لا يكاد يمر على مجتمع المؤمنين فترة تنفس و رخاء حتّى تبدأ في نخره الأزمات الداخلية و مهما بلغ الإيمان في مجتمع فتعقيدات سيره تلقيه في الأزمات المتجددة و تأتيه من حيث لا يحتس .
سورة
النور ليست فقط للفرد كي تنير دربه بل لكل مجتمع يرنو أن يصل إلى خارج النفق ،
فحين تتسع الظلمة يبحث الناس عن قبس من نور يتجهون به إليه كي تنفرج الأزمة في
فساحة النور المضيء .
ما
طرحه الأخ هادي ءادم من تساؤلات في ءاية النور يجعلنا كقراء في نفق مظلم جدّا.
فهدي
القرءان لا يمكنه أن يتحدث عن قضايا إشباع البطن برغيف في مسكن الوالدين أو من
أعطانا مفاتيح مسكنه كي نفرغ ثلاجته ، فمثل هذا الخطاب لا يصلح أن يكون هديا
لمجتمع أو شبه مجتمع بل هديا لمجموعات بشرية فقدت كل مقوّمات الوجود و كل حس نفسي
إجتماعي، و إذ أعذر من يفهم الأية على أنّها تعني الأرغفة و الغداء و إشباع البطن
، إذ كل يقرأ القرءان على حسب مستوى نظره و مستوى نفسه ، أرى أنّ الأية بهندستها
تحمل أبعادا أعلى .
لنبدأ
من الأية 58 "
يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْـ
وَالَّذِينَ لَمْـ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمـْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ؟ مِن قَبْلِ
صَلواةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ
صَلواةِ الْعِشَآء؟ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ؟ لَيْسَ عَلَيْكُمْـ وَلا عَلَيْهِمْ
جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ؟ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمـ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ؟ كَذَلِكَ
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الأيَاتِ؟ وَاللَّهُ عَلِيمٌـ حَكِيمٌـ " النور :58
من
يستأذنك يسعى سيرا كي تأذن له ، سيرا فيه محاولة طلب المقابلة لعرض ما لديه ، و
لكن الأية لا تقول لنا بالمباشر ماهية هذا الطلب و الإستئذان و لكنّها تبطنّه في
ماهية الطالبين و هم صنفين:
1ـ
الّذين ملكت أيمانكمـ
2ـ
الذّين لمـ يبلغوا الحلم منكم
للأسف
ما يهدم هندسة الأيات و إحكامها هو أن يضيف عليها الإنسان ألفاظا و علامات ليست
فيها ، فمن قال للمفسرين أنّ من لم يبلغ الحلم هم "الأطفال" فقط ، أوليس
في الأية التي تليها مباشرة هذه العبارة :
"و
إذا بلغ الأطفال منكم الحلمـ"
الأية
تقول و بالتحديد " الّذين لمـ يبلغوا الحلم "
فهؤلاء
داخل دائرة "الّذين ءامنوا" و لكنّهم لم يبلغوا الحلم ، فأي حلم تتحدث
عنه الأية ؟
من
لم يبلغ الحلم من الذين ءامنوا مسموح له الإستئذان و كذلك من ملكته أيماننا و هو
الذي لم يستقل بقرار ترتيب حياته و ينتظر دائما التوجيه و القيادة. مسموح لهؤلاء
الإستئذان ذكورا كانوا أو إناثا أطفالا أو كهول. و لكن يستأذنوا لأجل ماذا؟
الإستئذان
سعي لطلب الإذن ، فالسين في القراءن متعلق مفهومها بالسير المتموّج صعودا و هبوطا
وصولا إلى الهدف المنشود .
لا
بد للذّين ءامنوا أن يفهموا أنّ من حق ملك يمينهم و من لم يبلغ الحلم منهم أن يسعى
لطلب الإذن و بكل وسيلة و لكن إذن ماذا ، و ما هو المطلوب ؟
بطبيعة
الحال فإنّ هناك فوبيا جنسية حقيقية في صحائف المفسرين ، فملك اليمين عندهم جواري
للمتعة الجنسية و من لم يبلغ الحلم عندهم هو من لم يصل بعد لوعي العلاقة الجنسية و
لم تستشري فيه الرغبة بعد !! و من كان هذا حاله في قراءة القرءان فهو بلا شك سيفهم
الإستئذان على أنّه قرع لباب غرفة موصدة بين الزوج و زوجه !!! و نسأل هنا السؤال
المحرج هل يمكن لملك يمين "بالغ" أن يدخل دون طرق الباب ؟؟ بحكم فهمهم
للأية نعم و لذلك فلا يسعهم إلاّ إخصاء ملك يمينهم كي يبرروا للأية علّوها .
ثم
الأدهى أنّ الاية تقول بعد بيان حالات الإستئذان "طوافون عليكمـ بعضكم على
بعض", و لا يسع المفسرين هنا إلا إيجاد المسوغات لتبرير هذا المقطع، فالطواف
عملية إحاطة بمن تحوم حوله فهل من قرع الباب سيبقى يحوم دخولا و خروجا من غرفة
النوم مثلا !!
إنّه
التسطيح المتعمد للرسالة حتى أنّنا و نحن نقرأ مقاطع التفسير نشعر بأسى على من حصر
الرسالة في غرف النوم كأنّ من نفخ الله فيه الروح يحتاج إلى هكذا توجيهات ، و قد
يحتاج المجتمع المنهار من كل قيمة إلى مثل هاته التوجيهات الجنسية لكن ما تحمله
الرسالة ليس محلّه خطاب البدائيين بل خطاب المؤمنين، و لذلك فإنّ ملك اليمين ليس
مؤمنا ضرورة إذ من لا إستقلال له في قراره لا يمكننا تصنيفه في دائرة الإيمان إذ
لا مجال حركة له إلاّ بأمر من ملك قراره و لذلك لم تقل الأية "ما ملكت
أيمانكم منكم" و أمّا من لم يبلغ الحلم فهو ذمن دائرة الذين ءامنوا في هذه
الأية "و الذين لم يبلغوا الحلم منكم" ممن لم يصل إلى مستوى القدرة
للحلم على الأخر و تجاوز خطئه و خطيئته و ليس له القدرة على التحمل بفعل إكراهات
قهرية ، و لذلك لم يتم إخراجهم من دائرة الذين ءامنوا إذ من لا يريد التجاوز و لا
يرغب في الحلم رغم قدرته عليه ، صعب جعله من دائرة الذين ءامنوا .
هناك
طرفان مسموح لهم السعي للإسئتذان من الذين ءامنوا :
1ـ
ما ملكت أيمانكم
2ـ
الذين لم يبلغوا الحلم منكم
هذا
السماح محصور بثلاث مرّات و هي :
1ـ
من قبل صلواة الفجر
2ـ
حين تضعون ثيابكم من الظهيرة
3ـ
من بعد صلواة العشاء
الصلواة
ليست حركات و لا طقوس ، الصلواة في مفهومها القرءاني صلة بين الناس في حدود
اللاإعتداء و اللاتجاوز على الأخر ، و هي صلة من غير مصلحة تجارية ، صلة بحتة يتم
فيها ربط العلاقة الإيمانية في ميدان معين. و القراءة الجنسية للأيات تؤدي بصاحبها
حتما إلى الإعتقاد أنّ ، صلواة الفجر هي ما تعارف عليه "الفقهاء" من طقس
قبل طلوع جرمنا الشمسي و صلواة العشاء هي طقس في وقت فتور ضوء الشمس و قرب غيابه
ليلا و ووضع الثياب من الظهيرة هو حال مجتمع "قريش" حين يرتمي في فراش القيلولة
إحتماءا من وهج الشمس .
حسب
هذه القرءاة ، فعلى من ملكت أيمان الذين ءامنوا و من لم يبلغ الحلم منهم أن يقرع
الباب قبل الفجر و بعد العشاء و حين القيلولة قبل أن يدخل على الزوجين و أمّا بقية
الأوقات فمسموح له أن يدخل دون قرع للطبول !!!
هي
إذن تنظيم للعلاقات الجنسية للمؤمنين ، فلا علاقات خارج غرفة النوم و لا علاقات
قبل العشاء و لا علاقات من بعد الفجر و لا علاقات قبل القيلولة و بعدها و الأمر
منظم تنظيما صارما كما ترون .
و
لو أنّ المفسرين عادوا للحلم و مفهومه في القرءان لرأوا أنّ إبراهيم حليم و أنّ
الله حليم و أنّ من مشتقات الجذر العربي
(
ح ل م ) في القرءان :
حليم
الأحلام
فالأمر
لا علاقة له بالوعي الجنسي بقدر ما له علاقة بالتجاوز عن الأخر. و لنا أن نقف في
قراءتهم الجنسية على الكارثة الأخرى المتعلقة بمفهوم العورة. فالعورة عندهم هي فقط
الجزء الجسمي الذي يريد الّذين ءامنوا إخفاءه و لا يريدون أن يطلع عليه الناس. و
لا أدري كيف تكون العورة هي جزء الجسم فقط و لا تتسع معانيها لتشمل كل ما لا يريد
المرء أن يطلع عليه الأخرون و لو فتحنا القرءان لوجدنا :
"بيوتنا
عورة" الأحزاب :13
و
ما يدفع المفسرين دفعا إلى إرتكاب خطيئة القراءة أنّهم جعلوا النساء هو جمع الإناث
و لمّا تعلّقت مفردة العورة في القرءان بالنساء "عورات النساء : النور
31" رمى المفسرون بالبيوت العورة جانبا ليبقى الإتصال محفوظا بالقراءة
الجنسية فقط. و هي فوبيا حقيقية يمكن دراستها أكاديميا في أطروحات عميقة لو كان
لجامعات أمتنّا شيئا تدرسه .
إنّ
اية النور تتحدث عن سوء تفاهم بين صنف من الّذين ءامنوا فقدوا الحلم و لم يستطيعوا
التحمل و لا التجاوز على ما ملكت أيمانهم بفعل إكراهات قهرية و بين ملك يمينهم و
على هؤلاء الطرفين قبل فصل العلاقة أن يطلبوا الإذن من مجتمع الذين ءامنوا و أن
يجروا إطار هذا الفصل ضمن مهل ثلاث ، إذ ليس مسموحا لمن ملكت يمينه أن ترسله في
الفضاء دون سبب و ليس مسموحا أن تلقيه و إن وُجد السبب الموضوعي من تفريط في عمل
أو خطأ دون بديل و لنر كيف هندست الأيات هذه القضية .
"يأيها
الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم و الذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث
مرات ?"
دائما
ملك اليمين أكثر تعرّضا للتجاوز فالبدء به أولى و لمجتمع الذين ءامنوا أن يوّفر له
مؤسسات الشكوى و طرق السير لطلب الإستذان لتقديم ما لديه و من حق "الذين لم
يبلغوا الحلم" ممن لم يستطع التجاوز عن ملك يمينه لسبب أو أخر من حقّه أن
يطرح ما عنده كذلك .
لنلاحظ
أدوات الزمن القرءانية :
من
قبل ـ حين ـ من بعد
إذ
لو كان الأمر جنسيا لما أتت عبارة " وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة "
طرح
الشكوى من قبل أن تنفجر العلاقة "من قبل صلواة الفجر" و سمّاها القرءان
صلواة حتى حين الإنفجار "الفجر" أي قبل الصلة الأخيرة المؤدية لفصل
العلاقة و تفجيرها و هذا الإستذان و طرح الشكاوي و تبادلها رسميا ضرورة .
و
بعدها تفتح هذه المؤسسات الملف برمتّه و حين يتم التظاهر أي تقوية الأدلة، إذ
الظهيرة ليست زمن وهج الشمس بل الجذر العربي ( ظ ـهـ ر) متعلق بالإستقواء و
التحالف بين أطراف ، و هنا يؤكد القرءان أنّ القضية لا بد أن تطرح على جهات عدّة
مختصة يتم بعدها التظاهر لنصل إلى وضع الثياب أي كشف المستور كلّه و أسباب بلوغ
مرحلة الفصل بين الذين لم يبلغ الحلم و ما ما ملكت أيمان مجتمع الذين ءامنوا.
فحتى
إن كان الشخص ملك يمين فهو ليس ملكا لمن يديره و يقوده و يوّجهه بل هو ملك يمين
المجتمع فالأمر ليس رقّا و لا إستعبادا بل وظيفيا بحتا و لذلك لا بد من تسجيل
أهمية "أيمانكم" بدل "أيمانهم" و لو كان الأمر أيمانهم لما
كان هناك للإستئذان معنى .
و
بعد أن ينكشف السبب ينقشع العشاء ، و تأتي مرحلة ما بعد العشاء أي مرحلة وضوح
الرؤية و في كل مرحلة من هاته المراحل إمكان الإستئذان و تجديد الطرح و المرافعة و
البيان و كل هاته المرافعات لا بد أن تبق في طي الكتمان و الستر إذ القرءان
اعتبرها عورة مما لا يريد لا ملك اليمين و لا من فقد الحلم أن يطلع عليه الأخرون .
هذه
مراحل الضرورة و تأتي بعدها مراحل الإمكان :
"ليس
عليكم و لا عليهم جناح بعدهن"
و
هنا نرى دقة لفظ "عليهم" المتعلقة بالطرفين أو الأطراف المتخاصمة من
الذين لم يبلغوا الحلم و ما ما ملكت أيمان الذين ءامنوا. و بعد مراحل الضرورة يمكن
مواصلة العلاج دون قيد أو شرط إلاّ حال كتمان الأسرار المتعلقة بالملفات و اليوم
يكشف الإعلام المجرم الحياة الخاصة للناس ليبيع و يحرض من لم يذق طعم الإيمان بين
الزوج و أوزوجه و أولاده و يكيل التهم و التلفيقات و لا يحترم أي خصوصية لإنسان و
الأمر الرسالي شيء أخر تماما لأنّه يريد أن يرتفع الذين ءامنوا إلى مستوى حل
المشاكل و ليس إلى تعميقها و إلى حل النزاع دون تبعات نفسيةمرهقة تأتي على كل شيء.
و
نرى حركية مؤسسات الذين ءامنوا :
"طوّافون
عليكم بعضكم على بعض"
المسألة
ليست فقط طواف المتخاصمين على مؤسسات الشكوى و فض النزاعات بل طواف المؤسسات على
بعضها حتى ترتسم الصورة الكلية و لا يُظلم أحد، و لو أنّ النبي الكريم محمد صاغ القرءان
لما أضاف "بعضكم على بعض ."
إنّ
القضية كلّها أن تعود العلاقة حسنة بين المتخاصمين أو يتم الفجر في مراحل يتم فيها
الحفاظ على نفسية المتخاصمين دون أن تصل الأمور إلى العداوات المتأصلة و يتم حل
الأإشكالات و فك القنابل بحكمة الوقت و تدخل الذين ءامنوا في عمل مؤسساتي يحفظ
الأسرار و يحوم حوله الكتمان الكلّي :
"كذلك
يبين الله لكمـ الأيات ? و الله عليمـ حكيمـ"
كل
طرف يسعى لحل مشكلته بكل وسيلة و لكن هناك في القرءان روابط لا بد أن تُحفظ و
مراحل لا بد أن تقطع و هي في صالح الجميع ، و للذين ءامنوا تطوير مؤسساتهم لتصل
لمستوى العلم و الحكمة و لترتقي سننسا إلى مستوى "والله عليمـ حكيمـ " .
للحديث
بقية
بن
نبي
تعليقات
إرسال تعليق