التخطي إلى المحتوى الرئيسي

خشوع الجبل

 "لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ" الحشر 21

للصخر الشاهق أمامنا تاريخ و أي تاريخ ، فلم يستقر شكله من اللحظة الأولى و ما كان على هيئته هذه إلاّ عبر تحولات  جيولوجية عنيفة و عميقة حوله نقلته من حال إلى حال حتى إذا استقر على هيئته التي نراه عليها ظنّنا أنّ صورته الأولى هي صورته الأخيرة. و لكن العلم يتقدم و التقنية معه و كشوف الباحثين و فرضياتهم تتعالى لترسم الحدث من بداياته إلى حالته الآنية. و لكن الأمر لا يقف الآن بل ستواصل السنن فعلها إن دخلت الأرض نشاطا جيولوجيا أخر و قد تزيل المتغيرات هذا الجيل من الوجود أو تقلمه أو ينقلب سافله عاليه و قد يتجزأ حتى لا نكاد نربط بينه و بين صورته الحالية.

جبل صخري ، يظن الناس أنّه هو الجبل و لا جبل غيره. و لو تتبعنا شجرته من جذره لشع النور، ففي الشجرة جبلة أولون و فيها جبلاّ كثيرا منّا و هي ترسم ما يمكن أن نظنّه مستقرا و هو ليس كذلك حال الجبال الصخرية. فالجبل كغيره من ألفاظ القرءان ءاية ، موضوع تساؤل بتعبيرنا و بتعبيرنا الغريب فالجبل مفهوم يرسم معانيه المتنوعة في سياقات القرءان حين يجول في السور و الأيات و في كل ورود له يحتاج القارئ أن يدخل بالمفهوم ليرسم المعاني.

إستقرار له تاريخ و مستقبل ، تاريخ تأسيس مضى يغفل الناس عن ذكر تفاصيله و تاريخ هدم سيأتي لا يهتم به الناس إذ المستقر عندهم سيبقى مستقرا إلى الأبد. ذاك ليس هدي القرءان، فالجبل في هذه الأية سيخضع و سيتصدع فلا شيء مستقر هنا و لا أمل أن نبلغ الجبل النهائي مع القرءان.

إنزال القرءان ، إنزال قراءة بل قراءات بل القرءان وعاء لكل القراءات، قراءات في تنوعها و هي تعرج محاولة بلوغ الهدف، هدف القرءاة الواحدة في معارج التأويل. إنزال سيجعل المسلمات تتهاوى بل و ستحول اليقين المرتسم في الحاضر إلى ركام و هي ترسم أطلاله في المستقبل ن فلا شيء مع القرءان جبل.

مسلمات تخشع و خشوعها هي حالة التركيز فيها، تركيز فيما تقول و عما تتحدث و فيما تفكر ، فالقرءان يضعها تحت الكم الهائل من إمكان القراءات و تفرعها و لا يكاد جبل اليقين يرسو إلى يقينه و يقف على حافة اليقين في حالة الذهول من إمكان إنهيار كل البناء.

رءيا لحالة الخشوع، حالة التركيز المركز إذ التصدع سيبدأ ليعم "خاشعا متصدعا من خشية الله"، تركيز ملتصق بالتصدع، إذ الخشوع نفسه إرهاصا للتصدع، فالخاشع دوما يبحث عن حل يخرجه من الخشوع، يخرجه من حالة التركيز. و الله عنوان هذا الخشوع فلا يمكن أن يغيب الخشوع معه، و في كل آن و في كل مرحلة و في كل محطة نحتاج للتركيز على إسمه ، و في إسمه تتهاوى الجبال تباعا إذ من يستطيع استقراء كنه السنن و يستطيع مع الكون و علمه أن ينشأ جبلا نهائيا  ؟؟

هي أمثال تضرب ، لغز حبك بريشة رسامه القرءاني بالجمال الخارق و الجلال ، فالضرب تلغيز في القرءان و الأمثال بحث في عمق الذي يجمعها بالذي تريد التمثيل به. و لا شك أنّ القارئ سيرسو في أول سيره على الجبال الصخرية و الأمر ليس إلا مثالا لما هو أعمق فالمثل المضروب يحتاج تفكر، فالفكرة أن تكتب المعادلة ثم تأتي مرحلة التقدير، مرحلة إيجاد الحلول.

إبراهيم بن نبي
كتب في 25 مارس 2023

تعليقات

  1. لفظة الجبل مكونة من مقطعين جب+ل والجب يرمز للعمق المتواجد في اعماق الارض و حرف اللام لمته وكيانه والجبل هو الجب الذي اخرج منه لمته وكانها مغرفة كانت مرشوقة بالارض فتم اخراجها من الجب فصعد فوق السطح شامخا ومتعالي وخشوعه وتصدعه ناتج من فك ترابطه بكلمات الله التي تمثل الروابط الذرية بين العناصر المكزنة للمواد والتي عنوانها الله .تحياتي

    ردحذف
  2. قوة التركيز هي تدفق طاقة ذهنية بواسطة قوة التفكير وعلمياً عندما تركز فكرياً تفتح مسار عصبي في القشرة المخية التي تكون مثل الجبل حتى تفهم الشئ المراد فهمه وتاخد 11 بعد فيزيائي داخل المخ.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...