سورة
يوسف تحمل فصولا قرائية متنوعة فهي تصوير للبعد الأخلاقيالإنسان المرتقي بالنبوّة
في صراعه مع أقرباءه و أعداءه و أمانته في السر و العلن و صبره و معرفته بمن حوله
و هي تصوير لحدث تاريخي بين قبائل الجزيرة في أمصارها "أماكن العبور
التجارية" و رسم دقيق لجغرافيتها السياسية و الحضارية و هي تصوير لبيت داهمته
الأحداث فأضعفته و هزّت بعض أفراده في محافظتهم على المبادئ الأخلاقية و لكنّنا
آثرنا هنا أن نتحدث على قراءة أخرى لا تناقض القراءات السابقة بل تعرج به في بُعد
ءاخر فهذه القرءاة تجعل من القصص التاريخي في السورة لباسا لقراءة أخرى و كما سيرى
القارئ فعبارة "أحسن القصص" تدل على هذا التتابع في تفاصيل الأحداث
تتابعا موضوعيا دون أن يكون هناك تناقضا في هاته القراءات المتنوّعة.
سورة
يوسف هي بنفسها رءيا تحتاج إلى تأويل ، فكما حملت في طيّاتها حديثا عن الرءيا و
تأويلها فبنيتها الداخلية بنية رءيا تحتاج إلى تأويل.
مثل
هذا البناء في السورة لم يُدرس بعد فالناحية النفسية المرتبطة بشكل الخطاب في سور
القرءان لم تُكتب فيه كلمة بعد و هو عالم مفتوح ينتظر من يلجه مستقبلا .
فسورة
الجن مثلا تضعنا في سياق خفاء بنيوي داخل السورة إذ هي أساسا تتحدث عن الخفاء و
سورة "المزمل" تضعنا في جو من استعدّ للنوم لترفع عنه السورة غطاءه و
تخرجه من الفراش في ربط مذهل بين الخطاب و الموضوع.
و
سورة يوسف كما قلنا ليست قص لرؤى بل هي كذلك تحمل بناء الرءيا فيها و سنرى في هذا
البحث كيف أنّ ما يظهر لنا سردا تاريخيا في القرءان ليس إلاّ عمقا من أعماق أخرى
ترقى بنا في معارج قراءته .
فالسورة
تضع الأحداث و نهايتها السعيدة في شكل رءيا :
"إِذْ
قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ" يوسف :4
"وَرَفَعَ
أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا (صلى) وَقَالَ يَا أَبَتِ
هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا (صلى) وَقَدْ
أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنى مِنَ السِّجْنِ وَجَآء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن
بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى (ج) إِنَّ رَبِّى
لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء (ج) إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ
ءاتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ (ج)
فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلىِّ فِي الدُّنُيَا وَالأخِرَةِ (صلى)
تَوَفَّنى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ (101)" يوسف
على
القارئ أن يتلبس بإسم يوسف في هذه السورة إن أراد أن يسبر أغوارها و يحاول أن يرق
إلى مستوى تأويل الأحاديث في هذه السورة و الآيات أعلاه تضعنا على طريق التأويل
بتركيزها على العبارات المحورية التالية :
ـ
أحد عشر كوكبا
ـ
الشمس و القمر
هي
و لا شك تلفت نظرنا مباشرة نحن أبناء القرن العشرين و بداية القرن الواحد و
العشرين إلى مجموعتنا الشمسية بحديثها عن أحد عشر كوكبا و "الشمس و
القمر" .
هي
بهذا تصوّر سجود الكواكب الإحدى عشر أي خضوعهم لبرنامج من يشاهد فالسجود ليس حركة
محدد الهيئة بل هو خضوع لبرنامج مهيئ مسبقا و نرى في سياق الآية فصل بين الكواكب و
الشمس و القمر في فعل السجود:
"إنى
رأيت أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر رأيتهم لى ساجدين"
دليل
على الفصل بين سجود يأتي في مرحلة ثانية.
فسجود
الشمس و القمر هو في خضوعهم لنا بإستفادتنا من طاقة الشمس الهائلة الطبيعية و
الصناعية مستقبلا الذي بدأت بوادره الآن و إستفادتنا من القمر كقاعدة إنطلاق و بين
سجود مستقبلي يجعل الكواكب الأخرى خاضعة لبرامجنا المستقبلية.
و
يظهر من هذا المدخل أنّ يوسف هو عنوان كوكبنا الأزرق الذي نحن فيه أين أنزلت رسالة
التوراة و القرءان . يوسف إسم لظهور الحياة في عمل تصاعدي مستمر .
"إنى
رأيت"
تجعل
المشاهد خارج إطار الحدث و هذا ما يجعلنا نفصل بين الكوكب كأرض و بين سكانه و
سيتبين هذا البعد أكثر في باقي البحث.
تضعنا
الآيات 101 و 102 من سورة يوسف على حقيقة كبرى مفادها تحكم الإنسانية في الكواكب
الإحدى عشر، فهؤلاء سيسجدوا لنا و يخضعوا لنا و لمشاريعنا المستقبلية و يضعنا
القرءان على مفصل ءاخر في سيرنا اليوسفي التأويلي للحدث في قول يعقوب :
"قَالَ
يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا
(صلى) إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ" يوسف:5
إنّ
يعقوب يُدرك خطورة هذه الرءيا على يوسف و لو تتبعنا هندسة اللفظ القرءاني لرأينا
أن يوسف قصّ على إخوته رؤياه هذه إذ الآية تقول "رءياك" و هذا ما نجد
مصداقه في التوراة ، و ينصح يعقوب يوسف أن يمتنع على قص مثل هذه الرؤى الفاضحة
للمستقبل كي يمنع عن نفسه الكيد.
و
القرءان هنا يضعنا على هدي البحث الكوني ، فيعقوب أكبر و أوفر تجربة من يوسف و هو
أكبر منه ، فيعقوب عنوان كوكب من نفس مجموعتنا الشمسية سبق و أن ظهرت فيه الحياة
قبل أن يضمحل و ينهار و يجف صعيدا جرزا ، ثم ستعرف الإنسانية كيف تبث فيه الحياة
ثانية بعد أن تزرع فيه غلاف جوّيا ـ قميص بتعبير القرءان ـ ،مثل هذا التأويل تؤيده
الآية 96 من سورة يوسف :
"فَلَمَّا
أَن جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا (صلى) قَالَ
أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ "
يمكننا
وفق هذه القرءاة إعتبار يعقوب إسم للمريخ إذ بحكم قربه و إمكان نشوء الحياة فيه هو
الأكثر تأهيلا لنبث فيه عقبنا، و الآية 96 تخبر أنّ يعقوب سيصبح بصيرا أي أنّه
سيفرق الأشعة الواصلة إليه من الشمس و يميزّها.
هذا
إرهاص ووعد بإيواء المريخ لنا مستقبلا و تفيدنا الآية في صعوبة وصولنا و تثبيت
وجودنا على بقية الكواكب الأخرى بتأكيدها على الكيد الذي تبيته، و حجم المصائد و
المصاعب و ينبهنا القرءان إلى إتباع الأسلوب اليوسفي المرتقي روحيا في إسجادنا
لهذه الكواكب و بث الحياة فيها ، فلا هيمنة و لا تسلط على الأخرين و لا سفك للدماء
و تقسيم الإنسانية أعراقا و أحزابا و مللا و شحذ الصراعات ، إذ نفس الأسباب توّلد
نفس النتائج ، فالفتح الذي سيصلنا من المقدرات الهائلة في الكون تحتاج منّا إتباع
الهدى اليوسفي كي لا نتيه :
"فَلَمَّا
دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن
شَاء اللَّهُ ءامِنِينَ " يوسف :99
لم
يصل يوسف في سورته إلى تأويل رءياه هذه المتعلقة بسجود الكواكب و الشمس و القمر
إلا في نهاية السورة بأحداثها عكس الرؤى التي أولّها فوصل إلى معناها الأول مباشرة
لتعلّمه تأويل الأحاديث و هما رءيتان.
تعليقات
إرسال تعليق