته ، و سيكون الجواب في مسايرة واقعية لأحداث جمّة. إنّ هذا العبد لا يجيب مشافهة على أسئلة بل يضع السائل أمام تحديات الحياة، يضع من يسأل أمام الأستاذ الأكبر "الحياة". فالحبر الواقعي هو الحبر الحقيقي و ما سواه شعر.

لقد أراد موسى أن يكون تابعا للعبد ، فموسى يريد إعادة ما تعوّد عليه مع حوته، تابع يتتلمذ على أستاذ ، من تلقى الإنزال يحتاج تتبع العلامات ليصل للرشد. أن الرسالة رحمة.

قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا

قول موسى يصوّر سيره مع العبد، سير من يريد الإتباع ، من يعطي زمام أموره للعبد.  يريد تعلّم الرشد. علامات توصله للرشد  و من البداية يعرف موسى علّو العبد، لولا ذالك ما أعطاه التبعية. هي الثقة إبتداءا لكنها ثقة يحفها التساؤل ، ثقة من يريد التعلّم ، أي أنّه يشرط تقديم تبعيته التعليم  و إمكان التعلّم من العبد. فما يعاكس الرشد هو السفه ، من لا يعرف مواطن مصلحته و سبل الوصول إليها ، فمعرفة العلامات لها هدف و هو الرشد أي تحقيق مصلحة من يتعلّم. هو إذن توضيح قرءاني أن" علامات محمد توّضح علامات التوراىة و تنير الغامض فيها.

ها قد اختفى الفتى و لم يبق إلا موسى سائلا "قال له" ، و قول موسى هم قصص لما سبق ، قصص لسبب غياب الحوت عن الرحلة ، ها قد عدنا القهقري ، عدنا إلى ما قبل المجمع لنحاول فهم ما حدث ، و ها هو السؤال موّجه للعبد من موسى و ها هو الفتى بيننا و إن ظنّنا غيابه، فالفتى ليس إلاّ العبد وها هو موسى يعتبره من الأوّل فتى و يعتبره عبدا في الآن ذاته ، ففي العبد حل لإشكالاته و دواب عن اسئلته و أسئلة كل قارئ للحدث:

لماذا فشلت الرسالة في إقناع البشر بجديتها ؟؟  لماذا لم ينتبهوا لعلّوها و هدايتها ؟؟  لماذا لم يجدوا فيها جوابا عن سبب وجودهم و غايتهم من هذا الوجود؟؟؟ لماذا طمست التوراىة ؟؟  و كيف يمكن لمحمد أن يخرجها و يخرج نفسه من بوتقة الحوت و محيطه الصخري ؟؟؟


قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا

وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا

 الصبر متعلق بالتحمل لبلوغ الهدف. و هذا التحمل له حد و أفق، فما لا تدرك جوانبه كلّها لا يمكنك إلاّ أن تحكم عليه حكما ناقصا. ما لا تعرف أهدافه ووسيلته للوصول إليها لا يمكنك أن تسلّم له زمام أمورك و لا إتباعه و لا الصبر عليه. هو قول للعبد ، قول الأيات أن لمحمد هدف و وسائل للوصول إلى الهدف بل وسائل لبلوغ مجمع البحرين و تجاوزه لبدء رحلة العمق.

ما لم يصلك الخُبر و الإحاطة بالخُبر فإن الصبر عليك ممتنع. فالخبر معرفة تفاصيل حركة من تبحث عنه و غاية الخبر فهم غاية من يتحرك و حين تُعلم الغاية تتسق كل الحركات التي لم نجد لها تفسيرا.
هكذا نتعامل مع التوراىة و القرءان كشتات من الحركات ، شتات من المواضيع لا إتساق بينها و يظهر أن الرسالة فيهما تقول الشيء و نقيضه وتؤكد الأمر و تنفيه و تعلي القضية و تسقطها في آن واحد. ذاك لأننا لا نعرف غاية الرسالة و هدفها و لا نعرف وسائلها للوصول للهدف. غياب فهم الغاية جعل الحوت لا ينتبه لوجود البحر، جعله يظن أنّ محيطها صخري لا إرتقاء فيه و لا حياة. جعله يظن أن القدرة الخارقة هي وحدها من يمكنها إخراجه من الصخرة بلا جهد ذاتي متعاظم و غوص في عمق البحر.

موسى يعلن إمكان الصبر و يعلن عدم عصيان الأمر ، فقول موسى تحديد لطاقته و إعلان كامل لولاءه حتّى إن لم يفهم سبب حركة العبد و سيره و هذه صفة التابع الذي لا يجرأ على المخالفة حتى و إن لم يقتنع ، موسى يدرك علّو العبد، يعرف قيمته ، فعلامات محمد توصل علامات التوراىة للرشد، توصل من يقرأها إلى إنتفاء العبثية عنها شأنها شأن علامات محمد.

قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا

مشيئة الله هي تجسيد للأمر في الواقع و يمكن لهذا الواقع أن لا يجسّد و حينها فإن لفظ "إن" تعبر عن حد الطاقة عند موسى و ما لا يمكنه تحملّه. و ما لا تتحمله لا يمكنك مسايرته و لا يمكنه أن يتجسد عندك واقعا إلاّ و أنت مرغما و حينها تفقد صبرك.

إن فقدت صبري فلن أعص. هذا شعار موسى. أيّا كان الأمر و هذه صفة الجندي ، صفة التابع الذي يبتلع ريق الغضب لأوامر من فوقه و يطبق و الدمع يجري من عينيه و هذا ما سيفقده متابعة التعلّم و سيجعل رحلته قصيرة. فالعصيان ضد الطاعة ، فالطاعة لين في قبول الأمر و إمكان فهمه أمّا العصيان فهو وضع للدواليب إبتداءا و إمتناع مسبق عن إمكان قبول الأمر.
هو قول موسى عن صعوبة الإتباع الذي يحتاج صبرا في علاقته بالعبد ، مدرك موسى أن أمر الإتباع دون فهم للغايات و الوسائل غاية في الصعوبة و لكنه يعلن أنّه و في حدود طاقته سيتحمل و أنّها لن يعترض إبتداءا. و أيّا كانت الثقة بالنص الرسالي فما لم نستوعب غايته فحبل الصبر معه سيكون قصيرا. من هنا مفتاح فهم المحيط الصخري و فهم إنتشار الحوت سربا.

قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا

يمكن لأي دجّال أن يستغل ءايات محمد ليجمع التابعين حوله و يخبرهم أن لا يسألوه عن أمر تأسيا بـ "الخضر" و يمكن لأي سياسي محترف أن يطلب الطاعة العمياء و الولاء المطلق مستشهدا بهذه الأيات. و مشكلة الإستشهاد أنّ العبد برهن على علمه العميق و لولا ذاك ما "وجده موسى" و لولا ذاك ما تزّلف في طلب الإتباع و الملازمة. فما لم نصل لرؤية عمق محمد فدعوى الإتباع لا معنى لها إبتداءا ، هي ليست إلا شعارا عاطفيا لا يمكن بث مع تعقيدات الحياة. فالإتباع يتطلب ذكر ، أي تذكير بعمق ما تحمله الرسالة في رحلتك معها ، فما لم تحدث لك ذكرا في رحلتك و بنكا للمعلومات في قرائتك للرسالة جعلتك تنتبه لعمقها فلن تستطيع مواصلة الرحلة بمجرد دعوة الثقة العمياء.

تأسيس الذكر هو طريقنا الصحيح لإمكان مواصلة الرحلة مع التوراىة و محمد ، مع العبد بتعبير الأيات ، فالرسالة عبد ، هي من يعبد لنا السبيل لبلوغ مجمع البحرين ثم بعدها التجاوز و الإبحار في العمق و أمّا تأسيس الإتباع لمجرد الثقة فطريق قصير كما سنرى.  

الذكر يسبق السؤال. ما لم تصل للذكر فسؤالك سينقلب إتهاما لمحمد إذ بدل رؤيتك لما يحمل سترى النقيض. فالعبد لم ينه عن التساؤل بل ربط السؤال بإحداث الذكر. فمن جربته و عرفت عمقه ستسمع له منصتا بعمق و تأخذ كل ما يسطره بدقة كبيرة و ستنتبه لكل لفظ و عبارة و حينها فسؤالك سؤال من يريد عمقا لا من يريد عصيانا.

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا

في الإنطلاق عنوان إفتراق السير. فالجذر ( ط ل ق) يحمل مفهوم فك الإرتباط و كأن في نون "انطلق" تفكك محتويات الوعاء النوني لرحابة الإنطلاق، كل في اتجاهه و  "حتّى" تصور مسيرة سبقت و "ملحا" اشتركا فيه موسى و العبد، و فيه بدايات إستفزازية لموسى إذ لفظ "حتى" يرسم منعطفا لما سبق و كأنّه درجة كبرى أعقبتها درجات من قبل. و لنرى الآن إن أمكنتنا الرؤية في الكهف لما حدث.

" ركبا في السفينةّ. الركوب ليس ركوب سفينة بل ركوب في السفينة و على عادة النص القرءاني فما لم نر العلامات فالنص غائب. هي سفينة ، و السفينة بناء معقد كامل التقنية للتقدم في محيط شديد الخطورة يمكننا الخروج منه بأمان. و ها قد ركبا في السفينة أي استعملوا آلية معينة في هذه السفينة ، ركبا ليعاينا السفينة و ما تحمله و بدل تجلية ما في السفينة ها قد خرقها العبد ، أي جعلها بالية لا يمكن لأهلها أن يحيوا بها ، فخرقها يعني أن أهلها سيغرقون ، لن يستطيعوا البقاء الطويل فيها أحياء. و بدل الإنتفاع بما في السفينة فركوبهما جعل السفينة محيطا خرقا ، محيط غرق.
ركبا لينتفعا بما في السفينة فإذا بالعبد يخرق السفينة.

 خرق العبد السفينة تحويل ما فيها لخرقة لا تصلح بعدها لأن تخترق المحيط ، هو  إفساد للمشروع و إنتحار علني حال من يضع قنبلة في سفينة هو من بين ركابها، أليس هذا إتهام مباشر من موسى للعبد. فالعبد في نظر موسى رجل مدسوس ، يعمل لصالح قوى معادية للمشروع ، إنّه متآمر. فالإمر بكسر الألف هو أمر خفي. 

العبد رجل خاضع لجهاز معادي يأتمر بأوامره السرّية و هو خرق السفينة ليغرق من فيها. إنّه لم يأت ليشارك في إنجاح مشروع بل أتى خصيصا ليغرق المشروع و ينهيه. إتهام موسى للعبد ليس إلا إتهام حملة التوراىة لمحمد أنّه لم يأت لنجدتهم بل أتى لإغراقهم. أتى محمد لمحو و تعطيل التوراىة ، أتى راكبا في السفينة ، و السفينة ليست إلا التوراىة و محمد ، أتى العبد ليغرق الجميع ، و هذا هو الاتهام ، أنّ محمد لا يغرق فقط نفسه بل أتى كذلك خصيصا لإغراق التوراىة.  ثم ها هو موسى ينتبه أن السفينة لم تغرق بل أصابها عطب فقط يمنعها من السير سيرا طبيعيا:

قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا

تنبيه للقارئ و إشهاده فيما يحدث "ألمـ أقل إنّك" ، كأنّ موسى محاط بجماعات تشاهد ما يحدث و يخاطبها العبد أنّ موسى عاجز عن الوفاء بعهده المقطوع. هول مشهد الخرق و المطالبة بتنفيذ بنود عهد الصمت المقطوع. حال يفقد بها موسى صوابه فكيف الصمت لمن يريد إبطال المشروع برمته و كيف التذرع بمواثيق إلتزام الصمت أمام مشهد كهذا.
هي السفينة ، في جانبها النصي توراة و محمدا ، جعلهما العبد خرقة لا تصلح بعدها للإبحار في محيطها الصعب لتصل لوجهتها ، لتحقيق مشروعها و لكن العبد لم يخرقها خرقا كليّا بل عابها فقط :

قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا

إنّ موسى يتذرع بالنسيان و الإرهاق ، نسيان للذكر و أنّ هناك استحالة خرق السفينة من أجل إفساد المشروع و إنهاءه ، فما في العبد توراة و محمدا متعالي يستحيل أن يحمل في ذاته بذور فناءه و قد سبق و أظهرا علوّهما. ثم إرهاق فموسى صاحب أمر "من أمري" . فلموسى مسؤوليات على من يقودهم في البحر ، على مساكين البحر القابعين فيه المطمئنين به فالسكن إطمئنان. مساكين البحر هم من يرهق موسى و هم من دفع به لإتهام العبد و ليس هو من نقض العهد بل جرعة الإرهاق أنسته العهد. و هو يطالب أن لا يحاصره العبد بهذه العثرة.
هي إشارة أنّ الحوت لا يعتبر الرسالة و التوراىة خصوصا إلا مجالا للأمر ، مجالا للتشريع بلغتنا ، مجالا لا مصلحة فيها و لا مشروع بل أوامر للتنفيذ.

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا

درجة أخرى بعد الإنطلاق أكثر ألما و خطورة. قتل نفس زكيّة بغير نفس. تتواصل المسيرة لتصل إلى هذه الحادثة الأليمة أين يعلن موسى أن النفس "زكيّة" يعني ليست مريضة لدرجة يحتاج إسعافها قتلها قتلا مريحا حال المتسرطن الذي يطلب الموت و لا يجده أو حال الجريح الذي لا يجد جرّاحا يطالبك راجيا الإجهاز عليه لإنهاء مأساته.

يحمل الغلام في مفهومه القوة و الطاقة المخزنة فيه. لقاء غلام هو لقاء بمن يحمل قوّة في قراءته و طاقة و ها هو العبد  ينهي وظيفة من يحمل الحياة و القوة و الطاقة الكامنة فيه. و ها هو موسى يستنكر قتل نفسا زكية ، نفس تعني وجود الحياة في هذه القرءاة و هي فوق هذا زكية تحمل بذور النماء فيها.  

لم يتم القتل مباشرة عند اللقاء بل تطلّب جهدا  "جئت" لإنهاء وظيفة هذه النفس الزكية.  تجسيد نكر فالنفس التي تم قتلها لم يصبها تغيير يمكن للعبد أن ينهي وظيفتها موضوعيا. و مع ذلك ما كان لموسى أن يستنكر.

قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا

تنير لنا هندسة الآية  بمصابيح خافتة و تضيف "لك" لتبدأ الإنارة من "ألمـ أقل إنّك "  إلى  "ألمـ أقل لك إنّك" . "لك" هكذا لتعيين الأفق ، فالأمر طبيعي أن لا يصبر ، إذ الصبر هنا يحتاج طول نفس من موسى و هو لا يملكه ، فالمهمة طويلة و معقدة ليعلن موسى بعدها بالعجز الكلّي :

قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا

الإمتناع عن السؤال تأكيد لوصول الجواب القولي عمّا سبق. فموسى اقتنع أنّ الرجل أبعد منه نظرا و أعمق رؤية لما يدور حوله و قضية قتل الغلام أقنعته أنّ العبد يتحرك ضمن دائرة وعي أكبر من وعيه. دائرة لا إنتقام فيها و لا كره بل علم و رحمة. هو إعتراف موسوي إبتداءا أنّ إستنكاره ليس طبيعيا بل نابعا من عدم طاقته على بلوغ علم العبد. فالعقد قائم أن المشكلة في الصبر و ليس في ماهية ما يحمله العبد. 

ها هو محمد يعلن إذن تعاليه العلمي و المعرفي و أنّ المشكلة هي في القدرة على مصاحبته لنا، فما دمنا في موضع من يتسائل بمنطق الإتهام فإن محمدا لن يصاحبه بل لن يفتح له إمكان المصاحبة. و  ليس كما يظن من قرأ لوهلته الأولى القول، يقرأ تضاريسه الخارجية دون وعي بماهية باطن العبارات و ما تحمله من عمق.

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا

"أهل قرية" وصف لمجتمع مكثف العلاقات يسمح بدخول من لا ينتمي إليه بل و يحتضنه و لكنّه مجتمع محكوم بالقواعد التجارية و قد ربط أهل القرية الضيافة بالأبوة "أبوا أن يضيفوهما" ، نضيفكما شرط أن نكون نحن الأب، أن نكون نحن من يعلّم و يلقن و يرّبي. و بدل قبول موسى و العبد للأبوية ها هو العبد يبين لأهل القرية أنّهم أعجز من أن يكونوا في موقع الأب ، ها هو العبد يقيم جدارهم الذي يريد أن ينقض.
جدارا مريدا ؟؟؟ جدارا يحمل إرادة النقض.  و في الجدار معنى الحماية و الوقاية و مفهوم الجدار متعلق بما يمنع من رؤية ما يقيه . هي الرسالة لا تريد أن تدخل محيطا لا يريدها ضيفا ، بل هي لا تدخل محيطا يريدها تحت سلطته يطوّعها كيفما ما يشاء و يصبح عليها أبا. بل الرسالة تعينك على بناء الجدار الذي يمنع دخولها إن أردت. لن تسع الرسالة أن تدخل القرية عنوة فهي لا تريد إلا استطعاما ، إبقاءا للنص فقط للبحث عن محيط آخر فالرسالة هي من يقيم الجدار الذي يمنعها من الدخول لكي لا يظن ظان أنّها تسعى للدخول متسللة.  

موسى و العبد استطعما أهل القرية و لم يطلبا ضيافة فهناك فرق بين الطعام و الضيافة ، فأهل القرية يمكنهم إطعامهما  لكن القرية لا يمكنها قبول مشاركة الرسالة لها في تدوير أمورها ، القرية يمكنها قبول بقاء الصحيفة خارج الجدار أما أن تكون الرسالة داخل القرية مشاركة عضوية فالأمر مستحيل إذ ماهية المشروعين مختلفة كأن الأيات تدخلنا في عمق تناقض منطق القرية مع منطق الرسالة تناقضا كلّيا.
هذا هو السبب الثاني لسراب الحوت و عجبه ، أنّه يعيش في محيط قروي لا يسمح بظهور مشروع الرسالة و لا يمكنه مواكبة المشروع فالخوت يتصخر تلقائيا كرد فعل لمنطق القرية حتى يمكنه البقاء. فمنطق القرية عات لا يسمح إلا بتجدير المحيط على الرسالة.

ها هو موسى و بمجرد ملاحظته عن الأجر أنهى العبد رحلته معه. موسى لم يسأل العبد هنا بل أبدى ملاحظة عابرة، أن إقامة الجدار تستحق أجرا ، لكن ملاحظته هذه تجاوز للحدود فالرسالة عطاءا بلا أجر و لا يمكن بحال وصفها بغير هذا حتى بملاحظة عابرة أو رجاء مبطن. 

ليس الأمر عند العبد إستدارة على السؤال بل القضية عنده دائما في اللب فعبارة "لو شئت" عند العبد معناها "لما لم تطلب أجرا" و هي في القرءان كذلك. ثم لنقف في معارج التأويل على لفظ  "لتَخذت" بدلا من "لأتخذت" أين أختفت الهمزة "أ" الدالة على الذاتية في محمد لبيان أن رحلة موسى مع العبد رحلة إسمية بعيدة عن شخوص في التاريخ و للناس أن يقولوا كما سجلته بعض التفاسير  أن نقرأ أن غياب الهمزة فصاحة ضعيفة و أنّ الأقوى لغة و فصاحة و تركيبا هي "لأتخذت" و أمر المفسرين غريب في هذا التعنت على فرض قواعد لغتهم على نص القرءان و العجب أنّ الرسالة وصلتنا كما هي مع حجم التعليقات السلبية عن "فصاحة" بعض مقاطعها عند المفسرين. 

قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا

إنّ بلوغ المجمع مستحيل بعد هذه التجربة ، فلبلوغ المجمع تحضيرات لا بد لها و إختبار ضروري فالفراق حان و هو ليس فراق "بيننا" بل "فراق بيني و بينك" ، رسم لفاصل بين ماهيتين ، هوّة لم يستطع العبد ردمها بينه و بين موسى فالفراق سيطول و ها هي الأنباء ستأتي لمن يقرأ ليدرك كيفية ردم الهوة بل ليستبين سبب فشل ردمها. في معارج التأويل الذي لم يستطع عليه موسى صبرا، لم يعلو بصبره ليبلغ المعنى الأوّل من سير العبد معه.
"سأنبئك بتأويل" فالنبأ المستقبلي السائر الذي سيرتسم سببه التأويل. سبب النبأ هو بلوغ المعنى الأول ، فالمعنى الأوّل يحتاج مسيرة و سير طويل لبلوغه و ها هي قراءتنا المرحلية تحاول بلوغه.

أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا

هي السفينة. تكوين معقد عالي التقنية يمكنه بلوغ هدفه في محيط صعب ، و  مع كل خصائصها هذه فهي لمساكين. مساكين يعملون في البحر ، سكنهم في هذا العمل ، ربما رزقهم منه و بقاءهم منه و شعورهم بهويتهم فيه و بدونه لا سكن لهم ، هو بحر يحتاج غوص فالبحر متعلق بالعمق الذي يحمل ما لا يظهره سطحه ، و حتى نعرف و نعلم هذا العمق نحتاج لإستعمال السفينة بكل ما تحمله من تعقيد في صنعتها و دقة في بناءها و لكن لو اطلع الملك على هذا العلو في البناء و إمكانه الغوص العميق لفاجآ العاملين في البحر و استولى على السفينة . أن يعيب العبد السفينة فالهدف إبعاد من يملك القدرة و الإمكان الإستيلاء على السفينة و  ليس الأمر أخذ استعمال بل أخذ غصب ، لتطويعها لأهدافه ، فالملك لا يترك سفينة إلا و أخذها غصبا.

مرحلة أولى في الرسالة ممن صاغها و هي الحفاظ على النص و إبعاد السلطة المهيمنة عنها فلو علمت ما فيها من عمق لفعلت كل ما في وسعها لإنهاء وجود النص و محوه من الوجود و لعل هذا ما حدث في لقاء نيقيا أين اختيرت النصوص بعناية و استعبدت السلطة و من وراءها النصوص التي لا تخدمها. و هذا لم يحدث مع التوراىة و القرءان فنصهما يظهر للملك أنه نص لا معنى له و لا تأثير مباشر على ملكه ، نص لا معنى له و لا هدف حامل للتناقضات سهل التطويع ، لعل هذا سبب إبقاء السلطات المتعاقبة له بل و حرصها على المحافظة على نصه لتظهر بمظهر المحافظ على عقائد المجتمع.

من صاغ الرسالة جعلها تزهر هكذا بمظهر من يدعو لطاعة السلطة و يدعو للثورة عليها في نفس الوقت، من يدعو للعلم و يدعو للتسليم بمسلمات لا دليل عليها، من يؤسس للحرية و الجبر ، من يحمل الرحمة و العنف الذي لا مبرر له ، من يدعو للسلام و العنف في نفس الوقت، من يدعو لعدم إكراه الأخرين و لقتلهم في نفس النصوص. هكذا يظهر لأول وهلة ، هو عيب يمنع السفينة من السير و هو عيب مقصود ليتم المحافظة على النص ثم ستأتي مرحلة السكن في البحر و استعمال السفينة بكل ما تحمل من تعقيد و عمق حين يغيب زمن الغصب و يستقر النص أستقرار يمنع التلاعب به. 

وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا

فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا

 

الغلام يحمل مفهوم قوّة التأقلم الإيجابي مع المحيط ، غلام منطلق من أبوة مؤمنة ، أبوة التوراىة و أبوة محمد ، أبوة من يؤسس للإيمان و ظاهريا أن الغلام يسير وفق أبوة الإيمان و لكن في عمقه مرض يحمله للطغيان و لمنطق الكفر ، منطق  التغطية و التعمية ، و أمتنا تأسس من إرتباطها بنص محمد قراءة  بنت بها إمبراطوريات و قوة و ظهر أنّها في تناسق تام مع الرسالة ، لكن في عمق الغلام مرض عميق و يجب إنهاءه الآن للخروج من منطق الإمبراطورية الذي يحمل الكفر و الطغيان لتأتي مرحلة أخرى مرحلة إرتقاء ، مرحلة ربوبية من الرسالة ذاتها بتنقية  القراءة و تزكيتها ضمن ربوبية محمد و المرور لمرحلة هي الأقرب للرحم. و بدل الإمبراطورية تتأسس مرحلة الرحم الجامع لأبناء الإنسانية كلّها.

 

من أبوة تحمل تلقين منهج إلى ربوبية  تحمل الإرتقاء إلى مرحلة مستقرة لا يمكن بعدها الرجوع للوراء فالفرق في القرءان بين الأب والرب فرق جوهري، فالأب يمكن الثورة عليه أمّا الرب فلا ففي "أب" ذاتية تحملها الهمزة، ذاتية تدخلك بيتا بمنهجها هي أمّا "رب" ففيها رءيا للبيت و حين تصل للرءيا فالنكوص مستحيل.
"أردنا"  في مكان "أردت". ففي "أردت" إرادة توليد للعيب لحفظ النص أمّا "أردنا" فهي إرادة الوعاء أي ما تحمله الآيات في عمقها فهي من يسمح بالإرتقاء من مرحلة الطغيان و الكفر إلى تزكية تصل إلى قرب الرحم.
مرحلة الإرتقاء الآن من قراءة قوّية ظهرت أنّها متأقلمة مع محيطها تسايره بكل قوة و أمكنها بناء إمبراطورية لكنها مرحلة ستنتهي لأنّ عمقها يحمل خبثا عميقا. فبعد إستقرار النص و إخراج قراءة تأصلت ننتبه أنّ من صاغ النص يعرف مراحل تطور الإنسانية و تأقلمها معه، يعلمها بدقة.

 

وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا

 

كيننونة الجدار في الغلامين و لعل سيرنا في الآيات يرسم لوحده معنى الغلامين ، من هو مهيأ لقراءة الرسالة بحكم سيره الطويل معها ، من هم في معية التوراىة و من هم في معية محمد ، بحكم السير هما غلامين و لكنّهما يتيمين ، فالأبوة انقطعت و ما رسمه أسلافهما انتهى و فقد الحياة ، بل في يتمهما جدار يمنع الرؤية و تحت هذا الجدار كنز الرسالة "كنزهما" ، كنز واحد ففي التوراىة و محمد واحدية المشروع و إن اختلفت العلامات ، إختلاف المنطلق و أحدية المجمع و مهما عظم إنتقاد الأب فما تركه صالح، صلاح أثبته بقاء النص صالحا لا يعتريه نقص و مهما كان لنا من إنتقاد للأب فيجب علينا الإعتراف بجهده الصالح في الحفاظ على النص ثم ما يحويه النص من ربوبية داخلية و  إمكان الإنطلاق منه ، من داخله لنربو به صعودا للأعلى عندما يشتد العود و تنتفي الهلامية ، فبلوغ الأشد معناه بلوغ مرحلة رؤية الشدّة التي يحملها النص فالأشد مما يحمله النص من شدة و عندها يمكن إستخراج الكنز، تلك رحم الرحم ،رحم داخلية تخرج من رحمها أرحاما بما تحمله من ربوبية.
إستخراج الكنز يتطلب وجود اليتيمين في مدينة ، في محيط يحكمه قانون و دستور بعيد عن الكفر و الطغيان ، في محيط المدينة يبدأ السير لإستخراج الكنز فأول مراحل بلوغ الأشد محيط المدينة.


إن هذا ليس من العبد بل ممن يتلقى العبد منه أوامره ، فمن صاغ محمدا صاغ مشروعه ليصل لمنتهاه و لا يمكن بحال وقف المشروع مهما تكاثرت الضربات من أهل حاملي الكنز أو ممن لا يعترف أصلا بوجود كنز. 

هي قراءة لتأويل مراد الآيات في رحلة التوراىة و محمد قد يصلا يتيميهما يوما إلى مجمع البحرين ليتتجاوزا ما بينهما إلى ما بعده، إلى مشروع ما تريده الرسالة لتغيب " ّتستطع" الثانية و تنقلب ماهية أخرى "تسطع" فبدل أن تولد لتسير لتولد من جديد الطاعة " تس ت طع" ها أنت في مرحلة من يولد ليسير مباشرة نحو الطاعة " تس طع" أين تقل الأخطاء و تتعاظم المعرفة علما.


إلى هنا أرسينا السفينة لتستمر القراءة و في نفس الوجهة و أراني سأجد نفسي عندما سنتنهي القص دون إجابة, سأجد نفسي و كأني لم أقرأ شيئا. حال من يعيش كهفا مبطنّا بثقوب دودية في كل الجهات و يبحث عن مخرج و كلّما سار ليجد مخرجا وجد نفسه في نقطة البدء يحتاج هاديا في الكهف ليوصله لمناطق النور. و أنت ترى أن ذو القرنين يأتي مباشرة بعد العبد ، من ثقب إلى ثقب ، و قد نجد لطريق قرائتنا قبسا.

 

تم في 23 يونيو 2023

إبراهيم بن نبي

 

 

 

تعليقات

  1. شكرا لك استاذنا على هذه الرحلة العميقة داخل أعظم نص تقرأه البشرية عبر تاريخها

    ردحذف
  2. 👍🤔⬅️

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...