بعد السياحة في سورة
المزمل وصلنا إلى نتائج ذات أهمية قصوى لم نسجلها في البحث و سنجعلها الآن مقدمة للغوص
في سورة المدثر. نتيجة أولى و هي أن من صاغ النص القرءاني يعرف متى سينتهي إنزال
النص بعد قراءتنا للأية الأخيرة من السورة :
" إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن
ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ
وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ
عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ"
كأن الحق الذي يحمله القرءان غير مرتبط بمناسبة و
لا بسبب معين في التاريخ و الجغرافيا. كأن القرءان نص مرتفع عن الواقع المحصور
يتسربل بالوقائع ليحيك حقه و يمكنه التسربل بأي واقع ليخيط الحق. هذا الحق ليس إلا
مقابلا للكتاب، الكون الفسيح، إذ هذا موضوع القرءان و هذه ساحة الهداية فيه :
فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ
مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ
من اللحظة الأولى ، من فاتحة الكتاب ، من مقدمته
بدأ تنزيل الحق متتابعا حسب الترتيب الحالي الذي بين أيدينا و تسربل الباطن
بالظاهر ليخيل للقارىء أن الإنزال مرتبط بأسباب تاريخية محصور في إطاره الجغرافي و
الأمر ليس إلا وهما بصريا، فلئن كان للإنزال مناسبات فليست إلا سربالا ظاهرا يسمح
بالعروج بعده في معارج التأويل.
سورة
المزمل نسفت خرافة جمع القرءان كما روتها الأساطير التي حاولت فهم كيفية الإنزال و
تحولت هذه المحاولات إلى حكم على النص و بقدرة قادر طمست معالم ما في القرءان و
درستها. و قد كان يمكننا الوصول إلى ما سطرته هذه الروايات لفهم ما أنزل في سورة
المزمل إن نحن قرأنا ما بين سطورها وإن نحن وضعنا هذه المحاولات في سقفها المعرفي
و النفسي و لكننا فضلنا قراءة سورة المزمل
لفهم نفسيات من حاول.
نسفت
سورة المزمل ترتيب الإنزال كما أتى في الروايات، فالسورة تقول أن الإنزال وقع كما
هو في المصحف الآن سورة سورة بنفس الترتيب الموجود، فآيات الفاتحة نزلت قبل ءايات البقرة
و ءايات البقرة قبل ءايات آل عمران و ءايات المزمل قبل ءايات المدثر، فترتيب
الإنزال هو الترتيب الحالي و لم يكن الإنزال أشتاتا موزعة على سور يستحيل على بشر في
زمن النبي الكريم أن يضبط ترتيبها.
ثم سورة المزمل نسفت نظرية تدخل بشر في رسم
القرءان، فحامل الرسالة هو من ينسخ الليل و هو من يحضر جيل النسخ الذي سيواصل
المسيرة بعد فناء جسده و هو من يضع حدود الإنهيار في النسخ و يوجه النساخ إلى
أهمية كل علامة في النص. سورة شرحت برنامج النسخ و نظام تأهيل الناسخين من حامل
الرسالة و هي بهذا نسفت النظرية العبثية في رسم نسخة القرءان من مجموعات و أفراد
كل على حدة. مرّة على سعف النخل و مرّة على وريقات تأكلها الدواجن فسورة المزمل
جعلت كل النص القرءاني بعلاماته كلها ليل يجب قيامه و ليس عبثا متروكا لإجتهاد من
ينسخ.
ثم سورة المزمل أحالتنا إلى سور الكهف و الرحمان
، فالسورة جعلتنا نرى القرءان شبكة عصبية مترابطة فوحدة السورة الموضوعية ليست
وحدة منفصلة بل وحدة مرتبطة بشبكة وحدات موضوعية أخرى ترابطا عصبيا. ثم هي تدفعنا
إلى قراءة سورة الكهف قراءة يمكن إعتبارها قراءة "باطنية" و كأن ءايات
سورة الكهف من الأية 74 إلى أخر ءاية سورة الكهف 110 كشفت لنا ألية قراءة القرءان
و طريقة الدخول فيه بل كشفت لنا حجم الإرهاق في قراءته و الرغبة الجامحة في إلقاء
المنشفة :
" قَالَ هَٰذَا
فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع
عَّلَيۡهِ صَبۡرًا"
ليست قراءة باطنية بالمعنى الذوقي للتبطين بل
قراءة منهجية للأيات. قراءة تجعلنا نرى ءايات سورة الكهف من زاوية أخرى، من بعد
آخر. بعد يبقي المفاهيم و ينشأ معاني جديدة. لا شك أنّ مثل هذه الطريقة التي
أرغمتنا عليها سورة المزمل لقرءاة ءايات الكهف تجعلنا نقف مع ءايات القرءان موقف
من يرى إمكان تنوع القراءات دون أن تتناقض هذه القراءات.
ثم نختم بهذه الملاحظة و هي إعتبار سورة المزمل
القراءات المتنوعة بل و القراءات المختلفة لنصه ضرورة و أن خطأ القراءة أمر طبيعي
بل و حيوي عندما يكون جو الصلاة مهيئا لتبادل الرؤى فالسورة تدعو إلى إنهاء الجو
الفرعوني، جو القراءة الواحدة الوحيدة.
لنبدأ الآن سياحتنا في سورة المدثر:
يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ
" يَٰٓأَيُّهَا المُدّثِر" بحث في غيب الزمن و المكان عمن يحمل
وسم المدثر و مناداته. فالياء ترسم ما سماه الأسلاف ياء النداء، ترسم رفع الموانع.
فالمدثر كالمزمل يعيش موانع تمنعه من القيام بواجباته. و المزمل كالمدثر قد
يكون فردا و قد يكون أمة و مجتمعا دبت فيه حياة الزمل و الدثر.
زمل و دثر ليس من طبيعة من يحمله و صبغته و لكنه نشأ فيه و استقر و أصبح حيّا بفعل
عوامل المحيط و الزمن. مجتمع يجعل الدثر يحيا فيه و يستقر، مجتمع يصنع موانعه
بنفسه ، يضع هو دواليب منع القراءة و يؤسسها بل و يهاجم كل من يحاول رفعها. و لن نحدد مفهوم المدثر الآن فسنترك السورة تقودنا لهذا التحديد إذ في
غياب المشترك اللفظي يصعب تحديد المفهوم بالطرق البدائية و تحديدها من خلال البنية
ممتنع في هذه المرحلة.
قُمـۡ فَأَنذِرۡ
وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ
وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ
الفاء مدخل ضيق
ينبغي الإستفادة من فتحته اللحظية للدخول فيها قبل أن تغلق. فالقيام ضلوع
بالمسؤوليات و إن أتت النذر فقذ ضاع الوقت و لا بد من القيام بواجب الإنذار قبل أن
تقع النذر. فالنذر آتية لا محالة و الوقت ضيق و كأن القرءان صيغ للتنبيه من النذر
و التحضير لتفادي كوارثها ، و كأن واجب قارئ القرءان التركيز على النذر و هو يسارع
الزمن في تنبيه محيطه من الأخطار القادمة. فليست القضية أن تبك بعد فوات الآوان
فبكاؤك بعد الكارثة عبث محض.
"و ربّك فكبر". أن توسع ربوبية القرءان لأقصى الحدود الممكنة ، فهذا
القرءان "ربك" الذي به تربو معارفك كبير ، فتسطيحه غير وارد و حصره في
فهم لا يعرج يفقده الربوبية. هي دعوة من الآية لتسريع الحديث عن الحلول التي
يحملها النص القرءاني لتفادي النذر فعبث أن نتحدث عن حل بعد وقوع الكارثة و عبث أن
نتحدث عن كشف القرءان لكشف علمي بعد اكتشافه. و هؤلاء الذين يتحدثون عن إعجاز
القرءان العلمي يتحدثون في الحقيقة عن عجزهم و يصفونه ، ففي القرءان هدي و إن
اهتدي غيرك بمعرفة ما في الكون و لم يعرف قرءانا فهي شهادة على المعاجزين و ليس
لهم. شهادة على عجزهم ، شهادة منهم أنّ القرءان لم يهدهم بل من هداهم لمعرفة
القرءان هو من كشف.
إن لم تهتد في
معرفة كبرياء القرءان فأنت مدثر و إن لم تنذر قبل وقوع الكارثة فأنت مدثر بل إن لم
تدفع قراءتك إلى أقصى الحدود فأنت بحكم الآيات مدثر.
"و ثيابك
فطهر" .الثوب هو عودة بعد سياحة إلى نقطة البدء. أن تقرأ أي أن تدفع بقراءتك
لأقصى ما يمكن. ثم هذا القرءان يجعلك تكتشف أنّ قراءتك له تحتاج إلى عودة لقراءة فرضيات إنطلاقك. ففرضيات
إنطلاقك تحتاج إلى تعديل أو نقض و يحتاج بناؤك القديم إلى بناء جديد يسمح لك
بالتقدم. فالقرءان يؤكد أن الثياب أمر لا يمكن تفاديه فعبارة "و ثيابك" تصور
حتمية الثوب و تدعو الأية إلى عدم تأخير الطهارة و الإستفادة من حالة كشف نقص
القرءاة السابقة في تسريع إنشاء آليات القرءاة الجديدة.
أن لا تلق المنشفة و أن لا تتعب من المحاولة و
أن اليد التي أعادتك لفحص نقطة البدء يد تسمح لك بالبناء ثانية ، فالحق القرءاني
ممتنع من أول محاولة بل هو إرتقاء يحترم حرية الخطأ و يدعو لمجتمع يجرب و يعترف
بالخطأ و يطهر سريعا أخطاءه. و من ليست حاله هذه فهو مدثر.
"و الرجز
فاهجر" الرجز بتعبيرنا الإضطراب . لا فائدة من الهجر بعد وقوعه. بناء القراءة هو الأساس و ليس نسف القراءات
المضطربة ، و ليست القضية القضاء على القراءات المضطربة بل القضية هجرها. لا بد من
قطيعة نفسية معها ، فالذي يقرأ مهمته البناء و ليس محاولة نسف إضطراب القراءات
الأخرى حتى لا يضيع وقته و حياته فالآية
تقول لنا أن البناء أهم من الهدم و أن نكبّر القرءان و نطهر قراءاتنا أولى من
محاولة نسف الرجز و الدخول فيه إذ محاولة إنهاء الإضطراب يقود هو بدوره إلى الإضطراب.
حال الفرد هنا كحال المجتمعات فمهمتها ليست صراع الأخرين فكريا بل مهمتهم الصلاة و
صناعة القراءة و ليس محاولة تقويض ما يظهر أنه مضطربا إذ الإضطراب سينتهي حاله إلى
هجره كليا فذاك مصيره.
وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ
وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ
إن اكتشفت علو القرءان فلا تمنن كأنك أنّك أنت من أعطيت لطفا منك و إنفاقا
بل من أعطى هو القرءان و لم تقم إلا بواجبك و أن الإستكثار ليس إلا وهما فما
اكتشفته لا يعدو محطة ستتبعها محطات أعلى. و في كل كشف ستأتي الضربات من كل صوب و
كأن العلو طبيعي في هذا القرءان و أن هذا العلو سيتبعه رفض حتمي بل و مواجهة. فالصبر
ليس تحملا لقراءتك أمام محيط يرفضها بل هو صبر ناتج عن ربوبية القرءان ، صبر نابع
من معرفة ما يحمله هذا القرءان و يصعب على المحيط تصديقه و حين يكتشف المحيط علوية
القرءان فلا معنى للصبر. صبر غايته الربوبية فالمعرفة في القرءان متعالية و هي
ليست متاحة للجميع. فإرتقاء القراءة في عالم الناس يحتاج صبر.
يمكننا رسم صورة للمدثر الآن ، هو الذي ينتظر الكوارث ليقوم بعدها ،من
ينتظر كشوف الأخرين ليعلي من شأن ربه ، من يتمسك بقراءة لا يعدوها و لا يسمح لنفسه
بمراجعتها و يمتنع عن تطهيرها و من يضيع وقته هدرا في محاولة تصحيح إضطراب الأخرين
و لا ينتبه لقراءته هو و يدخل نفسه في صراعات الجانب بدل الهدف الأساس.
هذه صورة المدثر ، صورة من سيصيبه الإندثار و المحو و السحق قريبا نتيجة
لكل هذا و سيكتشف أنّه بدل أن يتواضع ليرتقي، ها هو الآن مضطر لبدل جهود كبرى
ليلتحق بالركب و ينفي عن نفسه كوارث التأخر.
فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ
فَذَٰلِكَ يَوۡمَئِذٖ يَوۡمٌ عَسِيرٌ
عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ
النقر محاولة الوصول
لمحتوى القر، محاولة بلوغ محتوى الوعاء، محاولة الوصول للعمق و في لغتنا نقر
الطآئر بحثا عن الحشرات المختبئة في ثنايا الشجرة و بنات نقر من يتمرسن الغيبة و
الحديث عن الخصوصيات و هي اقتباس عبقري من لسان القرءان، فالذي ينقر يحاول الوصول
إلى رغبته و يعلم أن ما ينقره إن وصل للعمق أمرا ذا أهمية ، فهو في مهمته لا ينقطع
، فالنقر عمل متصل للوصول إلى العمق و لكن صاحب محتوى العمق يطالبك في هذا الآية أن تنقر منقارك، يطالبك أن
تنقر ناقورك ، أي أن طريقتك للوصول للعمق تحتاج هي بذاتها التفكيك ،فناقورك سينقر
و آلتك حتى تصل للعمق تحتاج قوة أكبر مما تملك فناقورك نقر و ينبغي لك أن تنشأ
ناقورا غيره.
قراءتك للقرءان نقر و لكن حتى لا تتفاجأ ، عليك أن تدرك أن آلتك مرحلية ، منقارك
سينقر خاصة إن اكتشفت أن منهجية قراءتك ضحلة لا يمكنها أن تصل للعمق فناقورك ضعيف
بل متهالك، هو مرحلة دفع مضطرب "يومئذ" ، مرحلة "يوم" عسيرة إن
اكتشفت أنك في السطح. و أنّك جانبت الصواب و أن كل بناءك و جهدك انهار في لحظة.
عسير أن تكتشف أنّ جهد القرون ضاع و أن الموروث نسف و أنّ الناقور لم يتمكن من الوصول
للوعاء بل لم يتمكن من الوصول إلى سطح الوعاء.
أما من تمرس
الكفر و أصبح محيطه كله راعيا للتغطية لا يترك للتنوع بابا و لا للإختلاف فرصة فهذا سيحتاج إلى تقنيات أعلى كي يستمر في كفره ،
فقضيته ليست في إنهاء حالة الكفر بل في إبقاء الكفر بطرق جديدة "على الكافرين
غير يسير". فهؤلاء سيواصلون معركتهم الكفرية و لن يأبهوا لضحالة ناقورهم بل
هدفهم إبقاء محيط الكفر.
للكافرين طرق الخروج من المأزق فالأمر عندهم ليس عسيرا و لكنه غير يسير.
تقنيات التغطية و التعمية دائما متاحة في تعاملنا مع القرءان قراءة، فالمشكلة ليست
في القرءان بل فيمن يقرأ حين يمارس الكفر و بدل تغيير الناقور و بحث آليات جديدة
يتجه الإنسان إلى طريق الكفر ليستمر في الوجود و الهيمنة. و ها هي الآية تصور حال
أمتنا مع ناقورها الذي صدأ و لم تستطع تغييره فمحيط الكفر مهيمن لا يسمح بمراجعة
الناقور مراجعة واعية. ها هو منهج أسلافنا في التفاسير حيث لا قراءة بل توجيه للنص
إلى وجهة غير وجهته و ها هو هذا المنهج يفرض بقوة الترهيب و كثير من الناس لم
يستطع الخروج منه بل هم يبررون له بكل الوسائل.
ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا
وَجَعَلۡتُ لَهُۥ مَالٗا مَّمۡدُودٗا
وَبَنِينَ شُهُودٗا
وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِيدٗا
ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ
"وحيدا" لفظ لم يأت إلا في هذه الأية. لنغص قليلا في جذر و ح د.
الواحد ضم و رص وصولا إلى حد لا ضم
بعده و لا رص أما الأحد فهي ذاتية الحد أي أنه هو من يصنع الحد أما وحيد فهو رسم لليد التي تشبك الحدود بين
أعضاءها برصها و ضمها إلى بعض. وحيد هو هذا الكائن الذي يمكنه مد الحدود بتوسيعها
برصها. مخلوق يمكنه توسيع حركته و مد حدودها، كائن مهيأ للإرتقاء ، مهيأ أن يكون
وحيدا عكس من حوله من بهائم و موجودات ، فهم على طبيعتهم لا يغادرونها.
"ذرنى و من خلقت وحيدا"من يخاطب
هنا هو من صاغ القرءان و هو نفسه من خلق ، هو نفسه المسؤول على تهييء
"الوحيد" ، ذر القرءان يعني بعثرته في إتجاهات معينة للوصول إلى من خلق هذا الكائن
الذي يقرأ. هي دعوة للإنتقال من نص القرءان وصولا إلى الحدود القصوى لمعرفة من
خلق. فالقرءان ليس إلاّ هداية للوصول إلى من خلق.
"و جعلت له مالا ممدودا"
، الجعل من أفعال القلوب ، الجعل تغيير في الجوهر و إبقاء للمظهر ، فهذا الذي
يمكنه دفع الحدود و تشبيكها أمكنته من إيجاد آليات للتبادل فيما بين أعضاءه ،
فالمال آلية التبادل، وسيلة المقايضة. فما تملك من موجودات يمكنك مقايضته بملك أخر
بوسيلة سماها القرءان مالا . فهذا الكائن مدّ له المال ليصل للهدف فلا يمكنه
التذرع بالعجز.
و "بنين شهودا" يمكنه
البناء و تأسيس شبكة بناءه و مدها لتكون شاهدة معه تساهم معه للوصول إلى الهدف. ولا
يمكنه التذرع بإستحالة البدء "و مهدت له تمهيدا" فالبدء ممكن بل و في كل
مرحلة يمكنه البدء "تمهيدا". ممهد تمهيدا أي أن التمهيد في كل مرحلة
ليصل إلى الهدف كأنه بساط يمهد و أنت تسير.
في هذا القرءان ما يمكنّنا أن نهتد به إلى الهدف. فطبيعتنا أن نوسع الحدود و نمد
الشبكات و بإمكاننا أن نبادل ما نملك لنصل إلى الهدف فالمال وسيلة لجلب ما يعيننا
على تحقيق غايتنا بمقايضة ما لا حاجة لنا به ثم يمكننا الإستعانة بالبنين و توسيع
دائرة العمل و البحث ثم كل ما في القرءان تمهيد لتحقيق الهدف المنشود و لكن
كالعادة :
"ثم يطمع أن أزيد"
فهذا الهدي القرءاني ناقص في زعمه لا يمكنه أن ينطلق به فهو يحتاج للتزود
أكثر فليس ما في القرءان زاد كاف حسبه
كَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا
سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا
العند صعوبة إستخراج ما في الوعاء. يده التي تصنع العند. "عنيدا"
أي أنّ هو من يصنع الطريقة التي تمنعه من إستخراج ما في الوعاء. هو من يصنع
الحواجز بنفسه، هو من يعرقل مسيرته بنفسه، هو من يبني الفخاج لتنقض عليه.
تصوير لحال أمتنا في تعاملها مع القرءان، نبوة خارقة ترسم لوحة العناد في
قراءة القرءان و الإهتداء به رسما يبكي لأن كارثة فعلها ستشلها من كل جانب بل إن
محاولتها الصعود إرهاق متصل إذ المشكلة ليست في الإنطلاقة الخاطئة بل في عدم
التصحيح و الإستماتة في الكفر.
الصعود إرتفاع في الطاقة فمن يصعد يحتاج إلى طاقة إضافية تصعده و حال العنيد حال
المرهق في إيجاد و توفير هذه الطاقة. و كأن الآيات تقول أن الصعود في القرءان لا
يرهق بل هو ممهد في كل مرحلة و لكنه العند الذي يبدد الطاقة و يعجز عن توفير ما
يسمح بالصعود بالطرق الطبيعية.
و لكنها ستصعد مرغمة ، ستضطرها ربوبية القرءان إلى الصعود و ستضطرها مرهقة
إلى الصعود مهما عندت.
إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ
فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ
ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ
ثُمَّ نَظَرَ
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ
ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ
ثم تصف الأيات حال التطور الذي يصيب المدثر ، فمن صاغ القرءان يعلم المسيرة
و يعرف المسار و يرسمه بريشة من لا تخفى عليه خافية. آيات تشرح لنا مراحل قراءة
القرءان من أمة المدثر بتشريح يصعب استيعابه لأول وهلة لدقته المذهلة و كأن من صاغ
القرءان يعرف مسبقا كيف سيتم التعامل مع كتابه و هو في رسم الآيات يبطن المشهد تبطينا شديدا .
"إنّه فكّر و قدّر". محاولة تفكيك المنظومة و إيجاد تقدير تقدير
لها ، حال من يبحث عن فهم لغز، يحاول إيجاد قواعد هذا البناء ليتمكن من فهم
ماهيته. ها هو قد وجد القواعد و أرساها و شدّها و ثبثها "قدّر". تصوير
لحال أمتنا و هي تؤسس للغة فهم القرءان قواعدا و لتأسيس منظومة الأساطير التي تشرح
لنا ما في القرءان و لكن المنظومة انهارت. لم تعد قواعد اللغة التي أرسيت تنفع و
لا الموروث الذي تأسس يسمح بدخول القرءان وهديه. و لعل عصرنا هذا هو عصر
"فقتل كيف قدّر" فوظيفة الفكر و التقدير السابق في قراءة الرسالة دخلت
مرحلة الإنهاء و الإنهيار.
فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ
دخول في مدخل ضيق ، قتل لا يشاهده المحيط، إنهاء وظيفة هذه القراءة صعب
البلوغ فمدخل القتل ضيق و كأن هذا القتل لم يكن متاحا بسهولة . قتل سيحتاج ظروفا
أخرى ليأتي على كل التفكير و التقدير السابق . ليس قتلا للقراءة بل قتل لكيفية
القراءة فالنقض ليس للقراءة بل هدم لألية القراءة و كأن القرءان ينبه لخطورة
الآلية ، فمتى ما قتلت الكيفية "كيف" قتلت القرءاة تباعا. فمادة القتل
لمن أرادها تثمر إن كانت متجهة للآلية و ليس للتفاصيل.
تعبير القرءان عن قتل الكيفية هو نفي إتصال القرءان في صياغته بلغة بشرية إذ
لو الأمر كذلك لما تحدث عن الكيفية.
ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ
ثم تأتي مرحلة النقض الشامل ، نقضا سنسف الآلية نسفا يتسع و ينتشر و يحيا
"ثم" . فالفاء خنق و ثم إتساع في المسيرة و فقهاء اللغة من الأسلاف
قالوا أن "ثم للتراخي في الزمن" ، تعبير صحيح عن الحاجة للزمن و طول
الزمن للوصول إلى إستيفاء الأمر و إستقراره.
هو بيان لإنهيار آليات القراءة ، إنهيار للأسس من أفراد حملوا معول التصحيح ثم
يأتي الإنهيار الشامل المتسع في المحيط.
ثُمَّ نَظَرَ
ثم حالة الإنتظار
، و من لفظ "نظر" أتت عبارة
النظر بمعنى الفلسفة و النظرية و النظري في البحث التقديري الذي لم تؤيده التجربة
بعد و هي كلها تتحدث عن الإنتظار حتى يتم التحقق فمفهوم النظر في القرءان متعلق
بفترة توقف إنتظارا للتحقيق أو النقض. كأن تقويض ما سبق من قراءة لم ينشأ قراءة
جديدة تسمح بظهور الهدي القرءاني
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَر
ثم تأتي مرحلة من يتجهم
و يعتبر القرءان ضد مصالحه و ضده هو شخصيا و كأن القرءان حديث عن الحياة الخاصة ،
هكذا بالمفرد ، هذا العبوس متعلق بالبسر ممن يريد قطف الثمار قبل نضوجها ، فالعبوس
تعبير منه أن القرءان لم يعطه ما يريد. فما خرج من قراءات جديدة لم يمكّن المجتمع
من دخول الحلبة، من دخول عالم الحقيقة و الواقع من الباب الواسع. لم تسمح مرحلة
النظر بإخراج ما يتمناه كل قارئ أن تدر قراءته ثمرة من المجتمع.
قراءات النظر ، قراءات
من يدخل النص لقراءته من نفس النص و القرءان يقول عن نفسه أنّه تنزيل للكتاب فبدون
كتاب ليس هناك قراءة للنص بل نظر لا ينتج إلا العبوس و البسر.
ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ
هو استدارة و رمي لهداية
للقرءان ، عدم إلتفات له و الجزم أن لا شيء فيه غير الأدب و السجع، أنه لا يهدي.
عاجز عن الهداية و هي مرحلة أنتجها الإستكبار ، أنتجها تعاظم المعرفة العلمية و
التقنية خارج القرءان فليس هو من سطّر إرتقاءها بل كان بعيدا عنها بل كان معاديا
لها، هذا هو الأكيد في هذه المرحلة. هي مرحلة الإلحاد الشامل عن القرءان في أمة
تزعم حمله. فالآية هنا تتحدث عن المحيط العام الذي يتنفس فيه كل واحد منا نفس
القراءة و هو لا يدري و يظن أنه استثناء في هذا المحيط و هو لا يدري أنه يسبح في
نفس المحيط.
هداية القرءان هي حالة
مجتمع يهتدي و ليس حالة فرد يهتدي فعمل القرءان عمل نواة ترتقي علميا و تخرج
القرءان للوجود لتتضخ هدايته.
فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ
إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ
ثم مرحلة عودة للقرءان و
إعتراف بعلوه "سحر" فالتمويه يشير إلى ما لا يعرف آلية التمويه فيه و
يظن من يرى أنه كسر للسنن. ها هوالإستكبار يخرج القرءان ثانية إلى الوجود بل و
يجعله في صف السحر و لكنها نفس السمفونية ، فالقرءان ليس إلاّ تمويها
"سحر" ، تمويه يمكننا معرفة طريقته و يمكننا كشف العبقري الذي صاغه
"بشر" و يمكننا كشف خيوطه. فهذا القرءان لا حق فيه و إن ظهرت هناك
مقابلة بينه و بين الواقع فالأمر لا يعدو تمويها و سنصل لمعرفة كيفية الصياغة
لإبطال هذا السحر و مفعوله .هذه نهاية المسيرة في صعودها المرهق نحو محاولة فهم
المحيط لهذا الكتاب.
سَأُصۡلِيهِ سَقَرَ
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سَقَرُ
لَا تُبۡقِي وَلَا تَذَرُ
لَوَّاحَةٞ لِّلۡبَشَرِ
عَلَيۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ
ها هي الآيات تنقلنا من
حالنا و حال القراءات إلى لحظات الكون الأولى بعد لحظة الإنفجار
"الفجر". تنقلنا إلى سقر. تجعلنا في إتصال مباشر معها لنرى القرءان
هناك. سقر صعبة الإدراك ، ليست فقط مستحيلة الإبصار بل و لا صعبة الرءيا فحسب بل
هي صعبة الإدراك. و ها هي الأيات تنقلنا إلى سقر لتضعنا بعد رحلة صعود الأجيال
المرهق مع القرءان مع الحقيقة الكونية التي كشفناها دون أن نهتد بالقرءان لتجعلنا
نتحسر على الوقت الضائع.
يا من تدرثم و بتأخركم لم تشاركوا في
مرحلة النهوض، اقرأوا الآن ، ها أنتم الآن أمام سقر و هذه الصورة 1 تشرح لنا موقع
سقر بين بدء الإنفجار العظيم و نهاية مرحلة الليل "و الفجر و ليال عشر"
و إن كان ما في الصورة يوضح ستة ليال بدل عشر.
الصورة 1
الجزيئات هناك في سقر أين
درجة الحرارة بملايير الدرجات أين المكونات أشبه بالحساء الساخن لا يمكن لعنصر
ناشىء أن يستقر فمكونات الحساء في إنهيار و بناء
و تحول "لا تبقى" و هذه المكونات لا يمكنها الخروج من الوعاء حتى
الفوتونات "موجات الضوء" لا يمكنها الخروج و حتى النيوترينو الجسيم
الشبحي لا يمكنه الخروج ، فما بين لحظة الإنفجار و ثلاثمائة ألف سنة بتوقيت أرضنا
الحالي استحالة إستقرار تكوين الجزيئات و إستحالة خروجها من سقر.
هذا هو القرءان في رسم حال الجزيئات في سقر أين
يستحيل على أي جهاز إبصار ما فيها و ما يمكننا فقط هو الإدراك و حتى التقدير ممنتع
و نحن في هذا الإدراك بحاجة لهدي القرءان، لهدي من يعرف السر لنخمن.
سقر، مودع فوضى التكوين ، لكنها فوضى مخطط لها ، مخطط سيوصل التكوين إلى خروج الكائنات
الواعية العالمة. فوضى تلوح من سقر بالبشرى القادمة ، و عندما ندرك سقر لا يمكننا
إلا أن نقر بإستحالة خروج شيء منها و لكن الكون أمامنا بمجراته و بنجومه و
بمجموعاته الشمسية و نحن فيه كائنا عالمة تحمل الروح. إنها مفارقة سقر التي منها نشأ
الوعي الذي ينشأ الكومبوتر ليتم إدراك ما حدث في فيها. هو هكذا القرءان ينقلنا من
تعاسة القراءة الساذجة إلى لحظة تأسيس الكون كي نرتفع على سذاجتنا و بلاهتنا في
التعامل معه.
ها هو القرءان، هو لهذا المحيط سقر لا نكاد نرى
فيه هديا مع أنه صمم لنصل به إلى الخلافة و نهتدي به إلى أصقاع الكون الفسيح و نصل
إلى غاية المشروع التي يحمله و لا بد من قوة لتخرج علاماته التي لا تبقي و لا تذر
إلى الوجود
عَلَيۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ
على سقر تسعة عشر.
"ـها" ترسم الغيب الذي يصعب إدراكه و لكنه مدرك و علوية التسعة عشر هي من
يحدد السير فسقر لا تبقي و لا تذر و لكن التسعة عشر ستعلوها أي هي من سينهي سقر ،
تسعة عشر في سقر لكنها عليها فهي من سيعلو في النهاية و ستخرج من سقر، لتبدأ
المسيرة و لعل الأمر نفسه مع القرءان فبإخراج التسعة عشر إلى الوجود يبدأ السير
نحو مشروعه سيرا واعيا لا ليل فيه.
نعيش في زمن استطعنا فيه
كشف ثمانية عشر و بقي واحدا منها يصعب كشفه الآن ، الثمانية عشر هي إثتنا عشر شهرا
"الفرميونات" و ستة من الملائكة "البوزونات" التي نراها في
الجدول أدناه في الصورة 2 . و من الضروري العودة لشروح العلماء في النت و هي بلا
حصر لمعرفة التسعة عشر و أخرها الملك إبليس المسؤول عن قوى الجاذبية و الذي سيتم كشفه ثم إسجاده في مرحلة متقدمة من
مسيرة العالمين و التي يسميها القرءان يوم الدين.
الصورة 2
و هذه فيديوهات يمكنها تقريب
النظرة و تقديم شرح عن ماهية الشهور و الملائكة
https://www.youtube.com/watch?v=Unl1jXFnzgo
https://www.youtube.com/watch?v=mYcLuWHzfmE
هي قراءة قد تكون غريبة
لمن لمن يقرأ مفهوم الملائكة في القرءان على أنها لبنات الكون الأساسية و لمن لم
يضبط مفهوم الشهور الإثنا عشر و مفهوم إبليس، و هي قراءة غريبة لمن لا يرى أن
القرءان إنزال للكتاب و لم ير بعد أن موضوغ القرءان هو الكون و أن هداية القرءان و
ظيفتها و هدفها الدخول في الكتاب. إذ لم يقل القرءان أن عدة الملائكة سبعة كما حدد
عدة الشهور بالإثنا عشر و لسبب أن إبليس يحمل ماهية ملائكية و لكنه ربما يحمل
ماهية أخرى ، لعل هذا السبب هو ما يجعله أصعبها و أخرها سجودا.
لقد سبق إعتبار العدد تسعة
عشر مفتاحا عدديا في القرءان من مجتهدين كثر و باءت كل محاولات فتوحهم بالفشل إذ من
يقرأ لم ينتبه أن حديث الأية حديثا كونيا و أن الربط بين الكون و القرءان ليس ربطا
عدديا في إختيارات الضرب و الجمع و القسمة في سور القرءان و ءاياته إختيارا عشوائيا.
تسعة عشر . دون تحديد
ماهيتها لأنها خليط من تكوينات ثلاث لكل تكوين ماهيته ، تكوين شهري و عدته إثنا
عشر شهرا و ملائكة و عدتهم ستة و إبليس.
وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةٗۖ وَمَا
جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسۡتَيۡقِنَ
ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا
وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ
وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ
ٱللَّهُ
بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ
ٱللَّهُ
مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ
وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ
رَبِّكَ
إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ
هنا حاجتنا للبنية بين
النار و النور فالنار حائط و النور رص و ضم و بين الألف و الواو معاني تراقص
المفهوم. وجود القوى الأربعة في كوننا
القوّة النووية ـ القوّة
الضعيفة ـ القوة الكهرومغناطيسية ـ قوى الجاذبية
يحتاج ظهورهذه القوى
الأربعة لتبادل ملائكي و هذه الملائكة تبقى
سجينة التبادل و يحتاج خروجها لطاقة لتتسلق الحائط لتخرج نورا ، شأن جزيء الضوء "الفوتون"
حين يخرج نتيجة رفع طاقة الإلكترون من مدار إلى مدار و حين عودة الإلكترون إلى مداره الأول يرسل الفوتون ،
الملك المسؤول عن ربط الإلكترون بالنواة ربطا كهرومغناطيسيا.
الكفر تغطية، فمن كفر في
هذه الأية يريد تغطية الماهية ليظهر ماهية أخرى فعن أي كفر تتحدث الآيات ؟؟
ماهية التسعة عشر ماهية
غير مضبوطة فهي من جهة تحمل ماهية الأجسام و من جهة أخرى تحمل ماهية الموجات ،
فالفتنة دخول في التجربة و في تعامل الفيزياء في كشف التسعة عشر لا يسعها إلاّ كفر
ماهية من الماهيات و ها هي ميكانيك الكم تجمع الماهيتين في معادلة واحدة و لكنها
لا تفصل في الماهية.
يمكن أن نقرأ الكفر
كقضية أخلاقية ، من يحاول تغطية الحقيقة لكن الكفر هنا مرتبط بالعدة و التسعة عشر،
فالتبطين هنا للحديث عن ماهية العدة في إيراد لفظ "الذين كفروا"، فكفر
الماهية ضروري في المرحلة الأولى ، فالذين كفروا هم كل من يدفع الكفر بإضطراب و
لعل مقولة أينشتاين "أن الله لا يلعب بالنرد" في حديثه عن معادلات
ميكانيك الكم تعبير عن صعوبة هضم عدم
تحديد ماهية التسعة عشر. فالفوتون "النور" كالـ "إلكترون" و
كل التسعة عشر تحمل ماهيات لا يمكن ضبطها. فهي من جهة تحمل ماهية الأجسام و من جهة
أخرى ماهية الموجات.
من أوتي الكتاب ممن لم
يأت الكتاب بل من أوتي تركة و إرثا سيستيقن أن ما أوتي يحمل حقا. من أوتي الكتاب
لم يكشف العدة بل انتظر كشوف الأخرين ليرفع شعار غلبة ما يحمل فبدل الإهتداء
بكتابه للكشف ها هو يستند إلى الذين كفروا ليعلن يقينه و هي حال الذين أوتوا
الكتاب، يقينهم نابع من عمل غيرهم فهم لا يشاركون في العمل بل قضيتهم قطف الثمار و
التعالي على من كشف.
ثم المنفتحون على الحق
القرءاني ينتبهون للعمق الذي يحمله الكتاب و لهديه ليواصلوا مسيرة البحث الملائكي
و تحديد الماهية فالأمر و إن كان صعبا لكنه بحكم الهدي القرءاني ليس مستحيلا
فالعدة تسعة عشر و إن كانت ماهية إبليس مشكلة فتحديدها ممكن، فالذين ءامنوا يمكنهم
التزود لمواصلة المسيرة. ها هو القرءان يرسم الأفق و أن كل المعضلات ستحل و أننا
سنصل و أن العدة سيتم كشفها و ضبط ماهيتها ليتم إسجادها كلّها.
و ليرتفع الريب عن الذين
أوتوا الكتاب أنّ ما يحملونه لا مشكلة فيه ، فما حملوه لم يكن موّحدا بل كان فيه
إشكالات في بعض رسمه و بكشف العدة سيتم معالجة كل الإشكالات ليرتفع الريب نهائيا.
و هذا قول القرءان أن بعض الإشكالات التي في رسمه و في إختلاف بعض نسخه سيتم رفع
الريب عنها بكشف العدة فهي من سيعالج موضوعيا النص الذي بين أيدينا.
"و المؤمنون"
فالمؤمنون يعرفون أن الربط بين الكتاب و إنزاله مطابقة تامة و أن كل علامة في هذا
القرءان برنامج فإرتفاع الريب عن من أوتوا الكتاب ليس هو نفسه إرتفاع الريب عن
المؤمنين فهم شركاء في الصحيفة لكن ليسوا مشتركين في نفس رفع الريب. فإرتفاع ريب
المؤمنين هو إرتفاع ريب ماهية جزيئات العدة .
وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَاد الله بهذا مثلا
المرض مانع ذاتي من السير العادي لأمر فمن لم يصل
بعد لموضوع العدة لا يمكنه أن ير المثل ففي جوهره مانع "في قلوبهم مرض"
فهم لا يتصورون أن حديث القرءان عن الكتاب و هدي لقراءة الكتاب و من تمرس التغطية
و التعمية رغم وضوح الدليل يريد أن يعرف سبب إيراد العدة.
إن بداية التكوين مضبوطة رغم ما يظهر أنه إنفجار
و فوضى في البداية لكن فوضى البداية سمحت بظهور الكون ثم الحياة ثم البشر الذي حمل
الروح و كذلك هذا القرءان ، يظهر أنه فوضى لا رابط بين ءاياته ، سقر حقيقي لا يخرج
شيئا منه حبيس نصه لكنه يرسم الطريق إلى الهدف حين يخرج من دائرة سقر ليبدأ تكوين
الحياة منه. فإرادة الله هي محل التساؤل و من ورائها سنن الكون التي أنشأت من
الفجر الحياة. و العدة في تسعة عشر بين الكتاب و القرءان هي مربط المثل لكن أين
المقابلة بين الشهور الكونية و شهور القرءان و بين ملائكة الكون و ملائكة الكتاب،
سؤال ليس لنا جواب عليه الآن فهو ضمن مبحث البنية الذي لم يبدأ بعد.
جهة لا ترى القرءان يتحدث عن الكون و جهة لا ترى
إمكان حديث نص عن إمكان حل ماهية جزيئات العدة مادام العلم حاليا فصل فيها في
ميكانيك الكم أو في غيرها في النظريات المقبلة. هو نفي لإمكان تغيير الرؤية و
النظريات و التمسك دائما بالحاضر و رفض إتساع الأفق.
كَذَٰلِكَ يُضِلُّ الله مَن
يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ
فالمسيرة ستطول في كشف ماهية العدة و دراسة
البنية القرءانية ، فالضلال كالهدى سيجد من يجسده و ستستمر المسيرة هكذا إلى أن
نصل لنهاية الأفق بكشف العدة و معرفة ماهيتها.
وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ
رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ
"جنود ربّك" معلّمة في القرءان ، قوى خفاء
في القرءان هي من يجلي ربوبيته و هي تدفع بنفسها للظهور، تدفع لكن لا يمكن أن تدفع
إلا بالـ "هو". هو غيب متصل ، لا يمكننا كشفه إلا بإيجاد الرابط بين
العدة الكونية و العدة القرءانية و لنا أن نسأل هل "هو" من سيضعنا على
إيجاد الرابط ؟؟
في سورة المدثر ورد "الله" ثلاث مرات كأنه حديث عن التكوينات الثلاث في
العدة بين الشهور و الملائكة و إبليس. و لا ندري كيف يمكننا إيجاد الجنود في
القرءان ليتم الربط بين القرءان و الكتاب ؟؟ هي نافذة لبدء البحث في جنود القرءان.
ليس هذا إلا ذكرى للبشر لحامل البشرى. لعبقرية من
يقرأ ، فها هو القرءان بحديثه عن العدة هنا يذكرنا بعلوه ليدفعنا للبحث عن الجنود
فمن يعرف السر يريد منّا أن نجد السر في بنية ما أنزل. فهذا القرءان ليس إلا
إنزالا للتكوين في صحيفة.
كَلَّا وَٱلۡقَمَرِ
وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ
وَٱلصُّبۡحِ إِذَآ أَسۡفَرَ
إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ
بداية الإنطلاق في مسيرة كشف العدة كان بالقمر ،
هو أول الخارجين من الليل ، هو أوّل من أسفر صبحه. فالقمر مفهوم مرتبط بالتعلق و
هو في العدة التسعة عشر الإلكترون فهو المتعلق بأنوية الذرات و خروجه من الليل
يعني بداية الإنطلاق في السفر "أسفر" و سيطول السفر. فبدء سفر الصبح بدأ
بالقمر و هي نبوءة قرءانية تصف بدقة بداية السفر الإنساني للصعود المرهق. كشف
الإلكترون أدخل الإنسانية في مرحلة جديدة، في منظومة جديدة من الحضارة.
إِنَّهَا لَإِحۡدَى
ٱلۡكُبَرِ
واحد من العدة غيّر مجرى المسار ، واحد من الشهور
أدخلنا إلى الكبرياء إلى مرحلة من التطور الكبير نرى ثماره الآن و هذا بدء الطريق
المرسوم للمشروع القرءاني الكبير.
نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ
لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَتَقَدَّمَ أَوۡ يَتَأَخَّرَ
من هنا تبدأ المسيرة و سيبدأ الإفتراق بين البشر
حاملي الروح فمن أسفر مع القمر تقدم و من قعد تأخر و هي سنة نراها جارية في عالمنا
المعاصر فأمتنا تركت القطار يمر عليها و هي الآن تجني ثمار التأخر المميت. و لم
تصعد قطار القمر لأنها ظنت أنّها تحمل البشرى لمجرد ترديدها لنص الصحيفة. حمل
البشرى تفعيل للروح و ليس ترديدا لعبارات سحرية يمكنها أن تجعلك تسفر مع القمر.
كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ
إِلَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡيَمِينِ
الكسب هو إتخاذ وسيلة للوصول إلى الهدف. المال
يمكنه أن يوصلك للسعادة فالمال هنا كسب و يمكنه أن يوصلك للإنتحار فأنت من يحدد
الكسب الذي يوصلك للهدف لكن تحديدك للكسب لا يعني أنّك ستصل إلى الهدف بل يمكن أن
تصل لنقيض هدفك.
إن كانت الغاية الرفاهية و تعميم الرفاهية فا هي
أمة تضع البحث العلمي كسبا لتصل لرفاهية و أمة تضع الريع كسبا ، فمن سيصل ؟
أمة تجهد نفسها بحثا و عملا و عرقا و أمة غارقة في الإستهلاك ، في حوارات الجانب ،
فمن سيصل ؟
نحن رهائن لكسبنا، فما نختاره للوصول إلى الهدف
هو من سيحدد إمكان الوصول أو إمكان الضلال ثم بدقة القرءان تتحدث الآية عن الكسب
كمشروع "كل نفس بما كسبت رهينة" و تستثني الأية "إلا أصحاب
اليمين" كما سنرى بعد تحديد مفهوم النفس.
فالنفس
في القرءان كل ما يربط عناصر التكوين ليعطيها الحياة و يسمح لها بالسير. فللإنسان الحي
نفس و حين تموت النفس يتلاشى الجسم الحي لينقلب جسدا ، جثة تتعفن. و للمجتمع نفس
تربط أفراده لتنشأ منه كائنا حيّا و إذا تلاشت الروابط ، أي انتفت النفس تلاشى
المجتمع و انهار .
فالفرد كالمجتمع رهينة لكسبه، رهينة لوسائله التي اختارها للوصول للهدف و أما من
يملك وسائل التوجيه "اليمين"، وسائل تصحيح المسار التي تشير لها الآية
باليمين يمكنها في غضون الرحلة تصحيح المسار للوصول إلى الهدف. فأصحاب اليمين هم
من يعرف الهدف ، هم من يعرف غاية حركتهم لذلك هم يوجهون المسيرة في كل مرحلة إن
رأوا إبتعادا عن الهدف المرسوم ، هؤلاء فقط أصحاب اليمين أم غيرهم فسيرهم عشوائي
يمكنهم أن يصلوا إلى الهدف كما يمكنهم الوصول إلى نقيضه.
بداية بالقمر وصولا إلى إسجاد الملائكة، ذاك هو
المشروع الذي يحتاج إلى تصحيح إتجاهه في كل مرة إن إنحرف عن الهدف
فِي جَنَّٰتٖ يَتَسَآءَلُونَ
عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ
مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ
من يملك آليات التوجيه في جنات. هم في محيطهم
الجديد يملكون إمكان إخراج كل طاقات و ثمرات ما يخفيه محيطهم ، فالذي يمكنه إخراج
الطاقة النووية من الذرات بتفادي الكوارث البيئية يعيش في جنات ، و من يمكنه إستخراج
النفط لتكريره و إستهلاكه بعقلانية متفاديا مهالك التلوث البيئي يعيش في جنات. فالجنة في البداية خفاء تحتاج إظهار ما تخفيه.
الأمة التي تحيا في جنات تتساءل عن هؤلاء الذين
لم يستطيعوا الخروج من سقر ، بل تتساءل عن سبب سلوك هؤلاء في سقر ، فهم من رسم لأنفسهم
وجهة الوصول لسقر.
تساؤل أصحاب اليمين عن المجرمين يرسم سبب سلوك
هؤلاء في سقر. هو سؤال بصيغة الجواب. فمن هم المجرمون ؟؟
ج ر م مفهوم متعلق بالهجوم الإرادي. أمّا المجرم فهو من يعطي لهجومه حياة ، فهجومه
ليس خطأ ينتهي في أول هجوم و ينتهي بل في هجومه حياة لا ينقطع حتى يدمر حامله
الحي.
مجرمون بفعل
إجرامهم سلكوا سقر أين صعوبة الخروج من سجنها و إستحالة بقاء التكوين فيها. هجوم على
من أراد تصحيح المسار و تكوين اليمين ، هجوم على من أسفر القمر، هجوم على من سلك
طريق البحث
قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ
وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ
حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلۡيَقِينُ
ليس لهم وعاء يجمعهم "نك" التي غاب
عنها النون، فهم في سقر و لا يمكن لتكوينهم البقاء. كل فرد هائم في مصالحه لا
إتصال بينه و بين محيطه و هو في ماهية اليوم و في ماهية أخرى غدا. هم في سقر لا
إتصال بينهم بل ماهيتهم لا قرار فيها و لا إستقرار. حال من يسكر الصبح ليكسر
زجاجته ليلا و يطقس أياما و يترهبن ثم يعود للسكر ثانية ثم يأمل في محو سيئاته
أخرى. ثم مجتمعا لا جامعات تنتج فيه علما و فكرا تصلي منه و فيه و لا معاهد علمية
و لا عمل جاد في المخابر يدفع الصناعة دفعا لتعم الرفاهية فأول مظاهر سقر أنّ الحد
الأدنى للمسكين غير متوفر فكل مسكين ممن ينتظر أن تسكن نفسه ليس له الحد الأدنى
"و لم نك" فلا مؤسسة ترعى المساكين إذ جوهر هذا المجتمع الخوض . خوض
يناقض الصلاة.
"و كنا نكذّب بيوم الدين" . جوهر حركة
هؤلاء أن لا مشروع في هذا الكون و لا محطات فالأمر عندهم فوضى شاملة فتكذيهم بيوم
الدين هو تكذيب بإمكان إرتقاء الإنسانية لمحطات أرقى و أرفع وصولا إلى محطة يوم
الدين التي يتم فيها إسجاد أخر الملائكة عصيا و هو إبليس "فإن لك اللعنة إلى يوم الدين". من في سقر لم يشاركوا لا في كشفه و لا في إسجاده و لم يشاركوا لا في كشف العدة و
لا في إسجاد الملائكة حتى أتاهم اليقين. و حينها فالأمر فات بعد أن تغيرت ملامح
الحضارة بالإسجاد المتتابع للملائكة و هم عن كل المحطات غائبون.
فَمَا تَنفَعُهُمۡ
شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ
من يستطيع المحاماة عنهم ؟؟ كأن القرءان هنا يهدد
أن لا مبرر لكل هذا التأخر و لا مبرر مطلقا يمكننا إيجاده للغياب عن المشروع.
فَمَا لَهُمۡ عَنِ ٱلتَّذۡكِرَةِ مُعۡرِضِينَ
كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ
فَرَّتۡ مِن قَسۡوَرَة
هاهي أجيال من أمتنا قرأت القرءان و لم تنتبه لمسؤولياتها
الكبرى في تجسيد مشروع القرءان و لم تنتبه أن تأخرها نابع عن تخلفها في بدء السفر
مع القمر و لم تنتبه أنها بعيدة عن كشف العدة و سيفوتها إسجاد الملائكة فها هي
تواصل الآن في الخوض و الإعراض و تظن أن السماء معها بقراءتها الكارثية للرسالة و
أن السماء حبتها بالأمن إلى أبد الأبدين مع أنّ الإستعمار زارها و الكوارث تتابعت
عليها لكنّها مستمرة في الإعراض.
هي أشبه بمن يتلقى أشعة يعكس بعضها و يمتص بعضها
ثم بصعود الحرارة يفر من خوف السفع الذي يحرق جسمه. إشعاعات تصل تباعا و بدل
تحويلها لطاقة ها هم ينتظرون أن تحرقهم، هذا عملهم مع الهدي القرءاني فبدل
إنتفاعهم به ليخرجوا للواقع ها هم يتركوا أشعة الواقع تحرقهم فهم ينتظرون كوارث
الواقع لينتبهوا مع أن القرءان هنا يذكرهم بما حدث.
بَلۡ يُرِيدُ كُلُّ
ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُؤۡتَىٰ صُحُفٗا مُّنَشَّرَةٗ
ما يريدوه ليس قراءة الرسالة و لا الإهتداء بها
لدخول حلبة كشف الملائكة و إسجادها و معرفة الشهور. بل غايتهم أن يصلهم الأمر من
صحف منشرّة توصلهم هي إلى هدفهم المنشود فمهمتهم هم تنفيذ الأوامر. ما يريد كل من
ينتظر الأوامر أن لا يجهد نفسه و يريد أن تنتشر الأوامر على الكل ليتم التنفيذ. هي
أشبه بإنسان آلة لا روح فيها ، لا يعمل ليرتقي و لا يشارك في مشروع إرتقاء.
كَلَّاۖ بَل لَّا
يَخَافُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ
هم لا يصدقون بتحوّل المحيط و أن الأخرة عندهم لا وجود لها فالمسيرة عندهم فوضى لا إتجاه
فيها و لا قبلة. فإسفار القمر انطلق قطاره دونهم و أنّ عدم مشاركتهم فيه يعني أنّ
مكانهم الأخرة، فما سيجعل الأمم ترتقي من إسفار القمر سيجعلهم هم في الأخرة، فمن
البداية لم يصدقوا أبدا بمحطات الإرتقاء
كَلَّآ إِنَّهُۥ تَذۡكِرَةٞ
فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ
نفي في إمتداد
الزمن و المكان "كلاّ" فالأمر تذكرة، و في الغيب الأتي سيبقى تذكرة
"إنّه تذكرة". هي تذكرة فالأمر سيبقى هكذا لن يتغير فمن لم يركب قطار
العدة و الملائكة سيمحق و سيتأخر . فلمن يريد أن يصبح أمر تأخره ذكرى فالأيات أمامه
لينتبه للمرحلة المقبلة فأمل التصحيح مفتوح.
وَمَا يَذۡكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ الله هُوَ أَهۡلُ ٱلتَّقۡوَىٰ
وَأَهۡلُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ
و لا يمكن لأمر التخلف و التأخر و البقاء في سقر
أن يكون ذكرا إلاّ بمشيئة الله أي بتجسيد المشيئة في الجانب الموضوعي، في سنن
الكون التي تسمح بالإرتقاء فما دام هناك غياب عن الواقع الموضوعي للدخول في مرحلة
جديدة فذكرى التأخر و الغياب ستبقى تلاحق. فسنن الكون فيها إمكان الوقاية من
التأخر في كل محطة "أهل التقوى" بل إمكان التصحيح في كل محطة "أهل
المغفرة".
و في أخر سورة
المدثر أمل يصنعه القرءان حتى في أحلك الظروف ، أمل للخروج من حالة الإندثار ، من
حالة السحق و التحول إلى أطلال. أمل للخروج من حالة إندثار الأمة و المجتمع الذي
لم ينتبه لمسؤولياته و لم ينتبه إلى الهدي الذي تحمله الصحيفة التي يحمل. أمل
بالعودة إلى كشف العدة و إسجاد الملائكة فالوقت كاد أن يفوت.
أنهي يوم الثلاثاء 2 مايو 2023.
إبراهيم بن نبي
تعليقات
إرسال تعليق