التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قيامة المزمل و جمع المصحف

 

  سورتين ارتبطتا بروايات عن النبي الكريم تصف ارتباكه و خوفه و اضطرابه أمام وقع سورتي المزمل و المدثر. و هي و إن كانت   روايات تحاول قراءة السورتين إلا أنّها أصبحت هي الحاكمة على النص مع مرور الزمن و تضعنا هذه الروايات أمام تصور المحيط الذي تحيا فيه. فهذا المحيط انتهى به الأمر إلى نسيان ما حدث و إلى إختلاق أساطير من وحي الخيال أملته صعوبة الدخول لنص القرءان فمن جهة تم تجريف الواقع التاريخي و هو ما نقرأه بين سطور هذه الروايات المتناقضة و من جهة أخرى  كان لزاما شرح ما حدث و تسطير سردية تبحث في غضونها عن التناسق و لا تجده.

 

سياحتنا في سورتين المزمل و المدثر ستقودنا لمعرفة ملابسات القرءاة في محيطها التي نزلت فيه أولا ثم في إمتداد القراءة لنر و سنرى كيف يرسم القرءان بريشته الخاصة حديثه عن دقة إنزاله ، عن محتوى نصه و عن موانع قراءته و عن ملابسات جمعه . و في عبارات قليلة سيطفىء نظريات تأسست و قراءات استقرت. سنرى كيف يتحدث من صاغ عن تعقيد نصه، عن مشكلات الدخول في ءاياته، عن مشكلات تعيين موضوعه. و لتبدأ السياحة من أول سورة المزمل:

يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ

 أيها. حديث للغيب المرفوع "ها" في بحثه عن تعيين المخاطب في التساؤل عن وجوده "أي" و بتعبيرنا أيا كان ممن يحمل وسم المزمل. " يَٰٓأَيُّهَا" بحث في غيب الزمن و المكان عمن يحمل وسم المزمل و مناداته. فالياء ترسم ما سماه الأسلاف ياء النداء، ترسم رفع الموانع. فالمزمل يعيش موانع تمنعه من القيام بواجباته. و السورة تناديه ليبدأ في رفع الموانع.

من هو المزمل ؟ سؤال سنتركه الآن لنكتشفه في سيرنا مع السورة، في سياحتنا فيها و الغوص لنترك ريشة القرءان ترسم معالم المزمل. فالمزمل يحتاج رفع موانعه ليبدأ القيام ، قيام الليل :

قُمـِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا

هي ءاية غريبة جدا فهي تطالب المزمل أن يقوم الليل، أن يكون ليله قائما ، أن يهتم المزمل بالليل، أن يقومه، أن يقوم بما يمنعه من الإبصار، غريبة هذه الأية. إذ كيف يمكنك الإهتمام و رعاية محيط لا تبصر فيه ؟؟؟.
 "قم الليل إلا قليلا" بدل رفع الليل هي تطالبه بإبقاءه بل قيامه. بدل رفع المانع هي تطالبه بإبقاء المانع. ليس قياما في الليل بل رعاية لهذا الليل و كأن قيام الليل في هذا المقطع القرءاني الخارق هو ما سيسمح لنا بالإبصار. تناقض مرحلي لكنه ضروري لا يمكننا بحال تجاوزه أو القفز عليه، فالليل واقع و ينبغي رعايته إن أردنا أن نبصر يوما. 

"إلا قليلا". القليل ما لا يمكن ضغطه أكثر مما هو عليه. هناك في هذا القرءان ليل عام يجب قيامه و قليل منه مسثتنى من هذا القيام و ستتضح صورة هذا القليل عندما نصل لأخر السياحة. و قد خاننا القلم و كشفنا معنى الليل الذي تتحدث عنه الأية، الليل في هذا المقطع هو صحيفة القرءان، هو هذا النص الذي بين أيدينا.

لعل القارىء يشعر بثقل قراءة السلف و إعتبارهم "قمـ الليل" طقوسا في ليل الكوكب ليقدم القائم "فروض الطاعة". طقوس الليل لا يمكنها أن تعبر عن حالة قيام الليل. فالأية تطالب المزمل ليقيم الليل، ليبقي الليل و يهتم بإبقاءه و يحرص عليه. و هو أمر مهم في قراءة أسلاف التفسير للقرءان ، فالإرتباط بالله عندهم إرتباط طقوسي و إرتباط تنفيذ أوامر دون نقاش و فهم و إستيعاب مسبق. و لذلك تتجه القرءاة لا شعوريا إلى هذا الجانب دون مراعاة حديث النص ، دون مراعاة النص و قوله.

هذا القرءان هو الليل، هو هكذا تسميه هده الأيات، هو ليل يجب قيامه إلا قليلا ممن ينتظر القيام و لا يمكن قيامه في لحظته و يحتاج وقتا لإستيعابه بعد إنزاله ليبدأ قيامه. لا بد من الإهتمام بالليل، بمتابعته ، بالحرص عليه. هو ليل في علاماته ، ليل في رسمه ، ليل في محتواه. ثم لنغص في مفهوم الليل، فالليل ليس ظلمة لا إبصار فيه مطلقا بل الإبصار يقترب من العدم و لعل الأية تشير إلى أرضية التوراة في الجزيرة حال إنزال القرءان فهي ما يجعل القرءان ليلا إذ هناك ألفاظ في التوراة تطابق و منها ما يشابه ألفاظ القرءان.

نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا

أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا

 

نصفه. غيب النصف لتضعنا الأية في نصف الليل، و تطالبنا أن ننقص منه قليلا أو "زد عليه" دون أن تضيف قليلا هنا. ءايات تشبه الطلاسم و لا يمكن لحامل الرسالة أن يقرأها فالليل هنا لم يتم إنواله كليا لذلك تضيف " و رتل القرءان ترتيلا" فإن لم يتم ترتيل الليل فلن نعلم ما هو نصفه. و هذا هو الليل أمامنا بأحزابه الستين و نصفه في سورة الكهف و إن أنقصنا منه قليلا سنجد أنفسنا في هذا المقطع:

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا

يحمل الغلام في مفهومه القوة و الطاقة المخزنة فيه. لقاء الغلام هو إلتقاء بآيات هذا القرءان و ها هو القارئ ينهي وظيفة من يحمل الحياة بسبب تغير النفس التي تقرأ ، لذلك في مقطع الأية طرفين "فانطلقا"، القرءان نفسه و من يقرأ. فنفس القرءان زكية  و هذا الجهد "جئت" في إنهاء وظيفته تجسيد نكر.

ثم "زد عليه و رتل القرءان ترتيلا" أي يمكننا إضافة بقية ما في سورة الكهف و لكننا هنا نكتفي ببعضها لنترك القارئ في سياحة قراءة باقي سورة الكهف :

قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا

قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا

 

قتل ضروري ة لكنك لن تستطيع مع هذا القرءان صبرا. و لا بد أن لا نسأل عن تجسيد ما في الأيات إذ من يقرأ هو المطالب بالتشييء هو المطالب بالتجسيد هو المطالب ليخرج من النص إلى الواقع و يرى المقابلة و إلا فالصحبة ممتنعة و لا فائدة منها. فمن يصاحبك دون أن تفقه ما يخبرك به و ما يقول لا يمكنك الإستمرار معه.

مقطع يشبه العرفان إن صحت القرءاة و ها هو القرءان ينطلق بنا إلى سورة الكهف ليبين ماهيته و ليله و طريقة معرفة ما يحمل من هدي.

"زد عليه" فليس في معنى الزيادة الإضافة فقط ، فالزيادة في القرءان زاد، فالأية هنا تتحدث عن الزاد اللازم لفهم الليل و ماهيته و لا يكفي ترتيل الأية بل يجب ترتيلها ترتيلا و إيجاد الروابط و لا بد من "الوقود اللازم" ، عن الزاد اللازم لفهم ماهية الليل.

إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا

الجذر "ل ق" يدل على فعل تركيز إتجاهات أمر معين لترد جميعها إلى إتجاه واحد وحيد. فأن يلتق الجمعان أي أن حركتهما  في كل إتجاه و اللقاء يعني تركيز هذه الإتجاهات إلى إتجاه واحد لتبدأ المواجهة. "حتى يلاقوا يومهم" فالإتجاهات متعددة لكنهم ستركز لتجتمع و تتجه إلى هذا اليوم.
هذه الأيات ستلقي قولا ثقيلا. و سيذهب القول الثقيل في كل الإتجاهات لتلتقي في وجهة واحدة. قراءة لما سيأتي ستذهب في إتجاهات عديدة لكنها لا بد أن تتجه وجهة واحدة ، أن تلتق في أحدية الإتجاه. "قولا ثقيلا" هو الحد الذي لا يمكن ضعطه أكثر ، هو الحد الأدنى للتعبير عن الحدث، هذا القول تصفه الأية بالثقيل، أي ما يصعب حمله و ما يصعب نقله و ما يصعب تحمله. فلنتابع لما سيلقى

إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا

الليل سينشأ ، هي حتمية ، بل إن الليل الناشء سيتبعه نشوء ليل أخر بعد أن نبصر ما في الأول. ناشئة الليل رحم تنشء الليل. قراءة القرءان لا بد أن تنتج الليل ، إن لم تشيئه ففي الأمر مشكلة. ناشئة الليل وطأها حين تكتشف شديد لكنها الأقوم قيلا. فلا يمكن إلا أن تقول الأية الحقيقة، أن ناشئة الليل هي الطريق الوحيد الأوحد الذي يقيم. و مهما تساندت المسيرات و تشابكت لا يمكن إلا ناشئة الليل. ستنشأ مهما فعلنا ، هذا هو السبيل الأوحد للقيام.

إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا

الليل يقابله النهار في ءايات قرءانية ، فالمقابلة ليس تناقض بل تقابل من جهة معينة، تقابل وظيفي بين أمرين، فالليل ما لا إبصار فيه ،ما لا يسمح لك بالحركة الموجهة الهادية بل الحركة فيه أشبه بالفوضى لمحاولة إيجاد نقطة إبصار  تنطلق منها. و أما النهار فهو بتعبيرنا إنهيار، فالنهار مفهوم متعلق بتسارع الحركة، فبدل أن تجد لك مخرجا في هذا الليل ها أنت تنهار، ها هي فوضى سيرك توقعك في المهالك و لا بد لك من نفس طويل لتجديد طاقتك "سبحا طويلا" و في سورة التوبة وصف لشجرة جذر النهار و شجرته:

"أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ"

هار تعبر و بشكل دقيق عن غيب يتبعه منزلق. فالعلامتان منفصلتان "ها" و "ر" فالهاء بألفها غيب مسدود الإبصار، صعب إبصاره و الراء منزلق و لما كان الإنفصال يمكننا هنا رص مفاهيم العلامات. و في شجرة النهار لفظ أنهار و نهر يصور الماء الجاري في معناه المتداول فهو نهر من هذا الجانب لتسارع الحركة فيه.

وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا

الرب هو ما تربو به معرفيا ، هو في هذه الأية حين يتحدث لحامل الرسالة و محيطه أنذاك يتحدث لهم عن الرب الذي أنزل التوراة، عن الليل الذي أعقب الإنزال عن حجم الصعوبات في قراءاتها إذ لم يكن الأمر ليل بل أشبه بالظلمة التامة. فلحامل الرسالة و محيطه أن يتذكر أن الأمر بالنسبة لهم أخف وطأ ثم الأية تحدثنا نحن و كل من سيأتي بعدنا ،لا بد أن نتذكر ماهية ما نقرأه، و ماهية ما أنزله، ماهية من أخرج سكان صحراء إلى عالم الحضارة الوارفة التي ترجمت ميراث أثينا و طورته و نقلته ليكون جسر العبور إلى بناء المنهج العلمي الحالي. إنه يمكننا أن نتحدث عن تفاصيل حدث التغيير في مساوئه لكن الأمور بنتائجها.

و علينا إذن أن ندخل مضامين الإختبار مع هذا النص ، فهو إبتلاء متصل فنحن القارئون من ندفع أنفسنا ليبتلينا هذا النص إذ النص ليس في موضع شك في نفسه بل الشك فيمن يقرأ.

رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا

المشرق هو بتعبيرنا الأوج، قمة الأمر ، و المغرب هو حالة الإنحدار و الإنتكاس. أن تكون في المشرق لا يعني أنّ قمتك هي القمة النهائية ، أن أوجك لا أوج بعده، ففي مشرقك رب ستربو به و أنت في مشرقك. و أن تكون في حال الإنحدار و الإنتكاسة، تائها في قراءتك لا تجد سبيلا للقراءة ، فهناك رب سيخرجك من المأزق و سينير الطريق.
إنه القرءان في جلاله و جماله ، هو رب المشرق و المغرب. و هو إله، لا إله إلاهو في عالم القرءاة. ففي نصه سنن قراءته، و هو من  يرسم الغيب الآت ، هو بتعبيرنا كتابنا الدراسي إلى النهاية، هو من يرسم الطريق و ينير الدرب. و على من يقرأ أن يوكل هذا القرءان أن يعتبره متحدثا بالنيابة عنه، ليس نفيا لحرية القارىء لكن لترك الهداية تنطق، فهي من سيعبر أحسن تعبير عن مكنونات ما ننتظر و لا نحسن بيانه. هو وصف للقرءان خارق في معرفته بما يحمله من هدي و بمواكبته لمسيرتنا.

وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا

تحمّل ما ستأتي به ربوبية القرءان في سير البقية المعارضة التي لا ترى الهدى فيه بل لا تريد الإرتقاء به. الصبر و الهجر، قطيعة نفسية تامة مع هذا المحيط و إبقاء الإتصال الإجتماعي فليس القرءان من يدعو للقطيعة الإجتماعية "هجرا جميلا".

وَذَرۡنِى وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِى ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡـ قَلِيلًا

لا بد من ذر هذا القرءان، نشره نشرا منهجيا في إتجاهات معينة ، ذر في إتجاه من يكذّب "ذرنى و المكذبين" من بين المتفوقين في النعمة أي إختيار النخبة المكذبة لذر الرسالة نحو طروحاتها ، فقارئ القرءان ليس غارقا في تفاصيل التفاهة بل موجها للقرءان إلى النخبة العالمة المتمكنة. موجها لقول القرءان لصراع فكري عالي التوجيه ليتم إخراج ما فيه. هي إشارة إلى حاملي التوراة "أولى النعمة" لتبدأ معهم عملية المهل.  

المهل في معانيه ما نسميه بتعبيرنا الجمر، مفهومه متعلق بما أرتفعت حراراته لدرجة الإنصهار

Fusion

"مهلمهمـ قليلا" أن تترك حرارة القرءان ترتفع شيئا فشيئا لتصل بهم إلى حالة من تغير الطبيعة ففي القرءان ما يمكنه من تغيير طبيعة "أولى النعمة" من حالة التصلب إلى حالة  اللين، من الجامد إلى السائل أين يمكنهم ليس فقط القبول بل تلبس شكل القرءان تلبسا كليا.

 

إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا وَجَحِيمٗا

وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ وَعَذَابًا أَلِيمٗا

   

التنكيل تصفيد يمنع من الحركة. و الجحيم الألم الذي لا تستطيع بأي حال التخلص منه. ففي البعد عن هدي القرءان منع من الحركة الواعية و إن رغبنا فيها و في هذه الأنكال ألم يصاحبها لا نستطيع منه خلاصا. هو تصوير لحال الضياع النفسي الرهيب، لحال الهوس و الهواجس لا تنقطع، فمتى ما انتفت الهداية القرءانية و رفعت و غادرنا هدي السماء فلن نعيش الطمأنية السديرية أبدا.
إن هذا القرءان سيمنع من تلاعب بالتوراة بالحركة بل سيجعلهم في محيط منغلق بل سيجعل ما به قوامهم 
"طعاما ذا غصة" .

 

الطعام ما به القوام ، و هو هنا ذا غصة. غصة تمنع صاحبها من الوصول إلى العذب الذي يريده و يبحث عنه ، تجعل قوامه فيه تنغيص في كل مرحلة. فلا سبيل لرفع الغص و لإنهاء الرحم الذي يولد الغص "الغصة" إلا بكشف بالعودة للهداية التي أرادتها الأيات. و كأن الأيات هنا تصف نصها بمنتج للأنكال و الجحيم ، منتجة للطعام ذي الغصة و للعذاب الأليم. هذا هو تأثيرها على ذي النعمة من المكذبين. من يرفضون الهداية التي أتت لبيان ما يحملونه من نعمة لكنهم حولوها بقراءتهم الكارثية إلى جحيم يعم الإنسانية

يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا

الأسس سترتجف "الأرض" كالمسلمات الثابثة "الجبال" و من نفس الجذر بين مهلهم و مهيلا ، تنصهر المسلمات التي ظنها الناس ثابثة أزلية. كثيبا تعبير عن حالة ما قبل الإنصهار وصولا إلى حال انصهار التام.

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمـ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمـ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا

فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا

 

تبدأ الأية بحديثها للمتقاعس و المتكاسل "المزمل" عن واجب القراءة و تتحدث عن دوافع كسله الذاتية ثم تستدير للحديث عن المحيط المعادي للقرءان من النخبة المهيمنة علميا و إجتماعيا ثم تصف الأن المحيط الفرعوني المانع للحريات، المانع لحرية القراءة. و هنا نرى ريشة القرءان في رسم حال أولى النعمة مع فرعون و وصف لسبب تكلس القراءة و تحول النعمة إلى جحيم.

 

وظيفة الرسالة الحريات و إقامة الحريات و سبيل إرتقاء قراءة الرسالة هو إنهاء فرعون و محيط فرعون. فما يفعله فرعون من تسييج للمحيط و منع الحريات لا بد أن يقف لتفتح الرسالة. فحرية القراءات هي الجوهر و ليس تثبيث قراءة بعينها. فوظيفة إسم فرعون عصيان الرسول، أي وضع العصا ، أن لا يترك الرسول يتحرك بحرية فالعصيان هي ما نسميه المعارضة، عدم تركه يتحرك بحرية.
و ها هي الأيات أخذت فرعون و باغتته، لم تترك له فرصة و لم تسعفه الأية. ففي سطر جرفته.

هي الحرية ، ترك القراءات تتنوع و تتعدد و تختلف دون تدخل فرعوني يعصى، هذا السبيل الوحيد لظهور النعمة و كأن الأية تخبرنا أن السبب الجوهري لضياع أولى النعمة و تحويل النعيم إلى حجيم هو ما كرسه فرعون فيهم من عقلية الإقصاء و التفرد.

 

فَكَيۡفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرۡتُمۡ يَوۡمٗا يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا

ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرُۢ بِهِۦۚ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَفۡعُولًا

 

إحداث الوقاية لا يمكنه أن يكون في محيط الكفر، في محيط تغطية القراءة، في محيط فرعوني أين عصا القراءة هي المحور, نتيجة محيط كهذا هي لا يحيا الولدان حياتهم كولدان بل كشيب. الكفر يوّلد اليأس في المجتمع، يولد مجتمعا حزينا لا يمكن حتى للولدان فيه أن يشعروا بالبهجة و الحياة ، أن يبدأوا طريق إرتقاءهم بداية عادية، بل يتم مباشرة تعليبهم بما عليه الشيب ليشيبوا هم قبل أن يبدأوا. هو تصوير لمجتمع متسلف غارق لا يترك فرصة للمبادرة بل أسسه التعليب من البداية . يؤسس للجحيم و في ظنه أنه يحفظ نعيمه.

 

و هي إشارة قرءانية  لجعل من يولد يعيش أخر أيامه و هو لم يبدأ بعد. و كأنه تصوير لأمل المتهودين تحول المجتمع بكل فئاته لطبقة واحدة تحمل قراءة واحدة فحتى الولدان شيب. تصوير لمحاولة إنشاء أنموذج واحد.  و لكن مهما فعلت قوى الكفر في تأخير ظهور الطبقية في المجتمع فلن تقدر ، فالسماء "منفطر به" و من العدم ستنشأ السماء و سيحدث التنوع و التعدد و الإختلاف ، فهذا هو الطبيعة مهما حاولنا تسييجها "كان وعدا مفعولا".

 

الوقاية أن نبتعد عن الكفر ، أن لا نغطي التساؤلات و ندفنها ، أن لا نغطي حامليها ، أن لا نتبع أساليب فرعون.

 

إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا

 

تذكرة توليد و رحم الذكر ، فإنفطار السماء حدث و سيحدث ، تذكرة  يمكن أن نجد لها صورة في المجتمع الكاثوليكي أين منعت القراءات و سيجت الرسالة و فرضت القراءة بقوة الحديد و النار و منعت أرواح متعالية من أن ينتفع بمنتوجها البشر ثم الكارثة التي أودت بالكنيسة و طمستها.

 

حديث طال للمزمل ، أن يقم الليل ، أن يعتبر الليل ضرورة و أن يبحث عن القبس بتشجيع القراءات ، كل القراءات و تذكير بما سبق من تأثير المنهج الفرعوني و التركيز على حرية القراءة فلكل حرية تجسيد سبيله إلى القرءان و له أن يكتشف مؤدى هذا السبيل "فمن شاء الله اتخذ إلى ربه سبيلا".

 

۞إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗاۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ

 

إنّها ءاية غريبة في نظمها ، غريبة في علاماتها و ليعد القارئ ليرى علامات ج صلى لا فوق الألفاظ و بهذا التسلسل :

ج ج صلى ج لا لا صلى ج ج ج صلى

و لا أدري إن ورد هذا الكم من العلامات في ءاية من ءايات القرءان و هي غريبة في حديثها عن ثلثي الليل و نصفه و ثلثه ، و الليل هو هذا القرءان ، فسورة المزمل تطالب بقيامه كليل ، فهو كله ليل ، هو تعبير أنّ بداية القراءة النبوية للقرءان كانت في شكل يشبه السباحة في ليل لا إبصار فيه تماما، في علاماته في ألفاظه في مفاهيمه نقطة.

 

فمن يرى في وجود لغة "عربية" تأسس نص القرءان على أنقاضها يمكنه أن يتمعن هنا في سورة المزمل ليرى الليل المطبق يعم النص القرءاني في بدايته في علاماته و محتواه.

 

حديث الآية هنا عن قيام "أدنى من ثلثي الليل"، تصوير في معراج القرءاة الظاهر أن حامل الرسالة كان يرعى القرءاة كتابة و أنه كان في حيرة  من كم هذه الألغاز التي يقومها و هذه الإستعانة بطائفة من الذين معه في قيامة ءايات القرءان كتابة و نسخا و هم بين ليل تام و إنهيار كما سنرى.
مهمة مجهدة نفسيا مجهدة عقليا و أنت تقيم ما لا تفهمه و ترعى ما لا يمكنك دخوله.

 

"أدنى من ثلثى اليل" فلماذا إذن و نصفه و ثلثه؟ إن كان القيام تم بالثلثين فلماذا الحديث عن النصف و الثلث ؟؟

" ثلثى اليل" و هي إذن أربعون حزبا أو عشرون جزءا ثم حديث عن نصفه بالضم "و نصفه" و لا بد هنا من وقفة فالثلثين و النصف يتجاوز الليل كله. فما هو نصفه ؟

 

ربما قرأ القارئ "أو نصفه" و ليس هذا في الأية فهي ترص ثلثي الليل و نصفه و ثلته و هي لم تريد ثلثين مضاف إليهم النصف إذ لو كان هذا هو المراد لقال القرءان :
"ثلثى اليل و نصف اليل و ثلث اليل"

نصفه، الهاء هنا ترسم الغيب، بتعبيرنا الغائب أي ما بقي من العد، فهما ثلثي الليل ثم نصف الباقي  أي نصف الثلث الباقي أي السدس  ثم "ثلثه" أي ثلث السدس الباقي بعدهما أي 18/1  فالإجمالي هو :

3/2 + 6/1 + 18/1 = 18/16

نجد أنفسنا أمام 53.3333 من أحزاب القرءان لذلك تحدث القرءان عن  "أدنى" أي ما يقارب 53 حزب و ثلث حزب أي 53 حزب و ربع حزب ، نجد أنفسنا إذن مع  نهاية سورة الرحمان.

 

نحن إذن مع إنزال سورة المزمل و مع قيام النبي بالقرءان إلى نهاية سورة الرحمان ، هناك باقي لم يقام إذ بين السورتين سور لم يقم بها بعد و هي :

 

الواقعة ـ الحديد ـ المجادلة ـ الحشر ـ الممتحنة ـ الصف ـ الجمعة ـ المنافقون ـ التغابن ـ الطلاق ـ التحريم ـ الملك ـ القلم ـ الحاقة ـ المعارج ـ نوح ـ الجن

 

و هنا نفهم عنوان السورة فهي تصف التكاسل و التقاعس في القيام بالليل، بالقرءان نسخا و ترتيبا و كأن الأية تطالب النبي بالإسراع و عدم ترك الأمور تتراكم إذ لا يمكنه بعد ذلك ضبطها ثم إننا أمام مقطع يبين أن إنزال القرءان تم بالترتيب الذي نراه في المصحف الآن و أن الإنزال كان سورة سورة  و لم يكن مقطعا مقطعا في شتات يستحيل موضوعيا ترتيبه من هذا الشتات. إنها تطالب حامل الرسالة بردم الفجوة بين سورة الرحمان و المزمل. و هذا الترتيب في الإنزال  نجد تصديقه هذا في ءايات قرءانية كثيرة :

 

ففي سورة التوبة 124 و 127 :

 

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ نَّظَرَ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ هَلۡ يَرَىٰكُم مِّنۡ أَحَدٖ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ

 

و في سورة النور 1 :

سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ

 

و في سورة محمد 20 :

 

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ

 

انطلقت نظريات الأسلاف في جمع القرءان  أو هكذا يظهر من نقطة إرتكاز واهية و هي ترك حامل الرسالة للناس ترتيب ما أوحي إليه و في فوضى الجمع تم إلصاق الأجزاء ببعضها بعضا بأسماء سور معينة. و يتبادر السؤال بل الأسئلة عن نظرية كهذه لا يمكن الخروج منها إلا بردمها.

ثم هذه الروايات تتحدث عن أشتات مجموعة من أطراف متعددون و هي إذن تلقي بالإتهام على النص القرءاني، إذ يمكن ضياع جزء منه و لا ننسى البعثرة و الشتات في نصه و كم الإجتهاد الشخصي في التريتب.
تلقي على نص القرءان هذه الروايات ضلال من الإتهامات لا حصر لها و إن كان في قراءتنا تناسق فسورة المزمل تنفي كل هذا بل هي توضح طريقة نسخ حامل الرسالة لنصها و كيفية عمل من معه فهم طآئفة أي يطوفون كلما طلب منه ذلك فالتاء المربوطة رحم. و هم إذن ليسوا مسؤولين عن نسخ من شفوي بل مهمتهم الترتيب و مهمتهم النسخ عن النسخة الأصلية:

 

وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ

 

"الذي" من يدفع مضطربا يبحث عن إستقرار الدفع و "الذين" هم إذن من يحاول الدفع جماعيا و هم مضطربون في الدفع أمام من يوجههم الذي يعبر عن لفظ"أنّك"  التي تعبر ليس ، ثم هم "معك" أي في موقع من يصاحبك في المشروع كأنهم خلية تتعلم النسخ عن النسخة الأصلية. و لو أن هذه الطآئفة كانت تباشر معه النسخ دون تعليم منه لأتت عبارة الأية بهذه الصيغة :

 

إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَم تَقُومُون أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ

 

لقد قرأ الأسلاف مقطع "قم الليل" و "أنك تقوم ..... و طآئفة من الذين معك" على أنها أمر طقوسي لحركات طقوسية و لماذا الحديث إذن عن ثلثي الليل و نصفه و ثلثه ؟؟ و ما سبب إيراد عبارة "علم أن لن تحصوه" و حديث عن الإحصاء، فهل نحصي الليل و نجمع الإحصاءات حوله ؟؟ و أسئلة أخرى لا يمكن الإجابة عليها إن  اتخذنا منحى القراءة الطقوسية.

 

هو إذن تصوير لوظيفة حامل الرسالة "قم اليل" ليس فقط في المسارعة بنسخ و ترتيب ما لم يتم من السور بل في تنظيم الطآئفة التي تتدرب على النسخ :

 

وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ

 

تعامل مع الليل في علاماته و محتواه و حديث عن الإنهيار أي الخطأ المترتب عن تقدير الليل و في الأية حديث عن استحالة إحصاء كل الليل في علاماته في التدريبات الأولية ، و حديث عن ضرورة المراجعة المستمرة "فتاب عليكم" . و هنا نرى التنظيم النحلي في نسخ الليل و مراجعة النسخ المستمرة فحامل الرسالة لم يتركها للإجتهاد بل عمل على نسخ الإنزال عملا منظما يحضر الجيل الذي سينسخ بعده من النسخة الموجودة التي سيورثها للعالمين.

هنا يشع عنوان السورة، فهي تتحدث عن المتكاسل و المتقاعس في أداء مهمته "قم الليل إلا قليلا" ليس تقاعسا بمعنى المتخلي عن واجباته في نسخ نص الرسالة بل في تنظيم عمل النسخ "و طائفة من الذين معك".

 

ثم ترتقي بنا الأية صعد فالأمر ليس فقط في عملية القيام بالنص نسخا و ترتيبا في لحظته و تدريب النساخ عليه بل في قراءة النص :

 

وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمـ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ


 إنه يطالب الجمع ليس فقط بتعلم تقنيات النسخ و عدم إغفال المراجعة بل هنا مطالبة بالقراءة و تصف الأية هنا النص بـ "القرءان" و ليس الليل. هي هنا تحدثنا عن القراءة و آلياتها، فالنص القرءاني وعاء لقراءات متنوعة متعددة فهو قرءان ، وعاء لقراءات متعددة متنوعة يمكنه حملها ثم يأتي لفظ "ما تيسر" ليشير إلى المتاح قراءته مرحليا.

 

ثم هو علم سائر "علمـ" ، علامات ستسير و تصاحبنا إلى نهاية القرءاة حين نصل إلى المستقر ، فإحصاء العلامات صعب حتى مع تقدم تقنيات الإحصاء و حتى مع دخولنا في عصر الذكاء الإصطناعي و إمكانات الإحصاء الهائلة ، و ستبقى هذه العلامات قرءانا أي مجالا يفتح لنا اقراءة النص.

 

إنها قراءة في معراج تاريخي توضح أن خرافة جمع القرءان بالشكل التي أرستها الروايات لا تعدو جهلا مطبقا بالنص القرءاني و محاولة لفهم كيفية الجمع بعيدا عن أي منطق و تناسق للأحداث فعثمان لا يمكنه موضوعيا و سياسيا أن يجمع القرءان بل أقصى ما يمكنه فعله تأسيس لجنة للنسخ على المصحف الموجود لتبدأ مرحلة توزيع المصحف الإمام على الأقطار الجديدة. و لا شك أنّ فيه حملة لمطالبة من كتب في بيته قراءانا أو طالب بنسخه له ، الطلب منهم الإقتداء بالمصحف الإمام ووضع حد لنسخهم الذاتية.  و لن ندخل في تاريخ هذه اللجنة و كيفية قراءة حدث "جمع القرءان" بين سطورها و يكفينا هنا الغوص في السورة لقراءة هذه الروايات في إطارها.

 

ثم قراءة لمن يقرأ في قراءة معراجية ترتفع عن مناسبة النزول، فثلثي الليل و نصفه و ثلثه تضعنا أمام سورة الرحمان و بدايتها تحديدا

 

ٱلرَّحۡمَٰنُ

عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ

هي سورة لكل الأرحام الكونية و بفاتحة عن الرحم الذي أخرج علامات القرءان وولّدها و يضعنا مقطع سورة المزمل أمام قراءاتنا لما تيسر من القرءان بالإنتباه لليل الذي يتحول بالقرءاة لقرءان يخرج من رحمه القرءاة و لا يمكننا إلا قيام الليل إنتظارا لرحم يخرجنا من الليل.

 

عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ


المرض هو المانع الذاتي من السير العادي لوظيفة و هناك إمكان لرفع هذا المانع فمن صاغ القرءان  "علم" علما مستقرا أن قراءة القرءان ليست متاحة لكل الأطراف المجتمعية ، فمن له مانع ذاتي لا يمكنه القرءاة بفعل تعليب التراث له و المستثمر الغارق في بسط مشروعه ممن لا يملك وقتا لأمر أخر  و من يحامي عن سبيل الله بإنهاء وظيفة كل من يقف حاجزا أمام سبيل الله، يحاول توفير أرضية الحرية  أو إبقاءها، فسبيل الله هو السبيل الذي من خلاله نصل إلى الله أي إلى عنوان السنن ، إلى بارئها الأول ، إلى أحدية السنن في كوننا.

 

هؤلاء الأطياف بموانعها يمكنها كذلك قراءة ما تيسر لها من القرءان ، فليس كل المجتمع مطالب بالقرءاة و التحول إلى مجتمع النص فيه هو الفيصل بدل الواقع . ثم  ليس هناك قراءة للقرءان فردية يمكنها الإرتقاء المتصاعد :

 

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗاۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ

 

دون صلاة لا إرتقاء في القرءاة إذ لا زكاة للقراءة دون هذا التواصل اللازم بين القراءات. فالزكاة تصبح ممكنة و سهلة "ءاتوا" إذا كانت هناك صلوة. ثم لا إرتقاء في قراءة القرءان دون البحث الموضوعي أي الكوني فالله عنوان لقراءة سنن الكون و معرفتها ، و أن تقرضه أي أن تقدم ما تنتظر عودته لك. فالقرض الحسن هو القرض المتقن بتعبيرنا أي ليس قرضا تجميليا بل قرضا حسنا يبحث حقيقة في الكون الموضوعي. ليس تجميلا نظهر فيه الله في مبنى بل مبنى يوصلنا إلى الله.

إختيار الدخول في البحث الكوني هو ما يدخلنا في النص القرءاني الهادي بل نتائج هذا الدخول  ثماره أعظم مما قدمناه، فحتى من الناحية المصلحية فقرض الله سيؤتي أجرا و مقابلا أكبر من القرض بكثير.

 

وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ

القرءاة تحتاج غفرا أي صيانة و طلب الصيانة من الله أي من الموضوعي فلا إرتقاء دون الله و لا صيانة لألة القرءاة دون الرجوع إلى الكون و في سنن الكون و دراستها صيانة و فيها يد تخرج نتائجها من رحمه.

 

و في أنتظار قراءة سورة المدثر

تم في 19 أبريل 2023

بن نبي

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...