التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأعراب و منبع النفاق

 

العربي في القرءان ليس صفة لجنس حمل صفات الكمال و ليست صفة قوم مهما علا شرف عملهم و علت همتّهم وبلغت كرامتهم حد إستصغار حياتهم في سبيل الحفاظ عنها.

 

( ع رب) جذر قرءاني يحمل مفهوم الجذرية، فكل ما هو عربي يمكن إرجاعه لجذر و أمّا الجذر ( ش ج ر) فهو ما يتفرع عن أصل.

و عند قراءتنا لشجرة ( ع ر ب) القرءانية يمكننا معرفة بنية هذه القرءان، فبنيته ليست إصطلاحية، كل لفظ في يعود لشيوع السماع أو لظروف تكوين تاريخية نجهلها أو لإصطلاح عائد لحدث مفاجئ احتفظت به الأمّة رغم مبيانته لمنطق القواعد اللغوية المستوحاة. بنية القرءان جذرية من حيث أنّ أي مشتق عن جذر يرجع للمفهوم الشامل للجذر عينه.

 

هذه توطئة لحديثنا عن الأعراب في حديث القرءان عنهم، فالأعراب في القرءان يحمل معاني سلبية جدّا إلاّ ما ندر ، فهم :

 

"...الأعراب أشد كفرا و نفاقا" التوبة :97

 

"...و من الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما .." التوبة :98

 

"و ممن حولكم من الأعراب منافقون .." التوبة :101

 

"قالت الأعراب ءامنّا ، قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لمّا يدخل الإيمان قلوبكم.." الحجرات 49

 

و الأمر مفاجئ، إذ كيف يكون العربي صفة تتصل بعقل الأمر و إبانة الأمر و حكمها و صفة متعلقة بالعلم ثم يكون الأعراب معنى متصلا بالنفاق و التسلق و السلم الكاذب !!

 

لأنّ الأعراب صفة قدح تمّ إلباسها للضعيف في ثقافة الأمّة الناشئة بعد إنهيار مبادئ الرسالة ، حين أصبح النسب وحده فيصلا للتسلط على الناس بحكم قوّة العصبة و القبيلة. لقد كان هذا الضعيف المظلوم هو من يعيش معتزلا في البراري و الفيافي معتزلا الطحن السياسي و مبتعدا عن الإستقطاب. هو أشبه بهذا الذي لم يعاصر "حضارة" النت و يعيش اليوم معتزلا لا يعرف ما يدور حوله .

 

الأعرابي في ثقافتنا الموروثة هو ذالك الذي يبول في الجامع ، ذاك الأبله الذي لا يعرف ديبلوماسية في الحديث و لا تفاصيل عيش المترفين بل و لا تفاصيل الإستحمام و الغسل و إستعمال أدوات الزينة. "صعيدي" أو "كردي" أو "أمازيغي" لا يحسن حتّى لغة غالبية بني قومه و لكنته تكاد تعرّفه من ألاف الأميال.

 

ليس هذا هو الأعرابي في حديث القرءان، فالقرءان لا تهمه لا تفاصيل اللباس و لا ديبلوماسية الحديث و لا قضايا الزينة و لا اللكنات، ما يهم رسالة القرءان هو القول. هو جوهر حركة الإنسان لا قشورها. فالحكم القرءاني مبني على أصالة القول لا على تجنّي التفاصيل البليدة التي تنهار عند أول تجربة قوّية أين يتطلب الأمر موقفا. و لهذا حديث تفصيلي نرجه لمن يريد الحوار في وقت لاحق.

 

الأعرابي هو من يريد الرجوع إلى جذره، هذه "الألف و اللام" التي تنبأ عنه و هذا الرأس "ء" الذي يرفع عقيرته ليوضح ماهيته العربية هو من يضعنا على وصفه في القرءان.

 

كل من يتحدث عن نسبه و إنتماءه البيولوجي و يتباهى به أعرابي في حديث القرءان، و من هذا التمادي يولد النفاق و يعشش فليست الأعرابية فقط مدح من تنتمي إليهم بل هي تورثك إحتقار أخيار الأخرين و رفع سفهاء بني قبيلتك.

فالقضية عند الأعرابي هي موقع قبيلتك ، موقع وطنك و هوّيتك "العرقية" ، ما يهمه ليس موقفك ، و ليس ما تطرح و ليس ما تقدّمه من الصالحات ، ما يهمّه فقط هو إنتماءك العرقي.

 

هذا القراءن و هذا لمن يتهمه بنسج النعرة العرقية و ها هو ينسف أي أواصر للنسب يمكنها التأسيس ما عدا إحتفاءه بذوي القربى كي يربط الناس ببعضهم لا أن يجعلهم أعرابا يقتلون الناس على الهوّية العرقية أو الطائفية. و مع هذا كلّه فالقرءان لا ينسى أن يسجل للأعراب بعضا من مواقفهم الإيجابية بأداة "مِن" التبعيضية كما يُقال.

 

"و من الأعراب من يؤمن بالله و اليومـ الأخر و يتخذ ما ينفق قربات عند الله و صلوات الرسول ، ألّا إنّها قربة لهم ، سيدخلهمـ الله في رحمته ، إنّ الله غفور رحيم"

التوبة :99

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...