القيامة محطة إنطلاق
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ
ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ
خَلَقۡتَ طِينٗا
قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا
ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ
ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا
قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ
مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا
في ءايات سورة الإسراء رحلة إسجاد تم، إسجاد
الملائكة، إخضاعهم ليتم إستعمالهم في مشروع الخلافة. سجد الملائكة أجمعون فالقول
القرءاني سيبلغ مآله و المشروع سيصل إلى نهاية المرحلة المرسومة، مرحلة إسجاد كل
الملائكة و أخرها إسجادا إبليس. هي مسيرة معقدة مجهدة متصاعدة أشبه بالمستحيل في
نهايتها "فسجدوا" فالمدخل ضيق و إبليس سيبقى عصّيا على الإسجاد، متعاليا
عن محاولات الإخضاع فالكائن الطيني ليس في مستوى إسجاد إبليس "ءأسجد لمن خلقت
طينا"، كائن لا يملك مؤهلات إسجاده. هي هكذا الأيات تشير إلى ضعفنا و هواننا
ثم ترينا صورتنا المرتقية في إسجاد كل الملائكة حتى هذا المتمنع الأبي.
إبليس في عالم الملائكة هو ملك الجاذبية
The Graviton (hypotetical particule)
و لقد تم كشف ستة من الملائكة هم
The Gluon ; W+ ; W- ; Z0 ; Photon ν ; Higgs Boson
كشف الملائكة ليس إسجادهم، فبين الكشف و
الإسجاد عوالم من البحث و الجهد و اليأس و الإحباط بل و تقرير الإستحالة. فكشفنا
لبوزون هيغز لا يعني بحال أنّنا أسجدناه و خضع مكرها لشروطنا ، فالإسجاد مرحلة من
يملي الشروط لمن خضع، فهذا الجزيء الشبحي إسجاده يعني فصل الكتلة عن مادتها و هو
أمر في خيال كل أحد أشبه بالمستحيل عقلا لكن الأمور هكذا و إسجاده يعني أننا سندخل
مرحلة حضارية أفسح و أوسع و أرقى مما نتصور.
هذا هو القرءان يؤكد أنّنا سنصل، هو من يعطينا طاقة إتصال الجهد و عدم
اليأس و هذا القرءان يرسم الأفق و الهدف و يوّجه جهود الجميع لبلوغ هذا الهدف. و
بلوغ الهدف في أخر مراحله ستتعقد تباعا كما سيتم تفصيله في البحث. سيتأخر إسجاد
إبليس و في تأخير إسجاده حكم بفناء هذا النوع البشري فإخضاع إبليس هو ما يسمح لنا
بالخروج الآمن من مجموعتنا الشمسية و بالملائكة الأخرين الساجدين سيتم سفرنا إلى
حيث نريد حيث الحياة.
وقود شمسنا سينفذ وستهوي شمسنا لتتحوّل إلى
نجم نيوتروني ليتم في أنفجار غبارها الباقي تدمير الحياة في جميع الكواكب التي
يمكنها حمل الحياة ، كوكبنا هذا و المريخ و لا يمكننا إستباق فناء مجموعتنا
الشمسية بالسفر العشوائي ، فحاجتنا إلى إبليس ستكون ضرورية و أي سفر عشوائي سيكون
فيه حتفنا فأقرب المجموعات الشمسية التي يمكنها حمل الحياة بعيدة علينا بملايين
بمئات الملايين من السنين الضوئية.
يوم
القيامة هو محطة الفصل بين أمل التحقيق و بين تحقيق الهدف و سيتعبنا إبليس قبل
بلوغ الهدف فبيننا و بين الخروج من مجموعتنا الشمسية وقت معلوم هو بداية نفاذ وقود
شمسنا النووي و في سورة الحجر :
قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ
أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ
قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ
لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ
قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا
فَإِنَّكَ رَجِيمٞ
وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ
إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ
يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ
ٱلۡمُنظَرِينَ
إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ
ٱلۡمَعۡلُومِ
هو يوم الدين ، يوم رد الديْن الخفي "الدِين"
، فنحن حُمِلنا روحا و ردنا لهذا الديْن هو إسجادنا للملائكة و أخرهم إبليس و لنا
وقت معلوم ، وقت نفاذ وقود شمسنا و إلا فالفناء و هذا الإنتظار الإبليسي إنتظار
كشف ثم إنتظار إسجاد و لا يتحقق إلا ببعثنا أي أن يدب فينا المشروع و نعرف ما نريد
و نتجه إلى هذا الهدف بكل قوانا.
و لنعد لأيات سورة الإسراء فإبليس سيجعلنا نركن، ففي وجود
الجاذبية سعادة و إلف و وجودنا في أحضان إبليس لا نغادره ممتع، هو تعبير عن هذا
الرعب من مغادرة كوكبنا إلى المجهول و لكننا سنضطر إلى الخروج و المغادرة مرغمين و
سنضطر أن نقوم أن نباشر مسؤوليتنا بكل قوة و حزم ، إن هذا ما يسميه القرءان يوم
القيامة ، محطة إسجاد إبليس ليتم تسهيل خروجنا في هذا الكون الفسيح بإستعمال كل
الملائكة للرسو في كواكب أخرى تحمل الحياة.
عندما سيسجد إبليس لن نغادر كوكبنا بأمان لغيره
فقط بل سنصل إلى جعل هذا الكون واحة صغيرة نتنقل بين مجراته كما نتنقل اليوم بين
المدن و الدول ، لنكون في وضع يمكنّنا بالإتصال بكل الكائنات العالمة ليتم بعدها
بدء مرحلة أكبر، مرحلة توصلنا للساعة.
و سيبقى من سيبقى في الكوكب الذي سيتحول
تدريجيا إلى جهنم " فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا"
ليتم الهلاك الأكيد بعد إنتهاء توازن ضغط الدفع النووي الآتي من دمج أنوية
الهيدروجين مع ضغط قوى الجذب و حينها تهوي الشمس و ينشأ عنها نجم نيوتروني خافت و
تذر غبار هويانها على الكواكب لتنتهي الحياة في مجموعتنا الشمسية. و ها هي ءايات
سورة الكهف ترسل النبأ لتحذرنا إن نحن أخطأنا فهم المشروع و العمل له :
قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم
بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا
ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي
ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ
بِـَٔايَٰتِ رَبِّهم وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ
يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ
بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِى هُزُوًا
العمل في القرءان يحمل مفهوم التوجيه ،
فللعمل هدف مرسوم و من يخسرون أعمالهم يجانبون الهدف الذي سطروه. هذه ءايات سورة
الكهف تلقي الظل على من أجهد نفسه و رسم لنفسه أهدافا ثم حين يرى عمله يوم القيامة
ينتبه أنّه خسر، أن هدفه لا ينجيه في هذه المحطة الفاصلة. هدفه الذي سطره و سار
عليه المجتمع خسارة كبرى أمام الكارثة التي ستحل فهذا الهدف المسطور من الأخسرين
أعمالا عاجز عن إنقاذ من اتبعه من الكارثة الشاملة التي ستحل.
يوم القيامة يوم قيام الإنسانية، يوم إنتهاء
القعود ، مرحلة الفصل النهائي بين من سيقومون و بين من ارتكسوا نهائيا ممن سيجد
مكانه مع المرتكسين بعيدا عن المؤمنين. يوم ستصله الإنسانية في مسيرتها الطويلة في
هذا الكون مسيرة بلوغ إسجاد إبليس و الدخول في مرحلة أخرى.
يوم القيامة مرحلة هامة في سيرنا، محطة إنطلاق كرّس لها
القرءان ءايات من ءايات الجلال و الجمال ليرسم بها مشروعه في إيصالنا و هدينا
لإسجاد الملائكة ، في رسم الأفق الذي نتوجه له بكل قوانا عندما نهتدي به و نصدق
أنباءه تصديقا نابعا من صدقه في نبوءات سبقت و تحققت. ثم ها هي آيات سورة القصص :
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ
ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ
غَيۡرُ ٱللَّهُ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ
ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ
غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِلَيۡلٖ تَسۡكُنُونَ فِيهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ
وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ
ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ
وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ
الليل ما الإبصار فيه ضعيف ، ما لا يمكن
الإبصار فيه إلاّ في محيط ضئيل قليل فالتقدم في الليل تقدم عشوائي لا أفق يضبط
السير فيه و من هو في ليل فحركته حركة فوضى فإن أتاه الضياء ارتسم أفق السير و
تسارعت الخطى و تقلصت المسافات و الجهد. بين الليل و الضياء فرق في تحديد الأفق. و
عندما يكون الليل سرمدا أي مستمرا لا يمكن رفعه ، إذ "سرمدا" عالمين
منفصلين سر و مد فهو ليل سره ممدود لا يمكن الإبصار فيه إلا نزرا و حينئذ لم يفعل
السمع فعله و لم يرفع هذا السمع الليل ليحل فيه الضياء.
هذا السمع أي الخبر بتعبيرنا هو هذا القرءان
الذي بيننا، لم يؤد مهمته بيننا، لم نسمعه، لم نصغ لتحذيره و لم نسمع له بضرورة
الإستعانة بالله لرفع الليل "من إله غير الله" و لم ندخل حلبة الكون
لنحل الضياء بدل الليل. يتهمنا القرءان إذن إن لم نصغ لتحذيراته جيّدا و لم نقرأها
جيّدا أننا مقبلون على الكارثة.
الليل سكن ، فلا يمكننا أن نر حجم الجهد
الذي سنبذله و حجم المحطات الصعبة و السدود التي ستقف أمامنا لأننا سنصاب بالإحباط
فالليل ضرورة للسكن ، هذا التحرك البسيط في حدود معقولة في كل مرحلة حال الطفل و
هو يتعلم الأبجدية و لا يعلم ما ينتظره من غوص فلسفي مستقبلي و سياحة في فيزياء
الكم. الليل سكن إذ لو أبصرت الأفق الآن و أنت لا تملك آلية التنقل لهدفك و ستصاب
بالإحباط و الضياع.
الليل سكن مقارنة بالنهار، بالإنهيار بتعبيرنا ،
و عندما تكون في الليل فإمكان الإنزلاق و الإنهيار وارد بل هو الأكثر ورودا بل هو
الأكثر إحتمالا ، و لو كان الإنهيار هو القاعدة ، سرمدا، فلا يمكننا التقدم أبدا و
نحتاج إذن للإبصار ، فالبصر توسيع لمعرفة ماهية المحيط الذي نحن فيه ، تحديد
لماهيته و حدوده فالتقدم السريع ممكن في
حدود معينة أوسع بما لا يوصف بالتقدم في الليل.
هي محطات خمس في الآيات:
نهار -
ليل - إبصار - ضياء
- سمع
الذي يخرجنا من الإنهيار "النهار"
و يجعلنا نسكن في الليل ليأتي إمكان الإبصار هو الله ، هو هذا الكون الموضوعي ، هو
دراسة سننه و تتعبها و فهمها و الذي يخرجنا من الليل هو الله، هو الكون الموضوعي ،
هو تتبعنا لسنن الوجود ، هو الله وحده من يمكّننا من الإضاءة ليأتي السمع بعدها أي
القرءان ليوسع فرضيا دائرة الإضاءة بقراءته.
ليتم التأقلم طبيعيا تحتاج الإنسانية في
سيرها للنهار و تحتاج لليل حتى تشعر بضرورة البصر و الإضاءة و السمع و يتم
الإرتقاء طبيعيا و ينتفي الشك عن من صاغ القرءان "لعلّكم تشكرون" لتبلغ
رحلتنا بهداية القرءان هدفها الذي رسمه لها، يوم القيامة.
هو الله من به سنصل إلى يوم القيامة و من
يظن إستحالة بلوغ الإنسان مرحلة التحكم في الكون و تحويل وجوده فيه إلى ما يشبه
القرية الصغيرة يمكنه فيها كشف كل ما في مجراته لم يصدق الخبر و غاب عنه ما هو
مبثوث في عمق تكويننا و في سورة الزمر بيان :
وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى
ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي
جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ
وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ
ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ
ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ
وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ
لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ
وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ
ٱلۡخَٰسِرُونَ
اسوداد الوجه ، اسوادد الوجهة ، فوجهتم لا
تشع نورا فالسواد في القرءان ما لا يعكس شيئا مما يصله ، يتقبلون كل إتهام ، كل
معرة دون رد ، هذا يوم القيامة أين مكان من كذب جهنم ، مثواه هناك ، مكان راحته و
استقراره. كبرياءهم ليس كبر معرفة و علم و بلوغ إسجاد لإبليس، كبريائهم كبر تكذيب
و في كل مرة كبر للكذب على الله بالتأكيد على إستحالة بلوغ الهدف بل في وجود الهدف
من أساسه.
شمشنا
كأي نجم تبلغ كتلته أقل من ثمانية كتلة شمسنا ستتحول إلى قزم أبيض ، نجم باهت
كثافته الكتلية تقارب الطن في السنتيمتر مكعب، و لكن سطوعه على كوكب الأرض ضعيف
جدا لصغر حجمه و مساحته الضئيلة و لست هنا في حديث مفصل عن الأقزام البيضاء التي
تمت دراستها في القرن الماضي من سلسلة من العلماء و هم على التوالي :
Ralph Fowler - Subrahmanyan
Chandrasekhar - Edwin
Salpeter - Hugh M. Van Horn
و من يريد الإستزادة فالأمر مفصل في كتاب
العالم :
George
Greenstein :
Of pulsars black holes and the fate of stars.
و حينها فجهنم التي تحدثت عنها الآيات ليست
لهبا بل كوكبا لا تصله الحرارة الكافية ليتمكن فيه الأحياء من مواصلة حياتهم
بسهولة، مثوى لا عمق فيه و لا صلاة و لا إرتقاء فمن في جهنم هذه صفاتهم و في سورة
الأعراف :
وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ
كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا
وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ
بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ
ٱلۡغَٰفِلُونَ
ها نحن الآن هيأنا دخولنا إلى سورة القيامة
، دخولا لفهم دقة الوصف، لنرى أين ستنقلنا الأيات و كيف ستصيغ حقّها للحديث عن يوم
القيامة :
لَآ أُقۡسِمُ بِيَومـِ ٱلۡقِيَٰمَةِ
القسمة أن تفصل جزءا من كل فصلا نهائيا. و
هذه الأية تطالبنا أن نعتبر الكل و لا نقسم ، أن لا نفصل هذا الكل، و ما سبب عدم
الفصل ؟؟
سبب إعتبار الكل هو يوم القيامة. أن تكون القيامة سببا في رؤيتنا الكلية . و
عندما ستعرض لنا السورة يوم القيامة ستجعلنا نكتشف أنّ كل ما يلزم لبلوغ هذه
المحطة نحتاجه و لا يمكننا فصله للوصول. كل ما يوصل للقيامة ضروري، أهميته عضوية و
نحن في مسيرتنا إلى يوم القيامة ينبغي أن تعلم في أي مرحلة نحن، في أي نقطة نحن في
المسار، و حينها فلا ينبغي أن نحتقر جهدنا للوصول إلى المحطة النهائية مهما كانت
بعيدة عن موقعنا في الصراط.
يوم
القيامة كما سبق بيانه في المقدمة هو يوم
تحوّل كبير في الإحساس بضرورة إيجاد حل قبل حلول كارثة إنطفاء نجمنا بعد نفاذ
وقوده النووي. و حتى نقتصد الوقت و الجهد لإسجاد الملائكة لا بد أن لا نقسم ، أن
لا نفصل جزءا من المسيرة فحينها لن نصل و كأنّ الأية تخبرنا أن الوصول إلى المحطة
النهائية حلقات متتابعة لا يمكننا فصل حلقة و إلاّ فلن نستطيع تفادي الكارثة.
لَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ
ٱللَّوَّامَةِ
و هذه النفس اللوامة دافعة لرؤية الأمر في
كليته كذلك. لوّامة بتاءها المربوطة ، رحم ينشأ اللوم كلما توفرت شروطه، هي إذن
نفس لا تفتر عن اللوم كلما مرت بحلقة من حلقات يوم القيامة و لم تجد نفسها مشاركة
في تحقيقها. هو تعبير عن حالة من يصل و يرى بلوغ حلقة من الحلقات و هو لم يساهم
بشيء لبلوغها. هو حديث عن نفس و ليس عن فرد حصرا، فالنفس ما يجعل التكوين حيّا، هو
مفهوم يحمل معاني الفرد و المجتمع و الكون كلّه. و حين نرى مجتمعات بأسرها لم
تساهم بلبنة واحدة من أجل بلوغ هذا اليوم فنفسها لوامة و حتى يزول اللوم، على
المجتمعات التي لم تشارك في حلقة أن تسرع للمشاركة في الحلقة المقبلة. دعوة مبطنة في
الأية أن لا نترك القطار يمر في كل مرحلة إسجاد للملائكة فكل جهد ضروري :
أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ
أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ
بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ
أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ
ها هي الأيات تدخلنا في وصف المحطة الكاشفة
على كل المحطات، تصف لنا ماهية المحطة النهائية، محطة القيام الكلي ، محطة البدء
بالقيامة ، فزمن الركوب و القعود الجزئي قط انتهى و زمن الحركة العشوائية قد انتهت.
فجرد المسيرة أن عظام الإنسان ستجمع، فما عظم في مسيرة الإنسان بكل تكويناته
المختلفة ستجمع و أنّ كل ما عظم في إنجازاته سيجمع لتحقيق الوصول إلى المحطة ، فكل
عملنا في مسيرتنا الطويلة سنحتاجه لإيصال القطار لمحطته النهائية. بل كل أوعية
البناء "بنان" ستسوى أي ستصل وضع يسمح لها أن تكزن فاعلة، ففعل التسوية
يعني حل المشكلة الواقعة.
و يمكن للناس أن تر العظام ما هو معروف من
هيكل "عظمي" نظرا لصلابته مقارنة بالعضلات و لكن بحث في جذر "ع ظ م"
في القرءان سنجد فيه " عظيم – يعظّم – أعظم" و هذا الجذر يحمل مفهوم
تعقيد التكوين و تعقيد إستقراره و بقاءه و لنا أن نعط للعظام معنى الأجهزة من جهاز
هضمي و عصبي. و يمكن للناس أن تفهم البنان على أنّه الأصبع الذي نعرف و لكن شجرة
البنان فيها "ابن - أبناء – ابنوا"
و هي تدل على البناء في لغتنا و تأتي النون لترسم وعاءا يحوي كل البناءات.
عظام تحتاج جمع و بنان تحتاج تسوية. عظام هي إنجازات متفرقة
نحتاج كل واحدة منها للخطوة النهائية، عظام يمكن فهمهما على أنها إسجاد للملائكة
ملكا ملكا و نحتاج إذن جمع السجود كلّه لبلوغ القيامة. بنان ، هي كل البناءات
المعرفية وصلت لحد يشبه العطل، و لم تستطع تجاوزه فالأمر يحتاج تسوية للعطل و
سيأتي النمق الأخير لإنهاء الجانب النظري بما يسمح بتجاوز الكارثة فالجانب العملي
التجريبي من الإسجاد و الجانب النظري من البنان مهمان. هي دعوة قرءانية للإرتقاء
في الجانب النظري و الجانب التجريبي.
جمع العظام و تسوية البنان هي شروط بلوغ القيامة و كأننا أمام حدث يستدعي كل
الطاقات السابقة كل الإنجازات ، كل العبقرية التي أنتجت علما و تقنية و إمكانات
للدفع إلى المحطة النهائية.
بَلۡ يُرِيدُ ٱلۡإِنسَٰنُ
لِيَفۡجُرَ أَمَامَهُۥ
يَسۡـَٔلُ أَيَّانَ يَوۡمُ
ٱلۡقِيَٰمَةِ
إرادة الإنسان أن يفجر أمامه كي لا يصل ، هو
يفعل كل ما يفجر الجسور و إمكان الوصول. هي حالة يأس من الإرتقاء ، أن يقف و لا
يدفع بالسير قدما إلى الأمام و إن بلغ مرحلة حلقة أتعبته محاولات الوصول إلى
الحلقة المقبلة فـ "أيان" تعبير
عن تساؤل في أي وعاء هي هذه المحطة ، من أي جهة يمكن بلوغها ، بأي طريقة ؟ و لكن
الوقت يمر و الكارثة تلوح :
فَإِذَا بَرِقَ ٱلۡبَصَرُ
وَخَسَفَ ٱلۡقَمَرُ
وَجُمِعَ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ
يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ
أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ
البصر ما يسمح بتحديد حدود الموجودات و
عندما يبرق البصر فهو يحدد الموجودات بكثرتها في لحظة ، إذ البرق تسريع إفراغ
الطاقة. فالإلكترون "القمر" يغادر مدارته العليا لينزل في مدارات أقرب
إلى النواة "الشمس" و حينها فالإلكترونات ترسل الأنوار بترددات مختلفة
حسب النتقال بين المدارات. هذه الأنوار المختلفة لتسارع هويانها إلى مركز الشمس،
فنفاذ وقود الشمس النووي يدفع ذرات الشمس
من هيدروجين و هيليوم إلى الهبوط السريع و تحت الضغط تقترب الإلكترونات من النواة
لتتحد معها ، و ينشأ نيوترون من جمع الإلكترون ذي الشحنة السالبة مع البروتون ذي
الشحنة الموجبة و تتحول الشمس إلى نجم نيوتروني باهت لا يمكنه إرسال الطاقة
اللازمة لكوكبنا و حينها فالحياة في كوكبنا ذاهبة للفناء و يسدل الستار على
الإنسانية فيها إسدالا نهائيا " يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ
أَيۡنَ ٱلۡمَفَرّ".
سنترك تفاصيل التحوّل لمن يريد الإستفاضة في ماهية النجم الذي ستؤول إليه
شمسنا ووصفنا الحدث هنا بما يطابق قرءاتنا للأيات. صورة نهايتنا التعيسة و عجزنا
عن القيام ، عجزنا عن القيامة ، عن الرحم الذي يجعلنا نقوم في كل محطة و كأنّ
الإنسانية كائنات لا تقوم إلاّ حين يعم الخطر و لو انتبهت لمشروع الرسالة لأسعفها
الوقت . لا مفر إلا إلى ربّك :
كَلَّا لَا وَزَرَ
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ
ٱلۡمُسۡتَقَرُّ
ما نصل إليه لتفادي إنهيار الشمس التي بها
حياة الكائنات لا وزر فيه، أمان تام ، بل محطة إستقرار ، محطة أوصلتنا لها ربوبية
القرءان ، يوم دفعنا له جهد مضني بإهتزاز لم ينقطع "يومئذ"، جهد فيه ما
يوصل للغاية "قدّم" و فيه ما يبعد عن الهدف"أخّر" ، و نحن
نسجد إبليس و الملائكة قبله بلغنا مرحلة "لا وزر" و بلغنا مرحلة "المستقر"
فلا فناء هناك و لا خوف علينا بعدها في المسيرة.
يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ
يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ
بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ
نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ
وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ
حجم ما نملكه من طاقات كبير و كان يمكننا
عدم التأخير و هذه هي مسيرة الإنسانية أمامنا و كل فرد يمكنه قراءة ما فعله هو و
ما فعله الوعاء "الإنسان" بكل أطيافه في المسيرة منذ إنطلاق سير ءادم في
هذا الكوكب. و ليس هناك عذر لأحد مهما شرح لا لفرد و لا لمجتمع :
لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ
لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ
إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ
وَقُرۡءَانَهُۥ
فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ
قُرۡءَانَهُۥ
ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا
بَيَانَهُۥ
من صاغ القرءان يخاطب قرءانه هنا لتصل رسالة
الخطاب لمن يقرأ. الأيات هنا هي خطاب القرءان
للقرءان موّجهة منه إليه لخطورة أمر القيامة ، هي شهادة من القرءان أن ما يقوله
هنا عن القيامة ربّما لن يصل للقارئ ، فالأيات تتوقف هنا لحظات في وسط السورة
لننتبه للخطورة فأمر القيامة خطير لدرجة أن القرءان يخاطب نفسه.
"لا تحرك به لسانك" بسبب هذا الغيب "به" ها
هو لسان القرءان يتحرك بسبب هذه الهاء التي ترسم الغيب، فحركة القرءان بسبب هذا
الغيب. كان يمكن أن لا تتحرك الأيات لو فهم الإنسان المراد من القيامة ، كأن هذه
الأيات التي يحدث بها القرءان نفسه كان يمكن أن لا تأتي و لا ترد، كان يمكن
تجازوها "لا تحرك" و لكن الغاية العجلة "لتعجل به" ، عجلة
بسبب هذا الغيب ، عجلة إفهامه خطورة القيامة لتفادي الكارثة.
"إن علينا جمعه و قرءانه" ، جمع الغيب
و قراءة هذا الغيب هو ماركة القرءان و بصمته "علينا" ، فعلوية ءايات
القرءان في بيان الغيب قبل أن يتحول شهادة هي هديه الذي يحمل. فجمع الغيب "جمعه"
يعني أنّ أمر القيامة يحتاج جمع لترتسم الصورة. فالقيامة متعلقة بإسجاد آخر
الملائكة و لذلك فالجمع ضروري. لذلك بدأنا
كتابة الموضوع بآيات خارج سورة القيامة ، فالسورة تتحدث عن القيامة أي عن بلوغ
نهاية المسيرة بإسجاد إبليس. و يحتاج جمع هذا الغيب لقراءته "و قرءانه".
ففي النص الذي بين أيدينا قرءان لهذا الغيب ، وعاء لإخراج القرءاة.
"فإذا قرأناه فأتّبع قرءانه" أن نتبع القرءان أي أن المسيرة مراحل ، فالآيات
تقرأ فهي لست فقط نصّا صامتا عن موضوع بل في مضمونها إمكان إخراج القرءاة. مقطع
رهيب يجعلنا نرى القرءان حاملا لنص و برنامج قراءة النص و طرق الدخول إليه بل و
مراحل القرءان المتبعة في الغيب الذي لم يتجلى بعد "قرءانه" :
ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا
بَيَانَهُۥ
"بين" تعني تخلل منفصلين "بينهما
زرعا" و البيان هو التخلل بين منفصلين بصعوبة رسمتها الألف الوتدية. هاء ترسم
الغيب فهناك غيب و في هذا الغيب بيان أي هذا الغيب متسلسل في حلقات لكن آيات
القرءان تتخلل هذه الحلقات في مسيرة قراءة طويلة رسمتها "ثم". ءايات
القرءان نص يحمل في نفس محتواه طريقة قراءة الغيب الذي يتحدث عنه بل و يحمل في
محتواه بيان هذا الغيب، فالتخلل يوّضح مراحل هذا الغيب.
بيان الغيب ليس فقط وصفا له في القرءان بل
بيان لمراحله و هذه المقاطع التي يخاطب فيها القرءان نفسه تضع صاحب النص أمام
مسؤوليته في القراءة و البيان و يضعنا نحن في مسؤولية الفعل، واجب القيامة، أن
ننتبه أولا لخطورة السورة ، أن لا نترك قيامتنا للدقائق الأخيرة و أن ننتبه
للمشروع و الكارثة المقبلة و أن نضيف العظام إلى العظام و البنآء إلى البنآء و أن
نتبع الحلقات كي نصل إلى الغاية، إلى القيامة لنتفادى الكارثة الأكيدة. كارثة تحول
شمسنا إلى نجم باهت لا يمكن للحياة في كوكبنا أن تستمر به.
كَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ
ٱلۡعَاجِلَةَ
وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ
إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ
وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ
تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا
فَاقِرَةٞ
محبة العاجلة ، إرادة استخلاص العاجلة ، هي
تصوير لمن يريد النتائج السريعة مع أنّ المسيرة ستطول و ستأخذ وقتا طويلا و جهادا
عظيما للوصول إلى الهدف. محبة العاجلة و ذر الأخرة. و الأخرة رحم التأخر ، يعني من
لا يترك لنفسه إمكان اللحاق بالركب، من يفرّخ التأخر في كل محطة، فمن يذر الأخرة
هو من يبث الأخرة في كل الإتجاهات يبذر التأخر بنفسه و لا يترك لنفسه منفذا للتقدم.
هناك توجهات "وجوه" تحاول الدفع
للوصول لهذا اليوم ، تدفع دفعا مضطربا "يومئذ" ، تدفع ناضرة لتصل ناظرة.
هي بين الضاد و الظاء، ضاد تفتح عينها لتبصر و ظاء أتاها سهم علوي يوّجه بصرها إلى
الهدف. ناضرة بصر يبحث في كل إتجاه ليرى و ناظرة بصر موّجه ليرى. وصف لحال التيه
في البحث، تيه في كل الإتجاهات لتحديد الوجه الذي يجب السير فيه ثم تأتي ربوبية
القرءان لتوّجه الوجهات إلى الوجه الذي يجب أخذه لتبدأ الرءيا "ر".
مجتمعات و أفراد تجهد نفسها بحثا و تقدما تنضر لتنظر و
مجتمعات "باسرة" تريد أن تقطف ثمار الجهود قبل أن تنضج ، تريد أن تغادر
الكوكب و لم تنضج بعد جهود الخروج بأمان للكون الفسيح ليتم الإستقرار في كواكب
مجراته و نحن نملك آليات السفر و الإستقرار في أمن تام. الوجوه الباسرة تسعى للهرب
دون التحضير التام و حتفها أكيد و بسرها نابع من ظنّها أنّه ستبقى هنا و تقر هنا
في الكوكب تعيش الضيق و قد ظهرت بوادر فناء شمسنا و تحولها لنجم باهت. فالفقر قر
في الضيق و الفاقر من اشتد ضيقه كإشتداد الضيق في الفاء المرفوعة بالألف و الفاقرة
رحم الفاقر ، فاقر متصل إلى النهاية ثم تصف الآيات صعوبة فعل الخلاص من الكارثة
التي ستحل :
كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ
ٱلتَّرَاقِيَ
وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ
وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ
وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ
ٱلۡمَسَاقُ
في جذر رق نتسلق شجرة وارفة منها
رق ترقى رقيّك
يرتقوا
جذر رق يدل على محيط يسمح لك بالغوص فيه في
كشف باطنه. أن ترتق لمستوى يوم القيامة فذاك أمر صعب يشبه المستحيل ، لا بد لك أن
توّلد هذا الرقي "التراقى" و كلما خضعت و لم تصل لا بد أن تولد آليات
جديدة للإرتقاء و لنا أن نتصور حجم الإنهاك عندما نقارب الوصول إلى هدف يوم
القيامة "كلا إذا بلغت التراقى" فأمر إسجاد إبليس سيكون معقد لدرجة
غريبة تجعل من يبلغ هذه المرحلة في حالة يأس
وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ
وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ
تنافس محموم للوصول إلى الغاية "من راق ؟؟".
مطالبة بمن يستطيع الإرتقاء و كأن المنافسة لا تجد لها متطوعين لصعوبة الإرتقاء و
غيّم الظن على الجميع أننا لن نصل للهدف ، لا يمكننا بلوغ يوم القيامة و إسجاد آخر
الملائكة ، لن نصل لمستوى إسجاد إبليس. و فوق "من" علامة "س" التي
ترسم السير لمن يظن أن علامات القرءان أمر عبثي. سين ترسم السير الصعب ، السير
العلوي في الإرتقاء الذي لا يستطيعه أيّا كان، ها نحن في مراحل النهاية أين يشتد
الجهد و يتعاظم التعقيد و يصبح الإرتقاء قاطع لأنفاس حاملي الروح. هنا يأتي الدفع من الخلف فالمساق هي قيادة من الخلف
فمن يسوقك يدفعك أنت إلى الإمامة، فالحل سيكون حلاّ يشبه السحر :
وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ
ٱلۡمَسَاقُ
حل سيأتي من تغيير جيني لا بد منه لتخرج
كائنات جديدة مؤهلة لحل المعضلة. تزواج بين بشرين معدلين جينيا ،من هنا سيأتي الحل
، فالتكوين الجيني للكائن الجديد هو من سيقود للحل النهائي. خطوة يرسمها هدي
القرءان بريشته إن صحت القراءة، كأن التعديل الجيني الأول الذي حدث في بدء آدم ليس
كافيا لبلوغ القيامة و لا بد من تعديل آخر يحدثه ءادم هذه المرة بنفسه كي يصل
للقيامة :
"و التفت الساق بالساق"
هذه الكائنات الجديدة يسوقها تكوينها الجيني
إلى "ربّك" و تعلو ربوبيتها لتبدأ السياقة نحو الهدف و تسوق معها
الكائنات إلى الهدف و يربو بها تكوينها
إلى هدف الرب في هذا القرءان "ربّك" إلى نهاية المشروع الذي سيصل إلى
مداه.
فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ
وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ
يَتَمَطَّىٰٓ
ثم
تستدير الأيات إلى واقعنا ، إلى واقع من لن يصل بعد ، ممن يقرأ القرءان في مرحلة
بعيدة جدا عن محطة يوم القيامة ، ممن هو في مثل حالتنا أو أرقى منها و لكنه بعيد
لتدفعه إلى التصديق بالنبوة كي يشارك بجهد في هذه المسيرة، جهد من يصدق فيشارك في
المشروع بكل قواه و جهده و أقلّه جهد من الإستيضاح "صلى"، و لكنّنا في
جو عات ، جو لا تصديق فيه بالمشروع و لا تصديق بإمكان بلوغ المحطة و لا حتى محاولة للإستيضاح و في المقابل بحث عن سلطة
لتكريس تكذيب المشروع . فليس تكذيبا بالخبر تكذيبا عاديا بل تكذيب من توّلى أي من
يملك مقاليد إدارة الأمور ليكرس التكذيب و يسير عكس المشروع شاعرا أو من دون شعور:
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ
يَتَمَطَّىٰٓ
ذ ه
ب مفهوم يدل على تكوين يصعب التأثير عليه ، فمن ذهب لا يتحرك لتغيير ماهيته بل همه
أن يبقها على ما هي عليه و له محيط يعينه على البقاء في التيه و السير عكس مشروع
الرسالة المرسوم نحو القيامة. أهل مؤهلون في طي الملفات، فكل ما عند هؤلاء هو طي
الملفات بدل دراستها، مجتمع التكديس الذي لم يحل مشكلة لينتقل إلى أخرى بل يطو
مشاكله تباعا فلا حل في الأفق.
أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰ
ثُمَّ أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰٓ
كأنها أربع محطات غايتها "لك" هذا
الكائن الذي يقرأ ليتفوق "أولى"، محطتان ثم محطتان أصعب لنصل للمحطة
النهائية
أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن
يُتۡرَكَ سُدًى
أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةٗ مِّن مَّنِيّٖ
يُمۡنَىٰ
ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٗ فَخَلَقَ
فَسَوَّىٰ
فَجَعَلَ مِنۡهُ ٱلزَّوۡجَيۡنِ
ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ
أَلَيۡسَ ذَٰلِكَ بِقَٰدِرٍ
عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰ
حياتنا نحن البشر لها هدف و غاية ، في مشروع
مبثوث في هده الرسالة ، فحساب الإنسان أي حساباته بحسب الرسالة خاطئة كلها إن وصل
إلى نتيجة مفادها أن وجوده هنا سدى بلا مشروع و لا هدف، فوضى في السير و الهدف. سدى
سد سينهار ، فالسد موجود في مسيرتنا و هذا السد نحتاج أن نتسلقه لمواصلة السير. و
كل حلقة سد و في كل حلقة نملك آلية للتسلق و الوصول إلى الحلقة المقبلة و لقد بدأت
مسيرة وجودنا ببويضة "نطفة" ، خلايا فردية ، فغياب النون من يك يعني أن
ليس هناك وعاء بل خلايا فردية ، بويضة من بين بويضات أخرى كلها في سباق نحو
التطوّر، و كانت البويضة التي بلغت بتطورها خروج الكائن العضوي "الإنسان"
تحمل منّا ، فيها شيء زائد، فالمن هو الإضافة النوعية التي لا تملكها خلايا المحيط
الأخرى، و هذه الإضافة موجهة يمنى، فاليمين آلية التوجيه ، توجيها يسمح بخروج
الكائن العالم.
من بويضة تحمل الإضافة النوعية مرّ زمن طويل لتتحول إلى رحم
يمكنه وفق شروط استقبال محددة استقبال من سيعلق بها ، و بهذا العلق بدأ التخليق
الصعب لنصل لمرحلة التسوية الصعبة "فخلق فسوّى" ، فالذي تسويه هو من
يحمل عطلا يحتاج تصليحه ، فتمت التسوية بآلية لا تزال لغزا ليبدأ التحويل الجيني
داخل النطفة العلقة أي داخل البويضة الملقحة ليتم خروج الخلايا و الجنين ذكرا و
أنثى لتبدأ مسيرة الإنسان.
هذا الخلق الصعب الأشبه بالمستحيل بظهور
الخلية الجنينية ثم استقرارها ثم تعاظمها بالتزاوج إلى ظهور الكائنات العالمة ،
هذه المراحل يمكننا إستشراف مستقبلنا في الإرتقاء إلى درجة إحياء الموتى و هذه
مرحلة أخرى بعد القيامة فمرحلة القيامة ستفتح لنا الطريق لنبدأ السير نحو الساعة.
تم في 16 ماي 2023
إبراهيم بن نبي
تعليقات
إرسال تعليق