كثيرا
ما تعجم المعاجم و تخنس القواميس عن تحديد لفظ قرءاني و تلتزم المعنى الحسّي الأول
للفظ و تجعل من مشتركاته اللفظية الأخرى مجازا أو غيره من المسميّات الهادفة إلى
طيّ البحث في دلالة اللفظ و تكليسه في وعاء المعنى التاريخي.
سأحاول
في هذا المقال التعرض للفظ "قطع" في القرءان لتعلّقه بقول الزاعمين
إتباع النبي الكريم محمد ببتر حاسة الإنسان المسمّاة يدا الذي اختلس مالا و أبعد
من مجرد تصحيح دليل هذا اللفظ فهدفنا الدخول في جنّة هذا اللفظ لمعرفة بعض جوانب
البنية اللفظية في القرءان.
قبل
الدخول في الموضوع أشير عابرا أنّ تطبيق حد بتر حاسة الإنسان لسرقة ينفر من تطبيقه
حتّى المتوحش و الهمجي و لا نجد هذا التطبيق إلاّ في دول سيطر عليها الكهنوت سيطرة
تامة. هذا الإمتناع من تطبيق هذا الحد ليس نفورا من "شرع الله" بل هو
إستجابة لنداء الروح في الإنسان الداعي إلى إستحالة موازنة الإنسان الخليفة بشيء
مسروق من المتاع المخلوف.
لنبدأ
من البداية، و بدايتنا ترتيل ءايات القرءان التي ورد فيها اللفظ و محاولة الغوص
لرسم المفهوم و إن كان البحث يبدأ سيره بإفتراض المفهوم قلما ليسير بعدها في رؤية
تطابق الفرضية بالبلاغ المبين.
أول
الخطى، كتابة مشتقات اللفظ "قطع" في القرءان و هي :
قِطع
قاطعة
مقطوع
مقطوعة
و
يرى قارئ ءاية النمل:32 إشكال فيما قاله الأسلاف في فعل القطع :
"قالت
يأيها الملأ أفتونى فى أمرى ما كـــــــــــنتُ قاطعة أمرا حتّى تشهدون"
النمل:32
فالملكة
هنا في ممارستها للسلطة تستشير الملأ و تقرر بشهادة الملأ جميعا و لا تبرم الأمور
سرّا و خلسة. و كأنّ القطع هنا معنى متعلق بالحسم بعد تدافع الأراء و الطروحات و
هذا الحسم يضع حدّا لهذا لتعدد الرؤى و تصبح في خبر كان و إن كان طرحها إبتداءا
سمح ببلورة الرأي الأخير. و يتأزم الأمر أكثر على الأسلاف في ءاية الواقعة :
"و
فاكهة كثيرة (32) لا مقطوعة و لا ممنوعة (33("
الواقعة
و
القطع هنا هو تعبير عن الندرة كما أنّ المنع تعبير عن جهة مانعة للإستمتاع بهذا
الرزق. فالقطع هنا تعبير عن سنّة موضوعية في قلّة الإستمتاع بالشيء لندرته فلا
يقرب منه إلاّ من قدّم مقابلا عاليا للحصول عليه.
و
لا نجد في هذا المعنى تقارب من المعنى الأول في ءاية النمل إلاّ أن يكون القطع
متعلق بندرة الإتصال و نفهم إذن أنّ الملكة لا تبث في الأمور إلاّ نادرا و بشهادة
الجميع و تترك غالبية القرارات للملأ.
و
نسأل بعد هذا الدخول الحذر في محاولة رسم المفهوم، هل هذا المفهوم تؤكده البلاغات
القرءانية الأخرى المبثوتة في القرءان، و هل يضفي هذا المفهوم الجديد بعدا إضافيا
لفهم بلاغات القرءان التي استعصت عن الرؤية لتغلب نظريات المجاز في قراءته، لنقرأ
:
"أئنكم
لتأتون الرّجال و تقطعون السّبيل و تأتون فى ناديكم المنكر، فما كان جواب قومه
إلاّ أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كـــــــــــنت من الصّادقين"
العنكبوت:29
إنّ
المفهوم السابق لفعل القطع يصور قطع السبيل تصوير جماعة لا تترك للناس حرية العبور
من هذا السبيل أو ذاك إلاّ لمن ندر و إلاّ ما ندر، و أمّا فهم القطع على أنّه مجاز
عن البتر فأمر وضّحنا سبب رفضه في بحوث المنهج إذ المجاز ذوقي لا يمكنه ضبط الحق.
إنّ
مفهوم ندرة الإتصال المتعلق بالقطع ازداد قوّة في المثال السابق و سنرى تركيزه
المتتالي في البلاغات القرءانية المقبلة و لنقرأ :
"هذان
خصمان اختصموا في ربّهم، فالّذين كــــــــــــفروا قطّعت لهم ثياب من نّار يصبّ
من فوق رءوسهم الحميم"
الحج:19
فأهل
النار ثيابهم رثّة تكاد لا تُرى و تكاد أجسامهم أن تكون عارية و هذه الثياب مع
ندرتها على الجسم أو ندرة حملها ليست واقية بل هي تحمل الحرارة إلى الجسم لتزيده
إرهاقا، هذا إن طبقنا على فعل القطع المفهوم المتعلق بالندرة. و نرى أنّ هذا
المعنى تؤكده ءايات أخرى في القرءان.
و
جاء فعل "قُطعت" دون تحديد فاعله لبيان تشابك طرق وصول هذه الثياب إلى
حاملها و كأنّ المعركة على الثياب بين أهل النار مستعرّة لغباءهم الشديد و إنطفاء
نفخ الروح فيه حيث أعجزهم حتىّ عن صناعة ثياب يحميهم الحر و البرد. و لا ريب أنّ
قراءة ثانية لهذه الأيات تجعل من الثياب المقطعة هي شظايا النار ذاتها و أنّ
الأدمغة تنصهر بحميم النار و لكن الأية لا تقول "يصب على أفئدتهم الحميم"
بل تقول "من فوق رءوسهم" و هي بهذا تشير إلى حالة غياب المسكن الواقي
كما صوّرة من قبل ندرة الثياب على الجسم، فالأية هنا تشير إلى مجتمع النار المتخلف
جدّا و تدعم هذه القراءة بلاغات قرءانية كثيرة سنطرحها في موضوع مستقل إن شاء الله
عند الحديث عن "الجنّة و النار".
و
المفهوم يزداد تأكدا بقراءة هذه البلاغات :
"مثل
الجنّة الّتى وُعد المتّقون، فيهآ أنهار من مآء غير ءاسن و أنهار من لّبن لمـ
يتغير طعمه و أنهار من خمر لّذة للشاربين و أنهار من عسل مصفّى، و لهم فيها من كل
الثمرات و مغفرة من ربّهم، كمن هو خالد في النّار و سقوا مآء حميما فقطّع
أمعآءهمـ"
محمد:15
الشدّة
على العين في فعل "قطّع" تشير إلى تثبيت هذا القطع و كأنّ الشدة كماشة
تجثم على حرف العين و تركزه و تثبته واللفظ "قطع" بهذا المعنى لا يمكن
أن يعني البتر إذ البتر مرّة واحدة و تثبيت البتر معناه إمتناع ربط الأمعاء ثانية
و هذا معناه الموت المؤكد و لكن حمل القطع على مفهوم ندرة الإتصال يجعلنا نرى تعلق
لفظ "الأمعاء" بمعنى غير ما هو معروف في لغتنا الأعجمية، و هذا المعنى
متعلق بتشرب الجسم بالماء لندرة طلب أصحاب النار للماء.
و
حتّى نختم الحديث في مفهوم القطع المتعلق بندرة الإتصال بأمر نقرأ هذا البلاغات
القرءانية:
"فلمّأ
عتوا عن مّا نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين (166) و إذ تأذنّ ربك ليبعثنّ
عليهم إلى يومـ القيامة من يسومهم سوء العذاب، إنّ ربّك لسريع الحساب (167) و
قطّعناهم فى الأرض أمما، منهمـ الصّالحون و منهم دون ذلك، و بلوناهم بالحسنات و
السّيّئات لعلّهم يرجعون (168)"
الأعراف
تحول
هؤلاء إلى قردة لا تستطيع دفع الذل و الهوان عن نفسها ، جعلهم مبعثرين في الأرض
يندر أن يتصل بعضهم ببعض حتّآ لا يكاد المرء يربط بين جنس هؤلاء المتباعدين لندرة
إتصالهم في شتاتهم و في ضياعهم في أصقاع الأرض.
"قالوا
يا لوط إنّا رسل ربّك لن يصلوا إليك، فأسر بأهلك بقطع من الليل و لا يلتفت
منكــــــــــــــم أحد إلاّ امرأتك، إنّه مصيبها مآ أصابهم، إنّ موعدهم الصبح؛
أليس الصبح بقريب"
هود:81
إنّ
هود وو كل هود مأمور في أوقات التفسخ التام للمبدأ الأخلاقي أن يسير و يسري بأهله
ممن يهل عليه بقطع أي يقلل الإتصال و يجعله نادرا و لا يحاول أن يجمع حوله الأتباع
بل كل عليه أن يطالب بأن يكون هؤلاء الخلص قطعا في العدد و قطعا في الإتصال حتّى
لا يصلهم الأذى و الدخول في سيرة هود القرءانية تكشف أنّ قومه أصبحوا ينتقمون من
عدّوهم القديم بأعتى الوسائل و ابتعدوا عن العدل في رد العدوان فأدّى بهم الإنتقام
المفرط إلى تفسخهم و تحوّل الإعتداء إلى عادة إجتماعية فيهم.
و
ليوضح القرءان حال لوط من حيث القوّة أمام من انحدر من قومه و هم الأغلبية أتت
الأية 80 من نفس السورة لتوضح حال الضعف الشديد :
"قال
لو أنّى لى بكم قوّة أو ءاوى إلى ركن شديد"
بعد
هذه التوطئة نقول أنّ القطع مفهوم متعلق بندرة الإتصال بأمر. و نقف هنا لنعود إلى
بلاغات قرءانية أسيئت قراءتهما كثيرا.
"قال
فرعون ءأمنتم به قبل أن ءاذن لكمـ ، إنّ هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها
أهلها ، فسوف تعلمون (123) لأقطعنّ أيديكم و أرجلكم من خلاف ثمّ لأصلبنّكم أجمعين
(124)"
الأعراف
فرعون
لم يفهم أنّ تأمين الأخر لا ينبع من مرسوم إداري بل هو قناعة ذاتية و فرعون ولي
النفوس يتساءل قولا كيف لهؤلاء أن يتوقفوا عن معاداة و إكراه موسى و كيف بموسى
أصبح سببا في وصولهم لهذه القناعة "ءأمنتم به" دون إذن من فرعون. و هو
يتهمهم بالمساس بأمن الدولة و هو إتهام معروف متداول و سيظل متدوالا أمام كل ولي
للنفوس و متسلط على القلوب و لذلك ففرعون يعلن عقوباته :
ـ
منع تواصل هؤلاء المؤمنين الجدد مع بعضهم و عون بعضهم بعضا إلاّ ما ندر مما يسمح
به فرعون وهذا مفهوم "لأقطعن أيديكم"
ـ
منع الحركة و التجمع إلاّ ما ندر مما يسمح به ولي النفوس "لأقطعن
أرجلكم"
إنّ
عبارة "من خلاف" تدل على وقوف فرعون من خلف و منعهم منعا نهائيا للعودة
إلى المجتمع و الدخول فيه، فهي صورة لمن يطردك من خلفك بقوته و لا تملك إلاّ
الرحيل و لا يسمح لك بالعودة و الرجوع. و قد فهم الأسلاف من هذه الأيات بتر حواس
الإنسان من يد و رجل من خلاف أي بتر اليد اليمنى مع الرجل اليسرى حتّى لا يمكن
للمرء أن تقف مستويا ما دام حيّا و هي صورة بشعة جدّا في تطرف القراءة مرّدها إلى
تغلب الفهم الحسّي للأيات من جهة و عدم معرفة بقصص فرعون التاريخي في القرءان و
أخطر من هذا، فإنّ سبب هذه القراءة تفشّي مثل هاته العقوبات في زمن العباسيين و هو
الفترة الذهبية للتفاسير الكهنوتية.
ـ
منع نهائي للحركة خارج حدود جغرافية معينّة "ثمّ لأصلبنكم أجمعين" و هذا
ما يدل عليه فعل الصلب الذي سنتطرق إليه موسعا عند الحديث عن النبي الكريم المسيح
عيسى بن مريم. و تدل أداة "ثم" على مرحلية التحضير من قطع الأيدي و
الأرجل إلى الصلب و يدل لفظ "أجمعين" على حصر هؤلاء المؤمنين دون أن
يفلت منهم عضو في هذه الحدود و تأتي ءاية طه لتصور أنّ الحدود الجغرافية التي
أقامها فرعون لم يدفع فيه فلسا بل هي حدود جغرافية أشبه بالغابة بتعبيرنا :
"قال
ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم، إنّه لكبيركم الذي علّمكم السحر، فلأقطعنّ أيديكم و
أرجلكمـ من خلاف و لأصلّبنكم فى جذوع النّخل و لتعلمنّ أيّنا أشد عذابا و
أبقى"
طه:71
فالأية
لم تقل "على جذوع النخل" حتّى لا يلتبس الفهم بل قالت "فى جذوع
النخل" لتوضح أنّهم داخل هذه الجذوع. و نجد عبارة تقطيع الأيدي و الأرجل في
سورة المائدة :
"إنّما
جزآؤا الّذين يحاربون الله و رسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتّلوا أو يصلّبوا
أو تقطع أيديهمـ و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض؛ ذلك لهمـ خزى في الدنيا، و
لهمـ فى الأخرة عذاب عظيمـ"
المائدة:33
و
نرى أنّ القرءان بدأ بالأكثر قساوة إلى الأقل :
ـ
قتل
ـ
صلب : منع تام للحركة
ـ
تقطع أيديهم : منع مد اليد بينهم عونا و دعما و مع غيرهم إلاّ في النادر
ـ
منع الحركة و السعي إلاّ في النادر
ـ
النفي من الوطن
فهذا
حال يحارب الله و رسوله، و حرب الله و رسوله ليس رفعا للسلاح أمام فاطر السماوات و
الأرض بل هو في من يتعدّى السنن الموضوعية الأخلاقية في الإمتناع عن التعدّي على
الأخر و قتله و هذا ما ذكرته الأيات التي قبل الأية 33 و ووضحته أو هو فيمن يسعى
للإفساد في الأرض بالتخريب و هدم العمران، و اذكر هنا أنّ عبارة "الله و
رسوله" مفرد و ليست مثنّى.
و
أجدني بعد هذا مضطرا لترك بلاغ القرءان في السارق و السارقة لتفاعل الإخوة من خلال
ما قرءوه هنا في هذا الموضوع :
"و
السّارق و السّارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من الله، و الله عزيز
حكيمـ (38) فمن تاب من بعد ظلمه و أصلح فإنّ الله يتوب عليه، إنّ الله غفور رحيم
(39) ألم تعلم أنّ الله له الملك السّموات و الأرض يعذب من يشآء و يغفر لمن يشآء،
و الله على كــــــل شيئ قدير (40)"
المائدة
لنبدأ
بآية الحشر :
"مَا
قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا
فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ"
عندما
يتم تصفية فريق في الحرب على الميدان لا تكون التصفية لكل الوطن أو القبيلة بل
الحاصل إضعاف العدّو وجعل قوتّه نادرة الظهور بل و كأنّه غير موجود بتصفية ذراعه
المسلحة. و مع هذا فالأية لا تتحدث عن هذا و كما سبق بيانه في مواضيع سابقة
فاللينة تتعلق بمن هم من سكان المنطقة الأصليين نظرا للونهم أي ملامحهم و أشكالهم
إذ اللون في القرءان يعني الملامح و الخصوصيات.
فقطع
اللينة ليس تصفية الطرف جسديا بل هو إبقاء العدد النادر في المكان و ترحيل الأخرين
و تواصل الأية :
"أو
تركتموها في مكانها"
إمكان
للعفو رغم الجراح العميقة الناتجة عن الخيانة.
أمّا
البلاغ القرءاني :
"مَن
كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ
فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ
يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ "
كيف
يذهب كيدك ما تغيظ ؟
يتم
هذا بتصفية خصمك و عدّوك. بأن تتصل بمن تظنّه سيد و محرك هذا العدّو "فليمدد
بسبب إلى السماء" و كلّما وجدت سيدا انتقلت إلى من هو أعلى منه إذ مفهوم
السماء متعلق بكل من له تكوين طبقي . و بعد هذا الإتصال و بعد تمحيص الكلام و
الدراسة و التحليل الذي عبرت عنه أداة "ثم" يمكن لك أن تقطع الإتصال
بالسماء و لا تتصل إلاّ نادرا لترى هل ما قدّم من كلام يمكنه سحق الرسالة أم العكس
هو الصحيح و هوإنقلاب السحر على الساحر.
كلّما
ما وجدت طريقا يمكنك به التشكيك بالنصر في الدنيا و الأخرة للرسالة جاءك الجواب
العكسي و تذهب للبحث عن آلية جديدة أكبر للتشكيك فإذا بك تجد العكس و هكذا حتى
يتحول غيظك إلى قناعة.
هذا
الأمر ليس متعلقا بفرد بل بمسيرة الإنسانية كلهّا "من كان يظن".
صحيح
أنّ القطع يمكن فهمه هنا بالفصل و ترك الإتصال نهائيا و لكن يمكن فهمه كذلك على
أنّه ترك للإتصال نهائيا إلاّ لحلجة ملحّة و هنا ياتي مفهوم الندرة.
ما
مفهوم السرقة في البلاغ المبين ؟
ما
معنى لفظ : أيديهما، في القرآن ؟
اليد
هي ما يخرج الشيء إلى الوجود، وهذا المفهوم القرءاني لا علاقة له بالمجاز و لكن
معانيه أكثر من أن تحصر، فالحاسة التي نملكها ليست بالضرورة يد حين تكون عاجزة ، و
يد الله دائما فوق من حيث أنّها تفاجئ من يظن أن أخراجه لن تُكشف و أنّ حيله ستمر
و أن كذبه و إجرامه مدفون إلى الأبد فتأتي اليد الإلهية لتخرج له كل ما لا يرغب أن
يراه الناس.
أمّا
السرقة فليست فقط الإختلاس و إن كان هذا معنى من المعاني أمّا المفهوم القرءاني من
الجذر ( س ر ق) فمتعلق بأخذ الشيء خفاءا. فالتجسس المخابراتي سرقة و إختلاس المال
خفية سرقة عكس الإختلاس في بلد العربان فتحدث في وسط النهار و من أكابر المسؤولين.
و
لو عدنا الأن إلى الأية التي تأمر بقطع يد السارق و السارقة :
"و
السّارق و السّارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من الله، و الله عزيز
حكيمـ (38) فمن تاب من بعد ظلمه و أصلح فإنّ الله يتوب عليه، إنّ الله غفور رحيم
(39) ألم تعلم أنّ الله له الملك السّموات و الأرض يعذب من يشآء و يغفر لمن يشآء،
و الله على كــــــل شيئ قدير (40)"
المائدة
فالأية
في سياقها تتحدث عن العمل المخابراتي و الإتصال بالعدّو و تزويده الأخبار و تلّقي
كسبا عن هذه السرقة و الأية هنا لا تتحدث عن عقاب هؤلاء بل عن الوقاية . و هذه
الوقاية تتم بقطع الأيدي أي بجعل عمل هؤلاء و تعاضدد هؤلاء لمعرفة أخبار المؤمنين
شبه مستحيل لندرته و أمّا العقاب الذي يستحقه العملاء فهو متروك للمؤمنين و يمكن
أن يكون بجز رؤوسهم رميا بالرصاص أو بأي وسيلة لا تمثيل فيها بالجسد أو أي عقاب
يقرره المجتمع بحسب خطورة العمل المخابراتي.
و
أمّا بتر الأعضاء فلا تشير إليه الأية مطلقا إذ كيف يُطلب ممن بترت أعضاؤه أن يتوب
و ما هي الفائدة من بتر عضو إن كان لهذا الشخص عائلة و أولاد يجب عليه إعالتهم
بعمله اليومي إن كان تجسسه خفيفا و لا يستدعي عقوبة الإعدام.
"إلاّ
من تاب و اصلح"
و
نجد كذلك حديثا عن عدم قبول من يأتي للمؤمنين إن كان فيه شبه تجسس " و لا
يسرقن" في البلاغ القرءاني :
يَا
أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا
يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ
أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ
وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ
لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ : الممتحنة (12)
و
المؤمنات لسن جمع مؤنث بل كل من توّلد حديثا إلى عالم الإيمان هومن المؤمنات و
كذلك السارقة ليست مؤنث بل كل رحم ينتظر الإنقضاض ليسرق أي كل من يتحين الفرص و
لكن عادة المذكر أن يؤنث كي يتغلب :
"ما
أنثوك إلاّ ليظلموك"
و
تستدعي ظاهرة التأنيث و التذكير عند القدماء دراسة نفسية و سبق أن أوضحت في بحث
"ذكورية الخطاب القرءاني وهم بصري أو حقيقة موضوعية" خطأ هذه القواعد
عندما يُراد منها أن تدخل النص القرءاني أو تعتمد عليه.
استعملت
في تدخلي عبارة "التجسس المخابراتي" لأنبه القارئ أنّي لا أقصد بالتجسس مفهومه
القرءاني بل ما هو متعارف عليه من العمل المخابراتي.
أمّا
مفهوم التجسس في القرءان فمتعلق بمساومة الأخر و الضغط عليه بما تعرف من أسراره ،
فمن ينتمي لمجتمع الذين ءامنوا لا يمكنه أن يفعل هذا إلاّ و هو يفقد درجات من
إيمانه. و مفهوم التجسس هذا نابع من إجتهاد ذاتي في هندسة الجذر ( ج س س). فعلامة
الجيم تدل على مصيدة تحمل شيئا تريد إخفاءه ، عكس الخاء التي تدل على مصيدة تريد
الإنقضاض على الشيء و منها "أخذ". و الفرق بين الجيم و الخاء هندسة هو
النقطة و هذا كلّه مكانه دراسة البنية اللفظية في القرءان.
و
كل مفهوم للتجسس إجتهاد لأنّنا نجهل البنية اللفظية للقرءان و لأنّ جذر التجسس لم
يرد إلاّ مرّة واحدة ، و من الصعب الجزم بمفهومه من مشترك لفظي واحد.
و
خلاصة القول أنّي لم أورد لفظ السرقة كمرداف للفظ التجسس بل تفريقي بين المفهومين
أكيد و إنّما أوردت التجسس المخابراتي لمعرفة الناس به.
اللفظ
في القرءان ليس معنى بل مفهوم و يمكنك أن ترجع لبحوث المنهج لترى تفصيل هذه الفكرة
هناك.
السرقة
في القرءان تحمل معاني عدّة و لكن يضبطها مفهوم واحد و هنا الفرق بين نظرية
المفهوم و نظرية المجاز ، فالمجاز يخضع للسمع أي توارث الإستعمال و هو في الأساس
ذوقي.
مفهوم
السرقة الذي أعطيته في معرض الردود فهو :
اقتباس:
أمّا
السرقة فليست فقط الإختلاس و إن كان هذا معنى من المعاني أمّا المفهوم القرءاني من
الجذر ( س ر ق) فمتعلق بأخذ الشيء خفاءا
فأخذ
المال خلسة و خفاءا سرقة و التنصت خفية لأخذ المعلومات سرقة و الذي يضبط المعنى في
إطار المفهوم هو السياق.
فليس
الأمر كما ترى نفي السرقة عن إختلاس المال و لا خلاف هنا بل الإشكال هو حصر السرقة
في القرءان في معنى إختلاس المال و لو عدنا لنص القرءان لوجدنا مشتقا للجذر ( سرق
) هو استرق في هذا البلاغ القرءاني :
"إلاّ
من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين"
و
الحديث هنا عن السمع. ففمهوم السرقة متعلق بالأخذ خفاءا و ليس محصورا بمعنى بعينه
و كذلك كل لفظ في القرءان.
و
أمّا ما قلته أنت في محاولة لضبط مفهوم السرقة :
اقتباس:
ومن
ثم فالسرقة هى فقد الشىء سرا أو جهرا
فقول
يحتاج إلى توضيح إذ ليس كل ما افتقد مسروق ، . و لو كانت السرقة كما تقول لما كان
أخ يوسف سارقا إذ متى وجد الوعاء انتفت السرقة عن المتهم.
و
أجدني محتارا في جعلك القطع مرادفا للبتر في هذا البلاغ القرءاني :
"وقطعناهم
فى الأرض أمما "
فالأمم
تلتقي رغم تباعد المكان و التفريق بين الأفراد ليس بترا إذ هم متفرقين ذواتا على
كل حال فالحديث هنا يُعنى بالإتصال بين هذه الأمم و لا علاقة له بالبتر إلاّ أن
تقول أنّ الإتصالات قطعت فيزيائيا و لا يمكن للأمم المقطّعة أن تتصل فيما بينها و
لو حاولت !!!
تقطيع
الأمم في القرءان هو جعل مسيرتها مختلفة حتّى أن الفرد الذي ينتمي إلى أمة يصعب
عليه فهم ثقافة الفرد في الأمة الأخرى إلاّ نادرا و هذا هو التقطيع و لا أظن أنّ
الإفريقي مثلا يستطيع إستيعاب ثقافة الصيني إلاّ ما ندر.
و
أمّا البلاغ القرءاني :
"لأقطعن
أيديكم وأرجلكم من خلاف"
فللأسف
يقف ضد معنى البتر ، إذ لو كان القطع هو البتر لما وضعت الشدّة فوق الطاء ، و
الشدّة في القرءان مفهوم متعلق بتثبيث الأمر و شدّه فكيف يكون البتر تشديدا !!!
و
لو ذهبنا إلى ممدلولات اللغويين في أن الشدّة تعني تكرار الأمر فكيف يكون البتر
مكررا للجمع !!! هل سيبتر حواسهم مرّة ثم يعيد البتر !!
و
أمّا البلاغ القرءاني :
"ما
قطعتم من لينة أو تركتموها "
فالترك
ليس تركا لنخلة و لا لشجرة فاكهة و حتى إن سايرنا هذا المعنى فهذه العبارة
"قائمة في مكانها" تصبح حشو عبارات في الأية فالقطع و الترك ليس في
الأية معنى جغرافي بل معنى إنهاء أمر و عدم تركه ينتشر و إن ترك أفرادف فهو ترك
لايسمح بتوليد اللينة و بسط نفوذها ثانية كما كانت و ليس القطع إستئصالا للأفراد
بل نفيا لكثير من أفراد اللينة ،و هي القبيلة أو أي تجمع سياسي ، حتى ينهار نفوذ
هذا التجمع و يندر تأثيره بضعف من بقي.
و
أمّا البلاغ القرءاني :
"فقطع
أمعائهم "
فبتر
الأمعاء إنهاء للحياة إلاّ إن قلت أنّ هذا البتر لا ينهي حياتهم و حينها فما معنى
أكلهم و شربهم و عبور هذا الأكل و الشرب على الأمعاء في ءاية محمد !!
تقطيع
الأمعاء هو جعل الأمعاء لا تتصل بباقي أنسجة الجسم إلاّ نادرا كأن العصيبات تفقد
رؤوسها إلّأ قليلا منها و تصبح تغذية الجسم ضئيلة جدّا و يبقى الكائن يأكل و يشرب
لكن مستوى تغذيته و كأنّه لم يتناول شيئا.
و
أنت أغفلت في ردّك ملاحظة هامة و هي أنّ حد السرقة الذي يدعيه الفقهاء لا يمكن أن
يتفق مع ءاية السارق و السرق إذ الأية التي تليها تقول :
"فمن
تاب من بعد ظلمه و أصلح فإنّ الله يتوب عليه، إنّ الله غفور رحيم "
فما
فائدة "غفور رحيم" فيمت بترت أعضاؤه ، هل مجرد إقلاعه عن فعله يعيد له
عضوه !!!
فالأمر
في الأية متعلق بقطع الأيدي و ليس بترها.
تحياتي
الأخوية
تعليقات
إرسال تعليق