التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ذبيح إبراهيم

 

كم من دم سُفك ليُسكت غيظ الآلهة في "معابد" الكهّان وكم من عذراء نُعمّت عام يعد عام ليُفصل عنها "قلبها" النابض و هي ترى دماءها تنفجر على سقوف "المعابد" و دون دمع أو حراك توّدع الجمع ضاحكة مستبشرة.

لن نبحث في تاريخ ادم منذ أن استوى على قدميه، فبحثه في ظلمة السير أوصله لجعل معبوده متعطشّا للدماء و حتّى يسكتوا غيظه فلا يتفجر براكين و زلازل و طوفانا قدّموا له القرابين الإنسية بعد أن تعلّموا التذكية في أتون الحروب.

و استمرت مسيرة المزايدات، فكل أمّة تتفانى في شكر معبودها مقدمة قرابين الغلمان و العذارى و ألوف الأسرى، قرابين ممجدّة أو محتقرة.

متروك هذا البحث للمختصين في الحفريات و تتبع الحضارات القديمة ولا شك في قيمته الكبرى لنستوضح من نحن و كيف استطعنا بلوغ هذا الفكر "القرباني" و لماذا و لنمض في بحث قرءاني لإسم إبراهيم في موقف بلاء عظيم.

"وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامـٍ حَلِيمـٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِـ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ؟؟ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ !!سَتَجِدُنِى إِن شآء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمـُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَآ ؟؟ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلؤاْ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمـٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (108) سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَـ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (112)وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ (ج) وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)" الصآفات

سورة الصافات هي سورة RMNa مقاطعها فلاشات سريعة شأن تكوين اللوالب و البروتينات في الأجسام الحيّة، فالدخول في سورة الصافات يستدعي إبطاء هاته الفلاشات حتى نرى الصور في حدود سرعة معقولة و سنركز القراءة في الآيات أعلاه.

إبراهيم باحث حنيفي، هذا هو إسمه القرءاني و بعيد عن معتقده و تصوّره فإبراهيم يحنف إلى الدليل في كل مرحلة يظهر له فيها باطل ما كان يعتقده و هو في هذا الحنف شديد مهما كانت الضغوط الإجتماعية و النفسية و حجم التضحيات، فإبراهيم ليس صانع أصنام "معتقدات" بل كاسر للأصنام، كل الأصنام و هو بعد أن تأكد أنّ ما يعبده قومه لا يُمكن أن ينتج شيئا أمام حقائق الكون يسعى إلى الهداية ممن به تربو معرفته :

"إنى ذاهب إلى ربي سيهدين"

سين الهداية هي رسم للسير نحوها، فالذهاب كالسير ضروري للهداية و لا يمكنها أن تأت لمجرد الرغبة فيها.

ثم إبراهيم في عزلته الشديدة لم يجد مسندا و لا عونا و كأنّه يريد أن يُنشأ نواة أولى ينطلق بها تعينه على إخراج الصالحات

"رب هب لي من الصالحين"

و أتت النواة من أقرب الناس إلى إبرهيم، أتت من أهله، غلام ملتصقا بأهله و ربّاه إبراهيم على منهجه فأصبح له إبنا يحمل إسم البشرى و نرى الآيات تنقلنا من البشرى إلى بلوغ السعي محرقة كل المفاصل و الفواصل فما يهم أن نصل إلى الحادثة و كأن حياة إبراهيم و الإبن اختزلت في هذه الحادثة :

"إنّى أرى في المنامـ أني أذبحك فانظر ماذا ترى ؟؟"

وضعت علامات الإستفام في مكان الرمز (ج) ، ذلك أن هذا الرمز مفهوم بذاته يحمل في كل ءاية معنى و للقارئ أن يتصور كم يحمل هذا الرمز من معنى.

شوق ليأتي الولد بعد يأس الزوج ثم أتى الولد، ثم تربية و جهد إلى أن أصبح الولد غلاما حليما ثم فجأة زلزال مدّوي، طلب إبراهيمـ لإبنه بشيء لا يُمكن تصوّره.

منام يذبح فيه إبراهيم ابنه !!!

لكن المنام غير الرؤيا، فالرؤيا تأويل "فانظر ماذا ترى"

إنّ إبراهيم قرّر أنّ رؤيا منامه معناها أن يذبح ابنه، أي أن يقتل ابنه إراديا و دون ذنب ظاهر اقترفه:

"ستجدني إن شاء الله من الصابرين"

إنّ المسألة قتل و بصورة بشعة يظهر و ليس قتلا فجائيا ينهي الحياة دون شعور القتيل. الآية تضعنا في صورة تاريخية كان الناس يقدّمون القرابين لآلهتهم و مادام إله إبراهيم قيد البحث فربّما تقديم قربان غبنه إليه سيجعله يلين و يتكشف، هذا هو تفكير إبراهيم مجاراة لمن حوله.

أين عاش إبراهيم التاريخي ، و هل إبراهيم التاريخي واحد.

إنّه في المايا و أدغال إفريقيا و في الشرق البعيد و في المدن و القرى فإبراهيم إسم لكل حنيفي يسير على قناعاته و مع ذلك فالقرءان يقول له أنّ هناك حدود سدود لتجاوز الضغوط الإجتماعية إذ هي تعمل في اللاشعور، أليست رءياه دليل على هذا الضغط الإجتماعي النفسي ؟؟

لقد وصلا إبراهيم و ابنه بعد نقاش إلا أن اقتنعا بضرورة هذا القربان :

"فلمّا أسلما و تلّه للجبين"

إنّ الجبين هو ما نسميه القربان بلغتنا أمّا القربان فهو بلغتنا الهدية التي تقرب بين طرفين.

هنا أضربت يد إبراهيم و لكل إنسان أن يتصور هذا الإنسان الرقيق و يده تمتد لقتل ابنه ، كأن الجبال فوق ظهره و كل شعرة في جسمه تتألم، و في رجفته هذه رأى خطأه الفظيع :

"و ناديناه أن يإبراهيمـ (104) قد صدقت الرءيا ؟؟ إنّا كذلك نجزي المحسنين (105) إن هذا لهو البلؤاْ المبين (106)"

كيف لإبراهيم أن يتصور أنّ الله يأمره بذبح ابنه !!! كيف ؟

هل الرّب متعطش للدماء حتى يفكر إبراهيم أن الذي ليس كمثله شيء يُطالب بمثل هذا !!!

إبراهيم تجاوز ضغوطا إجتماعية و نفسية كثيرة في علاقاته مع محيطه و لكّنه مع كل هذا بقي سجينها دون أن يشعر، لم يستطع أن يخرج من الصورة التنافسية ليدخل في مشروع خلافة واعي، فهو يريد أن يبرهن أنّه يستطيع أن يقدم ابنه قربانا لإلهه و أن إلهه ليس كارتونيا بل هو أكبر من كل الآلهة و هو سيبرهن على هذا بذبح ابنه.

هنا الخطر الأكبر، خطر المزايدة في الفراغ و من دون وعي و بنآء مشروع على رؤيا لم يتضح بعد تأويلها.

القارئ يُدرك في هذه القراءة الأولية أنّ الآيات أعلاه معارج فهي أبعد بكثير مما سطرته هنا و يكفي الآن أن نفتح النافذة.

"و فديناه بذِبح عظيمـ"

"ذِبح" بكسر الذال و ليس ذبح بفتح الذال و هذا ما دفع الأسلاف و لا يزال على خطاهم الأكثرية جعلهم يظنون أن الملائكة قدّمت خروفا كبيرا لإبراهيم . إنّ القضية ليست هذه إذ لفظ "عظيم" دليل نفسي و ليس دليل على كتلة الخروف ووزنه، فكم من صغير في وزنه عظيم عظيم و كم من ثخين هو لا شيء.

الذِبح بكسر الذال تعني الذبح الخفي أي القربان الخفي بلغتنا فما هو ؟؟

إنّ ذرية إبراهيم هي الذبح فكل من يسير على خطاه لتحطيم الأصنام الإجتماعية و فتح البحث واسعا سيلقى نفسه قربانا في "معابد" الناس ليعودوا بعد أجيال فيصنعوا له تمثالا بعد أن يكتشفوا مؤخرا فظيعة ما فعلوه.

هو فداء هذه المرّة و لكنّه سيواصل :

"وتركنا عليه في الأخرين"

إن من صاغ الرسالة لا يريد حربا و لا يريد قرابين و لا سفكا للدماء من أجله :

"سلام على إبراهيم"

إنّ التأسي بإبراهيم ليس بـ "ذبح الخراف" فالخراف لا تُذبح بل تُذّكى و مع أنّني لست ضد الأعياد و لكن أرى كم التبذير لهذه الثروة الحيوانية ظنّا من البعض أنّها طقس يجعلنا نتأسى بإبراهيم . إنّ هذا خرافة، فالتأسي بإبراهيم مهمة صعبة جدّا لا يمكن أن يصل إليها إلا أفذاذ.

مع تمنياتي بالعيد السعيد ، على الأقل قربان الخرفان خير من القرابين البشرية.

تحياتي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...