القرءان معارج في القراءة و قرءاته
كقراءة الكون تقود كل محطة فيه إلى محطة أخرى و كل محطة يرسو فيها الراسخون في
العلم في قراءة الكون يظنّها الناس منتهى البحث فإذا هي بوابة لجنّة أوسع و أفسح ،
إذ كل محطّة علم هي رحم لمحطة أخرى هي بدورها بوابة في عروج لفتح أبواب لا تنتهي.
سندخل سورة الكهف بطريقة أخرى غير
ما درج عليه الأقدمون و بلغنا من تراث يُتلى و سندخل السورة بمفتاح لم يستعمله
الناس بعد و لن نقرأها كقصة لأحداث مضت في كهف بين فتية فرّوا بإيمانهم من قومهم
بل سنقرئها على أنّها حدث لم يحدث بعد و سنقرئها كحديث عن غيب سيُفتح و نرى هل
لهذه القراءة إمكان و مساغ تتقبله هندسة السورة و بنيتها أم أنّنا سنقف أمام حواجز
تسد طريق قراءتنا هذه؟
سأسعى في هذا البحث لبيان أمر خطير
و هو أنّ اللباس التاريخي الذي يزعمه الناس في القرءان في سورة الكهف ليس إلاّ
وهما بصريا ذلك أنّنا لم نتعود بعد الحديث على المستقبل كحتمية حدوث ، فبحكم حصر
سقفنا المعرفي و إنحساره في حدود كوكبنا الأزرق لا يمكننا إلاّ رؤية الإمكان في
أحداث المستقبل و ليس الحتمية رهبة من عدم التحقيق و لكن للرّب منطق أخر منطق
العلم بصيرورة الأحداث بعلمه بما يحوي برنامج نفخ الروح فينا من كمون الكشف لحقائق
الكون الحتمي الحدوث :
"وَاتْلُ مَا أُوحِيَ
إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن
دُونِهِ مُلْتَحَدًا" الكهف:27
هذه القراءة لسورة الكهف لم تأت من
فراغ بل أملتها الرؤية المنهجية للقرءان من حيث أنّه صحيفة لا يحصرها التاريخ و لا
يحدها المحيط في تصوير القول الكوني و لا يمكن بحال أن يكون القصص القرءاني قصة لا
تحمل البعد الكوني المستقبلي ، بل إنّي أذهب أبعد من هذا بالقول و التأكيد أنّ
القرءان لا يحوي عبرة أخلاقية فحسب كما يحلو لعاشقي السرد القصصي ترديده بل يحوي
هديا كونيا دائما و أبديا .
سنبدأ مسيرتنا بمحطات في سورة
الكهف نقف في كل واحدة منها دون أن ندخل السورة في تفصيل ءاياتها فذلك عمل أتركه
للمستقبل لمحاولة الدخول في السورة و معرفة الوحدة الموضوعية فيها و سأكتفي هنا
بما سمي "قصة أصحاب الكهف" حيث جعلها الناس قصة حدثت و مرّت فصولها من
فتية "مسيحيين" ذي مكانة إجتماعية بين بني قومهم صدّقوا بوجود ذات إلهية
واحدة و رفضوا التثليث و فرّوا بعقيدتهم من ظلم قومهم و محاولة إكراه قومهم لهم
على هذه عقيدة .
و نجد في السرد القصصي لهذا الحدث
خلافات تاريخية في تحديد مكان الكهف و أسماء أصحابه و مرتبتهم الإجتماعية و غير
ذلك ممّا يجده الإنسان في كتب الأخبار و السير، و لكن سبيلنا ليس هذا و سننسى كل
هذا و كأنّه لم ينسخ في صحائف الناس ، فكلما تجرّد الإنسان من مفاهيم الأقدمين
كلّما انفتح له القرءان مباركا كأن لم يتله من قبل .لندخل السورة بقراءتنا الكونية
لهذا الحدث المستقبلي.
من أول ءاية في سورة الكهف يبدأ
رسم الحدث المستقبلي :
"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمـْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (س)" الكهف
:1
من أول ءاية نرى أنّ الطريق سائر
دون عوج و يأتي رمز السين فوق لفظ "عوجا" ليشير إلى السير الذي لا يتوقف
، سيرا من دون عوج إلى هدفه و أنّ هذا النزول سنّة إلهية قام به الرّب الصائغ
للقرءان حامدا الله الذي وضع السنن الكونية ،
فبالله أنزل الرّب الكتاب و نرى
تواضع من صاغ أمام الله في وصف ثقل هذا النزول و صعوبة معرفة آلياته بإعلان الرّب
الحمد للذي لولاه ما نزّل الكتاب في صحيفة ،
و في هذا بيان أن معرفة نزول
الكتاب و تنزيله متعلق بفهمنا للسن الكونية فليس في الأمر إعجاز بل عروج في علم
الله لنصل إلى التطابق بين الكتاب و تنزيله تطابقا كلّيا و نفهم أن لا عوج في هذا
التنزيل ،
فالناس للأسف تظّن بإعلانها أن
القرءان لا تحريف فيه و أنّه كامل كاف ليجعل الأمر صحيحا في ذاته و ما هذا إلاّ
إعلان محاماة لم يرتق إلى العلم فلا سبيل لإثبات الكمال و الإحكام إلاّ بغوصنا في
فهم سنن الكون فهما كلّيا محيطا.
" الحمد لله الذي أنزل على
عبده الكتاب" عبارة تواضع من الصائغ ليقول لنا أنّه و رغم صعوبة المهمة
فالحمد كلّه لله و ليس له بما جعل الله في الكون من سنن أمكنت من تحقيق هذا
النزول. و الكتاب في سيره من دون عوج سيصل إلى أهدافه و سيكشف عن قروءه و ستستقر
أنباءه و تستمر السورة في ءاياتها الثانية لتوضح موضوع السورة :
" قَيِّمًا لِّيُنذِرَ
بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا " الكهف :2
ففي القرءان الأيادي التي تجعله
بمنأى عن التلاعبات و إن حاول الناس "قيّما" ، هذا القيام أتى لينذر من
"بأس شديد" سيأتي و هذا ما جعلني إبتداءا أرى في السورة أبعاد الحدث
المستقبلي و ما يحمله من نُذر و كأن هذا الشطر من الآية أتى على ميراث بأكمله جعل
موضوع السورة حدثا ماضيا تم و انتهى ، ففي السورة :
ـ إنذار من بأس شديد من لدن
القرءان
ـ بشارة للمؤمنين الّذين يعملون
الصالحات بالأجر الحسن
إنّ هذا الأجر الحسن هو نتيجة لعمل
الصالحات و هو أرضية للمكث الأبد ، فالصالحات هي توّلد العمل الصالح في كل مرحلة
من مرحل تطور الإنسانية و أنّ من يواصل العمل الصالح و يوّلده و يرقيه بالضرورة
مؤمن ، إذ من رفض الدليل و البحث و رؤية الحجج لا يمكنه عمل الصالحات بل يستطيع
فقط "عمل الصالح" على أقصى تقدير،
أمّا المؤمن لغيره في الفكر و
الذات فهو من يراكم معرفته و يستمر في الصالحات في عمل جماعي عُبّر عنه بلفظ
"المؤمنين" إشارة بالياء إلي الأيادي المتعاضدة في إخراج الإيمان ، فمن
لم يفتح سمعه و بصره و فؤاده و قلبه (ذاته) للبحث العلمي فيستمع لغيره مؤمنّا إياه
و يستفيد من غيره صلواة و إرتقاءً لا يمكنه مواصلة عمل الصالح بتوليد آلياته الجديدة
التي تدل عليها التاء المفتوحة في لفظ "الصالحات" ،
و أنّ كل من يشارك في العمل الصالح
و يضع لبنة سيدخل في من يعمل الصالحات و أنّ نهاية هذا التواصل بين أبناء
الإنسانية المؤمنين هي مكث هؤلاء جميعا في أجرهم الحسن النهائي ، فهم من يحضر
الخلود و الأبد "ماكثين فيه أبدا" ، و سنعلم في غضون السورة عن ماهية
"الصالحات " و ماهية "البأس الشديد" .
لنضع الآن المحطات التي تشير لهذا
الحدث المستقبلي و تضعنا أمام القراءة الجديدة .
" فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ
نَّفْسَكَ عَلَى ءاثَارِهِمْ إِن لَّمـْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ
أَسَفًا" الكهف :6
إنّ الآية هنا تتحدث مع القارئ و
تخاطبه و القارئ هنا هو كل قارئ والآية تخاطبه من شاشتها الداخلية و تحدثه هامسة
في أذنه بعبارة "فلعلّك" لتنبهه أنّه هو كذلك قد لا يصدق ما سيقرئه من
ءايات هنا
و لتخاطبه بأسلوب الرحمة أنّ
الخطاب لك كذلك دون أن تقرّعه لكي يفتح قلبه و لا يظن أنّه غير معني بالخطاب فيدخل
السورة بنفسية عالية .
و تخبره الآية أنّ هذا الحديث
موّجه ليؤمن كل واحد صاحبه في فكره ، فما سيأتي في السورة غايته أن يصل الناس
لتأمين بعضهم بعضا فليس مراد عبارة "إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا" عدم
التصديق بالحدث إذ القرءان لا يطالبنا بتصديق ما لم نصل إليه بدليل موضوعي بل أداة
"بـ " تدل على أنّ هذا الحديث ينبغي أن يكون سبب في إيماننا.
فالباء تصور سببية الإيمان و أنّ
هذا الحديث غايته وصول الإنسان إلى تأمين غيره في فكره و ذاته، و ستخبرنا الآيات
عن ماهية هذا الحديث الذي يجعل كل واحد منّا يؤّمن الأخر.
و لا شك أن مطالبتنا بتأمين الأخر
يعني إنتظار ما يقدمه الأخر من علم و كشف و بحث ، و هذا الإنتظار الطوعي هو عين
التأمين فالآية تقول لنا :
"دعوا الناس تبحث و تكشف لتصل
إلى هذا الحديث "
و هذا ما يفيده لفظ :
"ءاثارهم" ليدل على تتبع
الخطى ،
و تورد الآية لفظ "باخع"
المعبر عن :
إختيار طريق مخالف للجماعة التي
فضلت طريق من لم يؤمن حتّى بظهور الحقائق
و لفظ "نفسك"
يشير إلى كل قارئ مهما اتسع المحيط
و الزمن فالكاف التلسكوبية "ك" في لفظ "نفسك" تفيد هذا الشمول
كما سبق بحثه في موضوع الكاف.
إنّ القارئ مضطر أن يرغم نفسه على
التقيد بالّذين ءامنوا و عمل الصالحات و إن غامره أسف فرقة قومه النفسية و
الفكرية.
هذه الآية تحديدا تشير أنّ الحدث
ليس حدثا ماضي يمكن التحقق منه بل حدث مستقبلي ترسمه ألفظ "ءاثارهم " و
"نفسك" و "أسفا" و ننتقل الآن إلى محطّة ثانية و لنقرأ البلاغ
:
" سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ
رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمـْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا
بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ
بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا
مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا " الكهف :22
إنّ الكلب هو الحارس بتعبيرنا و
هذا هو مفهومه في القرءان و هو في هذه الآية أشبه بكمبيوتر مركزي يحرس هؤلاء
الساكنين في الكهف و هو المسؤول على حياتهم و توفير الضروري لهم حركاتهم و تدخلنا
الآية بهندستها في جوّ قرءاني خاص لم يتفطن له الأسلاف للأسف الشديد و لنلاحظ
إختلاف الهندسة في العبارات الثلاث :
|" ثلـ ا ـثة رّابعهمـ كلبهمـ
"
"خمسة و سادسهم كلبهم"
"سبعة و ثامنهم
كــــــــــــــلبهم"
نرى في الميم المقصوصة في لفظ
"رابعهمـ " و لفظ "كلبهمـ" في المقطع الأول دليل على حدث بدأ
من نقطة ليتواصل و كأنّ قص الميم هو قص لشريط سينمائي تُرك للقارئ مواصلة تخيل
بقيته و نرى في هذا القص الميمي إشارة إلى حد أدنى لعدد الساكنين و كأنّ الآية
تخبرنا أن العدد ثلاثة هو الحد الأدنى لساكني هذا الكهف و هذا الحد يقبل الزيادة و
الإضافة و لكنّه ليس العدد المطلوب بل المطلوب غيره من " خمسة سادسهم كلبهم
"
و عبارة "سبعة و ثامنهم
كلبهم" و كلها بالميم الكاملة إشارة لإمكان الرحلة بخمسة ساكنين و بسبعة
ساكنين و نرى أنّ عبارة
"رجما بالغيب"
محاولة لإظهار حدوث الخلاف بين
متنازعين عن العدد الواجب إعتماده ، فالغيب ما استحال إبصاره ماضيا أو مستقبلا و الرجم
مفهوم متعلق بطول المكوث في مكان ،
فحديث الناس عن العدد الواجب
إعتماده في الرحلة أمرا متعلقا بالغيب الأتي بعد هذه الرحلة و إمكاناتها ووسائلها
و غايتها و تنبه الآية أنّ العدد الأولى إتخاذه هو عدد زوجي إذ نرى في غياب
الثنائيات الزوجية في الآية
"أربعة خامسهم كلبهم ../
ثمانية تاسعهم كلبهم "
دليل على تحبيذ هذه الأعداد
الزوجية بل و تذهب الآية بعيدا جدّا فهي تقول أنّ عدّتهم الأكثر ملائمة يضبطها لفظ
في القرءان هو لفظ
"قليلٌُ" !!!!
عبارة "ما يعلمهم إلاّ
قليل"
ليست في معرفة الناس لعدد ساكني
الكهف بل الآية تقول أن لفظ "قليلٌ" بضمته المضاعفة "وو" هو
من يعلم عدّتهم ، فهذا اللفظ تحديدا و بهذا الرسم هو من يضع علامات عدّة ساكني
الكهف ،
و نحن إن أخذنا حدث أهل الكهف على
أنّه حدث تاريخي فمعرفة عدد من كانوا في الكهف معروف لمن حضر الواقعة إلاّ إذا
اعتبرنا أنّ القليل العارف هو قليل بالنظر إلى الإنسانية كلّها و هذا بعيد كما
سيتضح فيما بعد .
فالعلم في القرءان هو وضع العلامات
على أمر و من يضع العلامة على العدد الأمثل للرحلة هو لفظ "قليلٌ"
بضمتين متفرقتين "وو" عل حرف اللام في لفظ "قليلُ" و لو بحثنا
على هذا اللفظ برسمه في القرءان لرأينا وروده 10 مرّات في القرءان بهذا الرسم :
أل عمران :197 ـ النساء : 66 ؛ 77
ـ الأنفال :26 ـ هود :40 ـ النحل :117 ـ الكهف :22 ـ سبأ :13 ـ ص :24 ـ الواقعة
:14
و لو تتبع القارئ لفظ
"قليل" فسيجده بالضم المضاعف في سورة التوبة :38 لكن إحدى الضمتين معقوفة
للوراء و سيجد لفظ "قليل" بالكسر المضاعف في سورتي المؤمنون:49 و سبأ
:16.
و نرى أنّ عبارة "لا تستفت
منهم أحدا"
دليل على أنّ الحدث مستقبلي إذ
الفتوى في القرءان متعلقة بالحل الأمثل في قضية optimization و هذا وحده يكفي كدليل أنّ الحدث المقصود
مستقبلي و أنّ العدد الأمثل لساكني الكهف عشرة و هو عدد زوجي مكوّن في رأيي من
خمسة ذكور و خمس إناث.
إنّ هذه الجولة القرءانية أكثر من
مفيدة و هذه الإشارة القرءانية المبطنة تجعل الملقي بنفسه في صحيفة القرءان يرى
إشكالات قراءتها و شبكة العلاقات داخل القرءان و سيكتشف بنفسه أهمية رسمه و دليل
ألفاظه و يخط لنفسه منهجا في طريقة القراءة .
إلى هنا لم نكشف بعد ما هي ماهية
الحدث و ما هي هذه الرحلة و نحن نسوق الخطى بحذر شديد لنجعل القارئ يتابعنا في سير
قراءتنا للسورة و عمدا نحاول إرجاء إخراج السر المخبوء من البداية و سنواصل هذا الطريق
قليلا قبل توضيح المقصد .
إنّ الآيات تواصل في محطّاتها
لتتحدث عن من وجد أصحاب الكهف و استقبلهم و لنقرأ :
" وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا
عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا
رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا
عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى
أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا " الكهف :21
هي إذن رحلة قادت أصحاب الكهف إلى
المدينة أو قادت أهل المدينة إلى أصحاب الكهف و هو أمر غريب أن ينهض أصحاب الكهف
من سباتهم كما تقول الروايات و يشكون في زمن نومهم هل هو يوم أو بعض يوم ثم ينزل
أحدهم إلى نفس القوم الذين فرّ منهم !!!!!!!
مثل هذا التفسير يتهم مباشرة النبي
الكريم بصياغة القرءان دون أن ينتبه إلى ما يخطه و يمليه و لكن الأمر يتضح إذا نحن
دققنا النظر في ألفاظ القرءان و هندسته فيما سبق الآية 21 من سورة الكهف :
" وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ
لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا
لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ
فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ
أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا
يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ
يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا
(20) " الكهف
إنّ ساكني الكهف ظنّوا حقيقة أنّهم
لم يغادروا قومهم و أنّهم عادوا لنفس الوجهة و هم يحاولون التستر و التخفي و بدل
أن يواصلوا الرحلة هاهم مجبرين على العودة إلى قومهم !!!!
لا شك أنّ هذا الفرار غريب إن نحن
سايرنا الأسلاف في فهمهم إذ كيف يفر فتية من قومهم إلى كهف ثم ها هم يعودون إليه
بدل مواصلة رحلتهم إلى غير رجعة لمكان أخر بعيد عن الإكراه و هذا ما يؤكد أنّ
القضية ليست في هروب من قوم إلى مغارة تبعد بعض الكيلومترات عن القوم في جبل أو
مغارة بل القضية أعمق ، فأصحاب الكهف بلغوا مدينة و مفهوم المدينة في القرءان
متعلق بدولة تسير وفق نظام ميثاقي سياسي دستوري ليس فيه إكراه و لا طاغوت و لا
فرعنة و هي بالضرورة مكان إقامة المؤمنين و نرى في القرءان تفريقا بين القوم و
القرية و المدينة و أدنى سكان العالمين قريش و يثرب كأوصاف لأماكن يعم فيها القهر
و الفقر و الإكراه و النزاع .
و قد يتصور القارئ منطق قراءة
الأسلاف و يجاريهم في إعتبار القوم الذين فرّ منهم الفتية كانوا في حالة قرشية و
تحوّلوا بمرور الزمن إلى مدينة و مع منطقية هذه الفكرة إلاّ أنّ السؤال عن رغبتهم
في النزول إلى نفس قومهم يبقى دون جواب و لنا أن ننبه هنا أنّ قول القرءان رسم
لسير الأحداث بالحق فليس سكان الكهف هم من قالوا "نحن في مدينة" بل
القرءان هو من يصف التجمع الجديد بالمدينة.
إنّ أهل المدينة الذين التقوا سكان
الكهف لم يمكنهم التواصل معهم فهم يتحدثون كلاما مختلفا و ربّما مختلفين حتّى في
الهيئة البيولوجية و أهل المدينة بحكم ميثاقهم و حملهم لعنوان البحث العلمي طالب
المتغلبين فيهم على أمر الدولة و صانعي القرار فيها أن يكون أصحاب الكهف تحت
الدراسة فعبارة "لنتخذن عليهم مسجدا" تفيد أنّ العينة الإنسانية التي
وصلت في الكهف وضعت قيد برامج الدراسة لكي يتم تنفيذ قرار مستقبلي مهم و هو إمكان
رحلة عكسية إلى قوم أصحاب الكهف .
فالإعثار غايته هو ليعلم كلا
الفريقين من كان من أصحاب الكهف و من أهل المدينة ممن استقبلهم أنّ "وعد الله
حق" ووعد الله أنّ السنن الكونية و بنيتنا بنفخ الروح فينا ستجعلنا نلاقي
الكائنات الأخرى و سيلاقوننا و ليعلم الجميع أنّ الله واحد و سننه جارية على كل
أحد ،
و بعد كل هذا ، لا شك أنّ القارئ
فهم الآن أنّ الكهف ليس مبنى حجري بل هو مكوك و طائر سديري ممّا نراه في ما يسمّى
"أفلام الخيال" و ليست هي خيالا بل لا يرد شيئا في مخيلّتنا إلاّ و هو
ممكن التحقيق .
سيتحقق ما هو أبعد منها فخروجنا من
كوكبنا الأزرق مبثوث في بنيتنا البيولوجية منذ أن بدأ ءادم السير و خروج الكائنات
العالمة الأخرى من كواكبها أمر مبثوث كذلك في بنيتها.
و تواصل السورة في محطّاتها لتقول
:
" وَلَا تَقُولَنَّ لِشاَيْءٍ
إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ
إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا
(24)" الكهف
فذكر هذا التفصيل ضروري كي ينتبه
الناس أن دون معرفة السنن و تجسيدها علما و تقنية ليس هناك تحقيق لوعد الله
بالخروج فعبارة "إلاّ أن يشاء الله" تدل على تجسيد السنن واقعا و نرى في
رسم لفظ "شاىء"
في هذه الآية ظاهرة غريبة فهذا
الرسم للفظ
"شيء"
لم يرد في القرءان بهذا الرسم إلاّ
في سورة الكهف من بين 279 مرّة ورد فيها لفظ "شيء" 202 مرّة و لفظ
"شيئا" 77 مرّة .
مثل هذه الأحادية الرسمية لهذا
اللفظ تجعلنا ننتبه إلى صعوبة تجسيد أمر الكهف و أنّه أخر مستوى لتجسيد سنن الله
في الكون لنا ، فتشييء الأمر في القرءان هو تجسيده و مثل تجسيد هذه الرحلة
المكوكية تخضع لسنن كونية عظيمة جدّا و جاء الثور "ا" ليضع سدّا منيعا
أمام سير الشيء و بثه في الكون الدال عليه حرف الشين و لكن الأمر سيتحقق رغم
صعوبته بالسكون الواضح فوق الثور "ا". و ينبهنا القرءان إلى إستمرار
طلبنا لربا معرفتنا و نماءها لنصل إلى تحقيق هذه الرحلة و نكن السبّاقين ليصل
كهفنا إلى هدفه :
"واذكر ربّك إذا نسيت و قل
عسى أن يهدين ربّى لأقرب من هذا رشدا" الكهف :24
إنّ القرءان يهدينا للمسافة بيننا
و بين أول مجرّة تحوي الحياة و تستدعي هذه الآية بحثا خاصا في دليلها لمعرفة الأمر
من قرب و هي تحمل في طيّاتها معادلات هذه المسافة :
" وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ
ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا " الكهف :24
فلفظ "تسعا" لا يعني تسع
سنوات و ربّما يعني عدد من توالد في الكهف طوال هذه المدّة أو أمر أخر تحويه نظرية
الكم النسبية في رحلة داخل الأنفاق الجاذبية نتركه لمن سيغوص أعمق في ربط هذه
الآية بمقادير النظرية النسبية العامة و علينا فقط أنّ نشير أنّ هذه المدّة تعبر
عن الرحلة العكسية من أهل المدينة لقوم أصحاب الكهف و لكي يتضح أنّ الكهف المقصود
مكوك سديري أتى البلاغ القرءاني ليلقي بظلّه كاملا على الحدث ويؤكده :
" قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ
بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ
مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا
"الكهف :25
و يستغرب القارئ كيف يحدد القرءان
مدّة اللبث في الكهف "ثلاث مائة سنين و ازدادوا تسعا" ثم يعقب بعبارة
"قل الله أعلم بما لبثوا" و كأنّ الأمر مزاح !!!!
إنّ الأمر أبعد و أعمق فالآية تشير
أنّ اللبث ليس زمنا مطلقا قدره" 300 + 9 " بل يخضع لسنّة خاصة بدأنا
برؤيتها في إطار النسبية العامة التي طرحها ألبرت أينشتاين في بداية القرن
العشرين.
و تأتي عبارة "أبصر به و أسمع
" لتبين أنّ بصر هذه الحقيقة في الإنتقال عبر السدير في مسافات تقدر بملايين
السنين الضوئية سوف يبصره الناس ليسمعوا بعده الحق القرءاني فيخضعون إذعانا لصدق
الرسالة كي يؤمنوا بتأمين غيرهم و ليعرفوا مقدار الجهل الذي مرّ على القرون الأولى
التي لم تفعل نفخ الروح فيها و لنعود إلى الأية
" فلعلّك باخع نفسك على
ءاثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا"
و ليعلم العالمين أنّ الغيب سيبصر
ليشهدوا أحادية الله و الرسالة
"ما لهم من دونه من ولي
"
و لينتبه الناس أن سنن الله تعبر
عن أحاديته التي لا تقبل المشاركة
"و لا يشرك في حكمه
أحدا" .
و لتزداد قناعتنا بهذه القرءاة
تأتي الآية التالية لتنبهنا أنّ تلاوة القرءان شمولا بحكم رسم لكاف المنحنية
الدالة على الإتساع و الشمول في لفظ "كتاب" و أنّه هو الهادي لأمر
الخلافة و الخروج السديري لو درى الناس .
و تترى ءايات سورة الكهف هادية لنا
و ناصحة بالبقاء مع من يبحث "يدعون ربّهم" و البقاء معهم و عدم الإخلاد
لشهوات الحيواة المنسية للوظيفة و أن نكون ضمن الزمرة التي تحضر ليوم الخروج :
" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا"
الكهف :30
و لا بد أن تعود الآن لبداية سورة
الكهف لنقرأها من جديد و لنر إنتفاء وجود قصة تاريخية قبل نزول القرءان سمّاها
الناس
"قصة أصحاب الكهف"
بل إن الكهف و أصحابه قضية
مستقبلية لم تحدث بعد و سينتظرها الناس طويلا و السعيد من شارك في وضع لبنة لتكوين
هذا الكهف لإحداث اللقاء مع الكائنات العالمة المبثوثة في الكون و السعيد من كان
مع حضرّ لخروج هذه الثلّة القوّية في عنادها لمواصلة السير إذ لفظ
"فتية" يصور القوة و العزيمة و الوحدة بين هؤلاء بدليل التاء المربوطة
فيه .
إنّنا و نحن نقرأ السورة من
البداية نجد العبارات التي تؤكد قراءتنا هذه :
"أصحاب الكهف و الرّقيمـ
" الكهف :9
إنّ هذا الكهف فيه رقيم فهو إذن
يسير نفسه بنفسه بالكلب الموضوع فيه فالجذر العربي (ر ق م ) يعبر في القرءان على
وجود الحفظ الداخلي في شيء فالقرءان كتاب مرقوم يضبط نفسه بنفسه في آلية حفظه
الداخلية.
إنّ من سيقوم بهذه المهمة أقلية و
من سيباشرها أقلية و من يتطوع لها أقل من الأقلية :
" هَؤُلَاء قَوْمُنَا
اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا " الكهف :15
هؤلاء القوم الذي يقوم به الإنسان
ويقومون به في مجتمع عالمي رافض لمشروع الرحلة و مستهزئ بها و بمن يناضل من أجلها
و لكن الفتية مصرّون رغم كل الحملات على إنجاح المشروع و رغم شكوكهم الداخلية و
شكوك المحيط فهم مصرون عليها بما توصلوا إليه من هدى في حل إشكالاتها التقنية، كل
هذا يرسمه لفظ "ربطنا " الدال على كل هاته الصراعات و هاته الملابسات :
" نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ
نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى
(13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا
إِذًا شَطَطًا (14)" الكهف
فتية ءامنوا و ساروا في طريق البحث
بسبب ما عرفوا و اتسعت معرفتهم و ربت و هذا ما تدل عليه عبارة "ءامنوا
برّبهم" و قد توّصلوا إلى حل الإشكالات التقنية و العلمية المتعلقة بالرحلة
الكهفية
"وزدناهم هدى"
و هم مع ذلك رابطي الجأش لمواجهة
إستهزاء القوم و سخريتهم لعلمهم بجهل قومهم الكبير في الموضوع و إخلادهم إلى
الأرض،
و نرى اليوم نقص في تموين البحث
العلمي و تركيز الناس على التقنية العسكرية و الإستهلاك و نرى أنّ أغلب الناس
معرضون عن البحث العلمي و يمر على أحدهم أعوام لم يقرأ مجلة علمية و همه شراء
مجلاّت النجوم المنطفئة حين الصعود و العيبية عند النزول و نرى التجاهل و الإعراض
عن معرفة السنن الكونية و نرى أن الهوّة ستتسع مستقبلا إتساعا عظيما بين
"الفتية" و
"القوم"
و بدل دراسة السنن المعبر عنه بلفظ
"الله "
سينحى القوم إلى إتخاد آلهة أخرى
تنسيهم في وظيفتهم
"هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه
ءالهة ، لولا يأتون عليهمـ بسلطان بين " .
إنّ الجهل مشكلة و حتى نرى عمقه
المستقبلي و إتساع الهوّة في المستقبل بين الراسخين في العلم و "العوام"
يكفي أن نرى صعوبة الدراسات
العلمية على كثير من البشر اليوم حتّى كأنّها السحر ذاته.
و أصعب من الجهل الكذب "فمن
أظلم ممن افترى على الله كذبا".
و سأختم هذه الجولة في عرض محيط
الرحلة في البلاغ القرءاني :
" وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا
طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت
تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ
اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ
وَلِيًّا مُّرْشِدًا (17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ
وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ
ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ
فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)"
إن عبارة "لو اطلعت عليهم
"
ليست حشو عبارات بل هي تأكيد أنّ
الحدث مستقبلي و أنّ الجرم الذي سيضيء الرحلة و يعطيها الكهف طاقته سيستمر في
هداية الكهف إلى هدفه إذ الفتية حضرّوا لكل هاته التفاصيل "من يهد الله فهو
المهتد " حتى و هو في رقودهم العميق .
و إلى هنا نفسح المجال للقارئ كي
يدخل السورة بنفس جديد و يحاول نسيان وجود شيء إسمه "قصة أصحاب الكهف" و
ليركز في حقيقة الحدث المستقبلي ليرى كيف ستنفجر الحقائق .
و للحديث بقية عن الوحدة الموضوعية
في سورة الكهف
تعليقات
إرسال تعليق