هي سياحة ، سياحة خاصة مقتضبة في سورة النساء، أملتها ضرورات عدة ، لعل أولها ربط سورة النساء بما اسماه الناس "تعدد الزوجات" و هم يقصدون تعدد شريكات الحياة. و لنا أن نتصور حجم الظلم الذي لحق بنص الجمال و الجلال بقراءة لا تراعي شيئا إلا التبرير أو الطعن. و النص عندها لا شيء. النص القرءاني عندها شتات عند من يطعن و منتهي الصلاحية عند من يبرر.
بدا الهجوم على نص القرءان هجوما لإضعافه في خاصرة خاصة. فالناس على ما يظهر تحرروا و تطوروا و انفلتوا من كل شيء و أصبحت حريتهم الفردية هي جوهر الكون.
حرية لكل فرد في طريقة إختياره لشريكه و شركاءه في الحياة و لكنها حرية تقف في إختيار عدد الشريكات. فشريكة الحياة لها حقوق و من حقوقها الطبيعية أن يحترم وجودها و خصوصيتها إذ من هي الشريكة التي تقبل أن تضاف عليها أخرى ؟؟ و كيف يمكننا أن نتحدث عن عدل الرسالة و هي تصفف النساء كبهائم سائمة مثنى و ثلاث و رباع و أن تكون رغبة الجنس رغبة لا يحدها حد ؟؟
الناس في الحقيقة لا تقرأ القرءان لا تهمها ءاياته و هي تبصر عباراته و ألفاظه. لا يهمها التناسق فيها لا أرتباط ءاياته. فهي عندهم أشتات تشريعية لا يربط بينها إلا إنتظام السجع و نغم الموسيقى الداخلية.
سنقف مع الأيات الستة من سورة النساء و سنرى حجم الظلم الذي لحق بهدي القرءان، سنرى في اتصال ءاياته دموع الشكوى من هدم هديه و كيف أننا بين نص هادي هدم حاملوه هديه. هو أمر يحتاج دراسة أسبابه الموضوعية و النفسية.
و هدي القرءان لا يهمه من يطعن و لا من يبرر إلا بقدر تحولهما إلى كفر. و هذه ءايات سورة النساء تتحدث عمن يؤمن تحت الضغط، من لا حيلة له إلا تأمين الأخرين تحت ضغط سلطة قاهرة بل و من هؤلاء من يرى أنّ الإيمان تحت الديكتاتورية هو اللازم، تخيل :
"أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا" النساء 51
و إنما المشكلة في تحول التبرير و الطعن إلى كفر هو استعمال التقنيات لتقنين هذا الكفر
"إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا" النساء 56
الدفع في اتجاه الكفر "الذين" لا يمكنه أن يتأقلم صاحبه مع المحيط مهما فعل. فعل التغطية هذا و التعمية لكل أمر يمس بالمصالح و بإستعمال كل الوسائل "بآياتنا" لا يمكنه أن ينتج جلدا طبيعيا مع محيطه ، فالجلد صلة مع المحيط و محصن لصاحبه من هذا المحيط ، فكلما ظن من يكفر أن كفره تطبع مع المحيط "نضجت جلودهم" كلما اضطرته عوامل المحيط لتغيير جلده "بدلناهم جلودا غيرها" و مهما حاول فلن يصل لمراده، ففي العذاب حائط يمنع المرور أو يصعبه للوصول للعذب.
سورة النساء، هي سورة المتأخرين ، المتأخرين ابتداءا في الحياة ، يتامى فقدوا نواة العطف و المعيل العائلي و المتأخرين إقتصاديا ، نساءا في المال و المتأخرين فكريا نساءا في الكتاب و المتأخرين سياسيا ممن يجب عليهم الجهاد و القتال ليؤسسوا لمجتمع الحريات ، مجتمع سائر في سبيل الله.
ففي سورة النساء هندسة لمواضيع لا يمكن بحال التطرق إلى جميعها :
حديث عن اليتامى
عن الإرث
عن الزواج
عن الأموال
حديث عن الرجال في مقابلة النساء
عن الإحسان و البخل و النفقة
عن الصلاة و طرقها
عن أهل الكتاب
عن الأمانات
عن القتال في سبيل الله
عن مطابقة طاعة الرسول لطاعة الله
عن الضرب في الأرض
عن الإستضعاف و الهجرة
عن تغيير خلق الله و تبتيك الأنعام
عن يتامى النساء و العدل بين النساء
حديث طويل للذين ءامنوا
عن المنافقين
كما نرى فبرنامج سورة النساء يهدينا لفهم حتمية تكون النساء في كل مجتمع و يهدينا لطرق التقليل من عددهم و هدي القرءان يبحر في أجواء لم يفكر فيها أحد كعادته فحديث القرءان ليس حديثا عاطفيا بل تحرير لقول و مسار منهجي لرؤية الظاهرة في أبعادها الممتدة. و هدي سورة النساء هو وضع المجتمع أمام مسؤولياته في إخراج النساء من خانتهم ، إخراج أكبر عدد ممكن منهم :
"إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا
إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا
فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا" النساء 97
و في خلال سورة النساء حديث عن إبراهيم و عن ملة إبراهيم ، عن نبي الثورة موسى ، عن المسيح عيسى بن مريم ،
هي أسماء بها ترتقي النساء و بها تهتدي الرجال، إذ غاية سورة النساء ليس توصيف حالهم بل هديهم للإرتقاء من مصاف النساء إلى مصاف الرجال و إلى مصاف المهتدين. و ومضة إسمية شاملة :
"۞إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا
وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا" النساء 163
هي سلسلة من إثنا عشر نبيّا ، سلسلة تتفق نبوءتهم مع وحي ما أنزل إليك، و هو وحي لهذا الكتاب في كاف إليك، كاف إليك الممتدة في تلسكوبها و مجهرها في الزمان و المكان . هذا العدد الإثنا عشر ليس عددا عبثيا ، هو إشارة للشهور الإثنا عشر، فعدة الأنبياء هنا توضحها الشهور الملائكية التي تلي هذه الأيات:
"رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا (165)
لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا(166)" النساء
رسلا يقابلهم أنبياء ، رسلا بما يحملون من رسالة و أنبياء بما تحمل نبوتهم، حين تجد النبوة بيانها في الرسل. سننا ستشهد و ملائكة ستشهد ، و هذه الشهادة مدونة في هذا الكتاب مقابلة كون "و كفى بالله شهيدا". هي إشارة لن أطيل فيها الحديث و تكفي الإشارة.
هي أسماء الأنبياء تترى هنا و لكل إسم مجاله و محدداته و محيط حركته في القرءان و لكل منهم علاقة برفع النساء، و إسم موسى أتى هنا مرتبطا بالرسل و ليس بالأنبياء، إذ اسمه مرتبط بالثورة على فرعون، هو رسول الثورة في القرءان و حينها فمشكلة النساء مشكلة النظام السياسي برمته.
سنبدأ رحلتنا الآن بعد هذه المقدمة و سنحاول دخولها بمعراج إجتماعي كما يظهر لنا في القرءاة الأولى فسورة النساء موضوعها هذا التأخر و هؤلاء المتأخرين، موضوعها هديهم ليخرجوا من القوقعة و هدي من يعولهم ليساعدهم على الإرتقاء لمصاف الرجال و هدي سورة النساء يضعنا أمام حقيقة أولية و هي أنّ النساء حالة دائمة في كل مجتمع لا يمكن تفاديها، فبث الرجال يرافقه دوما النساء
"يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا" النساء 1
هكذا الخلق بدأ بخلية واحدة ثم تعاظم صعودا وصولا للكائنات التي تحمل مسمى الناس. فالناس في حديث القرءان مفهوم متعلق بالفوضى و عدم التوجيه و لهؤلاء أن يتقوا ، أن يحدثوا وقاية من ربهم ، فالمعرفة التي ستأتي بها الآيات لنرتقي بها تحتاج من الناس أن يتقوا لأنهم لن يتحملوا هذه الربوبية.
هي خلية واحدة تزاوجت ثم انطلق البث ، كأن القول في سورة النساء تسارع و محى كل المراحل، كأن قص المراحل لا يعني سورة النساء فما يعنيها بلوغ مرحلة الناس. ما يعنيها هو ما بعد هذا البث و ليس شرح تفاصيل الخلق وصولا إلى البث. كل المراحل أطفأتها الأية لتصل بنا سريعا إلى بث الرجال و النساء في المجتمع.
هذا البث الذي بلغ مداه ناسا جعلهم مهيئين للسعي ، مهيئين لأن يكثر الساعون فيهم "رجالا كثيرا" و يقل المتأخرون "نساء". هو حديث قرءاني عن الإمكانات التي نحملها. عن أن النساء حالة استثنائية واقعة بين الرجال لكنها حالة إسثتنائية.
و من البداية تضعنا الأية في حقيقة المجتمع ، فالمجتمعات البشرية لا تتشابه و ما يصلح لأحدها لا يصلح لغيره و حين نقتبس حلولا لغيرنا علينا أن نتقي. لا بد أن نحدث وقاية من الذي نتسائل به ، وقاية من الله الذي به نتسائل. فنحن نستعين بغيرنا ممن بلغ مستوى تطويع السنن و فهم سيرها لنرتقي، فالله الذي نتساءل به هي هذه الإستعانة بغيرنا للإستفادة من معرفتهم بسنن ترقية المجتمع في تكثير عدد الرجال "اتقوا الله الذي تساءلون به" . و هذه الإستعانة تحتاج وقاية فليس ما ينفع غيرك سينفعك أنت و ليس من ينفع مجتمعا سينفع أخر فالسنن تجري على الجميع و لكن لكل خصوصياته و إمكاناته و قدراته في الإستفادة. هنا تقف بنا الآيات لتنبهنا أنّ الحلول لا يمكنها أن تسري بنفس الطريقة على كل من يطلبها و أننا نحتاج وقاية لتجريب حل مقتبس نظن نفعه لحظيا. وقاية لإستعماله بحدود معينة و بأقدار محددة قبل إعتماده و لهذا أتى في الأية حديث عن الرقابة "إنّ الله كان عليكم رقيبا". فالرقابة هنا بوسائل ضبط سننية لعل علم الإحصاء أحدها للنظر في فعالية هذا الحل قبل إعتماده و تغييره أو إستبعاده.
تكثير الرجال و تقليل النساء هي مهمة كل مجتمع، هي جوهر حركة أولي أمره فيه و كل أطيافه ، و عندما تغيب الحلول يلجأ الناس لإقتباس حلولا من غيرهم ممن يرونه ارتقى و صعد و لكنهم ينسون و هو في حمأة العاطفة أنّ إقتباس حلول مجتمع نجح على مجتمع ثاني يختلف عليه في بنيته و بيئته و نفسيته قد يؤدي إلى نتائج عكسية بل إلى نتائج كارثية.
ثم حديث الأية عن بدء الحلول مبكرا، عن تهييء الأجواء و المحيط لمن يولد حتى يمكنه الإرتقاء رجلا . فالأمر ليس تكاثرا بالعدد لتكثير الرجال بل التكاثر قد يحدث صدمة كبرى إن تحولت كل هاته الأعداد إلى نساء لا رجل بينها. حديث عن وقاية "الأرحام" ، و كأنّنا نمنع الأرحام أن تتدفق علينا و نتقيها ، صورة ترسم ضرورة تهييء ما بعد ثمرة الأرحام و تحضير المجتمع و المحيط و إلا غلبنا العدد.
كل هذا يحتاج مراقبة و تتبع دقيق "إن الله كان عليكم رقيبا"
ثم تستدير الأيات للحديث عن أول النساء ، عن فئة حدث طارئ جعلهم بلا راعي و لا معيل و لا يمكنهم بمفردهم النهوض، طارئ موت الوالدين أو من هم في مقام الوالدين
" وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا" النساء 2
هم فئة من اليتامى يملكون مالا من إرث من أعالهم أو من عطاء خصص لهم. لهؤلاء الحق في أن يتحصلوا أموالهم بسهولة "ءاتو" و أن يصبح هذا المال مالهم الخاص تابع لهم لا يحق مزجه بمال أخر و تعويمه "و لا تأكلوا أموالهم بأموالكم" و سبق بيان مفهوم الأكل في بحوث سبقت. هذا المزج العمدي يصفه القرءان بالحوب الكبير. هذا اللفظ ورد مرة واحدة في القرءان و لا يمكن الوصول لمفهومه إلا في أطار البنية المجهولة. إنه استحواذ على مال من لا يفهم ما يحدث حوله و لا يمكنه الدفاع عن نفسه أو حتى التعبير عن استنكاره، هو حالة تتعدى الظلم إذ المظلوم هنا لا يقوى حتى على الإستنكار.
تتحدث آيات النساء عن اليتامى و لا تورد في نصها لفظ اليتيم إذ هي تتحدث عن ألية الحفاظ و الرعاية لحالة اليتامى في المجتمع و ليس حديثا عن يتيم فردي و رسمها في سورة النساء ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ ينبه بألفه الخنجرية إلى جمع نراه مفردا قبل أن تشتته الألف الخنجرية فمجتمع اليتامى في القرءان واحد و إن تعدد أفراده.
هو إذن جمع يتيم و لا بد أن نغوص شيئا ما في مفهوم اليتيم الآن. هل في يائيه إشارة لوالدين كل منهما يد تمتد ، تمتد لتوليد تاء و تمتد لمواصلة الحياة ميم . هو إذن لفط يرسم خروج الولد للوجود ثم رعايته بعد خروجه. وبفقد هاتين اليدين يحتاج اليتيم ليدين أخرين ليبقى إذ لا يمكن إسقاط هاتين اليدين دون أن يتهاوى اللفظ، كأن القرءان يحاول أن يهدينا أن لا نترك يتيما بمفرده فهو بدون اليدين لا وجود له ، يدعونا القرءان أن نعوضه بعائلة تعطيه دفء عائلته المفقودة.
ثم تأتي فئة اليتامى ممن فقدوا معيلهم و لا مال لهم من إرث أو من غيره، و حين نقول إرث مع أن الأية لم تذكره . نشير إلى حالة الطواف في السورة ، لملاحظة التفصيل بين ءاياتها إذ لو واصلنا الرحلة في سورة النساء لرأينا حديثا مفصلا عن الإرث مباشرة بعد حديثها عن اليتامى . لنقرأ:
"وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ" النساء 3
هذه الفئة من اليتامى تحتاج القسط في العطاء ، أي العطاء بالسوية بين أعضاءها من اليتامى و لا يمكن التمييز بينهم في العطاء و لضرورة خاف مجتمع الناس من الوفاء بتعهداته بهؤلاء اليتامى ، خاف أن يعجز عن توفير حاجاتهم و لم يعد في الخزينة ما يكفي هاته الفئة. فالأية تتحدث عن الإعالة "ألا تعولوا" فهي تصف القسط في الجانب المالي تحديدا.
الخوف يحدده المستقبل و هو خوف مشروع و لا بد من إيجاد آلية لمعالجة حاجات اليتامى حال انقطع العطاء. حديث القرءان عن هذا الخوف هدي لصاحب القرار أن يؤسس لألية تخرج اليتامى من خانة النساء متى ما بلغ اليتيم مرحلة النكاح ، أي مرحلة نستطيع فيها إدخاله في مرحلة تجريبية لغرض إبرام عقد معه . فالنكاح ليس إلاّ علاقة تجريبية لغرض التعاقد و هو ليس محصورا في قضايا البحث عن شريك في الحياة.
هنا إذن فئتان ، فئة استقلت و ووجدت لنفسها طريقا للعمل و الكسب و هي إذن لا تستحق أن يشير إليها القرءان إذ حديث سورة النساء عن النساء و مهمة سورة النساء البحث عن سبل الإرتقاء بالنساء ليصبحن من الرجال فمتى ما أصبحوا رجالا فهم خارج السورة. و لا داعي للحديث عن نكاح الرجال إذ هم لا حاجة لهم به .
فئة من اليتامى طابوا أي بلغوا حد النكاح و لا زالوا نساءا و حينها يمكن لمؤسسات الدولة و رجالها إنكاح اليتامى مثنى و ثلاث و رباع أي تضاعف الإثنين و الثلاثة و الأربعة إلى المالانهاية. كل مؤسسة و كل رجل صاحب عمل يمكنه تقديم فرصا للعمل أن يدرج في قائمته اليتامى ، كل حسب قدراته بتجديد الإنكاح و العقد مثنى و ثلاث و رباع إلى أن يصل النساء من اليتامى لمستوى الرجال أو نقتنع نهائيا أنّ بعضهم سيبقة نساءا لا حل معه. و متى ما أخرج المجتمع أكبر عدد من النساء إلى مصاف الرجال فقد بلغ مراده في تقليل النفقات.
ثم حديث عن العدل في الأية. العدل ميل مع من ترى الحق معه ، فإن كان في المجتمع طائفة من رجاله ممن يوفرون فرص العمل و لا يمكنهم إنكاح النساء بينهم لأسباب موضوعية من صغر مؤساستهم أو قلة مواردهم فهدي القرءان أن يكون التعاقد في هذه الحالات مرّة واحدة في مسيرة مؤسستهم "فواحدة" و للمشرع أن يحدد مدتها و شروطها و له أن بشترط أن يكون اليتيم من النساء في هذه الحالة ملك يمين لا يملك قراره و لا شروط مسبقة يمليها على من يوظفه و لا يمكنه إلا قبول شروط من يوظفه "أو ما ملكت أيمانكم".
هدف كل هذا تقليل نفقات الدولة و المجتمع "ذلك أدنى ألا تعولوا"، و لنا أن نعود الأن لقراءة أول سورة النساء لنرى الصورة و هي ترتسم. ثم تواصل الأيات بفاصلة مهمة :
"وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا" النساء 4
على المجتمع أن يعط النساء حقهن دون طلب منهم "نحلة" . أن يكون هذا العطاء سهل الحصول عليه "و ءاتوا" ، فليس نساء اليتامى هم وحدهم المقصودون بالعطاء بل كل النساء في المجتمع من مشلولين و مرضى مزمنين و غيرهم ممن يحتاج تشريعا خاصا و الية منضبطة، هذا حقهم ، أما إن بلغوا مستوى من لا يحتاج لهذا العطاء أو أتاهم مال من جهة أخرى فللدولة أن تستمع بهذا المال المخصص للنساء لغرض أخر و لها أن تمزجه مع المال العام. لقد سمى القرءان هئا العطاء صَدُقَٰة بالضم ليبين أنّ عطاء النساء متصل لا يجب قطعه مهما حصل و إن كان الهدف تحويل أكبر قدر منهم إلى رجال. و هذا العطاء يخصص في جزءه الأكبر ليجدوا عملا أو استثمارا و حد هذا العطاء الكسوة و الرزق و مطالبتهم بإيجاد عمل إن بدر منهم سفاهة في السير :
"وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا" النساء 5
فالمجتمع مطالب بعد أمواله و القيام بها و حراستها و رقابتها من الإنفلات و وقايتها من التبذير العمدي و منع إعطاءها لمن لا يعرف معنى أن تكون قائما على مالك و هذا المنع يرافقه قولا معروفا لمن ينتظر أن يعال إن بدر منه السفه و هو أن يسرع في إيجاد عمل فلا شيء في القول المعروف للسفيه إلا هذا.
هذه الفاصلة في سورة النساء تتوجه إلى اليتامى كذلك توجه لطيف فهم من النساء بل هم الأضعف في طبقة النساء إذ السفه منهم أكثر من مدان فالمجتمع يفعل كل ما في وسعه لحمايتهم و توفير كل ما به قيامتهم و هو لا يسميهم في هذه الفاصلة إذ المنطقي أن لا يبدر منهم سفاهة.
ثم تعرج الأيات لتشرح لنا كيفية دفع أموال اليتيم و تحويلها من حالة الملك الإسمي إلى حالة الملك الفعلي للمال و إمكان التصرف فيه مباشرة :
"وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا" النساء 6
هناك إذن شرطان لدفع مال اليتيم له:
شرط بلوغ النكاح
شرط الرشد
فللدولة أن تحدد سن هذا البلوغ و اليتيم قبل هذا البلوغ في حالة رعاية تامة يتم إعالة كل حاجاته و قبل أن يبلغ حد البلوغ، حد النكاح بتعبير القرءان ، للدولة أن تبتليه قبل دفع المال كله له، ابتلاء بمرتب شهري مثلا يتم عبره مراقبة تصرفاته و إيجاد آلية للنظر في كيفية صرفه لماله ، و يمكن للدولة إن رأت فيه الرشد و حسن التصرف أن تدفع له ماله بالتدريج فهذا هو مفهوم الدفع في القرءاني .
لا يمكن مزج مال اليتيم بغيره مهما كانت المبررات، فالمزج معناه إما إنفاقا إذ لا حارس لمال اليتيم أو المبادرة بإنفاقه خشية أن يكبر هذا اليتيم و يكشتف المستور. و لمن يتصرف بأموال اليتيم أن لا يأخذ من مال اليتيم إلا بما يمليه هذا التصرف فهو أمر مقنن بالمعروف في المجتمع أما الغني المتصرف فواجبه أن يستعفف.
دفع مال اليتامى يحتاج إشهاد. و لا يمكن دفع أموالهم بالسر إذ الشهادة دخول في التفاصيل و حينها يمكن كشف أي تلاعب تم في هذه الأموال.
نقف هنا و نحن على شاطئ المحيط و لا بد من تحضير أنفسنا لبدء الرحلة في سورتنا الهادية.
أنهي يوم السبت 18 مارس 2023
إبراهيم بن نبي
تعليقات
إرسال تعليق