"وَمَن كَانَ
فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا"
إسماعيل وإحياء المسيرة المنتكسة
إسماعيل ابن إبراهيم ، إسمه
مغيب و الظلم الذي وقع عليه كبير. هو هكذا صورته في الخرافة تائها في الصحاري مع
والدته و قد ألقاهما الوالد الحنون في الفيافي بلا زاد و لا مؤونة و تركهما للعراء
ينتظران الأقدار. هو هكذا في المخيلة ابن الجارية التي وهبت لزوجها بشرى الولد ثم
أتى الإنتقام. تركة المتهودين التي غرست في لا شعور الجموع و أفقدتنا نحن أمة
القرءان البوصلة. جعلتنا نشعر بالذنب فقد ألبسونا حلة العار و صمتنا لأن الرسالة
هي من قصت و هي من قالت و هي من أكدت الأسطورة. و قد يكون للأسطورة قدما في تاريخ
مضى و لكن الرسالة أسماء. و حين نفتح الرسالة لنهتدي فستقابلنا بالمثل و تفتح لنا
السور المتسور في خفاءه لتدلنا على ما فيها من مكنون و تقص علينا ما يخيطه الناس
لتهدمه هدم من يبني فيعلي البناء.
هي قراءة في إسم إسماعيل في
قرءان الجمال و الجلال ، لا تنطلق من تصفية لحساب ممن ظلمونا و ظلموا أنفسهم حين
سيجوا رسالة التوراة و جعلوا البنوة نسبا بيولوجيا و حصروا الأبوة في علاقة والد
بمولوده. و دفعوا أسلافنا للسير خلفهم فالعقد المتأصلة في علاقتهم بـ
"أهل الذكر" و "أهل الكتاب" هيمنت عليهم و جعلتهم لا يقرأون
النص بل يقرأوا فيه عقدهم العميقة.
و لا يمكننا فصل
إبراهيم عن إسماعيل في القرءان فالأب فيه متعلق بإبنه شأن علاقة الإبن بأبيه.
علاقة تشبه الإلتصاق. إبراهيم و إسماعيل في عالم القرءان في مسيرة
واحدة في هدف واحد و إن اختلف المحيط. و سيقودنا الإبحار في ءايات القرءان في أفق
ما يسمح به الغوص إلى عمق التجربة الإنسانية و مسيرتها العلمية و البحثية في إسمي
إبراهيم و إسماعيل و إخوانهم من النبيين.
في البدء
كان إسم إبراهيم حاملا لمنهج به أصبح أبا، معروف الهوية ، تربو به المعارف و يرتقي
به العلم ، منهج يواجه الأصنام التي لا تملك جوابا لتساؤلاتنا و لا تسمح لنا
منها بالإرتقاء ، هادما للتماثيل ، لا تهمه الأقانيم البشرية التي صنعها الناس في
تاريخهم إلاّ بما تنير به دربه ثم الإنطلاق. منهج يواجه الأباء يهدم الأبائية
و يسير في طريق يشبه العزلة التامة يحاول فهم الوجود و قراءة المطلق و التواصل معه
عبر كشف سنن الوجود. طريق رسم بالمواجهة إلا لوجه الله الذي أسلم له ووضع له
السلاح لفهم ما يستره هذا العنوان. طريق رسمه إبراهيم لإسمه بحلم غير معهود و رحمة
النبي الذي يقرأ المسار و يعرف الهدف و يصبر على الأذى. حلم و حنف و
توبة في كل حين ، طريق لا تعصب فيه بل تحول لحظي في كل حين متى ما ظهر الحق في
حلته الجديدة .
هي طريق
تكاد تكون مستحيلة في المجتمع البشري و لكنها الطريقة الأوحد للإرتقاء و لا رقي
حقيقي في غيرها. طريق البحث في سنن الكون و كشف مجالات جديدة في البحث لم يتصورها
أحد، في عالم الأحياء و الأموات و الصراع المرير ليستقر البحث حتى و إن كان إسمه
غائبا عن تحقيق الفتح. و لكننا كما ترون نعرض إبراهيم و نحن في موضوع
إسماعيل و لا يمكننا إلاّ هذا فمعرفة الأب ستوصلنا إلى عظمة إسم ابنه.
و قبل بدء
الرحلة سنعرج إلى جزء من هوية إبراهيم، إلى جانب من إسمه لنرى عن قرب معالم ابنه. و
لنتبع ريشة القرءان في سورة الأنعام من ءايتها 74 و هي ترسم وجهة إبراهيم :
۞وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا
ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ
وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ
وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ
فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ
فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ
قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ
فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ
فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ
أب إبراهيم إسم لمن
يفعل كل ما في وسعه لمنع السقوط "ءازر" من الأزر في
مفهومه القرءاني ، أب مهمته بتعبيرنا الحفاظ على الهوية من السقوط ، يحافظ على
التراث و الموروث و لا يريده أن ينحل أو يضمحل ، فالوجود كله عنده في هذا
الإرث، و هذا الإرث تحول صنما ، هو من يملي على ءازر و قومه سنن حركتهم، هو
من يسير خطاهم مع أنّه صنم عاجز عن جواب أسئلتهم و الإرتقاء بهم في عالم متحول
متغير. فالألهة رحم الإله ، رحم ينتظر اكتمال الشروط ليخرج ما فيه ، و لا يمكن
للصنم أن يكون إلها يرسم لك المسار. و لا يمكن لموروث حبيس سقفه و محيطه أن
يمل خارطة الطريق.
ففعل المؤازرة قد ينفع زمنا لهذا التراث المتساقط من تلقاء نفسه لكنه يستحيل
أن نرسم المسيرة به و الرءيا توضح ضلال السير، بل ضلاله الواضح إذ الكل يرى أنّ
الطريق المسدود و أن تجاوز الأصنام ضرورة حتمية. هي أصنام، كل صنم بمفرده لا رابط
بينها و لكنها كلها تضل من حيث ثمرتها في الواقع.
إن إبراهيم يبحث عن اليقين ، عما يجعله يقين، و أمر اليقين في هذه الأية
مرتبط بملكوت السموات و الأرض، و كأن إسم إبراهيم في بحثه عن ملك السموات و الأرض
أي ماهية من يتحكم في السموات و الأرض ، فالملك من يتحرك من تلقاء نفسه و كأنه
يملك نفسه بنفسه و إبراهيم يبحث عن اليقين، هل السموات و الأرض تتحرك من تلقاء
نفسها أم من وراءها من يتحكم. غاية بحثه هي عدم التوقف فبعد كل ملك سيجد ملكا أخر
للسموات و الأرض ، رحلة في الملكوت ، تولد تاءه ملكا بعد ملك إلى اليقين.
و لكن إسم إبراهيم ليس
بحثا فلسفيا بحتا بل بحثا موضوعيا فهو يرى ملكوت السموات و الأرض و يريد القرءان
هنا أن يحدد معالم هذا البحث و آليته. و يبدأ برءيا الكوكب. فالأمر ليس إبصارا بل
رءيا. دخولا في فهم العلاقات الرابطة بين الموجودات فالرءيا ليست إبصارا للموجودات
بل فهما للعلاقات بينها. فالكوكب كل تكوين يحمل مدارات معينة ، و يمكننا
أن نرى في الكوكب مجموعة شمسية. هذا المعنى الإبتدائي، الحسي بتعبيرنا و إبصار
الكوكب يسهل عندما يجن الليل ، هو تصوير لخفاء في خفاء ، فالليل ما لا إبصار فيه و
جن الليل ، تصوير لليل مطلق لا إبصار فيها بأي طريقة كانت ، و هنا تظهر ضرورة
الرءيا ، فنحن نتحدث عن مجموعة شمسية بعيدة بعيدة لا يمكننا إبصارها بوسائلنا بل
يمكننا فقط رؤيتها.
إن واحتي هنا، من تربو بها معرفتي هناك في ذاك الكوكب ، هو بحث إبراهيمي لفك
العزلة السديرية عن إسمه، للتواصل مع كائنات أرقى ربما يستمد منها جواب سؤاله
الوجودي الرءيا. فالكوكب هو الأمل الربوبي ، لكنه أفل ، تضاءلت طاقته ،
فما كان في الحسبان أملا سرعان ما ظهر أنّ ما يقدمه ضيئل أمام حجم
التساؤلات. أفلت ربوبية الكوكب فأنهار الأمل "لا أحب الأفلين".
فالحب إرادة استخلاص ، فما في الكوكب الأفل يمكن أن يجده أي أحد، ليس أمرا يمكن أن
يكون خالصا لإبراهيم. هي عبارة تصور إبراهيم في حرصه على السبق في البحث و شغفه
بالإمامة ، أن يكون أولاّ بين الجميع.
إنها قراءة حسية أولية
و يمكننا التقدم لكن الأيات لن تسايرنا كثيرا في هذا الطريق فالتفصيل سينقطع و قد
نقرأ كل ءاية بهذه الطريقة قراءة مفردة و يمكننا إيجاد الإحكام فيها و الدقة
المتناهية داخلها لكننا لن نستطيع التفصيل و الربط بين الأيات في سياقها. و علينا
إذن أن نعود لمفهوم الكوكب ، كل تكوين يحمل مدارات معينة. و حينها فالكوكب
التي تتحدث عنه الأية هو الذرة ، فهي من ناحية مستحيلة الإبصار مهما علت تقنايتنا
فهي لا يحيطها ليل بل يجن فيها الليل ، فهي في خفاء الخفاء و لكنها ليست
العنصر الأبسط ، فها هي تأفل ، فقدت تماسكها إذ هي ليست وحدة بل أجزاء ثم ها نحن
نكشف أول من ظهر لنا من هذا الأفول.
القمر مفهوم مرتبط بالتعلق و هو هنا الإلكترون المتعلق بنواته و هو كالكوكب
يحتاج رءيا إذ لا يمكن إبصاره مهما علت التقنيات و القمر في مداره إن تلقى طاقة
ينتقل إلى مدار أعلى و لكنه سرعان ما يعود لمداره السابق مرسلا نورا محددا. يبزغ
بتعبير القرءان ، هذا الجريان بين المدارات تنفي عن القمر وحدة المدار فهو ليس إلا
كائنا طاقيا يبزغ ليأفل بعدها و يفقد طاقته فالقمر "الإلكترون" لا يمكنه
أن يستقر أبدا في مداره بل يتنقل حسب ما تأتيه من طاقة
فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ
يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ
إنّ إبراهيم يبحث عن الثباث ، و هو بهذا في جوهر البحث العلمي ، البحث
عن الثابث بين المتغيرات فالهداية بلوغ مناطق الأمان و إلا الإنتماء
لمن يقوم بهم الضلال و يكون الجوهر "أكونن" جوهر من يقف في المتغيرات لا
يغادرها. من يرى الظواهر كألغاز سحرية لا يمكن تفسيرها و يبقى في السطح لا
يتجاوزه.
ثم رءيا الشمس ، ما
يدور حولها القمر ، فالشمس التي نبصرها في مجموعتنا الشمسة تضيء من تمازج أنوية
الهيدروجين لتخرج نواة الهيليوم و طاقة جبارة معها. و الشمس التي يتحدث عنها
هذا المقطع هي نواة الذرة ، و عندما تبزغ و تخرج طاقتها المكنونة في الإنشطارات
النووية ، طاقة كبيرة بالنظر لطاقة القمر "الإلكترون" و هنا دقة القرءان
بعبارته "هذا أكبر" ، فلو كان الحديث عن شمسنا التي نعرف ما كان لهذه
الإضافة فائدة و لغدت حشو كلام لكنها إشارة لضبط التفصيل:
فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ
إبراهيم يبحث عن
الثابث، عما لا يتغير و ليس عمن أشرك في تكوينه تكوينا آخر ، فالرب الذي يبحث عنه
إبراهيم لتعلو معرفته و ترقى لا يمكنه أن يأفل و لا يمكنه أن يشرك غيره معه ثم
الخاتمة:
إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ
حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ
وجهة إبراهيم هي فهم الإبداع
"فطر"، إبداع السماوات و الأرض ،وجهة لفهم أحدية التكوين و من وراء
الأحدية. هي هذه الوجهة التي يمكنها أن تواصل السير و لا تقف. فإبراهيم باحث
في الجوهر في عمق التكوين ، يريد أن يصل للأحدية بقصم المشركين ، لا أن يرتبط بمن
أفل إلاّ في كشف من هو أثبث منه. فإبراهيم فاتح لمواضيع البحث العلمي ، هو بتعبير
القرءان إمام ، يفتح ليسير الأخرون في فتوحه إلى بلوغ المرام.
كانت مقدمة رأيتها
ضرورية قبل الدخول في عالم إسماعيل و سنبدأ رحلتنا بالتلاوة و الترتيل إذ ما
يثير الإنتباه في إسم إسماعيل هو غياب حديث القرءان عن عقل صورته في نجومه و يكفي
تتبع الترتيب في سور القرءان أين ورد إسمه عكس إسم لوط حين تعيد الأيات و تكرر أن
العقل ضروري لرسم صورة متناسقة له . لنبدأ بأيات سورة البقرة من ءايتها 124:
۞وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ
قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا
يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ
إبراهم
إمام ، فهو من يقود، هو من يفتتح للناس، من يخرجهم من الفوضى ، فوظيفة البحث تقليل
فوضى الناس، و لقد جاز
إسم إبراهيم الإختبار عندما من بلغ اسمه الأية 258 إلى الأية 260 من نفس سورة
البقرة ليضاف إلى إسمه ياء في تحول جيني رهيب في القرءان ، فالجعل تحول في
الجوهر.و بعد هذه الأيات أضيف إلى إبراهيم ياء بدءا من سورة أل عمران. لقد اجتاز
إبراهيم الإبتلاء في حديثه عن ثباث السنن الكونية و أن لا شيء يكسر السنن. و
لكنه بحث أخر سبق الحديث عنه في موضوعات أخرى.
إختبار وصل إلى كشف
الكلمات تباعا وصولا إلى الإتمام ، إذ للكلمات حد. و لقد بدأنا بأيات الأنعام و ها
هي ذريته تنتشر و هذا الإنتشار البحثي و العلمي على منهج إبراهيم في رفض الأبوية و
التطوير سينشأ تقدما مذهلا و لكنه تقدم لا يحمله إسم إبراهيم إلا إن انتفى عنه الظلم،
فحدود إسم إبراهيم أن لا ندخل بتطورنا محيط الظلم. ظلم ممن يستعملون الرقي العلمي
و المعرفي للظلم ثم تواصل الآيات.
وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ
مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ
وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ
وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ
إسم إبراهيم في هذا
البيت ، في هذا القبة التي تحمل السر، فالبيت هو هذا القرءان، هو مثابة للناس ، هو
المأوى لمن يعيش الفوضى ليثوب إليه و يجد الأمن فيه. فالبيت القرءاني هادم للفوضى
مشيع للأمن، فهذا الكتاب لا يصنع الخوف ،لا ينشأ الكفر و إسم إبراهيم مقام الإتصال
، هو من يقيم الإتصال، هو محور صلاة الناس في هذا الكتاب. خطورة إسم إبراهيم
القرءاني ترسمه عبارات القرءان هنا ثم يدخل إسم إسماعيل إلى العهد ، و
يربط مع إبراهيم. فالإسمان وظيفتهما في هذا القرءان تطهير هذا البيت ، الإرتفاع
بقارئه من محطات أدنى إلى محطات أعلى، فهما مسؤولان عن الإرتقاء بالقراءة في هذا
البيت. هذا التطهير متوجه لـ :
من يطوف ، أي من يتفقد و يطلع لعل في هذا القرءان هدي. و منهم من يعكف يريد الوصول
و في بحثه مستمر لا ينقطع، و الركع ممن يعرف ما في القرءان من هدي متعالي و
للمنفذين ممن يحاول تنفيذ الهداية القرءانية. لكل هؤلاء إمكان الإرتقاء في القرءاة
و التطبيق في معارج متصاعدة ثم تواصل الأيات :
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا
وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ
وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ
أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ
قول إبراهم أن يجعل
هذا البلد ءامنا بيان أنّ القرءان معروف المعالم، و أنّ إيجاد الأمن فيه يحتاج
جعلا، أي تغيير جوهري لمن يقرأ. يحتاج القارئ لتهيئة خاصة ليجد الأمن في هذا
الكتاب و لعل القارئ يرى في البلد الأمن مكانا جغرافيا محددا، موطن إبراهيم الأصلي
و يرى في الطواف و العكوف و الركوع و السجود طقوسا معروفة و حينها يحتاج الأمر
مواصلة القرءاة للأيات لتتضح الفكرة و لكن بداية نقول أنّ هذا الحصر يسحق هداية
القرءان و ينسفها.
أهل هذا القرءان رزقهم فيه هو تبادل الثمرات بينهم، فالرزق ما به قوامنا و
بقاؤنا و الثمرة هي ما يمكننا مبادلته. فواحة القرءان ءامنة و ثمراتها تنوع و تعدد
و تبادلها يبقينا و يقيمنا. هذا الرزق مرتبط بالإيمان بالله و اليوم الأخر، أن
يكون الإيمان نابع من دراسة السنن فالله عنوانها و مرتبط بـ
"اليوم الأخر"، يوم إيصال القرءان لنا إلى الهداية الكاملة ليخرج هو من
المشهد تاركا لنا مواصلة الطريق. طريقة الخلافة. فأهل القرءان من يجلي مكنوناته في
الكون و ليس الأمر تعبيرا أدبيا لشرح حقه كما أفعل بل بحثا كونيا متصلا "من
ءامن بالله"
وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا
ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ
أما من يغطي و يعمّي ، من لا يريد الدخول في البحث و الجهد و يبقي الحق
القرءاني مغطى لا يظهر معمى لا يبين حال بعد الأمة التي تزعم الدفاع عنه و قد
أزهقته و كفرته ،فنهاية هذا الفعل التفتيت، إذ النار موضع الفتنة ، و مثل هؤلاء
مصيرهم بائس و سيضطرون لمغادرة المشهد. فالقرءان ليس هداية إلى الأبد لمن يرفض
الهداية.
وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ
ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ
أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ
القواعد من لا يقوى
على القيام بأمره و يقابلها القائم المهتم بشؤونه و الجاد في متابعتها. القاعد لا
يمكنه الإهتمام بشؤونه ، مهمة إبراهم أن يرفعه و هي مهمة أسماعيل فهذا البيت لا
يقبل القواعد .هذه وظيفتهم و هذا الفصل في الرفع بين إبراهم و إسماعيل إشارة
قرءانية أن الإسمين يقومان بنفس الوظيفة لكن في محيط و ظروف مختلفة و هذا ما
ستبينه سياحتنا في إسم إسماعيل.
رفع القواعد من البيت
ليس رفع قواعد البيت فالقواعد ليست الأسس إلا إذا اعتبرناها لا تتحرك. فالذي في
البيت لا بد أن يرفع إذ هذا البيت لا يتحمل القواعد إلا و هي مرتفعة و القيام ليس
إهتماما بالنص كنص بل إهتماما بموضوعه إذ معرفة السر "البيت" لا يمكن أن
يبقى داخل البيت بل رفع القواعد من البيت ليتم الخروج إلى حلبة الكون الفسيح دراسة
و بحثا. إسما إبراهيم و إسماعيل مهمتهما رفع القواعد و هذا القرءان ممن
يحمل الربوبية هو من يجلي الإسمين و مهمتهما. السميع في إيصال الصوت و العليم في
إيصال العلامات، ففي نطق القرءان بيان و في علاماته بيان.
رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ
مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ
ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
إسما إبراهيم و
إسماعيل و من ذروهم أسماء مواجهة. مسلمين لهذا القرءان معترفين له
بالربوبية أما ما سواه فلا إعتراف له على بياض بل مواجهة بالدليل. و لكنها مواجهة
فكرية و ليست مواجهة للشخوص فإسما إبراهيم و إسماعيل مهمتهما جمع الناس "و
أرنا مناسكنا"، طقوس تجمع الناس لبداية المسيرة البحثية. و المناسك رءيا أي
أنها خيط رفيع في المجتمع لجمع الناس على طقوس و هذا هدفها ، الجمع، لكن قد تتكلس
و قد تتحول إلى أداة بين يدي سلطة تظلم بها أو توجهها توجيها خاصا و لذلك أتت
عبارة "و تب علينا" لإمكان فسح المجال بعد حصار مستحكم للخروج من طقس
تكلس لإيجاد غيره فالرحيم هو من يخرج من رحمه الحلول.
هذا إسم إسماعيل يتجلى شيئا فشيئا ، فمهمته المواجهة الفكرية و جمع الناس حول
مشروع.
رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ
ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ
أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ
البعث نهوض بعد سبات،
كأنه نهوض من العدم و من عبارات القرءان :
من بعثنا من مرقدنا – بعثناكم من بعد موتكم – و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا –
يبعث من في القبور – و الموتى يبعثهم الله
بعث الرسول هو هذه
الرسالة التي لا يماثلها إلا رسالة قبلها ، فليس في محيطها ما يشبهها لا في رسمها
و لا في محتواها و هنا إشارة للتلاوة ، إلى تتبع النص في سرديته، أين تتوالي نوافذ
السؤال "ءاياتك" و أين علامات القرءان تقابل علامات الكتاب مقابلة شديدة
"و يعلّمهم الكتـ اـب" و في هذا القرءان رحم لأليات التحليل
"الحكمة" ، رحم رسمته التاء المربوطة. ففي القرءان أرحام تحليل نصّه
كأنه مكتف بنفسه للوصول إلى علاماته و للوصول إلى ألية ضبط مفاهيمه. و لا شك أنّ
القراءة و الغوص ستنتج أخطاءا تحتاج تزكية "يزكيهم". و كل
هذا متجه لـ "فيهم" التي ترسم الكائنات الحية الغائبة عن الحدث ، هم من
يجب عليهم أن يقرأوا النص كرسول مبعوث مختزلين الزمن، يقرأوا علاماته و يخرجوا منه
أليات التحليل.
فمكنون هذا القرءان صعب إخراجه "العزيز" بل هو الأصعب إخراجا و
دقته لا تضاهيها دقة نص "الحكيم".
إنّه مقطع لتصوير الصعوبة و الجهد اللازم في دخول قراءة النص القرءاني ، تصوير
لدقته ، تصوير لعلو علاماته في مقابلتها للكتاب "الكون"، لإمكان التزكية
منه مباشرة في حال التعثر و الخطأ.
وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ
وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ
ٱلصَّٰلِحِينَ
الرغبة إرادة
القرب و تأتي عن لترسم قوة النفور و إرادة البعد. نفور من ملة إبراهم هي رغبة
جامحة. رغبة الخلود للدعة و الراحة. فما هي الملّة؟
الملة رحم المل، رحم
الإملاء بتعبيرنا ، و نهاية الإملاء كتاب "فليكتب و ليملل الذي عليه
الحق". فالملة رحم نهايته كتاب. هي رحلة متصلة لإملاء فصول الكتاب فصلا فصلا
إلى أخر نقطة في هذا الكتاب و لا شك أنّ الرحلة ليست فقط متعبة بل مضنية بل مرهقة
لكن ما ينتظر الذي يتبع ملة إبراهيم و هو يخرج من الرحم فصولا ثمرات لا حصر لها في
الرحلة نفسها و نهاية الرحلة يوم أخر تتغير فيه الملامح كلها. و كل من شارك في
الرحلة له مكان في هذا اليوم "قال و من كفر فأمتعه قليلا".
الذي ينفر من
ملة إبراهيم لا يعرف مصالحه بل و يعمل ضدها "إلا من سفه نفسه. هي
هكذا الأيات ترسم لنا المشروع الإبراهيمي الذي يوحد الجهود و الإنسانية في سبيل
رسم الملة وصولا إلى اليوم الأخر. هو حديث قرءاني لكل فرد و لكل مجتمع أنّ رحلة
الخلافة على ملة إبراهيم لا تنتج فقط الثمرات في غضون الرحلة بل ما ينتظرها في
اليوم الأخر هو إنفتاح أفاق الكون عليها بما لم يتصوره أحد.
إسم إبراهيم مصطفى ، و هو ينطلق "في الدنيا" و إنّه سيكون هنا في الأخرة
صالحا لمواصلة الرحلة بعدها. فإسم إبراهيم في اليوم الأخر لن يكون غائبا بل سيكون
إسمه صالحا بين شبكة من صالحين ، و كأنها إشارة قرءانية أنّ ملة إبراهيم حينما
تنتهي من إملاء كتابها سيتم تجاوزها لكنها ستبقى صالحة لا تناقض ما سيخرج ما بعد
اليوم الأخر. و هذا اليوم الأخر ليس محطة بعد نهاية الكون بل يوما في هذا
الكون أين سندخل فصلا أخر من الوجود لا وجه شبه بينه و بين ما نحن فيه. يوم بلوغ
ملة إبراهيم منتهاها.
و الأيات تترى لتوضح
الملة نفسها :
إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ
ٱلۡعَٰلَمِينَ
لا إنقطاع و لا فتورو
لا استسلام إلى أن تبلغ الملة منتهاها. "أسلم"
وصف لرحلة الملّة ليقول القرءان لإسم إبراهيم توقف عن السير، كفى ، توقف هنا. ضع
عتادك فقد بلغت المدى ، لكن جواب إبراهيم أن وضع العتاد لن يكون فالغاية رب
العالمين . الغاية الوصول للإتصال بكل الكائنات العالمة في هذا الكون للإرتقاء و
طلب الإرتقاء. و كأن إبراهيم لن يهدأ حتى يتم الإتصال بالجميع لعله سيجد جوابا
لسؤاله الوجودي في التقرب من فهم ماهية الوجود ، فهم إنفطار الكون. كأنه يقول لنا
أنّ مسيرتكم البحثية نهايتها هي الوصول إلى ملكوت السماوات و الأرض و لن يهدأ إسمه
إلا ببلوغ اليوم الأخر ثم
الآخرة.
هي ملة ستطول لكن في
كل يوم أخر سيفتح ملك من الملكوت وصولا إلى النهاية. و نحن في سورة البقرة، سورة
الخلافة و إسجاد الملائكة ملكا ملك بملة إبراهيم.
وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ
ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ
هي وصية للبنين ، لمن
تمرس على ملة إبراهيم و ليست القضية بيولوجية كما ساير أسلافنا القراءة المتهودة
لتحويل البنوة المتعلقة بالملة إلى حالة بيولوجية. هي توصية إبراهيمة يضفي عليها
إسم يعقوب تحديدا مهما ، أن من يعقب إسم إبراهيم سيواصل الرحلة بل يدفع بنيه دفعا
لمواصلة الرحلة. و كأن ملة إبراهيم ستصل لحدود خطيرة يصعب بلوغ ما سطرته من هدف. و
يأتي القرءان ليتحدث عن الدين ليخبرنا عبر إسم يعقوب أنّ على أبناء إبراهيم دين،
دستور مرسوم ، دستور مواصلة الرحلة إلى النهاية و ليس لهم دين غيره "إلا و
أنتم مسلمون". مشروع لا يجمع الإنسانية في مشروع واحد بل يجمع العالمين في
المشروع ليشيع الإسلام على الكل و ترتقي الكائنات العالمة معا بعد بلوغ اليوم
الأخر.
أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ
لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ
ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ
لَهُۥ مُسۡلِمُونَ
"إذ حضر يعقوب
الموت" ، هكذا هي عبارات القرءان ، كأنك دخلت عالما أخر بومضة منه و لقد
اقتبس الناس من هذه العبارة ألفاظا ليست بالهينة ، الحضارة و الحضر في مقابل
البداوة و المحاضرة أين إلقاء العلم أمام "الحضور" و لو عدنا لشجرة هذا
الجذر القرءانية لرأينا :
حضر ـ حاضر ـ محضر ـ
محضر
تعبير عن حال الذهول. حال من يرى العظمة و هو يتابع بصمت ويرى كبرياء الحدث و
يحاول أن يتدارك وعيه من حجم الذهول. هو إسم يعقوب ، إسم من يرى نتائج الملة
الخارقة و ها هو يلتقط أنفاسه ليسلم المشعل فقد انتهت مهمته. فالموت في القرءان
ليس نهاية بل إنتقال من محطة لأخرى. حضور الموت التي لا بد منه فالرحلة بلغت
نهايتها و لم يكن البلوغ سهلا يسيرا بل هو رحلة طويلة على طريقها أسماء كبيرة :
إبراهيم الإمام و إسماعيل المنقذ و إسحاق المحقق. و دعوني أستبق الحدث لأرسم هنا
دلالات إسم إسماعيل و إسحاق رغم أنّ الدلالة في الأيات التي سبقت ليست
إلا إشارات لا نستطيع كشف كنه إسم إسماعيل و إسحاق منها في أول قراءة لكننا سنقتصد
وقت القارئ و لن نترك هده الرحلة تقطع أنفاسه إلى النهاية و هذا الكشف سيتجلى كلما
غصنا في أسماء إسماعيل و إسحاق في ءايات القرءان.
ملة إبراهيم ليست متصاعدة إذ
سيأتي على الإنسانية فترات تعود فيها إلى عهد التوحش و إنهاء البحث و الإرتقاء و
سترتكس في مهاوي البهيمية و التكلس العقلي و العلمي. هذه هي نبوة إسم إسماعيل في
القرءان و رسالته أنّنا سنخرج من هذا الأتون و سنستطيع إعلاء راية إسم إبراهيم
ثانية. بنوة إسماعيل أنّه إمتداد لإسم إبراهيم و لكنه إسم ضروري كي لا نظن أننا في
الإرتقاء المعرفي صعودا بل ستمر علينا محطات حالكة في مسيرتنا الطويلة. أما إسحاق
فبنوته لإبراهيم خاصة لأنه هو من يحقق و يصل للنتائج فإبراهيم فاتح لمجالات
البحث، أما إسحاق فجانب عملي ، جانب التحقيق. إبراهيم ممثلا في جابر بن
حيان الخيميائي و إسحاق في لافوازييه الكيميائي, إبراهيم في غاليليو وإسحاق في إسحاق
نيوتن. أمثلة قد تكون ناقصة
لا تعبر عن أسماء القرءان و لكنها تقرب الفكرة.
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ
وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
أمة إبراهيم و إسماعيل
و يعقوب و إسحاق ، هي الرحم و خلوّها لا يعني فناءها بل يعني إمكان خلو
الإنسانية و كل العالمين من منهجها. هو ليس خلو مكان و لا زمان بل خلو أمة، خلو
الرحم. و أمة إبراهيم و بنيه لها ما كسبت ، فالشجرة من ثمرتها، فمحصول أمة إبراهيم
و بنيه أمامكم و محصولكم أمامكم و لا يمكن التذرع بالكسب السابق بل واجب كل محطة
أن تؤسس لملة إبراهيم تطويرا و عملا.
وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ
إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ
هو رسم لملة إبراهيم
في سيرها، في إبلاغه منتهاه إلى يعقوب ، في بعثها بعد إنطفاءها مع
إسماعيل. هي ملة جوهرها عدم الإشراك و كأنها تصطفي من يدخل إليها فليس كل من رغب
دخل و ليس كل من رفع شعارها هو منها. هي ملة إبراهيم، جهد لا ينقطع و بحث متصل و
قناعات تبنى بالعرق المسال و الصبر الطويل فليس الأمر شركة للرغبات بل تصديقا
لشروط دخول صعبة و طويلة و مجهدة. و ها هم يحاولون و يصورون ملة إبراهيم أنّها
تجمع للهود و النصارى و الأمر ليس ما صوروا و لا ما أجهدوا أنفسهم في إقناع
المشركين به. أمر ملة إبراهيم مختلف تماما.
هودا ، ضم لأفراد و
رصهم في الهداية، لكن الهداية في إسم إبراهيم و ملته مسألة فردية، مسألة إصطفاء
مبني على شروط فالرص لا ينفع فيها ، فالأمر ليس رفضا للهداية بل رفضا لهود
كهداية جماعية. إذ الهداية الجماعية لا تولد هداية بل تصنع ظاهرا لها ، و لا يمكن
لهود أن يهتدوا ، فتوليد الهداية إنطلاق فردي و حينها يمكن أن نكون مهتدين و لا
يمكن للهداية أن تكون حقيقية بتجمع نصارى لنصرتها بل الهداية قضية روحية
و ليست قضية سياسية تحتاج نصارى لتثبيث غلبتها.
ملة إبراهيم لا تبحث
عن هود و لا عن نصارى ، لا تجمع يزعم هداية و يرى في وجوده الهداية وفي غيره
الضلال و لا تحتاج لنصارى لتثبيث أمرها بل هي هداية فردية تبنى
فيها القناعة عبر سير فردي ، حنيفا قناعته سيرا ذاتيا يغير صاحبه في بناء قناعاته
إلى أن يبلغ قناعة تطمئنه يمكنه الدفاع عنها، قناعته ليست مرتبطة بتجمع هود فأمر
القناعة فردي.
قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ
إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ
وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ
لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ
الإيمان بالله قول ،
هو سير الحدث الطويل الذي يرسم في صورته المتصلة عبر السير الإنساني ثورة الإيمان
"قولوا". هو تأمين للمحيط كلّه في بحثه السنني المتصل. أن تؤمن بالله ،
أي أن يكون الإيمان تحت البيت الإلهي ، أن يكون الله سبب هذا الإيمان بل محيط هذا
الإيمان و لن نتعب من تكرار هذه القضية الجوهرية أن السير المتصل للبحث السنني هو
"ءامنا بالله" و هذا الإيمان بالله ليس حدثا و سيرا فرديا بل هو سيرا
جماعيا متصلا لا يفتر أبدا. ما نحتاجه ليس مجتمعا مكونا كله من إبراهيم و إسماعيل
و إسحاق و يعقوب. ما نحتاجه هو تأمين المحيط لنسمح لهذه الأسماء بالظهور. فمجتمع
الإيمان هدفه تأسيس محيط إخراج الأسماء. فمتى ما ظهر فيه ما يشبه إبراهيم إلاّ و
قدم له كل شيء ليحقق إسمه القرءاني.
البحث السنني قد لا
ينتج في مرحلة و قد يتعثر في مراحل و قد يدخل في متاهات الفرضيات التي تدخل من
حولها في جو إحباط و يأس. يأس يجعلنا نتصور أنّنا بلغنا الحد و لا يمكننا التقدم.
الذي يدعم هذا هي عبارة "ما أنزل إلينا" و عبارة " وَمَآ
أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ "،
فالإنزال إسقاط من بعد أعلى إلى بعد أدنى. كشف الحقيقة الكونية إنزال ، فهذه السنن
رءيا و ليست إبصار، هي محاولة دخول لرءيا الله ، دخول جزئي كلما بلغنا كشف سنة.
كأننا حين الكشف عن السنة جعلنا جزءا من الحقيقة الكلية تنزل و لذلك أتت هذه
الصيغة بالضم ، لترسم الإنزال جزءا جزاء و قد اعتبر الأسلاف أنّ هذا البناء
للمجهول ، و هو تعريف دقيق إن كان هذا المجهول ينزل تباعا كأننا أمام حقيقة كلية
تسيل حقائقها تباعا. ثم الميم برسمها السائر في إبراهمـ و في
ربهمـ تؤكد هذه الإنزال المتصل.
هذا الإنزال المتتابع
هو نتيجة بقاءنا تحت بيت الله ، تحت العباءة السننية ، فمهما بلغ اليأس علينا
بالبقاء في بيت الإيمان لا نغادره. هذا الإنزال حملته في القرءان أسماء إبراهمـ و
إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط ، هي أسماء حملت هذا السير ، فلهذا الإنزال
أهميته القصوى لأنها تعيننا على إبقاء أمل الإنزال متصلا مهما كانت التعقيدات و
الصعوبات.
هذه الأسماء تركز
الإيمان قولا و لذلك هي أساسية فالإيمان ليس إختراعا من الصفر في كل مرة بل هو
مسيرة متصلة، ثم تفرد الأية إسما موسى و عيسى و تتحدث عن الإتيان، و في الإتيان
تصوير لحدث لا يحتاج جهدا كبيرا لقرائته و إستيعابه. هو إذن حديث عن التوراة التي
أوتيها موسى فقراءتها مقارنة بكشف السنن أمر ميسر. و هذا الإنجيل كذلك إتيان
فقرائته كذلك ميسرة بالنظر للإنزال. و " مَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن
رَّبِّهِمۡ " في هذا القرءان فرب النبيين هو قرءاننا هذا فمنه نقرأ
النبوة لكل نبي و نقرأ فيه النبيين كشبكة متصلة نقرأها بترتيبها القرءاني "لا
نفرق بين أحد منهم".
هي صناعة للأمل أن لا نيأس أبدا و أننا إن دخلنا القنوط فهذا هو القرءان و
التوراة و الإنجيل فيهما جرعة أمل لنرى فيهم النبوة المرسومة في شبكتها المتكاملة
"النبيين". و لا يمكننا و نحن نقرأ أن نفرق سلسلة النبوة حين ترد في
الأيات إن كنا نرغب في الهداية فلهذا الترتيب أهميته القصوى في تحديد أسماء
الأنبياء لفهم شبكة النبيين.
كل هذا السير غايته الوصول للنهاية، للغاية. و لا يمكننا بلوغ اليوم الأخر دون
البقاء تحت بيت الإيمان فالإسلام فقط لهذا القرءان ، هو من تربو به معرفتنا. فمن
صاغ القرءان يعرف ما فيه لهدايتنا و يعرف أنّه عامل في زراعة الأمل فينا، أمل
مواصلة الطريق و إبلاغ الملة منتهاها كما تبينه الأية التالية :
فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن
تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ
ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ
الإيمان لن يكون قضية
شاملة ، فجدلية الصراع لن تنته و هذا الإيمان المرسوم و حديث الإنزال و الإتيان هو
هداية أي إبعاد عن مواطن الخطر، و أما إن حدث أن الطرف المعارض و المناقض للإيمان
تحكم في مقاليد سير المجتمع "تولوا" ، فسيرهم مؤقت فالشقاق سيبدأ في
صفوف هذه الولاية نفسها و سيستمر إلى التدمير النهائي. فالكفاية و الجذر ك ف يعني
بلوغ نهاية أمر من تلقاء نفسه، فالشقاق هو من يقود للكفاية أي أن مسار من
يتولى السير بسلطة مناقضة للإيمان يحمل بذور فناءه فيه بتعبيرنا و هي
كفاية سننية لا تحتاج جهد ممن ءامنوا. هذه السنة في كفاية من هم في شقاق بسبب
مشروعهم. و توضح الأيات ألية الكفاية و الإنتهاء من هؤلاء و تدمير مشروعهم بعبارة
"السميع العليم". "السميع" فمن تولوا سيقعون في تناقضات
إعلامهم فلا يمكن لمن يتسلط أن يصف نفسه بالبعد عن الإيمان و لكن حركته ستوقعه في
تناقض عباراته و شعاراته. "العليم" إذ سير المجتمعات يحتاج علامات
ليرتقي و يستمر و لا يمكن أن تستقر المجتمعات بلا علامات توضع لها.
صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ
عَٰبِدُونَ
إتساق الصبغة مع
العبادة ، هو أنّ بقاءنا في الإيمان هو عمق طبيعتنا ، في صبغتنا الكروموسومية ،
كأنّ بعدنا عن دائرة الإيمان يدخلنا في تضاد مع طبيعتنا، فعبادة الله أن نبقى في
نفس هذا الطريق لا نغادره فالعبد من لا يغادرك و من لا يعارضك و من يستشعر أوامرك،
فالسنن في فهمها و في الوقاية منها و في التأقلم معها هي العبادة. و لعل من تولوا
لإرساء جو مناقض للإيمان يسيرون عكس طبيعتهم و طبيعة المجتمعات نفسها.
قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ
أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ
هل الحوار عن الله
؟؟؟ هل نحتاج تقديم حجج عن علوه و ربوبيته ؟؟؟ هل فيه شك أن السنن هي
السبيل الوحيد للإرتقاء المعرفي ؟؟؟ ."و لنا أعمالنا و لكم أعمالكم"
خاصة و أننا له مخلصون ، أننا تخلصنا من الشوائب العالقة ، فنحن مستعدون للتصحيح و
لسنا بصدد التعنت في جعل أعمالنا لا تقبل نقد فالشجرة من ثمرتها "و لنا
أعمالنا و لكم أعمالكم" .
أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ
وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ
أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ
ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ
أسماء إبراهيم و
إسماعيل وإسحاق و يعقوب و الأسباط لا تحمل هداية منبثقة من التجمع بل هداية فردية
فإنتماء الإنسان و ضم نفسه مع المهتدين لا يجعله مهتديا و ربّما أعانه الإنضمام
لكنه ليس وسيلة الإرتقاء الوحيدة. و الهداية ليست منبثقة من تجمع ينصر كل طرف فيه
الطرف الآخر، فهذا التاريخ أمامنا و هذا الوقع بيننا ، فإن كانت لنا شهادة
تثبث بها أن غير هذه الأسماء يمكنه الإرتقاء بنا فلنعرضها. وواقعنا اليوم يمكنه
تصوير هذه الأية تصويرا مجهريا. فالأمر سنني و الأمر محيط الإيمان و ليس الإنتماء
لجهة تزعم هداية و تجمعت لنصر شعارها دون ثمرة تذكر بل واقعها لا يفرح عدوا.
فما يحدد ما
نقول هو واقعنا و ليس شعاراتنا " قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ
ٱللَّهُۗ" ، فالأمر في العلامات، في واقعك الموضوعي و ليس في ما تزعم و تظن و
تعتقد و تتمنى.
هو ظلم أن تكون
هناك ملة أرقى و أعلى و أفضل و نكتمها و لا نشهد و أن نفوت على الإنسانية و
العالمين فرصة الإرتقاء بأفضل مما يطرحه القرءان و لا نبينها. و إنما الأعمال
بالنيات " وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ " ، فالظلم ليس
أن تعتمد المنهج الخطأ لتصل بل الظلم أن لا تصحح الخطأ و تتعنت ، ففي الكون و
الوجود و المجتمع ما يمكنك به التصحيح ، فربنا يخبرنا أن الله ليس غافلا و أنّ
تصحيح الخطأ ليس مستحيلا بل في وجودنا سننا تسمح بالتصحيح و إن يئس الناس من إمكان
تصحيح أخطاءهم و خطاياهم.
تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ
وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
لتعيدنا الآيات إلى
إمكان خلو الأمة من الأسماء و حينها فالمسؤولية علينا ، على من يقرأ.
سياحة طالت في سورة
البقرة، طالت لضرورات البحث و تمهيده و لرسم معالم ملة إبراهيم. ملة جوهرها البحث
الذي لا ينقطع في السنن و إيصالها لمنتهاها ، إيصال البحث إلى اليوم الأخر و أنّ
هذه الملة مهما بلغت نتائج العلم و التقدم التي تفرزها لا تقر الظلم و تمنح عهدا للظالمين.
هي ملة تضع أي قارئ للقرءان أمام مسؤولياته العظام، أمام مساهمته في تثبيث محيط
الإيمان و العمل المضني لإخراج أسماء النبوة في كل مرحلة. و قبل أن نواصل
السياحة في إسم إسماعيل، نريد أن نحدث فاصلة في هندسة التراكيب في القرءان، أن
نحدث مقابلة بين ءايتي سورة البقرة (136) و سورة آل عمران (84) لنرى تغاير الهندسة
فيهما :
قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمـ وَإِسۡمَٰعِيلَ
وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ
مِن رَّبِّهِمـ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ
مُسۡلِمُونَ
---
قُلۡ ءَامَنَّا
بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ
وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا
نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ
ليس الأمر فقط في ملاحظة
الفروق بين "قل" و "قولوا" و بين "إلينا" و
"علينا" و بين "إلى" و "على" و إختفاء "و ما
أوتي" في ءاية آل عمران بل لا بد من ملاحظة الفروق بين الرسم في إبراهيم و
ربهم بالميم السائرة فيهما في ءاية البقرة و بالميم المستقرة فيهما في ءاية آل
عمران إبراهيمـ و ربهمـ.
كأن القرءان ينبهنا أن القرءاة ليست فقط بالتدقيق في الألفاظ بل كذلك في الرسم
عينه. خارطة تدخلك لأسرارها عبر علامات لتصل لرسم الصورة في السياق، لإخراج الصورة
المتناسقة.
هو توجيه قرءاني لفهم التشابه بين
الأيتين أين تظن أنّك تقرأ نفس المقطع و أنت في الحقيقة تقرا مقطعا أخر، و يمتد
التشابه في القرءان لنفس المقطع حين تظن أنّك قرأت ووصلت لفهم نهائي و الحقيقة أنك
قرأت شبها و لم تقرأ النص.
في ءاية آل عمران حديث عن الإنزال
العلوي، هو حديث عن قراءة النص القرءاني ، عما أنزل على إبراهيم في هذا القرءان
فإبراهيم فيه إسم مستقر و في قراءة ما أنزل على إسماعيل و إسحاق و يعقوب و
الأسباط. و في هذا القرءان توراة موسى و إنجيل عيسى و فيه ما أوتي النبيون نبيا
نبيا و ليس غريبا أن تبدأ الأية بـ "قل" متوجهة لمن يقرأ في طول سيره مع
الأسماء في هذا القرءان. هو حديث عن النص و مقابله ، حديث عن إلينا و علينا،
فالأول سعي لفهم الموضوعي و الثاني سعي لمفهم النص العلوي.
و إذا كان السير مواجهة مع النص
القرءاني لا تقبل وضع السلاح لرؤية الهدى فيه فالنهاية طريق مسدود، ثم تواصل ءايات
آل عمران وصف ما هو أبعد من هذا :
وَمَن
يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي
ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ
هو دستور مبطن مع القرءان ، أن الهجوم
عليه إبتداءا دون قراءته لن يقبل ، هكذا بالضم ، أي مهما تراص الزمان فعدم القبول
هو النتيجة، هي دعوة مبطنة للقراءة بدل الهجوم ، لقبول الإنزال من دافع الإيمان.
إن هذا الإيمان يمكن أن تؤسسه في
القرءان قراءة هذه الأسماء ، إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و موسى
و عيسى و كأنهم هم أساس تأمين قراءة النص و معهم النبيون كأسماء مرصوصة دون تفصيل
كأنها إضافة للإيمان بعد تأسيسه بهذه الأسماء.
هو هدف نسعى له ، هدف الترابط بين أسماء
الأنبياء في كل مقطع قرءاني و لا يمكننا زعم فهم الرابط إلا إذا أنهينا معرفتنا
بأسماء الأنبياء إسما إسما لترتسم بعدها الأيات في محيط سورتها ، في وحدة السورة.
و ففي عدم الإمتثال للترتيب توابع و لكنه جهد المقل و تحامل ذاتي لصعوبة ما أراه
في كل إسم فقد بدأنا بلوط ثم ها هو إسماعيل بينهما إسم إبراهيم المقام و المصلى.
ثم ها نحن نواصل السياحة تلاوة في سورة
النساء و هي تتحدث عن المتأخرين و طرق حل معضلاتهم و سبب نشوء النساء و إمتناع
تقليصهم نهائيا ثم حديث عن جوهر هذا التأسيس و هو برنامج هدي خارق كعادة القرءان
ثم في الأية 153 من السورة في الحديث عن إسم موسى :
يَسۡـَٔلُكَ
أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ
سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ
بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا
مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا
أهل الكتاب هم المؤهلون
لقراءته ، هم من يغيب عنه إلا ليعود إليه. فالكتاب هو كل منظومة متكاملة قائمة
بنفسها ، هو هذا النص القرءاني و قبله التوراة و في قرائتهم للكتاب هم
في وضع المحتار، وضع من لا يرى إمكان قرائته ، فالكتاب معقد مطلسم حامل لما لا
يمكنهم فهمه و يريدون تفسيرا لكل هذاتفسيرا آنيا. يطلبون كتابا من السماء ، كتابا
من جهة أعلى تشرح ما في هذا الكتاب الذي عجزوا عن قرائته. و الأمر طبيعي و هي عادة
كل من يقرأ الرسالة أن يتهمها بإستحالة قرائتها قراءة كاملة. لقد سألوا موسى أكبر
من مجرد إنزال كتاب علوي يشرح ما في التوراة، لقد سألوه أن يروا الله
جهرة.
هذا المقطع يصور لنا محيط إنزال التوراة
، فإنزالها حدث فريد لا يشبهه حدث، فليس في رسم التوراة ما يشبه رسوم لغات البشر
أنذاك و ليس بين ألسنتهم ما يشبه لسانه و الأمر ليس فقط إمكان قراءة التوراة إذ
كان الأمر شبه مستحيل في البداية ، فطلبهم لكتاب من السماء يشرح ما في التوراة
مستساغ، لكنهم ذهبوا أكبر من هذا ، سألوا رءيا الله جهرة. سألوا أن يروا من يتحدث
عنه هذا الكتاب، سألوا أن يروا الله جهرة.
رءيا الله لا يمكن أن تكون جهرة إذ الله
ليس ذاتا تحددها الأبصار بل هو عنوان نتابع أسماءه فالرءيا للأسماء. طلب رءيا الله
جهرة ظلم ، هو تجاوز للحدود. ثم أتى الواقع ليشرح لهم أنّ رءيا الله جهرة مستحيل
فقد طالتهم المصائب و الضربات من كل مكان، فلا أحد يمكنه أن يرى جهرة حتى من أنزلت
عليه الرسالة .فمحاولة تسييج الله و حصره فيهم و أنّه لا يخاطبهم إلاّ هم و أنّ
الله إلههم الحصري دون غيرهم أبطله الواقع.
أن ترى الله جهرة أي أنك تعرف ماهيته
دون غيرك إذ رءيا غيرك لله جهرة مستحيل. "فأخذتهم الصاعقة
بظلمهم" صعق مباغت ليستفيقوا. إن كنتم حاملي للتوراة فأنتم مطالبون بقرائتها
و نشرها للناس و ليس حملها تشريف لكم لمجرد إرسالها بينكم.
الصعق ما يعطل التكوين. فما نسميه صواعق
كهربائية عالية الضغط لا تترك تكوينا كهربائيا أمامها إلا عطلته تعطيلا مؤقتا أو
نهائيا إن لم تكن فيه وقاية. تعطيل مؤقت استفاقوا منه بعد
أن ارتقوا قليلا في فهم رسالة التوراة و فك بعض من كلماتها بعد جهد جهيد "جاءتهمـ
البينات" لكن هذه الفتوح لم تعلمهم التواضع بل ها هم اتخذوا العجل و بدل
الإستفادة من الدروس الأولى ها هي العجلة تدب فيهم في محاولة رءيا الله جهرة ثم
السقوط ثانية "فعفونا عن ذلك" . هي عادة من يظن أنّه شعب الله المختار و
في أول فتح يصور الأمر أنّه إنتصار على الجميع مع أن ما في التوراة "سلطانا
مبينا" ، يجعل لمن يحملها سلطة طبيعية لا يحتاج بها للتفاخر و لا نعت نفسه
بالإصطفاء.
وَرَفَعۡنَا
فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ
سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم
مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا
إن المسيرة أطوارا ، فالطور مرفوع ، طور
بواوه مرصوص فلكل طور طورا بعده. و هذا ميثاق الرسالة ، ميثاق التوراة ، في كل
ءاية فيها "رفعنا" ثم مطالبتهم بدخول الباب سجدا. و هنا عالم القرءان
الخاص ، حديث عن دخول الباب و ليس عن دخول البيت.
دخول البيت يسبقه المرور من الباب، فالدخول إلى موضع السر يحتاج أن نجد
المدخل أولا ، أن نجد الباب. و كأنهم أضاعوا البوصلة فبدل دخول البيت التوراتي
دخلوا بيت أخر ظنّا منهم أنهم وجدوا التوراة.
و لكنهم أرغموا على الدخول رغم كل
التخبط ، دخلوه مكرهين "سجدا" و طالبتهم ءايات التوراة "قلنا
لهم" بأن يثريتوا و يستريحوا قبل الإستمرار في تعداد الأخطاء القاتلة .
هو سبت لجرد ما وقع و الإنطلاقة وفق أسس تبعدهم عن الضلال الموصوف في الأيات. و مع
أنه ميثاق غليظ لكنهم لم يسايروه.
رءيا الله جهرة ثم عدوانهم
في السبت. ها نحن بعدها وصلنا إلى نقض الميثاق و الكفر بالأيات و قتل
الأنبياء بغير حق :
فَبِمَا
نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ
ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ
ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا
القتل في القرءان إنهاء للوظيفة ،
فهؤلاء لم يقتلوا الأجساد بل قتلوا الأنبياء ، نبيا نبيا، قتلوا ما يحمله كل نبي
من نبوة . قتلهم للأنبياء بتوجيه نبوتهم إلى غير وجهتها "بغير الحق" ،
قراءة النبوة بما لا يطابق موضوعها و السبب أنّ قلوبهم غلف . قلوبهم لا تسمح بمورو
النور. تصوير لسيرهم الواقعي. و لكن القرءان يتحدث عن جوهر المشكلة و هي تغطية
الأمور و عدم نقاشها و الحوار فيها "و كفرهم بأيات الله" . فهم مطبوعون
على التحوير و على تقنيات التحوير ، في بحور المتاهة أين الطريقة هي تعمية الطريقة
و الحوار هو قتل الحوار. فلا إيمان هناك و لا تأمين لأحد بل فرض واقع في محيط
كفري.
ثم تعرج الآيات على المسيح في سورة
النساء و أنه لم يقتل ، فهو بيننا إسما في القرءان حتى و إن قتل الناس نفس عيسى
التاريخي فالمسيح عيسى بن مريم إسم حي. إسمه في هذا القرءان يسير "و ما قتلوه
يقينا". لنقرأ:
وَبِكُفۡرِهِمۡ
وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا
وَقَوۡلِهِمۡ
إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا
قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ
ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا
ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا
بَل
رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا
وَإِن
مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ
ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا
مريم لم يقتلوها و لكنهم كفروا حقها.
أما المسيح فزعموا أنهم قتلوه. مريم التاريخية أتت بعيسى التاريخي كما يتوالد
الناس في زمنها. و لكن الناس حولها بين متهم لها في شرفها و بين واصف لما حدث لها
أنه كسر للسنن الكونية الثابثة. أما مريم الإسم في القرءان كإسم ابنها المسيح
أسماء ممتدة فلا أحد يستطيع قتل عيسى بن مريم بل إسمه مرفوع و بلوغ إسمه سيدخل
الإنسانية في يوم القيامة أين تصبح الإنسانية و الكائنات العالمة معها في وضع
القيام و ينتفي القعود عن جميع أفرادها. كشف الإسم المريمي المسيحي هو كشف لطريقة
تزواج البويضة دون تخصيب، هي أخر حلقة بحثية توصلنا إلى يوم القيامة بل و تجعل كل
باحث في الكتاب ، في هذا الكون مشبع بالإيمان بسبب هذا الكشف "لتؤمنن
به". إسم المسيح هو الشهيد على هذا الحدث الفريد الذي سيقلب مسيرة العالمين و
يدخلهم في مرحلة جديدة مرحلة القيامة و الإيمان الشامل.
ثم حديث عن بعض نتائج التهود و عدل القرءان حتى مع المتهودين هم عدلا يجعل قارئ
القرءان أوسع إدراكا لمسألة التهود إذ ما لحق حاملي التوراة لحق بأمتنا و بنفس
الطريقة :
فَبِظُلۡمٖ
مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ
وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا
وَأَخۡذِهِمُ
ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ
وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا
لَّٰكِنِ
ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ
أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ
وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ
أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا
تجمع يعتبر أصحابه أنفسهم مسؤولون عن
نقل الهداية للأخرين. لكنّهم بدل نقل الهداية شرعوا لأنفسهم تحريم الطيبات. إنّه
أمر محير أن من يحاول هدايتك يقع هو في اللاعقل بل و يفرض على نفسه شروطا هو في
غنى عنها و يحرم على نفسه طيبات لا تضره بل تنفعه و بفعله هذا يبعد الناس عن
الرسالة إبعادا. و كأن القرءان يكشف لنا سرا عميقا في حاملي رسالة التوراة.
من صاغ التوراة يدفع قارئه للخطأ ، إلى الخطأ الطوعي ، ليس أنّ الخطأ في التوراة
بل إرغاما للقارئ أن يخطأ حتى يعتدل و لا يتفرعن فأيات التوراة هي من حرمت على
هؤلاء "حرمنا"، هي من دفعتهم دفعا لتحريم الطيبات على أنفسهم. هكذا
ليراهم الناس فلا يخضعوا لهم و لا يسلموهم عقولهم و أنفسهم.
سبب هذا الدفع التوراتي لهذا
التحريم هو ظلم هؤلاء و إعتبار إمكانهم رءيا الله جهرة و تسييجهم لله في بوتقة
ووسم أنفسهم بشعب الله المختار وصد هؤلاء عن سبيل الله كثيرا، فلا حرية هناك و أن
حديثهم عن التوراة هو التوراة و قرائتهم لها هي القراءة.
ثم المباغتة في الإستحواذ على أموال الناس في فوضى مؤسسة، بمزج
أموال الناس مع أموالهم بما لا يتفق و الصورة المرسومة "بالباطل" و هي
تكاد تكون عادة ، رسم شعار الربح للجميع ليتم أكل أموال الناس. هذه عادة الذين
هادوا أن يصوروا الباطل حقا ليتم الإستحواذ على أموال الناس. ثم التغطية على هذا
العمل " وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا" و
القرءان لا يقول أنّ جميع الذين هادوا هم على هذا الصنف بل يعين الكافرين منهم ممن
يغطي جريمته بالتقنيات المعهودة.
أن تضع نفسك و تجمعك في مقام من يهدي
الناس يعني أن تكون في مستوى الهداية تواضعا و قراءة و مثالا و أن لا تفصل نفسك عن
الإنسانية بدعوى رءياك الله جهرة و أن لا تمنع الناس من قراءة التوراة بإختراع
طقوس سحرية تنفر الإنسانية منها. و أن لا تستحوذ على فائض النمو و
أن لا تصور للناس أفلاما لا علاقة لها بالواقع لتستحوذ على أموالهم.
ثم يتعالى القرءان بما لا يمكن تصوره
لمن يظن أن تجمع الذين هادوا لا يخرج علماء بل القرءان يقول أن منهم راسخين في
العلم، فمن هذا المجتمع السلفي حينا و المتنور حين آخر إذ كلاهما يزعم هداية
الأخرين، منهم راسخون في العلم لهم مساهمات علمية كبيرة جعلتهم راسخون في العلم.
هؤلاء الراسخون و المؤمنون من غير مجتمع الذين هادوا هم من يضع لبنات الحوار ،هم
من يمكنهم مد الجسور للخروج بالإنسانية إلى مستوى الخلافة و مستوى قراءة الرسالة.
الراسخون في العلم ممن هادوا و المؤمنون من غيرهم هم من سيوصل بصلاتهم و
زكاتهم الإنسانية إلى القناعة بأن بحث السنن هو الطريق الأمثل للوصول لمرحلة اليوم
الأخر. مثل هذه الصلاة و الزكاة لها بمنطق الرسالة أجر عظيم
"نؤتيهم أجرا عظيما" جزاء هذا العمل الجبار.
ثم تبدأ ءايات السورة في وصف النبوة و
علاقتها بالرسالة :
۞إِنَّآ
أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ
بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ
وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ
وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا
وَرُسُلٗا
قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ
وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا
الوحي الإشارة الخفية، فوحي ءايات
القرءان "إنا" للقرءان "إليك". كأن مجموع الأيات يرسم كائنا
حيا تخاطبه الأيات، كأن الأجزاء ترسل الإشارات الخفية لهذا الكل و كأنه كائن حي
ممتد في كافه إلى أصقاع الزمان و المكان. فكما أن الوحي لنوح و النبيين و إبراهيم
و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و عيسى و أيوب و يونس و هارون و سليمان و
داوود ، وحي لأحياء فالوحي للقرءان وحي لكائن حي. وحي يحتاج من يقرأ إلتقاطه. فما
هي الإشارة الخفية في هذه الأية ؟؟
لكل نبي وظيفة و مهمة ، وحي يجب إلتقاطه فنوح و نبوته في دمار الكوكب و خروج
الإنسانية منه مضطرة غير مختارة ، الإنسانية التي حضرت للخروج و استمعت لإنذار
الرسالة. ثم شبكة النبيين التي انطلقت بعده لإعادة البناء في هذا الكون الفسيح ،
إبراهيم الإمام و إسماعيل الباعث و إسحاق المحقق و يعقوب الموصل و عيسى المسيح إلى
يوم القيامة. أسماء في ءاية تشير بطرقها الخفية إلى أمر . تشير إلى المحطات التي
تنتطرنا إلى حجم الجهد الذي يلزم بذله. و لعل القارئ يلتقط هذه الإشارة التي لم
استطع التقاطها.
الرسل الذين قص القرءان علينا قبل هذه
الأية هم موسى و عيسى أما الباقي فوحي للأسماء دون
قصص "و رسلا لم نقصصهم عليك". من جهة حديث عن النبيين إذ لكل
إسم نبوته ، علاقته بالنبأ الذي سيقع ثم حديث عن الرسالة ، أي أنّ الأزمة الخانقة
التي وصفتها النبوة سيتم تجاوزها.
رسلا و أنبياء ، فهم حاملوا رسالة و في رسالتهم التي حملوها نبوة أي قراءة للحدث
المستقبلي المرسوم بدقة حتى يكاد قارئ القرءان يعرف مسبقا إلى أي إتجاه ستسير
الإنسانية و يعرف مسبقا محطاتها و محطات أرتقاءها و محطات إنتكاسها و
كيفيات النهوض و لكل من المحطات رسولا ليخرج الناس برسالته من الأزمة الخانقة.
فالنبوة ليست حديث عن تفصيل حياتي بل حديث عن التغيير الجوهري الشامل الذي ستتعرض
له الإنسانية و سيشمل جامع أفرادها و سيؤثر على مجراها العام. ثم بشرى الرسالة و
الخبر السعيد.
تفريد موسى بكلام الله هو إشارة
للتوراة ، فالكلام نقل للمعلومات ، و هنا الفرق بين الوحي و الكلام. فالقصص هنا
لموسى و عيسى في تتبع الأثر و تفريد موسى بالكلام إشارة أن عيسى لم يكلمه الله ،
أن ما يسميه الناس إنجيلا ليس إلا قراءة متعالية للتوراة.
رُّسُلٗا
مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ
بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا
أسماء الرسل تحمل البشارة ، بشارة
الإرتقاء المعرفي و العلمي في إسم إبراهيم و بشارة إمكان النهوض بعد الإنتكاسة
الشاملة في إسم إسماعيل و في بلوغ الإنسانية لمراحل الإتساع العلمي في إسم عيسى
المسيح عيسى بن مريم بما يمكن وصفه بمرحلة يوم القيامة التي ستسمح للإنسانية جميعا
و كل فرد فيها أن يكون قائما فعالا بحق. و أسماءهم تحمل الإنذار كي لا تتكرر
الأخطاء القاتلة.
أسماء الرسل حجة ، أنّ السنن ليس فقط
ناظمة بل بها يمكن التواصل بين المخلوقات العالمة و إخراجنا نحن من الفوضى الفكرية
و العقلية و النفسية التي تعمنا "الناس". عمل مجهد لا يمكن بلوغه لأي
أحد "عزيز" و دقيق دقة السنن المرتقية بنا إلى الهدف.
لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ
أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ
شَهِيدًا
ثم حديث عن ألية الوصول،
فلا وصول دون شهادة الملائكة ، دون إحضارهم في المشهد و لا إرتقاء دونهم فهم
سبيلنا لبلوغ اليوم الأخر و القيامة. فالأمم التي غاب إسجادها للملائكة ستنتكس و
سيمحى أثرها "لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" و في
هذا القرءان علامات ليرى الناس فيه إمكان المعرفة و الإهتداء و رسم الهدف و
الغاية. فالملائكة يشهدون بما في القرءان يشهدون على علم الله في هذا القرءان،
فعدتهم فيه ووصف إسجادهم فيهم و وصف من أبى بينهم فيه ، فشهادتهم على إنزال الحق
خير شهادة.
هذا التركيز على أسماء الأنبياء ليس
عبثيا في القرءان فهم منارات الإرتكاز لفهم نبوة القرءان العامة و للدخول في
رسالته. و الملائكة ألية التحقيق و الوصول للهدف و الغاية ، فبهم سنصل للقيامة و
اليوم الأخر.
ها قد قادتنا السياحة في سورة النساء
لنرى إسماعيل في المشهد و إن لم يكن في إسمه قصص و ننتقل لسورة الأنعام ، سورة
موضوعها ما تحمله الأنعام من مادة و طاقة ، فالأنعام ليس ظاهر البهائم التي نراها
و نأكلها، الأنعام هي ما ينتج عن هذا الأكل. فالتنوع الذي نراه في الطعام ، قيمته
الغذائية محصور في عدد محدود في المواد يسميها القرءان الضأن و المعز و الإبل و
البقر في زوجية الإنتظام و يسميها العلم الحديث ، بروتينات و ليبيدات (دهون) و
غلوسيدات (كربوهيدرات) و فيتامينات و هو بحث قرءاني غزير لربط بينته اللفظية مع
حديث الكون ، عن ماهية الضأن و المعز و الإبل و البقر و عن الزوجية فيه.
هذا تمهيد عن السورة ليتم
الربط مع أسماء الأنبياء فيه ، ربطا يصور الأنعام في كل شيء ثم لنعرج في الأسماء
في ءايات سورة الأنعام بدءا من الأية 83:
وَتِلۡكَ
حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ
مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ
الذي يقوم بهم إسم إبراهيم هم معارضوه ،
فالحجة لم تأت لهم بل عليهم ، و هي تناقض واضح إذ كان يمكن أن تكون حدة إبراهيم
لهم و لكن الحقيقة أن من يقوم بهم إسم إبراهيم لا يحملون شيئا من اسمه لذلك أتت
الأية "نرفع درجات من نشاء" و ليس "من يشاء" فحمل إسم إبراهيم
لا يعني بحال التفوق على عباد الله و ووصمهم بالسفلية و الأغيار و الأممية و غيره
من النعوت ، بل حمل إسم إبراهيم هو تجسيد لواقع البحث و الإرتقاء و ليس الأمر
متعلقا برفع شعار حمل الرسالة.
إبراهيم يهدم الأصنام و التماثيل و يرتقي علميا و معرفيا و يبتعد عن الظلم و هو
حجة على من يحمل إسمه، فالشجرة من ثمرتها فمآل القوم هو الموضوع ، وواقعهم هو
القضية. فإبراهيم لمن يحمل إسمه. كأن القرءان يفهمنا أنّ قوم إبراهيم ممن يدعي أنّ
إسم إبراهيم يقوم عليهم و هم من يقيمونه لا يحملون إسمه و لن يحملوه.
وَوَهَبۡنَا
لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ
وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ
وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ
وَزَكَرِيَّا
وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ
وَإِسۡمَٰعِيلَ
وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ
إسحاق و يعقوب هبة إبراهيم، هبة ليكتمل
الإسم و هو يتجلى مقتربا من غايته. و كأن إسم إبراهيم لا ينشأ إلا بعد رحلتنا من
هذا الكوكب "و نوحا هدينا من قبل" ، كأن إبراهيم ذرو نوح بعد مغادرة
الكوكب و محطات طويلة تحملها ذرية نوح. داوود و سليمان و أيوب و ويوسف و موسى و
هارون. أسماء من يتقن "المحسنين" في كل شيء. كأنه تصوير لما ينتظرنا من
بعث للحياة في الكواكب الأخرى، فالإستقرار فيها لا يسمح بغير الإتقان عكس الجنة
التي نحن فيها اليوم في كوكبنا هذا و نحن نتنعم دون أن نشعر بالنعم .
إسم إبراهيم و إسحاق إبراهيم سبق نوح في الأية ، هو إسم في هذا الكوكب و هو
إسم بعد دمار الكوكب، قبل نوح في العبارة و بعد نوح سينشأ في مرحلة ما بعد الدمار.
ثم أسماء زكريا و يحي و عيسى و إلياس لن
تقف هنا في هذا الكوكب و لا في غيره بل هي صالحة لتستمر بها الرحلة ثم أسماء
إسماعيل و اليسع و يونس و لوطا أسماء
مرتبطة بالإنسانية و هي في القاع و هي في عمق الأزمات و لذلك "فضلنا على
العالمين". تفضيلهم آت من أنهم يرفعون المشعل ثانية في وقت الأزمات الطاحنة و
يدفعون الإنسانية و العالمين معها إلى النهوض من جديد.
وَمِنۡ
ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ
وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ
ذَٰلِكَ
هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ
لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ
السنن
تسير لتشرح لنا كيف نجسد مسار النبوات عندما نلتزم بهدي السنن و لا يمكن لأي فريق
من الأنبياء مصنف في هذه الأيات ءاية ءاية أن يدخل في صفه إسما
أخر "و لو اشركوا" لحبط العمل فلكل تصنيف وظيفته و إن لم
يسعفنا العمر بعد للدخول في أسماءها كلها فلتمنحنا السماء معرفتها في وقت لاحق
إسما إسما و صنفا صنفا ، صنف المحسنين و صنف الصالحين و صنف الذين فضلنا على
العالمين.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ
وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا
بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ
فالكتاب
أتاهم من غير جهد منهم و كأنّ الكون مرتبط بأسمائهم ففي أسمائهم الكتاب و في
أسمائهم الحكم أي خلاصة التحليل و في أسمائهم النبوة و الأنباء التي ترسم مسار
الإنسانية كونها.
أولئك رسم لإتساع الأسماء و إمتدادها في المسيرة كلها إلى نهايتها فالكاف علامة
ترسم في القرءان تلسكوب و مجهر و أما هؤلاء فهو حديث عمن هو في غيب النص هنا
يدرسها و لا يمكنها إلا تغطيتها و تعميتها و لكن النص سيسير و سيظهر حقه تباعا
للنظر فيها و قراءتها لا كفرها من قوم ليسوا بها كافرين. قد لا تكون لهم علاقة
بالنص لكنهم يجلونها حقه و هو يجلون الكتاب.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ
ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ
لِلۡعَٰلَمِينَ
الهدي الإبتعاد عن مواطن الخطر و القرءان
هنا يدعونا للسير على نفس الخطى و إتباع نفس الأثر "و إنّا على ءاثارهم
مقتدون" و كأن الأيات تتحدث عن العود الأبدي في أسماء الأنبياء و أنّ كل
مرحلة تبدأ بإسم إبراهيم ستأخذ مسارها إلى النهاية لتبدأ مرحلة جديدة بإسم إبراهيم
، هي هذه القدوة و الإقتداء و لذلك تتحدث الأية عن الذكرى ، عن تذكر القدوة
السابقة.
لكنه هدي دون إنتظار أجر، هدي مجاني إذ لو اجتمع كل المختصون فلن يروا النبوة
الإسمية كما يرسمها القرءان. هذا الحديث عن الأجر معناه أن محاولة إستقراء النبوة
في حياة البشر و مآلاتها جهد يشبه المستحيل و هو في هذا القرءان مجاني لا ينتظر
أجرا من أحد.
ذكرى للعالمين ، إذ اسماء الأنبياء لا
تحف مسيرة الإنسانية و فقط بل مسيرة العالمين ففي أسمائهم لقاء العالمين ، لقاء
الإنسان و الجآن في تكويناتهم المتنوعة. فمسيرتنا نحن ليس مسيرة كائن حي واحد في
هذا الكون معزول بل هي مسيرة البحث عن ذي القربى.
وَمَا
قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ إِذۡ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ
بَشَرٖ مِّن شَيۡءٖۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ
نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ
كَثِيرٗاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنتُمۡ وَلَآ ءَابَآؤُكُمۡۖ
قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِي خَوۡضِهِمۡ يَلۡعَبُونَ
وَهَٰذَا
كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ
أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ
يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ
هي رحلة إسمية ستتحقق نبوتها تباعا
يرسمها هذا الكتاب و الناس تشكك في إمكان إتصال السماء ببشر لينقل عنها رسالتها ،
إذن ها هي التوراة و هي تتحدث عن النبوة تحمل النور و الهدى ، نورا يوضح القرءان و
هدى للمسيرة. هذا الكتاب الذي جاء به موسى بعد الجهد الجهيد جعلوه قراطيس ، أي نصا
بلا موضوع ، فالكتاب هو الموضوع و النص ليس إلا هاديا ، فهذا الجعل هو تحويل
جوهري، هو في إخراج النص عن هدفه. هو قراءة النص من أجل النص كأن النص بلا موضوع
فالعلم وضع للعلامات ثم توقيع القرءان قل الله
و ليس القراطيس
فالمهم هو الموضوعي لا النص و لكن الناس ظنت أن النص هو المقصود بذاته أي أنه لا
يحمل هداية بل يتحدث في الخواء :
"ثم ذرهم في خوضهم يلعبون"
صحيفة جعلوها موضوعا لخوض اللعب لا هدف لها إلاّ الدوران في الحلقة المفرغة.
هذا كتاب، فهو يحمل خصوصية التصديق
للمستقبل "بين يديه" و مهمة أسماء الأنبياء إخراج القرية من جوهرها
"التبادلات التجارية" و إنذارها بالمخاطر الآتية. فالحديث لها ، لأم
القرى ، فهي من تدير أفلاك القرى التي حولها ، هي الراعية و الحاضنة لهم ، هي من
يبقيهم في فلكها . إنذار لأم القرى أن المخاطر آتية و أن الإستعداد لها ضرورة
لمواصلة الرحلة. أما مهمة من يؤمنون بالإنزال إيمانهم نابع بالأخرة و أنّ سواء
انتبهت أم القرى أم لم تنتبه فالمشروع سائر و الأخرة ستتحقق مهما كانت العقبات و
الكوارث فصلاتهم مع أم القرى و من حولها صلاة لإقتصاد الوقت و الجهد و الطاقات
فالأخرة ماضية.
ثم نمضي في سورة إبراهيم ، فلإبراهيم
سورة و لندخل بابها من ءايتها 35 لعلنا نجلي منها جانبا من إسم إسماعيل
و نبوته :
وَإِذۡ
قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي
وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ
هو جعل ، تغيير في الجوهر رغم أنّ
المظهر لم يتغير، بلد ءامن ، هو في أول نظرة غير ءامن ، لا أمن فيه بل خوف ، و
إبراهيم يطلب من الرب ، من القرءان الذي يربو بإسمه أن يجعله هذا البلد ءامنا، فلا
أمن و لا إيمان في هذا البلد دون أن تربو المعرفة فيه. فليس في إسم إبراهيم القرءاني و
من سار على نهجه "بني" دعوة لعبادة الاصنام ، دعوة ليستمدوا تعليماتهم
من الأصنام. مما لا يمكنه البيان. أصناما تريد فرض الهيمنة النفسية بكل
الطرق دون أن تعرفنا بمصادر المعرفة عندها و مصادر العلم ، فلا ربوبية
هناك بل صنمية لا موضوع لها إلا الهيمنة. و نشير هنا إلى ورود الأصنام في هذه
الأية بالألف الوتدية و بالألف الخنجرية في سورة الأنبياء.
رَبِّ
إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ
مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ
مقابلة النص بموضوعه هو منهج إبراهيم أن
لا يعبد الأصنام ، أن لا يستمد تعليماته من الأصنام بل يفحص ما تورده الأصنام
ليقرر و أما من عصى منهج إبراهيم و وضع الدواليب أمامه فلعله ينتبه و
يصحح إن كان عصيانه بحسن نية و يغفر و يجد ما يستر به خطأه و يجد رحما ينطلق منه.
فبلا منهج إبراهيم لا إرتقاء.
رَّبَّنَآ
إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ
ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ
ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ
يَشۡكُرُونَ
هو سكن من ذرية إبراهيم ، سكن خاص لذرية
خاصة ، يحمل السكينة و إبراهيم أسكنهم فهو من أدخلهم السكن ، فسكينة إسم إبراهيم
امتدت لهم ليدخلوا السكن، هو حديث عن القرءان، و أن من ذراهم إبراهيم لقرائته أصبغ
عليهم إسمه صبغة خاصة ، فبسبب "واد غير ذئ زرع" أسكنهم إبراهيم، فهو وصف
للقرءان دقيق ، و أن هذا الواد عند "بيتك المحرم" فهو عنيد معرفته
"ربنا" و "عند" و هو بيت محرم، أن من يدخله يدخل
منطقة خطرة جدا ، يمكن أن تضره، هذا الواد في بيت سر من يدخله يمكن أن يهدم كيانه
و لا يمكن أن تكتشف الواد غير ذي زرع إلا بإقامة الصلاة، بالتواصل مع كل باحث عنه
للوصول للمعين، و هذه الصلاة قد تجعل أدمغة مهيأة للبحث تهوي نحو هذا
القرءان لتكتشف ما لم ينتبه إليه ساكنوه.
ذرية إبراهيم ممن يسكن هذا الكتاب
لهم طاقة جذب ، فهم مركز الإشعاع و تجميع طاقات البحث بما يقدمونه من قراءات و
فتوح مميزة عن هذا الكتاب. و هو وعد أن الربوبية في هذا الكتاب لا تعطي الثمرات
فقط بل هي كذلك رزق آت. فإنطلاق الأفئدة لتحقيق ما في هذا الكتاب يفتح أبواب الرزق
التي لا تخطر ببال "لعلهم يشكرون"، فالأية بدأ حديثها عن واد غير ذي
زرع ثم النهاية رزق من الثمرات. فهدي هذا الكتاب يخرج الثمرات من
الحجر.
رَبَّنَآ
إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن
شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ
إن هذا الكتاب "ربنا" صيغ
بعلم فهو يسايرنا و يفهم عقدنا، فما نعلنه ليس ما نخفيه و هي إشارة قرءانية أن لا
نبتعد عن الهدف المنشود فالغاية ليست الرزق المرحلي بل الهدف البعيد. فما يخفى على
الله من شيء في سطحيتنا "الأرض" و لا في ارتقاءنا "السماء"
فمسيرتنا معلومة الإتجاه. هي إذن تعريف لمن يقرأ ان ينتبه أن القرءان صيغ عارفا
بالإتجاهات التي ستأخذها القراءات فكل قراءة مستقرة في مجتمع تحمل دوما في جذورها
غموض المصالح و إعلان الإتباع.
ٱلۡحَمۡدُ
لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ
رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ
إن إرتقاء الإنسانية إلى إسم إبراهيم
يصل إلى أوج معين "الكبر" ثم الإنحدار و هنا يبدأ إسم إسماعيل بالتجلي و
معه إسحاق ، فإسم إسماعيل هو من يرفع إسم إبراهيم ثانية بعد الإنتكاسة و هو تأكيد
قرءاني أنّ الإنتكاسة سننية و إعادة المشعل الإبراهيمي ثانية سنني و لقد مر على
الإنسانية دهرا انتكست فيه الحضارة و المعرفة و انقطع حبل الإتصال بأثينا ثم أتت
أمتنا فرفعت المشعل الإبراهيمي ثانية و سلمته و جعلته أكثر إشراقا فهي من هذا
الوجه تحمل إسم إسماعيل.
إسماعيل هبة ، هو إذن حالة في زمن يظن
الناس أنّ كل شيء ضاع و أن لا أمل يلوح ثم تأتي الهبة من دون إنتظار أحد لتعيد
الأمور إلى نصابها بل أكبر من نصابها. فما حدث من تغييرات جوهرية بعد وفاة نبي
الرحمة صلوات الله عليه قاد في النهاية إلى إعلاء إسم إبراهيم ثانية رغم حجم
التضحيات.
و هذا القرءان سميع الدعاء فمن يحاول
البناء معه سيجد ما يسره ،فالدعاء صهر لحركتك الذاتية بحركة الأخر الذي تدعوه.
يعرف حاجاتنا و أسئلتنا الجوهرية و له عنها جواب بل أبعد من الجواب
"سميع".
رَبِّ
ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ
إسم إبراهيم إسم لمن يجمع حوله المصلين
، من يحيي إقامة الصلاة بعد إنقطاع "مقيم" و من ذريته من يواصل إقامة
الصلوة مهما كانت العوائق. أن يكون جوهر الحركة الإبراهيمية إقامة الصلوة هو ما
يرسمه لفظ "اجعلنى" فالجعل تحول في الجوهر. ثم من دعا إلى إقامة الصلاة
يمكن لهذا الكتاب أن يعينه عليها "تقبل دعاء" و يهديه و يعطيه
الميكانيزمات.
رَبَّنَا
ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ
"ربنا اغفر لي" و ليس
"رب اغفر لي" ، فكل من يحمل إسم إبراهيم يمكنه أن يحمل جزءا و جزءا
مناقضا ، و لذلك تحدثت الأية عن الوالدين ، فالجينات تنشأ كائنا
"متناقضا" من والديه يحمل صفات مغايرة من اثنين، و التناقض في إسم
إبراهيم القرءاني عنوان كبير فمن جهة هو يهاجم الأبوية و يعتبر نفسه أبا و هو من
جهة يحنف و من جهة أخرى يؤسس لملة. و لكن تناقض الوالدين ينشأ كائنا حيا لا يحمل
التناقض ، فإسم إبراهيم ليس متناقضا كما يظن القارئ لأول وهلة و كما نظن أستحالة
خروج مولود من كائنين متغايرين و هذا التناقض سيرفع حين نصل لثورة الحساب ، الثورة
الرياضية و يمكننا بعدها حل إشكالات إسم إبراهيم القرءاني بنظرة أوسع و لعل الذكاء
الصناعي في إنطلاقته الحالية يحمل لنا عن إسم إبراهيم مفجآت لم يكن أحد ينتظرها.
ثم رحلة في سورة مريم بدءا بالأية
41 ، و رغم طول مقاطعها نحتاج دخولها لرسم إسم إسماعيل و قبله عود لبدء الغوص
ثانية في ملة إبراهيم
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ
صِدِّيقٗا نَّبِيًّا
إنه و لا شك قد سار إسم إبراهيم في
تاريخ سبق. فالذكر لحدث سبق قراءتك له و حديثك عنه فإسم إبراهيم القرءاني ليس وهما
بل مع إمتداده سبق وجوده التاريخي. هكذا بميمه المستقرة لتدل على وجود حقيقي و إن
كان الحمل التاريخي لجزء من الإسم و بين إبراهيم المستقر و إبراهيمـ السائر بيان.
إسم إبراهيم ليس فقط يحمل الصدق بل يخرج
الصدق بياءه "ّصديقا" و إذن نبوته ليست إحتمال بل نبوة حقيقية حدثت
فالذكر يرسم تحقق النبوة و صدقها و كأنّ القرءان يخبرنا أنّ البحث العلمي الحنيفي
بدأ من زمن، ثم هذا الصديق مستمر صدق نبوته و كأنه هنا يتحدث عن الإمتداد.
إِذۡ قَالَ
لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا
يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا
الأب من
يلقنك منهجا ، ألية معينة للبحث، طريقة معينة للتعامل مع الأفكار و الموجودات، و
لما توجه إبراهيم في نقد أبيه أنتفت عنه الأبوة و دخل في مرحلة الأبت ، وها هي
التاء تأتي ترسم التوليد، كأن الأبوة في حال النشوء و التولد. و كأن الأية توضح
لنا كيفية التعامل مع الأبوة قبل أن يصل تأثيرها لمستوى الهيمنة. كأن
القرءان ينبهنا أن لا نترك لأي أحد فرصة الوصول للهيمنة علينا دون نقاش عميق.
"إذ قال لأبيه يأبت". فالأبوة لا يمكنها أن تلقنني منهجا مصدر المعرفة
فيها من لا يسمع و لا يبصر. مصدر ليس لها حاسة إستقبال و لا
حاسة التحقق من وجود مزعوم و لا مصدرا لا يقدم لك شيئا يمكنك الإستغناء
به عن غيره تعتبره المصدر الأوحد.
يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا
لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا
الجهد العلمي "جاءني من
العلم" هو الأساس و عندها تنقلب الأبوية فالأب الذي يُتبع أصبحا تابعا ،
فالأبوة في القرءان ليست أبدية بل مرحلية ، فمن فقد الهداية فقد الأبوة ، هداية
إلى الصراط السوي . العلم الذي يحيلك إلى الصراط السوي بدل التيه و
الإعوجاج.
يَٰٓأَبَتِ
لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا
الذي يتلقى تعليماته من الوهم
"الشيطان" لا ينتج شيئا ، فالرحمان وعاء كل رحم ، و
الوهم عاجز أن يكون رحما بل هو مانع يعارض تكوين أي رحم. فالأب الذي
يستمد معرفته من الوهم الذي لا يمكن التحقق من مصادره لا يمكن أن يرتق لمستوى إسم
إبراهيم و أن يكون له أبا.
يَٰٓأَبَتِ
إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ
لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا
الخوف متعلق بالمستقبل، فالأرحام
البحثية ستخرج ما لا يتصوره الأبت الذي ترأس الوهم "وليا". ستخرج له
الأرحام ما يمنعه من الوصول لتحقيق رغباته و مصالحه. إشارة قرءانية
للأبائية المصلحية في إبقاءها للوهم. فالأبائية عندها مصلحة و هيمنة.
قَالَ
أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ
لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا
إنتفت عن إبراهيم البنوة فقد أصبح حاملا
لإسمه و انقطعت صلة الأبوة ، فمن كان أبا ينادي إبراهيم بإسمه "يا
إبراهيم" و ظهر المستور فالأبوة المزعومة بنيت على ءالهة يظن ما يستمد منها
سننا ، فالسنن واحدة لا يمكن ضبطها من آلهة بل هي في جوهرها أحدية و لا يمكن
لمجتمع أن يستمد تعليماته من السنن و الوهم و الخرافة في آن واحد و ينتظر الإرتقاء
السريع.
هي رغبة الأب في إرجاء الحسم و
إبقاء التوازن بين الألهة ، فالمجتمع يمكن أن ينكسر و يفقد توازنه إذا أخللنا بهذا
التوازن الإلهي. إنه أمر كارثي لكنه لا بد منه و ما ينتظر إبراهيم إلا الرجم ، حصر
حركته في محيط لا يتعداه و إخراجه من المجتمع . فلقد طُلب من إبراهيم أن يهجر و
كأنه مسؤول هو عن القطيعة النفسية. تصوير لمسؤولية إبراهيم لرجمه.
قَالَ
سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا
قصد إبراهيم ليس سلطة و لا هيمنة و لقد
فسر الأب حركة إبراهيم تفسيرا خاطئا و ها هو إبراهيم يوضح إسمه ، فإسمه ليس
للمواجهة بل السير لإيجاد الغفر ، ما به يحامي الأذى عن أبيه ، فرب إبراهيم ، هذا
القرءان يحامي الأذى حتى عمن يناصبه العداء. ثم في إسم إبراهيم حفاوة
وَأَعۡتَزِلُكُمۡ
وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ
بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا
ها قد تجاوز الأمر الهجر ووصل إلى
إتخاذ إبراهيم قرار الإعتزال فلا يمكنه المشاركة في مشروع ليس الله عنوانه. و في
العزلة شقاء الإنسان "شقيا" و العزلة تناقض إسم إبراهيم في إقامة الصلوة
و كالعادة نرى التناقض الذي يحمله إسم إبراهيم. و لكن القرءان بدعاءه لإبراهيم
سيجد له طريق أخر لفك العزلة. هذا هو إبراهيم لا يمكن إلا أن يكون إماما. و هذه
العزلة المضروبة على إسم إبراهيم لن تكون إنهاء لإسمه
فَلَمَّا
ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ
وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا
ها هي أتت هبة إسحاق و يعقوب ، فإبراهيم
و هو من يجهد نفسه في وضع الأسس و الدخول في الجديد سيجته الأبوية و أرغمته على
العزلة و ها هي العزلة ترفع بإسم إسحاق المحقق للثمرة. و نرى جردانو و هو يحترق و
نرى داروين و هو يحاصر و نور بولتزمان و قد دفعوه للإنتحار و غيرهم كثير ليأتي
الإعتراف بعدها بعد أن وقع الذي وقع. ثم يعقوب ليوصل المشروع الإبراهيمي لنهايته.
إسم إسماعيل ليس هنا فوظيفته ليست في التحقيق و لا في إيصال المهمة لمنتهاها و
ستوحي الأيات بوظيفته بعد الحديث عن موسى.
وَوَهَبۡنَا
لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا
الرحمة تخرج من الرحم. كأن إبراهيم هو
الجهد الأكبر ثم إنغلاق النافذة و الأبواب ليأتي إسم إسحاق و
يعقوب ليصدقوا على إسم إبراهيم في إيصال الرحلة إلى منتهاها و هم بهذا
يضعون اسماءهم في جسر التصديق بين النص القرءاني "وهبنا" و ما يحمل من
نبوة و المستقبل الواعد الذي ينتظر التحقيق. لسان صدق ، ألية تجعل النص يطابق مع
وعد به ، الية متسمة بالعلو ، إذ تصديق الناس ليس متاحا لأي أحد.
وَٱذۡكُرۡ
فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا
وَنَٰدَيۡنَٰهُ
مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا
وَوَهَبۡنَا
لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا
إننا أمام موسى و هارون في مقطع لا نعلم
سبب إيراده لأول وهلة و نحن في الحديث عن إبراهيم و معاناته. هو رسم لسبب المعاناة
الإبراهيمية. ذكر موسى ، ذكر حدث سبق أين سيجت الرسالة و منعت من الحركة و سدت
أمامها كل الطرق رغم إخلاص حاملها. موسى لم يكن إلا حاملا لرسالة
"التوراة" و حاملا للنبوة في إخراج المستضعفين من عزلتهم. و لم يكن يدعو
للهيمنة بل منادته كانت من جانب الطور الأيمن، من جانب الأطوار ، من حافتها ،
مناداته ليبدأ السير إلى الطور الأيمن، الميمون ما يحمله لأمل للإنسانية و
العالمين و حتى هذا رفض فكل أمر عند فرعون يفسر على أنه طلب للهيمنة. ثم حتى هبة
هارون ليهدأ من روع السلطة الفرعونية و يطمئنها أن القضية ليست سلطة و لا بحثا عن
السلطة لكن عبثا.
عبارات قرءانية توحي أن الإنقطاع بين
محيط إبراهيم و محيط إسماعيل هو في ذكر موسى ، فسبب الإنقطاع هو الأرضية التي سحقت
البحث و الباحثين و سيجتهم من كل جانب و أدخلت الإنسانية إلى الظلام.
وَٱذۡكُرۡ
فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا
نَّبِيّٗا
وَكَانَ
يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ
مَرۡضِيّٗا
و كأن إسماعيل يأتي بعد إنتكاسة البحث و
عودة الإنسانية لحالة من التوحش و البهيمية ، يأتي إسماعيل ليرفع المشعل ثانية.
ذكر في الكتاب ، فالأمر منتظم أن
الإنسانية ستنتكس و أنّ الإرتقاء العلمي ليس مسيرة متصاعدة للأبد و أن هذه النبوة
متحققة و أن أمل الصعود المتواصل حلم لن يتحقق. و تأتي الأية لترسم صورة إسماعيل
"صادق الوعد" ، يأتي في الوقت المناسب. يأتي في فترة فقدت فيها
الإنسانية أمل العودة لسيرتها البحثية.
إسماعيل الإسم ، فقد يكون مجتمعا برمته
و قد يكون حضارة برمتها ، فكم من حضارة انتكست لتدخل في الظلام و يدمس بريقها
لتأتي حضارة أخرى تعيد الأمور لنصابها. ما بين بلاد الرافدين و بلاد النيل ثم
أثينا التي رفعت المشعل ثانية. ثم إشارة أمر الأهل بالصلواة و الزكوة لوصف حالة
الإنقطاع.
ثم سياحة في سورة الأنبياء في الأية 85
وَإِسۡمَٰعِيلَ
وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ
وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ
فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ
ثلاثية مترابطة مصفوفة يتوسطها إدريس،
فيد إدريس هي ما يخرج ما درس ما بقي منه الأثر فقط. و إسماعيل يعيد رفع مشعل البحث
ثانية. و ذا الكفل الذي أنهى الحلقة هنا و سينهيها في سورة ص كذلك :
وَٱذۡكُرۡ
إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ
ذا الكفل التي يحمل سيئات
قومه و يتحمل نقدهم و استهزائهم. هي ثلاثية التحمل و بهم ستفرج الأمور و تفك
الأزمات "أدخلناهم في رحمتنا" فميلادهم متحقق و أن الياس لا مكان له
لتحقق مآب جنات عدن..
ثم في سورة ص ربط مع اليسع كما في سورة
الأنعام أين كان تفضيلهم على العالمين، و هنا هم من الأخيار مع ذي الكفل. هم
ثلاثية الإختيار في المستنقع الذي وجدوا أنفسهم فيه ليتم تجفيفه و بدء البناء.
هَٰذَا
ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ
جَنَّٰتِ
عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ
ها قد و بلغنا إلى جف الأقلام و كأننا
برسمنا لإسم إسماعيل مررنا بكل المحطات و كان يمكننا أن نبدأ من سورة
الصافات أين طريقة القرءان في عرض حقه بالتبطين اللطيف. فمن قرأ قصص إبراهيم
ربط الذبيح بإسماعيل و لا يسعنا و نحن في خاتمة البحث إلا أن نغوص لنرى الأمر عن
قرب.
نحن في سورة الصافات، سورة الأحماض
الأمينية و سنمر من نوح إلى إبراهيم من ءايتها 75 :
وَلَقَدۡ
نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ
وَنَجَّيۡنَٰهُ
وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ
وَجَعَلۡنَا
ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ
وَتَرَكۡنَا
عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ
سَلَٰمٌ
عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ
إِنَّا
كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ
إِنَّهُۥ
مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ
ثُمَّ
أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ
نوح في منادته، فلا مجيب هناك، وحيدا
يبحث عن سند و ها هي ءايات القرءان تجيبه "فلنعم المجيبون" ، فآيات سورة
الصافات ستجيب، إذ ما ينجي و ما يبقي الذرية هي هذه الصافات "و من كل زوجين
اثنين". نوح في إنذاره عن حدوث الكارثة المقبلة في كوكبنا و التي ستضطرنا
للخروج قبل أن يحل الكرب العظيم أما من لم يهتم بمصيره فنهايته أكيدة "ثم
أغرقنا الأخرين".
إن نوح سينجو لأنه محسن ، متقن و سينفتح له الكون و لن يجد هجوما بل سلاما في
العالمين.
۞وَإِنَّ
مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِيمـ
من يشيع إسم نوح هو إبراهيم، من يواصل
المشروع النوحي هو إبراهيمـ كما بدأه قبل الكارثة ، يشيع إسم نوح للتحضير للرحلة و
يشيع إسم نوح بعد الخروج من الكوكب.
إِذۡ
جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبٖ سَلِيمـ
الجوهر
سليمـ لا عطب فيه ، و هو تعبير من القرءان عن حمل إسم إبراهيم للتناقضات
في القرءان لكنه بلا عطب و أن القراءة التي تغوص "جاء" تعبير عن هذا
الجهد الربوبي لحل هذه التناقضات. إننا أما نص يشرح لنا إسم إبراهيم و جوهره
السليم و يشرح لنا كيفية ربط الأسماء في نبوتها و ما تحمله من رسالة :
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ
أَئِفۡكًا
ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ
فَمَا
ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ
فَنَظَرَ
نَظۡرَةٗ فِي ٱلنُّجُومـِ
فَقَالَ
إِنِّي سَقِيمٞ
فرب العالمين ، ربوبية لا تنتهي ، و
الظن أن هناك ءالهة من دون الله إفك سيتبخر، هو كلام صالح لكل العالمين حتى لا يظن
قارئ القرءان أنّ رحلته في البحث عن السنن هدفها اللحاق بالركب المتقدم عنه في
الفهم فكل العالمين في هذا الكون أمام السنن باحثون.
نظرة النجوم هي إنتظار مصيرها المحتوم حين نفاذ طاقتها و تحولها إلى ثقب الأسود.
هو هذا إسم إبراهيمـ وصولا إلى عمق البحث لكنه بحث نظري يحتاج من يحققه تجريبيا،
هذا ما يعبر عنه لفظ سقيم المستقر بميمه و كأنه يحتاج تتمة ليذهب عنه السقم.
فَتَوَلَّوۡاْ
عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ
فَرَاغَ
إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ
مَا لَكُمۡ
لَا تَنطِقُونَ
فَرَاغَ
عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ
فَأَقۡبَلُوٓاْ
إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ
قَالَ
أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ
وَٱللَّهُ
خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ
تحالف ضده في إدبار عن مشروعه. هي
مراوغة من إبراهيم يحاول بها استكناه الألهة و ما تحمل ، فالألهة تحتاج لمزج عناصر
خارجية عنها لتستمر فيها الحياة فهي ليست مكتفية بذاتها. و الألهة لا تنطق عاجزة
عن فك تناقضات من يدعوها فالنطق لا تناقض فيه و كأن إبراهيم يريد منها حل معضلاته
هو فإذا هي في المتناقضات غارقة.
و لإبراهيم يمين أي ما يمكنه من سهولة الفعل و الحركة و التقدم ، فبهذه اليمين
يراوغ يلغز بيمينه إخراج ما في جوهرهم "فراغ عليهم ضربا باليمين" و
ها هو أبوه و قومه يزفون . إقبال يعني في القرءان ما تنتظره طبيعيا يعني المتوقع
مما لا يمثل لك مفاجآة. فجوابهم معهود منتظر و أسطوانتهم لا جديد فيها فهاهم
كالعادة يزفون .
ما ينحتون ، هم ما يعطونه هم صورة ، ما
يجسدونه هم ، ما يرسمون معالمه هم ، ثم ها هم يعبدون ما نحتوه هم . إمتناع من
الإرتقاء حين يسطر الإنسان مسار بحثه و لا ينتظر المفاجآت ثم هو يظن أن ما يعمله
يمكنه من كسر السنن فالسنن جارية عليه و جارية على أعماله، لا يمكن لأحد الخروج
منها أو الإفلات.
قَالُواْ
ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ
فَأَرَادُواْ
بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ
وَقَالَ
إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ
هي هكذا الأمور مع من يواجه بدليل عميق،
نهايته أن يسيجوه بالتكريمات و التشريفات و يغرقوه في بنوة كاذبة، و لا يسمحون له
ببناء البنوة في المجتمع بل هم من يحدد معالم بنوته. و يصف القرءان هذا الأمر
بالكيد ، و يصف إرادة تسييج إبراهيم بالجحيم ، فالجحيم ما لا تستطيع
الخروج من تجربته المريرة.
إنه تصوير للصراع على ألية قراءة الكون
و البحث فيه و ألية قراءة الرسالة ، صراع إبراهيمي مرير في كيفية
الإرتقاء و صناعة مرجعية الله دون غيره. فلا سلطة خارج الدليل الموضوعي عند إبراهيم
ثم عودة الإسم و تصفية الأنا "ذاهب" ، فالجذر ذهب متعلق بالإتصال لغرض
إنهاء التغيير، فالقرءان يملك أن تذهب إليه ليهديك إذ الهداية جوهره. و هنا رسم
للربوبية الهادية ، حال من الضياع حدث لإسم إبراهيم، كيدا أرادوه، لكن
إسم إبراهيم لن يستطيع تسيجه أحد فهو باق سائر و عال "و جعلناهم
الأسفلين" و سورة الصافات ومضات تنير لحظات لتجعلنا نكتشف ما غاب.
رَبِّ هَبۡ
لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ
فَبَشَّرۡنَٰهُ
بِغُلَٰمـ حَلِيمـٖ
تصوير للمأزق ، تصوير للوصول إلى الحدود
، لصعوبة التقدم و ها هو إسم إبراهيم يطلب دون إنحناء "رب" كعادته ،
يطلب من القرءان أن يهب له من الصالحين، إسما يواصل المسيرة المنقطعة المتعثرة،
ءايات الصافات و هي تصور حال المجتمع الذي غرق في عبادة منحوتاته التي لا تنطق. و
ينتظر إبراهيم هبة صالحة تواصل المسيرة.فالمسيرة تعثرت ثم تأتي البشارة بغلام
حليم، يعرف التعقيدات و يحسن التصرف معها و هو غلام يحمل القوة اللازمة لحمل ثقل
المشروع.
فَلَمَّا
بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامـ أَنِّيٓ
أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ
سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ
بلوغ الغلام السعي مع إبراهيم ، بلوغ
يمكنه من مواصلة المسيرة فقد أصبح إبنا "يا بني" ، هي إذن مسيرة أبوة
جعلت الغلام في مستوى السعي، سعي للخروج من التعثر. ثم ها هو هو إبراهيم يرى صورة
الذبح ترتسم لتأخذ الغلام في عداد ضحاياها. و الناس ترى الغلام شخصا و هو حالة ،
فالمجتمع كله يمكنه أن يكون غلاما ، و نواة باحثة واحدة يمكنها أن تكون غلاما
إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامـ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ
المنام ما يعرض فيه النوم ، كأن المحيط
كله لا يعرض فيه إلا النوم كأننا في عالم انتفت فيه اليقظة ، تصوير لحال التعثر
الشامل، هنا يصور إسم إبراهيم أنّ هذا المحيط يريد إنهاء الأمل الجديد ، ليس
"إنى سأذبحك" بل " أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ" ، فإبن إبراهيم لا
يمكنه أن يحيا في هذا المحيط ، فالأمل الجديد نهايته الذبح من إبراهيم نفسه إذ
المحيط منتكس لا يمكنه قبول إبراهيم ثانية
فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ
انتظار لتتضح الرءيا ، فلعل الأمل ممكن،
لعل البنوة ممكنة، لعل الأمل في مواصلة المسيرة مباح
قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ
ٱلصَّٰبِرِينَ
هذه الأبوة الناشئة "أبت" لا
يمكنها إلاّ أن تفعل ما به أمرها ، فأمر إبراهيم القرءاني و هو في حالة الأبت لا
بد أن يصل إلى منتهاه "افعل ما تؤمر" فليس أمام الغلام إلا مواصلة السير
ليوصل إبراهيم إلى غايته.
هذا الغلام ليس فقط حليم بل متسلح
بالصبر جاد في تجسيده، فالتحمل عنده ليس عاطفة بل واقع مدروس "ستجدني إن شاء
الله" .
الذبح قطع أوصال الشرايين ، هو إنهاء
حالة التواصل في التكوين ، الغلام من يحمل في كمونه الطاقة و القوة و لكنه يحتاج
مواصلة التكوين
فَلَمَّآ
أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ
لقد انتهت المواجهة ، ما عاد الإسمان
قادران على مواصلة السعي ، هو تصوير لنهاية الجهد و الإستسلام الإرادي للمرحلة و
الإعتراف بصعوبة مواصلة السير ثم العبارة اللغز "تلّه للجبين" . تثبيث
التلاوة "تلّه" المشدودة و كأنّ العبارة وقفت لا تتحرك و كأننا أمام
إنغلاق لا يستطيع الإسمان تجاوز المقطع ، مقطع لم يفهم بل أصبح هاجسا لا يمكن
تجاوزه ، كأنه محور يجب الوقوف عنده و إلاّ لن يفهم الباقي ثم لفظ
"الجبين" و جذره العربي "ج ب" و شجرته في القرءان
"جب ـ جبت ـ جابوا ـ استجاب و شجرتها ـ اجتبى و شجرتها ـ جباههم ـ جواب"
. يدل هذا الجذر على من يمكنه المنح و العطاء.
"ين" في جبين تصوير لأيادي في
وعاء، كأن هذا التوقف في المقطع يحتاج جهود مضنية تتساند لتجاوز هذا الغلق و كأننا
أمام معضلة صعب حلّها ، كمعضلة شرح التطور الحادث في الكائنات الحية في كوكينا ،
كمحاولة إعطاء تفسير لتجربة ما يكلسون ـ مورلي لحساب سرعة الأرض حول مدارها و التي
أخذت زمنا طويلة و هي منغلقة و تواصلت جهود علماء كثيرون و تجارب علمية عديدة و
انتهى الحل عند ألبرت أينشتاين في نظرية النسبية التي سمحت لنا ليس فقط بالخروج من
المأزق بل بإنهاء رؤيتنا القديمة للزمن و المكان.
وَنَٰدَيۡنَٰهُ
أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمـ
قَدۡ
صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ
إِنَّ
هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ
النداء في جذره العربي "ن د"
يعني المعارضة التي تمنعك من التقدم و النداء بهذا هو محاولة لرفع هذه الموانع ،
فالألف الخنجرية في ند بين النون و الدال تفريق للموانع لإمكان المرور. ثم هي جمع
ينادي في الغيب " وَنَٰدَيۡنَٰهُ" . "أن يا إبراهيم" ترفع
الموانع و تتيح التقدم.
ها هو إبراهيم صدقت رءياه ، أنّ الغلام
ذبح و أنّه لن يتحمل المحيط و أنّه لن يصل لحل الإقفال. تصوير لصعوبة حل القفل
الإبراهيمي الذي فتح. و مع الإتقان في محاولة إيجاد الحل "المحسنين"
فالجزاء من جنس العمل "كذلك نجزي". و هو بلاء مبين ، من حيث فتح مجال بحثي
معين ثم من حيث الإقفال الذي وصل له ثم في الجهود المضنية لحله و حجمها و مع ذلك
ليس هناك حل.
وَفَدَيۡنَٰهُ
بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ
وَتَرَكۡنَا
عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ
سَلَٰمٌ
عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ
كَذَٰلِكَ
نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ
إِنَّهُۥ
مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ
و سيتصل قطع الشرايين لكن
الذبح عظيم ، فكلما قطعت الشرايين أتى من يحاول ربطها ثانية ، "و تركنا
عليه" تركة ستتواصل و أنّ الأخرين سيستسلمون شيئا فشيئا و سيضعون السلاح أمام
كشفه النظري و لن يأتي الفتح رغم الإتقان "كذلك نجزي المحسنين". لكن إسم
إبراهيم لن يطو الملف و لن يكفره بل البحث متصل ثم يأتي الفتح :
وَبَشَّرۡنَٰهُ
بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ
وَبَٰرَكۡنَا
عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ
لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ
و ستأتي البشري بإسم إسحاق فهو من
سيحل القفل و نبوته هي هذه لذلك قالت الأية "نبيا من الصالحين" فهو من
سيحل الإشكال ، صالحا، ثم البركة على إسم إبراهيم المبدع الفاتح للجديد العلمي و
إسم إسحاق حال الإقفالات في نهايتها. و ممن ذراهم إسم إبراهيم و إسحاق ، من يستعمل
نتائج العمل في الإتقان أو في الظلم المبين.
جف القلم في يوم الإثنين 10 أبريل
2023
إبراهيم بن نبي
تعليقات
إرسال تعليق