كتبت في 28 ابريل 2011
قراء سورة النساء ليسوا فقط نساءا. هي
سورة يقرأها الرجال ليكتشفوا نفسيات النساء فيها و يكتشفوا إكراهات الحياة نساءا
حتى لا يعتبر الرجال أنّ مسيرة الإنسانية يمكنها التخلص من المتأخرين أو يمكنها
الإستقلال عنهم.
سورة النساء هي سورة المتأخرين و
التأخر أنواع و ما يجمع المتأخرين
بتنوّعهم هو فقدانهم للإستقلال.
متأخرين بفعل السن و نقص التجربة في
الحياة و يمثلهم اليتامى . و متأخرين عن الضرب في الأرض لا يرغبون في المغامرة
الإقتصادية و يسكنون لأجر يعطيهم إياه الرجال أو الدولة اليوم و يمثلهم المساكين
أو بتعبيرنا اليوم الموّظفين و متأخرين فكريا يمثلهم الذين أوتوا الكتاب. و
لن يسمح لنا الوقت لدخول سورة النساء كلّها لنهتدي بأياتها في هذا الموضوع العجالي
و لمن يريد دخول السورة ننبهه أن يحذف من ذاكرته إن استطاع مفهوم النساء المتعارف
عليه ، هكذا ربّما نعينه ليقتصد وقته وجهده.
موضوعنا يحمل عنوانا مستفزا للغاية.
كيف يكون الكفر ضرورة و القرءان كلّه يرفض الكفر و يهاجمه و ينعت من يحمله بأبشع
الصفات و الأسماء ؟؟
هل في تغطية الحقائق و تعميتها و تضليل
الناس و إبعادهم عن رؤية الدليل و إبصار البينات قيمة إيجابية في القرءان !! مثل القارئ ،لم أكن أتصور يوما أنّ القرءان
يدعو للكفر تحت أي ظرف حتى دخلت سورة النساء
و قرأت هذه الأية :
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا
بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا"
سورة النساء : 60
كيف يكفر الإنسان بالطاغوت ؟؟
هل الطاغوت فرد أو مجموعة ضغط يكفر بها
الإنسان حين يواجهها و يتصدى لها ؟
ما هو الطاغوت ؟ خاصة و أنّ الأية تقول
أن نكفر بالطاغوت أي أنّ الطاغوت هو الذي ينبغي أن يكون سببا للكفر، فالباء في
القرءان هي البيت هي من يضلل و يستر هي ما
ننضوي تحته ، و هي بتعبيرنا سببية.
أن نكفر بالطاغوت أي أن يكون الطاغوت
سببا لكفرنا ، سببا لتعميتنا للحقائق و تغطيتنا للدليل و حملاتنا للتضليل ؟؟
لا شك أنّ القضية أكثر من خطيرة خاصة
إن نحن سايرنا قناعتنا في قراءة القرءاة ، فالكفر في هذه القرءاة ليس تكذيبا
عقائديا بل ممارسة واقعية تعنى بتغطية الحقائق و تمويه الأدلة و تعمية الوصول
إليها و أساليب الإكراه الناعمة منها و الخشنة لمن يملك مؤهلات القوّة ليمرر
مشاريعه.
و إذا نحن سايرنا قرءاتنا أنّ الباء
ليست حرف جر يحمل مفهوم التبعية أي أن يتحول الكفر بالطاغوت إلى رفضه و عدم
الإنصياع له أو على الأقل عدم الإقتناع بطرحه و ماذا يمكنها أن تفعل مجتمعات
الماسء ممن تقف حيرى أمام جهاز الأخبار تصدّق كل شيء لأنّ من يخاطبها وسيم جميل
ناعم لا يغلظ له العبارات بل يأتيها من حيث لا تحتسب و يدفعها إلى الكفر إختيارا
منها و طواعية و هي تعيش التخدير !!
مشهد القرءان لا يترك للكهنة سبيلا
لترويضه. إن نحن بقينا أحرارا لا نخضع إلاّ لما يقنعنا ، فلا أحد في هذا العالم
يستطيع أن يروّض قرءاننا و قبل أن نغوص في ءاية النساء 60 نذكر أنّها أتت بعد
الأية 59 :
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ
تَأْوِيلًا"
سورة النساء :59
و لنا عودة للربط بين الأيتين.
رسم الطاغوت في القرءان ليس فيه حائط
وتدي "ا" بين الطاء و الغاء بل ألفه مخففة هي أشبه بعمود أتى من أعلى على جمع ليفرقه :
الطـ ا ـغوت
يحتاج الطاغوت لتفرق طاقته و هيمنته ، أي لفصل طاءه عن غاءه لقوى علوية أي
لتدخل من غير جنس ما يعرفه هذا الطاغوت و لنا فيما حدث في تونس عبرة رغم أنّ
طاغوتها لم يكن إلا عبدا طاغوتا للطاغوت الحقيقي.
الطاغوت ما لا تستطيع الخروج من دائرته
، فمن يطغى هو من يسيج دائرة حركة شيء ما.
من يرسم دائرة حركتك هو طاغوتك. من
يحدد لك كيفية سيرك و إقتناعك و بحثك هو طاغوتك. و لذلك لم يكن الله طاغوتا إذ
أجواء الله منفتحة غير محدودة ، مطلقة تناديك نوافذها و ءاياتها من كل جهة.
الطاغوت مقبرة و إن صوّروه متسعا. و
هنا نلفت النظر أن رسول الله "الرسالة" سبب الإيمان لأنّها عنوان
الإنفتاح على الأفاق :
" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
"
و نلفت النظر أنّ ما أنزل قرءانا
أمامنا و ما أنزل قبل القرءان هو ضرورة دعوة للإيمان أي تأمين الذات في البحث دون
خوف ووجل أنّ قيوم السماوات و الأرض سيرفض نتائج بحثك حتى و إن قادتك إلى سخرية
العالم كلّه منك و إلى حساب الكهنوت و السلطة و الإعدام و إلى ...و إلى.. فما دمت
تسير بصدق البحث فالرسالة معك حتى و إن ظهر لأول لحظة أنّها ضدّك.
أن تكفر بالطاغوت و بحاكمية الطاغوت أي
أن لا تعطي للطاغوت شيئا. من واجبك أن تعمّي عليه حقائقك و أن تضلله و أن تخفي أي
دليل يمكنه به إدانتك.
عندما يأتي من يطغى و يحمل إ.سم الطاغوت فليس الكفر ضرورة بل واجب
قرءاني مبدئي.
كيف نتحاكم إلى الطاغوت و قد أمرنا أن
نكفر به !!!
كيف نسير بأقدامنا إلى ما سيمى
"المجتمع الدولي" الذي صمّ اذاننا يأغنية حقوق الإنسان و
الديموقراطية و هو يريد جزّ رقابنا و
فصلنا من قاطرة الحياة و منعنا بقوّة الحديد و النار و الإعلام و جهابذة فلاسفته
من الحركة و إشعارنا بالخزي من إنتماءنا لقافلة النبوّة.
من واجبنا اللعب بالألفاظ و من واجبنا
فعل أي شيء لمنع الطاغوت أن يحدد حركتنا و يرسم دائرة فعلنا.
ليس عجيبا أن يرد الطاغوت أكثر ما ورد في سورة النساء :
الأيات 51 ـ 60 ـ 76
لأن النساء هم المعنيين و حين تكون من
النساء فإنّ الطاغوت يكثر من حولك. حين
تكون بلا مال فكل من يعطيك قرشا طاغوتك إن أمكنه يحدد طريقة صرفك للمال و طريقة
أكلك و شربك و لباسك و علاقتك مع أهلك.
و حين تكون من النساء فكرا فكل مثقف
خمسة صاغ يعطيك أنموذج الحديث و مواضيع الحديث و طريقة الحديث و حدود التفكير و أي
كاهن يخربط عليك و يدخل معك بفتاويه لبيت الحمام و لطريقة معاشرتك زوجك.
و حين تكون من النساء علما يبيع لك
الطاغوت أدوات الإستهلاك و يقتلك مسرطنا أو ضريرا أو أصمّا و يبيعك ما يريد لا ما
تريد و كلّما فكرت في الإنفلات منه أعادك للدائرة بطرقه.
على النساء أن تفكّر في الأمر فمهما
تأخر النساء في شيء فليدخلوا القرءان فأقلّه أن ينزع عنّا غشاوة النساء فكرا.
فكل من يرسم دائرة ما يطغى الماء لا يجد من يسكن
اليابسة ملجأ تر و منذ زمن ، أقصد منذ
اتضح في ذهني البعد المفاهيمي للقرءان أدركت أنّني كلّما دخلت القرءان كلّما
ازدادت ضرورة تطهير ذاتي و فؤادي و بصري
من كل ما علق به سبحت ضد التيار الهائج و
كلّما ازداد عشقي للغوص، فهو وحده من يقي من هيجان التيار و عند سماعي لهذه الأية
.
الأمة حين التنازع بينها و بين من يمثل
أمرها تعود لله و الرسول أي تعود للسنن و تنظر في سبب النزاع موضوعيا و سننيا لتحل
إشكالاتها و حتى تعود لا بد أنّها فكرت مسبقا في طرق حل النزاع و علينا أن ننبه
هنا أن االله و الرسول مفرد و ليس جمعا أو مثنى فالله عنوان السنن الكونية و
الرسول إسقاط لهذه السنن في صحيفة فمتى اختلف قراءة الرسالة عن السنن الموضوعية
فقراءة الرسالة حتما خاطئة لأن المهيمن هو الله أي السنن الموضوعية و سبق شرح هذا
الأمر بتفصيل.
الأمة حين التنازع مع أولى الأمر لا
تعود إلى الطاغوت. لا ترجع لمن يحدد مسيرتها و سيرها و يذيقها ألوان الخزي لتتحاكم
عنده ظنّا منها أنّه سيفك عنها الخناق. كيف و هي مطالبة للكفر به ؟
الوهم يعمي النساء :
" وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ
ضَلَالًا بَعِيدًا"
تعليقات
إرسال تعليق