ضرورة
الحلم
الحلم
ضرورة بيولوجية للإنسان. فقد أجريت تجارب على طلبة متطوّعين يتم إيقاضهم مباشرة
بعد بدء طور النوم المفارقي و كان هدف هذه التجارب كسر الحلم في كل مرّة و النتيجة
إهتزاز نفسي كبير و هيجان يصل إلى حد الهوس و مرض متصل. هؤلاء الطلبة أصبح همّهم
بعد أيام من هذه التجارب ليس البحث عن النوم بل عن الحلم إذ بعدما تُركوا دون
إيقاظ سجلّ الباحثون أنّ 50 بالمائة من وقت نومهم أصبح مفارقيا !!!!!
بل
إنّ الأبحاث التي أجراها Jouvet في
المدرسة البيطرية في ليون أثبثت أنّ الثدييات و الطيور تحلم و لكن الزواحف لا تحلم
، مثل هذه النتيجة تجعلنا نرى الحلم ينشأ في الكائنات الحيّة ذات جهاز الضبط
الحراري أو ما يسمى بالكائنات ذات الدم الحار. و نشير هنا أنّ وقت الحلم يختلف من عائلة
حيّة إلى أخرى فالحمام مثلا يحلم ثواني فقط في نومه و القط يحلم 6 دقائق في كل نصف
ساعة.
البحوث
التي أجريت توصلّت إلى ضرورة الحلم عند الثدييات ، فإنتزاع جزء الدماغ المسؤول عن
الحلم في القطط
L’hypocampe dans la face interne du temporal
يجعل
بصر القط في يقظته ثابتا بحدقية ممدّدة و يموت القط بعدها في مدّة أقصاها ثلاثة
أشهر. أمّا الققط التي يُنتزع منها أجزاء الدماغ المسؤولة عن النوم الغير المفارقي
، فبقاء الحلم مع توقفها عن النوم تبقيها حيّة .
لماذا
أصبح للحلم هذه الأهمية البيولوجية و النفسية للإنسان و الحيوانات الحالمة ؟
سنحاول
الأن بحث الأسباب.
اعتبرت
مدرسة BERGSON الفلسفية أنّ الحلم هو الوجهة
الثانية لتوقفنا عن التفكير فالفرد يحلم لأنّه متوقف عن التفكير و حين يبدأ
التفكير و التفاعل مع محيطه يتوقف حلمه. فالحلم حسبها يُخفف من عبء الضمير
الإنساني و يُفرغ الأنا من الإرادة و التفاعل فالحلم عمل في فراغ و يتقبل أوّل
التفسيرات البدائية ليُغرق الأحاسيس التي تأتيه. و نرى في هذه العبارات حجم ما
يمكنه أن تفرضه العقلانية من أفكار عندما تُحرم من دراسة الدليل الموضوعي و نجد
هذه الراديكالية في مدرسة برجسون دليلا على حجم التشنج في عصره بين المدرسة
المثالية و بين المدرسة العقلانية إن صح هذا التعبير. و مع غياب الدليل الموضوعي
نجد أنّ الإغريق أقل راديكالية من مدرسة برجسون و أكثر إنفتاحا على الظواهر
الإنسانية التي لم تجد لها حلاّ. و نقرأ لأفلاطون هذه العبارة :
"إن
الأخيار يكتفون بحلم ما يفعله الأشرار في يقظتهم"
و
في كتابه "الجمهورية" نقرأ هذه العبارة المهمة :
"يوجد
في كل واحد منّا رغبة جامحة مروّعة متوحشة حتّى في أكثر الأفراد إتزانا . و هذه
الرغبة تظهرها الأحلام"
بالنسبة
لفرويد فالحلم تحقيق لطرفنا الثاني في ذاتنا. فحسبه فإنّ لكل فرد "هُوَ"
أشبه بذات موازية في داخله و يعمل الحلم لتحقيق رغبات هذه "الهُوَ" و
التخفيف من ألمها و إحداث توفيقات معها. هو أشبه بإتفاقات مشفرّة رمزية توقعها
الذات الفاعلة "الأنا" مع الذات الموازية "الهُوَ" للتعايش. فالحلم
وسيلة مقتصدة لتهدئة الهو بأقل التكاليف. فمن الناحية الديناميكية تجد الدوافع
الداخلية للفرد مخرجا و متنفسا لها في الحلم في إطار لغة رمزية. فالهو لا تعرف
إلاّ مبدأ اللذةّ و لا تعرف غيره و الأنا الإرادية تمنع تحقيق هذه الرغبات بحكم
الممنوعات الإجتماعية و الطابوهات الأبوّية العتيقة. و يصل الصراع بين الأنا و
الهو إلى أرضية إتفاق هي الحلم أين تتحقق اللذات بصورة رمزية و تتفرغ الدوافع
الوحشية في الهو مختفية في الرمز. فكل شيء ممكن في الحلم و كأنّنا في مسرح نفاقي
يُسمح فيه بقول كل شيء و التصريح به لكن بطريقة رمزية تُمنع فيه الأنا من معرفة
رموزه و الوصول إلى تشفيرها . فأعضاء المسرح يتلاعبون بالمتفرج بطلاسم و رموز
يفهومنها هم فقط و لو فهمها لما جلس و لصعد للخشبة ليمنع المسرحية. فالحلم بهذه
الفرضية صيرورة عصبية تخص كل الإنسانية و لا يمكن لفرد أن ينفلت منها.
مثل
هذا التفسير مغري جدّا بشرط أن نكتشف هذه الهو التي أعيت الباحثين و محاولات إثبات
وجودها بما سمّي "التنويم المغنطيسي" لم تصل لشيء مقبول علميا. و لعلّ
بحوث JOUVET التي أجراها على الثديات (قطط
و فئران خاصة) يمكن أن تضعنا في إطار معين من التحقق من هذه النظرية .فقد قسمها
إلى قسمين قسم يصيد و قسم يُصاد. و بتخريب جزء في الجهاز العصبي المانع للحركة
أثناء النوم أمكن التوصل للنتائج التالية :
المُصَادون
يحلمون وقتا أقل من 5 بالمائة في منامهم و يحلمون غالبا بالفرار. و الصائدون يقضون
ما يقارب 25 بالمائة من نومهم في الحلم و يحلمون بالهجوم.
هذه
النتائج تثبت أنّ الثدييات تواصل في حلمها ما تفعله في الواقع ربّما بخيال أكبر
بإيجاد حلول جديدة للفرار أو طرق جديدة للصيد و كأنّ الحلم يعمل كمعلّم و منفس .
مثل هذه البحوث أجراها فرويد إحصاءيا على الإنسان للتحقق من نظريته فحسب إحصائياته
فإنّ غالبية الأحلام تدور حول غرائز الجنس و الإعتداء فالإنسان حسب نظرية فرويد
يُراجع إستراتجياته الهجومية و الإغرائية بإستمرار موّجها في هذا بغريزيته
الأساسيتين : الصراع مع المحيط و الأخر و غريزة الحفاظ على النوع أو كما يرمز
إليهما فرويد بشخصتين إغريقتين
THANATOS و EROS
فالفرد
مبرمج داخليا (بالتعبير المعاصر جينيا) على الصراع مع محيطه و الحفاظ على نوعه.
فالحلم عند فرويد تنظيم و مراجعة للإستراتيجيات الصراعية و الإغرائية المبرجمة
غريزيا و الممنوعة إجتماعيا ليتم التوفيق بينهما. و محاولة التوفيق تتم بحركة
عصبية حادة في عالم تخيلّي و في شلل شبه تام للجسم أملته المواد الكيميائية
المفرزة في الجهاز العصبي.
فالحلم
عند فرويد يمكن إعتباره متنفس ضد الثقافة أي ضد الطابوهات و الممنوعات التي يؤسسها
المجتمع في تاريخه و الحلم بهذا يسمح للفرد بالعودة إلى غرائزه الأولية الأساسية
المبرمجة في داخله . و نرى النتيجة الأساسية في نظرية فرويد و التي تكاد تكون غيثا
لكل إنسان فإلغاء الحلم عند الإنسان يجعله أسهل تقبلا لما يمليه عليه المجتمع دون
رفض.
و
يكاد الباحثون في البيولوجيا الجزيئية يرسمون تاريخ تكوّن الجهاز العصبي فالمنطقة
المختصة بعالم الأحلام عند الإنسان هي الأولى في النشأة بل ترى هذه البحوث أنّ
الجزء المختص بالنوم المفارقي هو الجزء الأقدم أين كان الإنسان بشرا همجا فملاحظة
حجم هذا الجزء العصبي المختص بالنوم المفارقي عند رضيع بشري و رضيع فأري يجعلنا
نطمئن شيئا ما إلى نتائج هذه البحوث فهي عند الرضيع البشري تصل إلى 20 بالمائة في NYCHTHEMERE و تبلغ عند الرضيع الفأر 80
بالمائة، و مع أنّ هذه البحوث لم تصل لمستوى يسمح باليقين و لكنّها تعطي وجهة
للباحث من حيث مفهوم نفخ الروح في الإنسان في النص القرءاني.
الفرد
عند فرويد يعود بحلمه إلى لحظاته الغرائزية الأولى ككائن حيّ قبل نشوء الثقافة و
الموانع فالثقافة الإنسانية عند فرويد تطورت في تضاد للطبيعة الإنسانية .
الحلم
و الرءيا
الحلم
ليست فقط ما نراه في منامنا بل هو ما نقصّ أحداثه حين يقظتنا و حين السرد يتداخل
الحدث الموضوعي الذي رأيناه مناما بثقافتنا الفردية الذاتية. فالتجارب التي أجراها
LARRY أثبثت أنّ نسيان بعضا من
الحلم يبدأ في الحلم ذاته و يتعاظم في الدقائق الخمسة الأولى بعد اليقظة و قد أشار
إلى هذا فرويد من قبل فما أجراه من تحليل لرءى زبائنه أثبت أنّ الحالم يقطع في
سرده لقصة حلمه أجزاءا من حلمه و يضيف أجزاءا أخرى بل إنّ الحالم يجمّع أحلاما
عدّة في قصة واحدة و يجعل منها حلما واحدا. فالأنا تضيف في سردها للحلم العلاقات و
ترسم السببية و تمنطق الحلم لتجعله أكثر تناسقا و تحاول الأنا التقليل من
اللاموضوعية ممّا يمكن للسامع أن لا يصدّقه و مثل هذا العمل هو نفسه الضغث الذي
يتداخل مع الحلم ليجعل منه قصّة يمكن للسامع قبولها و عدم الإستهزاء من صاحبها ،
فالأنا الواعية تقوم براقبتها على "الهُوَ" حين السرد. و لكن نكتشف
الحلم من أضغاثه و لكي نتمكن من التحقق من الرءيا في الحلم علينا أن نضع مبادئ
للتأويل ننطلق منها. و ليسمح لي القارئ بالخلط بين لفظ "الحلم" و
"الرءيا" بداية و سنصل إلى التفريق بينهما في أجزاء البحث المقبلة و
سأورد لفظ "الحلم" كتعبير إجمالي يشمل الحلم و الرءيا في هذا الجزء.
تأويل
الحلم يرتكز و يتحرك ضمن مبدأين أساسيان :
1
ـ الحلم تحقيق لرغبة
مثل
هذا المبدأ تيئيس لكل من يحاول تأويل رءياه بنفسه إذ الإنسان يخفي رغباته الحقيقية
الأنانية و يسترها و يغلّفها بشتى الوسائل و نجد الفصل بين براءته كطفل للتعبير عن
رغباته و دخوله لعام الرشد واضحا فتفريقنا بين الطفل و الراشد هو تفريق بين من
يظهر رغباته دون ستر و بين من يسعى لإخفاءها و تلبيسها ليتم فهمها من الأخر
بإيحاءات مشفرّة. نجد هذه الفكرة واضحة في البلاغ القرءاني :
"وَإِذَا
بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَـ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْـ ؛ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءايَاتِهِ وَاللَّهُ
عَلِيمـٌ حَكِيمٌـ " النور :59
ففي
مفهوم الحلم الرغبة و في سياق هذه الأية حديث عن الرغبة الجنسية عند بداية ظهورها
و إهتمام المعني بمظاهرها الخارجية . و ليس الحديث عن الرغبة تركيز فقط على الجانب
الأناني فيها إذ الرغبة ليست بالضرورة في الإستحواذ على الأحسن بل ذاتنا ترغب كذلك
في السيء كمحاولة لمعاقبة الذات عن جرم اقترفته أو إظهار للإحباط و اليأس و هذا ما
يظهر فيما نسميه كوابيس الحلم.
تأويل
الحلم و معرفة الرغبة المعنية أمر صعب فالغالب في الرءى تشفيرها و تعقيد تفصيل
محتواها و إيجاد الروابط بين أجزاءها خاصة في غياب معرفة الحالم و ملابسات حياته
هذا إضافة إلى المشكلة أعلاه في وعي المؤوِّل بضرورة التفريق بين الحلم ذاته و بين
ما يقصّه الرائي . و ننبه هنا أنّ كشف التباين بينهما لا يعطينا مفتاح الرءيا فقط
بل يسمح لنا بمعرفة شخصية الرائي. هذا ما يدفعني هنا بالقول أنّ عملية التأويل
عندما تقع في أيادي مختصة يوسفية عملية خطيرة على من يقص أحلامه إذ هي تعرّي ذات
الرائي أمام "يوسف".
لنسجل
و لنكرر أنّه لا وجود لمفتاح علماني للرءيا كما يريدها الناس ممن ظنّوا أنّ الرموز
كالألفاظ تحتاج لقاموس يضبطها. فنفس الرمز لا يشير إلى نفس الشيء عند الرائي نفسه
في حلمين فكيف سيشير إلى نفس الشيء عند حالمين متابينين ؟
ننبه
هنا أنّ الرائي هو وحده القادر على فك شفرة حلمه لكن بمساعدة من أخر يفتح أمامه
أبواب التأويل فهما حاولنا فإنّ الأنا قادرة على ستر رغباتها و تعمية الحلم ليست
فقط في سرد الحالم بل في شفرات الحلم نفسه و ها هي بعض الأليات التي تستعملها
لتستتر :
أ
ـ التهويل
لا
نجد أفكارنا في الحلم إذ هي تأتي صورا حيث تسبتدل الأفكار بالأعمال و الحركة و
تأخذ غالبا حركتنا و أعمالنا في الحلم أشكالا تهويلية تراجيدية مرعبة أو عذوبة و
نعيم. لن نفهم هذا البعد التصويري إلاّ إذا اعتبرنا أنّ الحلم هو عمق ذاتنا
الغريزي المتوحش و البريء في ذات الوقت "لا تقربا هذه الشجرة". إنّ
الحلم هو هيئة الإنسان في حركته المنبعثة من الرغبة وحدها. و لتتضح الفكرة ،
سنقربها بمثال . فالإنسانية عرفت الصورة كتعبير قبل أن تعرف الكتابة لتصل إلى
التجريد. فإختراع الكتابة بدأ من الصورة إلى الخط كما نلحظه في ثورة النبي
"إدريس" الفكرية العالمية في بلاد النيل بإخراجه الإنسانية من النفق
نهائيا و إعطاءها مفتاح تراكم معرفتها. فالكتابة متصلة بالصورة و ذات القارئ هي من
تحدث الربط وو كذلك الحلم فصوره متصلة بالفكرة التي يحملها و الم}وّل هو من يمكنه
مساعدة الحالم بالتعرف على حروف ذاته ليقرأها . هذا التلاعب الصوري يذكرنا ببعض
تقنيات الإشهار في التلاعب التعبيري ، فمن يسير في شوارع باريس سيلاحظ هذه العبارة
الإشهارية على مداخل بعض الفنادق الفاخرة :
“Au lion d’or”
التي
تعني حرفيا "إلى الأسد الذهبي" و يمكن قراءتها :
“Au lit on dort”
التي
تعني حرفيا "في الفراش ننام" . فدماغ الحالم و فؤاده يمعن في تقنيات
التورية ليستر الأنا الراغبة. فالحلم يترجم الحقائق الموضوعية بعبارات تورية تحتاج
لغوص في روابطها و معرفة بالرائي نفسه. فحلم يريك حماما أبيضا يعلو في السماء و
على سطح الأرض ضفدع ينق و يخرج فقاعات هو تعبير عن المثل المعروف "مُخاط
الضفدع لا يستطيع بلوغ الحمام الأبيض" و هو تأويل لعلاقة من رأى مثل هذا
بعلاقته السيئة مع شخص أخر يحتقره.
ب
ـ التحويل
عندما
يرتكب ملك جرما فإنّ كل مؤسسات الدولة تبحث عن تغطية الجرم لتلصقه بأخر و تمحو عن
الملك الخطيئة و غالبا ما يحدث هذا في الرءيا إذ يتم إذستبدال ذاتنا بذوات أخرى
فالمرء في النهاية لا يرى في الحلم إلاّ ذاته متلبسة بشخوص عدّة ، في شخصيات
أقاربه و أصحابه و شخصيات تاريخية علمية أو دينية أو غيرها و الحقيقة أنّ هذه ذاته
تلبست بهذه الشخوص لترمز لأمر ما.
ج
ـ الترميز
إنّ
الصور في المنام تتشكل في بحر الثقافة الإجتماعية التي يعيش فيها الفرد و يسبح دون
شعور منه. فغالبا ما يكون الميزان مثلا رمز للحكم بالقسط و اللون الأسود في بعض
الثقافات رمز للحزن و الخفاء و اللون الأصفر في بعض الثقافات رمز للموت و الجذب و
القحط و الفناء. و تأتي المشابهات في المنام لتصور الكل بالبعض كتصوير الموت
بالثباث الحركي و تصوير التلامس كتعبير الحبر عن الكتابة أو بالهيئة كرمز الفِطر
للعضو التناسلي و رمز الشجرة كذلك للعضو التناسلي الذكري أو للأنثى كعلامة خصب. أو
رمز للعلاقة الجنسية كوضع القدم في الحذاء أو رمي الرصاص . مثل هذه الرموز أمعن
كتّاب الأناجيل في الإكثار منها فكل ما في الإناجيل من أمثال للسيد المسيح مصوّر
في شكل أحلام و كذا قصص كليلة و دمنة و ما سطرّه LA FONTAINE كلّها سطرّت كأحلام لكن بشيء
من العقلانية اليقظية في النهاية بسرد الحكمة من القصة.
كل
أنظمة الرموز تتأرجح بين الطبيعي و العفوي. فعلامات المرور مثلا انتقلت من الرمز
الموّضح (هيئة جسر ، إنحدار .........) إلى رموز إصطلاحية (ممنوع التوقف ، إتجاه
واحد ...) . و في رموز الأحلام نجد رموزا عالمية تتجاوز الثقافة العينية كالشمس و
النسر و التنين و البحر و القمر.
د
ـ التكثيف
ليس
هناك معنى واحد للحلم بل أوجه عديدة لا تتناقض هي أشبه بأردية نبات البصل :
ـ
سيرة ذاتية
ـ
سيرة الأهل
ـ
حياة جنسية
ـ
حياة مهنية و إقتصادية
ـ
حياة نفسية "روحية"
و
يمكننا إضافة آلية أخرى للحلم في تمويهه للأنا الواعية الراغبة برموزه. فالحالم
يُنشأ الحلم من جديد بسرده له فهو من يدخل فيه العلاقات المنطقية لما يراه هو
ضروريا فتتحول الصور إلى تجريد لفظي و بهذا يمكننا التأكيد إستحالة تأويل الحلم
فرديا بل تأويل الحلم يتطلب ذاتا مستقلة عن الحالم إذ الرائي نفسه يقتطع أجزاءا من
حلمه و يضيف إليها لتدخل الوعي في عملية السرد و أنانية الفرد تمنعه من السير وراء
تأويل يهدم بها صورته الذاتية و المؤوِّل ذاته لا يمنكه التأويل دون مساعدة الرائي
إذ هو في النهاية مساعد لا غير ليصل بالحالم إلى فك شفرة حلمه. فالحالم وحده و لا
أحد غيره يمكنه الوصل إلى تأويل حلمه بمساعدة طرف وسيط لإستفراغ الرموز و رغم
صعوبة تقبل الحالم لتأويل حلمه في كثير من الأحيان فإن الحقيقة ترطمه ببديهيتها.
و
ننتقل الأن للمبدأ الثاني في عملية التأويل و سنترك جانغ يعبر عن دلالة الحلم في
مبدأه الثاني.
2
ـ الحلم تصوير لحالة اللاشعور الفردية
"الرءيا
تصوير ذاتي تلقائي و رمزي لحالة الشعور الحالية للفرد"
بهذه
العبارة يضعنا جانغ أمام محيط واسع لتأويل الرءيا. فالرءيا ليست رؤية للأخر أو
للموجودات بل كل ما في الرءيا هو رمز لذات الحالم نفسه. إنّنا هنا في عملية
تشريحية لكل الرموز الواردة في الرءيا . فالرءيا دائما تحمل وجهان لا يمكن فصلهما
، وجه موضوعي ووجه ذاتي فرؤية الأب في الحلم تحمل صورة الأب في حقيقته لكنّها تحمل
البعد الذاتي إذ الأب جزء من الحالم ينبغي تأويله في سياق الحلم فرمز الأب الذاتي
يصور لنا الأبوّة التي يحملها الرائي أو أنّ قيامه بوظيفته الأبوية في إشكال أو
أنّه يحمل أبوّة كامنة تبحث عن الظهور. هذا الجانب الذاتي هو الأهم في عملية
التأويل.
الحلم
عند جانغ إذن حقيقة موضوعية تُجلي نقص الرائي :
"الحلم
حقيقة. تحمل في ذاتها معناها فهي تركيب متكامل"
فللحلم
وظيفة فدائية إذ هي تسمح للفرد أن يعيش في عالم مختلف ليفر من الرعب الذي يلاحقه
في اليقظة و ليعوض نقصه و يحقق رغباته فيه فالحلم بتعبير جانغ :
"الحلم
تعبير ذاتي للتوازن النفسي عند الفرد"
فالحلم
موازنة و مشروع. فهو ليس سببا فقط لتصوير ما نعيشه بل هو يحمل غاية مستقبلية لما
يجب أن يكون. فتأويل الحلم عند جانغ هي فهمه بالنظر لرغبات الحالم. فجانغ يوّجه
رسالة الحلم نحو المستقبل دائما و يمكننا التعبير عن هذا المفهوم رياضيا بقولنا
"التنبأ بالإحتمالات الحركية". و كل هذا بطبيعة الحال في نطاق إجتماعي و
ثقافي يزيده المؤوِّل عمقا كي يصل بالحالم و يعينه إلى معرفة مقصد حلمه.
لعلّ
جانغ أراد الإنفتاح أكثر على عالم الأحلام إذ لم يستسغ إلغاء ما يسمّى في ثقافتنا
بـ "المبشرّات" التي تستشرف المستقبل بوضوح فالمبشرّات تخرج من إطار
الذات الموضوعية الراغبة و الحاملة لإشكالاتها النفسية الداخلية لتتعدى الحواجز
برسم المستقبل الفردي أو الجماعي تجعل من الحالم حاملا لرسالة لمن حوله. و هذا هو
الفرق بين الحلم و الرءيا ، فالحلم متصل بالرغبة الفردية يجليّها بتأويل محتواه
أمّا الرءيا فمتعلقة بأبعاد خارجة عن نطاق رغبة الفرد و لكي نفصل بين الدجل و
الموضوعية علينا أن نحدد شروط حدود الرءيا و هذه بعض الأمثلة لتوضيح بعض الحدود إذ
ليس هدفنا تحوّل الحياة من الجهد إلى إنتظار الرءى و لكن للتنبيه أنّ موضوع الرءيا
و الحلم يحملان أبعادا تحتاج إلى دراسة بل إنّ الرءيا تطرح علينا أسئلة وجودية :
ـ
توّفى شخص فقام فرد و أعلن أنّه قد رأى حلما ينبأ بموته
ـ
الرءيا لا بدّ أن تكون حدثا معزولا، فكم من أم تحلم في وقت الحرب أنّ ابنها الجندي
قُتل في المعركة ، فقتله لا يعني بحال رءيا.
ـ
الحلم العادي : لا بدّ لرءيا أن تعطي مضامين بعيدة عمّا نفعله في حياتنا العادية.
و كمثال على هذا رءيا لشخص يعشق الكتب رأى نفسه يشتري كتابا قديما و هذا ما حدث له
فعلا بعد أيام.
ـ
النسيان الطارئ : رجل يعيش في مقاطعة زراعية يحلم أنّ الجراد سيهجم على حقله فيأخذ
إحتياطاته و ينجح في إبعاد أمواج الجراد، وكله فخر و هو يحدث أصحابه عن رءياه
النبوية ، فيضحك منه الأصحاب و يخبروه أنّ جريدة المقاطعة نشرت الخبر قبل وصول
الجراد بيومين فيعود مسرعا لأرشيف الجريدة ليتحقق بنفسه و حين تقليبه للصفحات يتذكر
أنّه قرأ خبرا لزواج قريبه في الجريدة يقع تماما أمام خبر الجراد. فعيناه لا شك
التقطت الخبر و خزّنت العنوان في لاشعوره و أخرجته حلما و الأمثلة في هذا كثيرة.
ـ
الإحساسات بألام الجسم المستقبلية : عند النوم تضعف الحواس و الألام الطفيفة التي
لا يحسها الإنسان و هو يتحرك تظهر في نومه بشكل واضح ، فالرجل الذي حلم أنّ كلبا
عضّه في قدمه ثمّ تبين له بعد أيام ظهور قرحة في نفس المكان لم يرى رءيا بل غاية
ما حدث أن الألم ارتفعت درجته في نومه فأخرجه دماغه كلبا يعض.
ـ
وهم حلم سابق : هذه أكثر تعقيدا ، إذ كثيرا ما يظن الإنسان أنّ ما يشاهده قد حلم
به سابقا. و الأمر متعلق بالذاكرة إذ غالب الأحلام هي من التي ينساها الإنسان و
تصعدها الذاكرة إلى السطح بمجرد وجود إتحاد بين الحلم و بعض ما يشاهده في يقظته و
حينها تبدأ صياغة الحلم المنسي صياغة تجعل الإنسان يظن أنّه رأى نفس الشيء و الحقيقة
أنّه حلم حلما مغايرا و لكن الدماغ فقط يؤسس صوره المتتابعة من التفصيل الأول
المتشابه بين الحلم المنسي و الواقع المُشاهد.
ـ
وهم الموضوعية المريحة للذات : عندما يرفض الإنسان قبول غائية الحلم و أنّها تعبير
عن رغبة ذاتية لسبب موضوعي فيلجأ مباشرة إلى القول برءيا ، فرءيا موت أحد الأقرباء
عندما تتحقق تجعل الحالم في خيارين إمّا يعترف برغبته في موت هذا القريب و هذا صعب
جدّا حتّى لا يسقط في عين نفسه بل سيؤكد محبته لهذا القريب أو يلجأ للقول أنّه رأى
رءيا و هذا ما يسمح له بإراحة ذاته بل و يعطيها قيمة أخلاقية. و يحضرني هنا مثال
قصّه فرويد أو جانغ ، رجل حلم بموت ابنه الوليد و هذا ما حدث فعلا و لكن بشيء من
المساءلة تبين أنّه حلم بجنين فوق جسمه سكين. و في هذا الحلم بيان لنفسية هذا
الحالم و بالتنقيب قليلا تبيّن أنّه طالب زوجته زوجته بإجهاض الجنين.
إنّ
أغلب ما يسمّى رءى هي رغبات لا يريد الإنسان إظهارها و يسعى لسترها و لا يجد إلاّ
ذريعة الرءيا لستر هذه الرغبة. و لكن وجود الرءى ظاهرة مؤكدّة و لعلّ الكثيرين
ينكرون الرءى متناسين أنّ المستقبل الكوني مضبوط سننيا و أنّ فعل الرءيا هو تداخل
الإنسان مع الكون و المحيط و عندما تعلو روحه يستطيع دماغه رؤية ما لا يراه
الأخرون . و تظهر هذه الرءى غريبة جدّا و لكنّها موجودة و موضوعية و لا يمكن
إغفالها و نحن نناقش مثل هذا الموضوع الشائك. و لا يمكننا رفض الدليل الموضوعي
لمجرد إدعاء عدم منطقيته فإستشراف المستقبل من حيث الحدث و ليس من حيث الإرادة أمر
لا يرفضه العقل و المنطق بحكم عدم إحاطتنا بسنن الكون تحديدا و طريقة تفعيلها
فلنترك لأنفسنا فرضياتنا و لنفسح المجال للبحث فهذا أسلم طريق.
إنكار
الرءى نجد له صدى في كتابات LUCRECE و نقل
لنا فيما وصلنا من رسائله أحلام بني قومه من الرومان و بيّن أنّ كل ما جمعه من
أحلام ليس فيه رءيا واحدة و لا يمكننا إلاّ تصديقه فمعاصرو لوكراس من الرومان
تعوّدوا على رؤية ألعاب السيرك العنيفة و تعوّدوا الهمجية و القتل إذ عصره عصر
تقلبات كبرى تُنشأ الكوابيس أكثر من الرءى.
إنّ
جانب الثقافة يعكس بصورة كبيرة أحلام النّاس و الحياة في عصر الشك الكامل يقطع
العلاقة بالسماء إن صحّ التعبير.
سنشرح
الأن بعضا من الشهادات لرءى يصعب ردّها إذ هي لعلماء كان من المفروض أن يعلنوا
عبقريتهم في إيجاد حل معضلة بدل إعلان أنّهم وجدوا الحل مناما في رءيا.
فالموسيقار
الإيطالي GUISEPPE TARTINI أخبر
أنّه رأى و سمع في منامه في ليلة من سنّة 1713 الشيطان يعزف على كمان قطعة رائعة و
قام فزعا من منامه و حاول تقليد ما سمعه في المنام و أخرج لنا روعته "قطعة
الشيطان" TRILLO DEL DIAVLO في سن
21 من عمره و قد يكون كاذبا أو مريدا لكسب إهتمام الناس بموسيقاه إذ إبليس معروف
بقوّة إبداعه، هذه للمزاح أو منتميا لتجمع يجعل لإبليس قيمة عليا عبودية.
بل
إنّ المتصوّف محي الدين ابن عربي قال في مقدمة كتابه "فصوص الحكم" أنّ
كتابه هذا أتى إملاءا في المنام من النبي الكريم محمد و لم يزد فيه حرفا.
و
حدث كذلك هذا للشاعر الإنجليزي SAMUEL
TAYLOR COLERIDGE أنّ أغلب إيحاءته الإبداعية أتته في المنام
خاصة قطعته الشعرية KUBLA KHAN
و
يفجر الفنان WILLIAM BLAKE شعره
و رسومه و يبوح بالسر بقوله أنّه في بحثه عن تقنية لنسخ رسومه أكثر إقتصادا رأى
أخاه الأصغر الميت و أنبأه بها بل و يكشف أنّ أكثر إبدعاته جاءته مناما.
هذا
الوحي المنامي لم يغب على واحد من أشهر الروائيين الأنجليز ROBERT LOUIS STEVENSON فقد كان يستيقظ على كوابيس
رهيبة حاول العلاج منها دون جدوى إلى أن تعرّف على طبيب في EDIMBOURG أعانه في التحكم في منامه و
تدجينه إن صحّ التعبير وانتبه بعدها أنّه حين ينوي الكتابة من أجل حاجة ماليثة يجد
وحي قصصه في منامه إلى أن ظهرت له شخصية في منامه إسمها BROWNIES و هو من أملى عليه أفضل
رواياته خاصة رائعته "الحالة الخاصة للدكتور جيكال و السيد هايد" أين
نجد فيه إسم هذه الشخصية المنامية.
لكن
الإبداع المنامي لا يخص فقط الإبداع الأدبي و قد يرافع القارئ قائلا أنّ العمل
الأدبي لا ضابط له و لا يحكمه إلاّ الذوق و مجيئه في المنام لا يعني شيئا بذاته و
لا يعني إنباءا بمستقبل لكن الأمر يتعقد في البحث العلمي إذ الكثير من الإكتشافات
جاءت مناما.
أكثرها
شهرة كشف الكيميائي الألماني VON
STRADONITZ (1829 ـ 1896) لبنية نواة البنزين فقد رأى
نفسه في المنام يجول على جزيئة البنزين و فجأة ظهرت البنية الثُمانية للنواة و
نواة مركزية دائرية كحيّة تأكل ذنبها.
http://www.lpi.usra.edu/lpi/meteorites/benzene.jpg
http://www.esa.int/images/benzene_struct,1.jpg
كذا
لنوبل الطب الألماني OTTO LOEWI و
كشفه مناما لآلية الإنتقال الكيميائي ـ الكهربائي للسائل العصبي في الدماغ. ففي
ليلة من ليالي أحد عيد الصفح جاءته الفكرة بعد يقظته من المنام مباشرة و سجلّها
سريعا على ورقة و لكنّه لم يستطع قراءة ما سطرّه في اليوم التالي و لكنّ في الليلة
التالية في حدود الساعة الثالثة فجرا استيقظ من منام أتاه مبشرا بالآلية
التجريبية. و سريعا ذهب إلى مخبره ليحقق حلمه على قلب ضفذع و هذا ما حصل فعلا.
و
نستطيع سرد أسماء المشاهير ممن ساعدتهم الرءى على كشوف علمية رهيبة :
المختص
في تاريخ ملوك القبط HEINRICH B.
FAEBA بكشفه لشفرة الخط الديموتيكي القبطي. و كذا PAUL EHRLICH لكشفه للنظرية الخلوية وسنختم
هذه الأمثلة بمثال شهير جدّا. فالبروفيسور HERMAN V. HILPRECHT المختص بالأركيولوجيا
الأشورية في جامعة PENNSYLVANIE كان
يعمل على نقش مكوّن من فصين من حجر العقيق في معبد بعل المكتشفة من بعثة فرنسية و
لم يتمكن أحد من كشف ما في الفصين رغم معرفة الكثير بالخط الأشوري القديم و بعد
أسابيع من العمل أعلن البروفيسور عجزه و سجلّ فقط أنّ الفصين هما أجزاء لخواتم. و
قال أنّ إحداها مستحيلة التعرف على محتواها أمّا الأخرى فقد استطاع الباحث التعرف
على إسم الملك الأشوري كورجلزو ما أمكن تحديد تاريخها أي ما قبل 1300 سنّة قبل
المسيح و نشره لهذه النتائج إعتراف منه أنّ عمله لم ينتج شيئا ذا بال. و لكنّه رأى
في منامه رءيا كشفت له الحل بعد نشره لنتائجه المتواضعة و هذا نص رءيا البروفيسور
:
"في
مدينة نيبر البابلية ، جاءني قس يبلغ من العمر أربعين سنّة طويل القامة نحيف يرتدي
لحافا متواضعا و أدخلني معه إلى كنز المعبد الواقع في الجهة الشرقية الجنوبية .
دخلنا ممّرا ضيقا لا يحوي نوافذ و في مكان هابط جدّا وجدنا صندوقا من خشب و على
الأرض حجر العقيق و اللازورد ، و حينها قال لي القس :
"الفصين
الذي تحدّث عنهما في مقالك في صفحة 22 و 26 ليسا فصّين بل هما فص واحد. و ليسا
أجزاء خواتم و سأسرد عليك قصتهما.
في
يوم أرسل لنا الملك كورجلزو إلى معبد بعل إضافة إلى منحوتات من حجر العقيق أسطوانة
من العقيق تحمل نقشا للوفاء بنذر. فطُلب منّا فجأة بعدها أن نصنع زوج حلقة أذن من
عقيق لصنم الرّب نينيب. و لم يكن عندنا عقيق لتنفيذ الأمر فوجدنا ضالتنا في
الأسطوانة و قسمناها ثلاثة أجزاء، كل جزء منها يمثل هيئة خاتم و يحمل جزءا من نقش الأسطوانة.
فأعلم أيّها البروفيسور أنّ الفصين الذين أجهداك بحثا يمثلان جزئين من الأسطوانة
فإن جمعتهما سترى كلامي محققا و اعلم أنّ الجزء الثالث لن تجدوه أبدا.
عندما
أتم القس قصته استيقظت مرعبا و حتّى لا أنسى حلمي أيقظت زوجتي و قصصت لها الرءيا.
و ما كان مستحيلا أصبح بتجميع الفصين واضحا إذ عدم التفكير في جمعهما أملاه إختلاف
لون الفصين و ظنّنا أنّهما فصين مختلفين و عند جمعهما خرج النص المبين :
"للرّب
نينيب ابن بعل سيّده، كورجلزو خادم بعل أهدى هذا"
و
لكن البروفيسور لم يكن أمامه إلاّ الرسوم فهو لم يجمع الفصين بل شكلهما فقط و لم
يتمكن البروفيسور من التحقق الفعلي إلاّ بعد سنوات و لكنّه أخبر صديقه البروفيسور NEWBOLD بحلمه و نتيجة جمع الفصين و
عندما أُرسل إلى متحف القسطنطينية أين يوجد الفصين الحقيقين معروضان في خزانتين
مختلفتين استطاع البروفيسور جمعهما و حتّى معرفة سبب إختلاف لون الفصين إذ الفنان
الذي قسم الأسطوانة تبع في تقسيمه عرق في الأسطوانة.
سأترك
باقي الشهادات للمتفاعلين ممن يهمه الأمر و لكنّ المؤكد أن الرءيا قضية تتجاوز
رغبة الإنسان فهي ليس حلما إذ في مفهوم الحلم كما سنوضحه في الأجزاء المقبلة
الرغبة و لا يمكن نفي الرءيا لأسباب منطقية إذ هي حقيقة موضوعية تجعلنا أمام مشكلة
علمية و بحثية كبيرة. فرءيا الملك لسبع بقرات سمان تأكلهن سبع بقرات عجاف إرهاص
بحدث مستقبلي لم يكن لأحد معرفته لولا هذه الرءيا و سنعود إليه بتفصيل.
فالرءيا
بهذا ضمن الحدث الكوني كاليقظة و الفارق في الدرجة و ليس النوع وإنّه لشيء غريب
حقّا أن يحلم الإنسان أنّه يحلم و هذه إشارة أنّ يقظتنا حلم لكن بدرجة أعلى من
الوعي و حلمنا مناما يقظة لكن بدرجة وعي أخفض. و علينا في الخاتمة أن نسجل هذه
الفكرة لأهميتها الوجودية.
الرءيا
تحتاج إلى تأويل بتفكيك شفرتها و رموزها وكذلك عالم يقظتنا يحتاج إلى تأويل:
لماذا
أنا هنا و لماذا وُلدت في هذا البلد و لماذا أحمل هذا الإسم ؟
و
لماذا دخلت بلادي حربا و لماذا قابلت زوجتي قبل الزواج في المكان الفلاني ؟
و
من جعلني أختار إختصاصي العلمي و أُقابل الأستاذ الفلاني و من عرّفني بالمعراج ؟
و
من جعل سكان العُربان يكتشفون النفط في دولهم مباشرة بعد تأسيس بني صهيون لدولتهم
و كيف أتى البلشفيون و كيف سقط الدب الروسي و جدار برلين ؟
كل
هذا ينتمي إلى منظومة موّحدة و ليست عبثية تحتاج إلى تأويل فصولها و كذا الكون
نفسه من يوم أن فُطر إلى نهايته بفجر جديد يحتاج إلى تأويل و المشكلة أنّنا معشر
البشر عاجزون عن تأويله لأننّا بيادق فيه نصنع فيه الرءيا فتأويلنا للرءيا ينبغي
أن ينبع من رؤية إحاطة للوجود سيره الماضي و المستقبلي و رءيانا لم تنته بعد
لنستطيع تأويل الأحداث الجزئية المتداخلة و لا نستطيع إلاّ معرفة التأويل الكلّي
فنحن في يقظتنا في رءيا داخل الرءيا الكبيرة و كذلك سورة يوسف رءيا داخل الرءيا
توّضح لنا البنية الكونية كاملة ، أليس في بلاغها الأخير :
"لَقَدْ
كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ ، مَا كَانَ حَدِيثًا
يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ
وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍـ يُؤْمِنُونَ " يوسف :111
"تفصيل
كل شيء" لبيان أنّ الكل مرتبط لا عبث و أنّ كل جزئية تحدث في الكون لها
مكانها في الرءيا الكليّة التي نعيشها بدءا من الإنفجار الأوّل الكبير و تأويل
رءيانا يحتاج للبّ يغوص ليفهم آلية الربط على الأقل في جوهرها في إنتظار
"الذي بين يديه" . و نحن في عجزنا عن التأويل سنبقى نردد عبارة عميقة
نُسبت لنبي الرحمة محمد "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا" ليصلهم تأويل
حياتهم في تفاصيلها و الكون الذي وُجدوا فيه ليدخلوا رءيا أخرى أعمق من الأولى.
هذا
التوحيد بين الحلم و اليقظة هو سبب إيراد القرءان للفظ "رءا" سيّان
للحديث عن المنام و عن اليقظة لأنّ الإثنين ينتميان لتفس إشكالية التأويل. و لا بد
الأن من العودة لسورة يوسف لإتمام الرحلة في وحدة السورة الموضوعية.
تعليقات
إرسال تعليق