يبدأ فهم أي نص أو خطاب بفهم دلالة ألفاظه وبنية الخطاب فيه ثمّ يعقبه السؤال عن تماسك أجزاءه و رؤية الخطأ و التناقض فيه بمقارنة النص بموضوعه ثمّ الحكم عليه و على محتواه، و الإدلاء بحكم نهائي على نص أو خطاب هو علم بكل هاته الأجزاء و إلا أصبح الحكم قلما لا يعدو الإفتراض :
"و لا تقف ما ليس لك به علمـ ؛ إن السمع و البصر و الفؤاد كل
أولئك كان عنه مسؤولا"
الإسراء :36
و السؤال الذي يطرح نفسه حول القرءان هو الآتي :
كيف يمكن لنص يؤسس لحرية الإنسان في بحثه و قناعته أن يعاقبه عن هذه
القناعة و يحكم عليه بالإجرام لمجرد أنّه مارس حريته في التفكير و العقل و العلم و
لم يفعل سوى ما طالب به النص ذاته؟؟
إنّ بداية الكفر تبدأ من التبرير، ولو حاول أي إنسان تبرير هذا
التناقض فلن ينجح إذ لا يمكنني أن ألقي بالمرء في اليم و أطالبه أن لا يبتل و فعل
التبرير لن ينفع إلا في إبعاد الناس عن القرءان أو إبقاءهم في مرحلة القصور الفكري
الكهنوتي. و لا ينبغي أبدا محاربة التساؤل أو منعه بدعاوي القداسة أو الإحترام أو
غيرها من التبريرات و كبت التساؤل هو قتل للعلم في مهده و تأسيس للكهنوت و تفريخ
للأزمات . والقرءان لا يحتاج إلى من يبرر "تناقضاته" بل يحتاج إلى من
يدرس محتواه و إستكناه حقائقه و مع أنّ القرءان أكد أنّ علّوه واضح إلاّ أنّه نبّه
أنّ معرفة حقائقه ليس أمرا سهلا و لا هيّنا :
"إنّا سنلقي عليك قولا ثقيلا"
المزّمل :5
و يؤكد القرءان أنّ بداية قراءته ستصيب قارئه المبتدئ البريء بالهلع و
الإشمئزاز و التقزز عندما يريد الدخول فيه لفهم حقائقه و يعتبر القرءان هذا الأمر
طبيعي جدّا بل هو علامة صحيّة إذ يؤكد القرءان أنّ حقائق القرءان لا تظهر إلاّ
ببحث متصل لا يفتر ترسمه أداة "ثمّ" في البلاغ القرآني التالي:
"الله نزّل أحسن الحديث كتابا متشابها مّثاني تقشعر منه جلود
الّذين يخشون ربّهم ثمّ تلين جلودهم و قلوبهم إلى ذكر الله؛ ذالك هدى الله يهدي به
من يشآء؛ و من يضلل الله فما له من هاد"
الزمر:23
لذلك كان سؤال من يشمئز بقراءته الأولى للقرءان هو إشمئزاز طبيعي لمن
يريد البحث و الإطمئنان، عبّرت عنه عبارة "يخشون ربّهم" الراسمة
للإنبهار أمام ربا ما يظهر من حقائق و تعاظما . لأداة "ثمّ" نفعها إذ من
يحدثكم مرّ بهاته المراحل و هو يافع و تقزز واشمأزّ ممّا رآه تناقضا و تفاهة في
النص القرآني بقسوة أقوى بكثير من أسلوب بعض المعارضين ذوي الأسلوب المتحضر
الدبلوماسي.
لنبدأ من البداية و لنتفق على دلالات ألفاظ ثلاث هي أساس في ما يتبع
من بحث :
ما هو الإسلام ؟
ما هو الإيمان ؟
ما هو الكفر ؟
هذه الدلالات لها أهمية قصوى إذ هي الأرضية التي تقوم عليها الرسالة،
فالرسالة القرآنية أرضية و حقائق و هذا ما ترسمه سورة العلق:
"إقرأ باسمـ ربّك الذي خلق (1)
خلق الإنسان من علق (2)
إقرأ و ربّك الأكرمـ (3)
الذي علّم بالقلمـ (4)
علّمـ الإنسان ما لم يعلم (5)"
في هذا الشطر الأول ترسم الصورة سير بحث من يريد البحث، فهو بإسم الرب
الذي في دليله زيادة المعرفة وربوها يقرأ في الخلق و المخلوقات ليصل إلى بحث خلق
الإنسان أعلى الموجودات الأرضية، ويبدأ البحث و يتواصل بالقلم أي بإعتماد فرضية و
نقضها Elimination
و لا يملك الإنسان إلاّ القلم ليربو معرفيا و تتراكم معرفته و تتضخم. و لكن
الإنسان يأبى السير و تظهر منه أخلاقيات و تصرفات عجيبة :
"كلاّ إنّ الإنسان ليطغى (6)
أن رّءاه استغنى (7)
إنّ إلى ربّك الرجعى (😎"
فالإنسان يرفض الغوص و يطغى ليبقى في السطح إذ في الطغيان دليل
الإرتفاع إلى سطح لأنّه يرى أنّه مستغن بما هو موجود عن البحث فيما هو أعمق . و هو
لا يريد إرغام نفسه و إتعابها بما في القلم من جهد و إتصال تفاعل و تعب و إجهاد بل
يصل به الأمر إلى أن يمنع الأخرين من هذا التفاعل و يكرههم على البقاء في حالهم
القائم و ينهى كل من يريد إعلام الناس بما أستجد عنده من جديد و إرادة تنبيههم إلى
خطورة بقاءهم على ما هم عليه :
"أرءيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلّى (10)
أرءيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12)"
لماذا ينهى الإنسان بدل أن يتمعن فيما يُطرح؟ و لماذا يصل به الحد إلى
منع الإنسان من التفاعل مع الأخرين و إخبارهم بما وصل إليه من نتائج بحث، ترى ماذا
سيكون لو أنّ هذا التحذير ضروري و أساسي و ليس خطأ أو دجل "إن كان على
الهدى"، وكيف سيكون موقفنا لو أنّ نتائج البحث كانت لإتقاء خطر "أو أمر
بالتقوى" كما يحدث اليوم مع المصلين في علم البيئة ممن يحذرنا من الكارثة
الإيكولوجية التي هي على الأبواب و لا أحد يسمع و إن تواصل هذا الصمم فـ :
"أرءيت إن كذب و توّلى (13)
ألمـ يعلم بأنّ الله يرى (14)
كلاّ لئن لم ينته لنسفعا بالناصية (15)
ناصية كاذبة خاطئة(16(
فليدع ناديه (17) سندع الزبانية (18"(
موقفنا من القراءات لا ينبغي أن يبدأ من التكذيب بل بملاحظة الأدلة و
فحصها و إمعان النظر فيها و لا ينبغي أن ينبع من محاولة التجمع رغبة في هذا
التكذيب و إحداث حملة إعلامية مثلا ضد الباحث "تولّى"، فكل عمل من هذا
النوع مسجل و عقابه هو الكوارث و حينها فليدع كل من شارك في قمع البحث و الباحثين
أصحابه المتجمعين ذوي الصياح لينقذوه من الكوارث و المطلوب إذن أمام البحث و الجهد
في كل إنسان :
"كلاّ لا تطعه و اسجد و اقترب(19)"
نعم فسبيلنا البحث و التفاعل مع الباحثين و خضوعنا لماهية ذواتنا و
برنامج الروح المبثوث فيها "فاسجد" و سبيلنا أن نقترب بالقلم إلى معرفة
الحق و إستقرار النبأ.
آليت أن أقف قليلا مع سورة القلم لأوضح أنّ السورة وحدة موضوعية و
ليست أجزاء عضين مبعثرة تحكمها "أسباب النزول" كما يقول الأسلاف و آليت
أن أقف قليلا لأوضح أن القرءان أرضية و حقائق. و سورة العلق ترسم الأرضية لتنفتح
الحقائق. فقبول الرسالة هو قبول للأرضية و أي عاقل يدرك قيمة الحرية في تراكم
المعرفة و إرتقاء الإنسان و حل النزاعات السياسية و الإجتماعية، وهذا الشطر قام به
النبي الكريم في مجتمع المدينة الناشئ بعيدا عن أي عقائدية و سنرى في هذا البحث
البسيط كيف سيزول التناقض بين إدعاء القرءان بتأسيس أرضية الحرية ثمّ معاقبة من
يقف فيها. و لنبدأ بأول الألفاظ أعلاه و هو الإسلام.
سبق في هذا المنتدى مرارا أن فصّلنا في دليل الإسلام و هو مفهوم متعلق
بوضع السلاح و الإمتناع من محاربة الأخر إبتداءا و هو ما نطلق عليه اليوم بميثاق
السلم الإجتماعي و يكفي ملاحظة مشتقات هذا اللفظ في القرءان لنطمئن لدليله:
السَّلَم
سلما
سالمون
سلام
سليم
تسليم
مستسلمون
و كل هذه الألفاظ المتفرعة من الجذر العربي :
س ل م
هي تدل على الموادعة و لنقرأ :
"و إن جنحوا للسَّلْم فاجنح لها و توّكل على الله؛ إنّه هو
السميع العليم"
الأنفال :61
فالسَّلم هو وضع السلاح و لكن إرغاما بحكم الإنهاك و الإرهاق وهذا ما
يدل عليه السكون فوق اللام "السّلْم" أمّا الإسلام فهو وضع السلاح
طواعية و رغبة إبتداءا و ليس دفعا و إرغاما. و هذا هو دليل الهمزة "ء"
في القرءان التي تدل على الإبتداء.
أمّا السَّلَم (بفتح اللام) فهو إلقاء السلاح إلقاءا ظاهرا أي رفع
العلم الأبيض كما يقال في عصرنا إذ الفتح في القرءان دليله الظهور :
"إلاّ الذين يصلون إلى قومـ بينكم و بينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت
صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم؛ ولو شاء الله لسلّطهم عليكمـ فلقاتلوكم؛ فإن
اعتزلوكم فلم يقاتلوكم و ألقوا إليكم السّلم فما جعل الله لكمـ عليهم سبيلا (90)
ستجدون قوما ءاخرين يريدون أن يأمنوكم و يأمنوا قومهم كلّ مارُدّوا إلى الفتنة
أُركسوا فيها؛ فإن لم يعتزلوكمـ و يلقوا إليكمـ السّلم و يكفوا أيديهمـ فخذوهم و
اقتلوهم حيث ثقفتموهم؛ وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا (91)"
النساء
فمن لا يريد القتال و اعتزله و ألقى بالسلاح فلا سبيل لقتاله و لكن من
دخل في ميثاق التأمين و مع ذلك يتسنح الفرص فهؤلاء جعلوا لقتالهم ذريعة بينة.
و يكفي للإنسان أن يضع السلاح لتنتهي متابعته حتّى و إن لم يكن ضمن
ميثاق تأميني و عهد سابق :
"يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتمـ في سبيل الله فتبينوا و لا
تقولوا لمن ألقى إليكم السّلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحيواة الدنيا فعند الله
مغانمـ كثيرة؛ كذالك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبينوا؛ إنّ الله كان بما
تعلمون خبيرا (94)"
النساء
و الكل يرى في هذه الآيات أن لا وجود لشيء إسمه عقيدة أو إنتماء بل هي
متوجهة لكل إنسان بعيدا عن كل هذا. فمن عامل الأخر بسلم و سلام فالتعرض إليه إجرام
و حتى إن كان هذا الفرد ليس مواطنا أي لم يبرم و لم يُشهد على نفسه ميثاق التأمين
لا يجوز إتهامه لأخذ ماله أو ترويعه أو الإستعلاء عليه "كذالك كنتم من
قبل".
و أقف في دليل لفظ الإسلام هنا و أترك للتفاعل إثراءه.
أمّا الإيمان فأقرب مشتقاته :
آمنا /آمنة /آمنون / آمنون
الأمانة
الأمن
أمنة
أمين
مأمون
و هي تتفرع من الجذر العربي : ء م ن
و هي تدل على مرحلة أعلى من وضع السلاح إذ هي متعلقة بمن يعيش الإنسان
بينهم، فوضع السلاح مرحلة بديهية و أساسية و سابقة لمرحلة أعمق و هي تأمين الأخر
الذي يعيش معك في جسده و فكره و بناء الأرضية التي تسمح له بالشعور بالأمن التام
في التعبير عن فكره و ممارسة حقه الكامل في الوجود. و لو أردنا التمثيل لقلنا أنّ
الإسلام مفهوم متعلق بالعلاقات الدولية و الإيمان متعلق بالعلاقات الداخلية في كل
وطن. فالمؤمن هو من جسد مفهوم الأمن و أدخل فيه الحياة بإنشاء مؤسساته الحافظة و
النضال من أجله و الإيمان هي الأيادي الممتدة من المؤمنين لتجسيد هذا الأمن بفعل
دخول الياء عليه، فالياء هي اليد الممتدة في دليلها القرآني. و فعل الإيمان تدخل
عليه في القرآن أداتين ، أداة "اللام" و أداة "الباء".
فـ "ءامن بـ" أي جعل هذا الشيء سببا في وصوله لتأمين غيره،
فمن ءامن بالله هو من أمّن غيره لسبب قناعته أنّ هذا التأمين سنني لتراكم المعرفة
أو للعيش المشترك أو لغيرها من الأسباب السننية و من ءامن بالرسول هو من جعل
الرسالة قرءانا و توراة و زبرا سببا في وصوله إلى ضرورة فعل التأمين بما يحمله
الوحي الربّاني من رحمة وسعت العالمين بكل توجهاتهم. و ليس الإيمان بالله تصديقا
بوجوده و لا الإيمان بالرسول تصديقا بالرسالة.
و أمّا "ءامن لـ " فهو جعل غاية تأمينه للأخر هذا الشيء،
فآمن للمؤمنين أي جعل المؤمنين غاية تأمينه :
"و منهم الذين يؤذون النبي و يقولون هو أذن؛ قل هو أذن خير لكم
يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين و رحمة للذين ءامنوا منكم؛ والذين يؤذون رسول الله لهم
عذاب أليم"
التوبة :61
فالإيمان كالإسلام متعلق بالإنسان و غير متعلق في القرءان بتاتا
بعقيدة بل ميدانه تأمين كل أحد في جسده و فكره و فتح أفاق البحث دون حدود و سأعود
في التفاعلات لأقف كذالك مع هذا اللفظ.
الكفر في القرءان دليله التغطية المقصودة و يكفي ملاحظة هذين المشتقين
:
كفّر
كفارة
فعمل الصالحات سبب وجيه لأن تغطى السيئات:
"إن تجتنبوا كبآئر ما تُنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم و ندخلكم
مدخلا كريما"
النساء :31
و يكفي قراءة البلاغات التالية لتدليل على دليل فعل الكفر :
"و ما يفعلوا من خير فلن يُكفروره، والله عليمـ بالمتقين"
أل عمران:115
"اعلموا أنّما الحيواة الدنيا لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و
تكاثر في الأموال و الأولاد، كمثل غيث أعجب الكفّار نباته ثمّ يهيج فتراه مصفرّا
ثمّ يكون حطاما، وفي الأخرة عذاب شديد و مغفرة من الله و رضوان، و ما الحيواة
الدنيا إلاّ متاع الغرور"
الحديد :20
"محمد رسول الله؛ والّذين معه أشدآء على الكفّار رحماء بينهم،
تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله و رضوانا، سيماهم في وجوههمـ من أثر السجود؛
ذالك مثلهم في التوراة؛ و مثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فأزره فاستغلظ فاستوى
على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفّار، وعد الله الّذين ءامنوا و عملوا الصالحات
منهم مغفرة و أجرا عظيما"
الفتح :29
و نرى في هذه الآية إرغاما لكل قارئ أن ينتبه إلى بنية الألفاظ في
القرءان فلفظ "كفّار" ورد بمعنيين :
1 ـ من غطّى و امتنع من إظهار ما عنده و سار في طريق الإكراه العقائدي
و الفكري
2 ـ من غطّى بذور زرعه و أخفاها و لم يلقها خوفا ربّما من الأحوال
الجوية و رأى غيره يحصد الغلة الوافرة فتحسر.
فكلا الموجودين يدخلان في مفهوم الكفر و السياق و إحكام الآية هو من
يوضح أي موجود تقصد. فألفاظ القرءان كلّها مفاهيم لكن الموجود المراد يضبطه السياق
دون أن يخرج عن المفهوم.
و قد يقال أنّني اخترت ما يناسبني من ءايات و أغفلت الآيات الأخرى و
الأمر صحيح. فيكفي إختيار آية واحدة من القرءان تناقض المفهوم المتعارف عليه للكفر
ليسقط هذا المفهوم و هذا ما فعلته. فبناء المفاهيم أساس فهمنا للبلاغ المبين و ما
دمنا لم نوضحها بالبنية اللفظية بل فقط بطريقة المشترك اللفظي فأي إنحراف عن
المفهوم و لو في آية واحدة يسقط المفهوم كلّه.
الكفر إذن هو تغطية ما عند الإنسان تغطية مقصودة و الإمتناع عن
التفاعل و منع الناس بالإكراه عن أي نقد أو نقض له و هو لذالك نتيجة حتمية
للإمتناع عن فعل الإيمان، فالكفر ضد الإيمان فمن يكره لا يأمن غيره و أساسا لا
يؤمن هو ذاته، فلا يحمل قناعة ذاتية يستطيع بها الوقوف أمام الأخر للتفاعل معه.
و في النهاية فالقرءان كتاب رسالة للبحث في حقائق الكون و ليس كتابا
عقائديا و كل ءاية فيه تنطق بهذا و لا أدري لماذا يريد الناس تسييج أنفسهم في
العقائد بدل الإنفتاح للبحث و الحنف عن الخطأ، وزوال المفاهيم الخاطئة عن بعض
الألفاظ القرآنية و اللغو الذي أحدثه الكهنوت فيها أول خطوة لحل التناقض.
بن نبي
تعليقات
إرسال تعليق