ملاحظة : لن يرد لفظ الدين في مقالي إلاّ تعبيرا عن شروط بين متعاقدين، فالدين ليس العقيدة و سأورد هذا اللفظ للإشارة إلى مجموعة الأفكار التي تتبنّاها مجموعة بشرية عن الكون و غاية الوجود دون دليل موضوعي و تعتبرها نهائية لا تقبل النقاش .
العقيدة
و العلم وجهان للظاهرة الإجتماعية الإنسانية، و أهمية العقيدة في حياة البشرية إلى
الأن كبيرة جدّا مقارنة بالظاهرة العلمية و كلّما أوغلنا في تاريخ البشر الأولون
فسنجد العقيدة أحد ركائزه الأساسية أمّا العلم كظاهرة إجتماعية ذات قواعد فلم يظهر
إلاّ بين أهل أثينا و شذرا في قرى الإمبراطورية الجزيرية ثم انطفأ ليظهر على السطح
بقوة في حدود القرن السادس عشر ميلادي، و من هذه اللحظة نقش تأثيره في دنيا الناس
و في مؤسساتهم. و رغم بينات العلم و أثاره اليوم و الذي لم يعد لأحد قدرة في
إنكاره فالصراع بين العقائديين و العلماء لا يزال مستعرا ، و رغم خروج العلم منتصر
في كل معركة مع العقيدة فتاريخ الصراع دامي و حبائل العقائديين مستمرة لا تنتهي .
غاية
العلم كشف الظواهر الطبيعية الخاصة بواسطة الملاحظة و الإستقراء المبني على
الظاهرة نفسها، ثم بناء قوانين تربط بين هذه الظواهر تسمح بالتنبؤ بظواهر لم يتم
ملاحظتها بعد. بهذا الطابع النظري للعلم يرتبط الجانب العملي للعلم فيما يسمى
التقنية، فالتقنية تستعمل المعرفة العلمية لإنتاج شروط القوّة و الراحة الإنسانية
و شروط المتعة و الزينة التي لم يسبق للأسلاف معرفتها و طمثها ، و هذا الجانب
العملي تحديدا هو ما يُعطي للعلم أهميته بين الناس.
فالقنبلة
النووية و السيارة و الطائرة و أدوات الزينة و التشريح التجميلي هي من جعلت
المجتمعات تنفق في البحث العلمي مقادير من ميزانيتها دون تحفظ.
أمّا
أمر العقيدة كظاهرة إجتماعية فهي أكثر تعقيدا من الظاهرة العلمية و سنحاول أن نحصر
تنوع العقائد في مرتكزات لا تخلو منها عقيدة :
1
ـ وجود كنيسة و طقوس في كل عقيدة
2
ـ وجود مسلمات فكرية ثابثة لا تقبل النقاش
3
ـ فقه للأخلاق الفردية
هذه
المرتكزات تغيرت قوتها و تأثيرها وفق الزمان و المكان ، فعقيدة أهل أثينا لم تطرح
قبل المشائين فقها للأخلاق الفردية و الكنيسة "الإسلامية" لم تكن هيئة
كالكنيسة الكاثوليكية رغم تأثيرها الكبير ، و لكن المرتكزات الثلاث السالفة الذكر
لم تغب فهي ضرورية لأي عقيدة تنشأ مريدة البقاء. و هذه المرتكزات هي اساس وجود
الصراع بينها و بين العلم و العلماء، إذ العقيدة الشخصية الفردية لا يمكنها بحال
صراع العلم ما دامت تعتبر النسألة مجرد هوى فردي شخصي.
لماذا
تحارب العقيدة العلم فطرة ؟
كل
عالم و كل علم يحاول أن يشكك بالدليل الموضوعي بسلمات عقيدة معينة يُضعف من قوة
الكنيسة الحامية لهذه العقيدة و يُضعف تباعا من قوة هذه السلطة الكنيسية أو من
يحميها من سلطات سياسية أمام الرأي العام و يمكن لهذا الضُعف أن تكون له تبعات
إقتصادية على مصالح هذه السلطة الآنية و هذا ما يدفع هذه السلطات إلى التحرك
السريع لإسكات ما يمكن أن يقوضها من بحوث العلم خاصة و أن هذه السلطات الكنيسية و
من يحميها يربط بين المسلمات العقائدية و بين الأخلاق الفردية ، فهو يقدم للرأي
العام تصورا مقلقا و يصور العلماء تصوير من يحاول تقويض الأخلاق الفردية و بالتالي
الأخلاق الإجتماعية المتوارثة بتشكيكيه بأساسيات العقيدة !!!
ربط
العقيدة بين مسلماتها في رؤية الوجود و الأخلاق سببه إجتماعي بحت، فعندما يُسأل
عقائدي من أسلافنا مثلا عن سبب تحريم القتل فلن يكون جوابه أن سبب التحريم عائد
لعقوبة الإعدام التي ستتبعه إذ هو يعلم أنّ هذا ليس جوابا مريحا ، إذ الإعدام نفسه
يحتاج لتبرير و غياب التحقيق البوليسي الدقيق يجعل الكثير من الجناة ينجون من
الإعدام ، و لكن العقائدي كان يملك جوابا جاهزا : "إن النص ـ التوراتي أو
القرءاني أو غيره ـ يحرم القتل" و لما كان النص مقدسا موحى بإرداة
"إلهية" فيجب إتباعه إذ عدم إتباعه يعني إنتظار عذاب يوم الحساب و الذي
هو أضعاف أضعاف عذاب الإعدام.
و
مثل هذا الجواب يضع مسلمة واضحة و هو قبول كل النص، إذ التشكيك في حرف منه معناه
التشكيك الكلي في الوحي "الإلهي" يتبعه سقوط ما يقوله و إمكان التحلل
منه.
ما
حدث مع الكنيسة الكاثوليكية يوضح ما نقول ، فقد هاجم رجال الكنيسة الكاثوليكية من
قال من العلماء بدوران الأرض و ثباث الشمس و قدّموا أدلتهم من "الإنجيل"
و "العهد القديم" ألم تقل أن يوشع طلب من الشمس أن تقف فتوقفت " !!
فأدلة
غاليلي في إثباث دوران الأرض حول الشمس لا يمكن قبولها في نظر رجال الكنيسة إذ
قبولها يعني تشجيع القتلة و المجرمين و تشجيع لتفسخ المجتمع ، و قد يظهر هذا
التفكير ساذجا و لكن الأمور حدثت وفق هذا المنطق و إلى الأن لا زال هذا المنطق
سائدا.
إنّ
العقيدة لا تكتفي بربط الأخلاق الفردية و تماسك المجتمع بسلماتها بل تؤسس لمنطق
إزدواجي مفاده أنّ الوحي ليس كلّه موضوعيا أي أنّ هناك حقائق لا يمكن البرهنة
عليها و لا يمكن بلوغها دون الوحي و هذه الحقائق هي لب العقيدة أمّا غيرها مما
يمكن البرهنة عليه فيخضع لجهود "الفقهاء" من قراءتهم للنص. و هذه الرؤية
لا زالت سائدة و مهيمنة فالنص ثم النص و لا وجود عند العقائديين لشيء إسمه دليل
موضوعي إلاّ لغرض إستعماله تبريرا لصحة عقيدتهم و أمّا ما يمكنه التشكيك فيها من
حقائق علمية فينبغي أن تُطمس.
إنّ
مسألة هيمنة النص تحمل ضعفا و قوّة ، فضعفها أنّ رفض جزء منها يعني رفض جميع النص
و أمّا قوتها فهو في وحدة منطقها الداخلي ، إذ من يقبل درجة من هذا امنطق للا بد و
أن يقبل كل درجاته اللاحقة و السابقة.
العلم
لا ينطلق من المسلمات، و هذه نقطة قوّته الكبرى ، فالتراكم فيه ضروري ليس فقط
لغناءه بل لبقاءه ، فالعلم ينطلق من ظواهر خاصة يمكن لكل أحد تكرارها أو ملاحظتها
، فالعلم ينطلق من هذه الظواهر الخاصة ، و من هذه الظواهر يُنشأ قاعدة تجمع بينها
، و هذه القاعدة لا تُتعتبر في العلم مسلمة بل فرضية عمل إذ يستحيل جمع كل الظواهر
الخاصة .
إن
كانت هذه القاعدة صحيحة و لم تأت ظاهرة لتبطلها بل و أمكنها التنبؤ بظواهر ثبث
وجودها و مطابقتها للتنبؤ حينها ترتقي هذه القاعدة إلى درجة النظرية و لكن لا يمكن
لنظرية مهما كثرت صحة تنبؤاتها أن تصبح مسلمة و هذا ما تعلمه أجيال من العلماء
بفعل مسيرة بحثية دامت أكثر من 20 قرن.
مشكلة
العقيدة أنّها لا تحنف ، فهي تزعم أنّ ما تقوله هو الحق المطلق الذي لا يقبل نقاشا
و لا إمكان لتبديله أمّا العلم فقوله دائما مرحلي ، لا يدّعي و لا يزعم أنّه يحيط
بموضوعه و هو في إنتظار ربا معرفته بالكشوف الجديدة و منفتح على الأدلة الجدية بل
و باحث عن الجديد و مستعد للحنف إن ثبث صحة هذا الجديد. هذا لا يعني أن العلم يطرح
كشوفات السابقين و ينسي ذكرها بل ما نظرّه السابقون يبقى صحيحا في حدود معينة .
لكن العلم يدفعنا أن نتخلى نهائيا عن البحث عن الحقيقة المطلقة بل يدفعنا لما يمكن
تسميته بالبحث عن الحقيقة "التقنية" أي تجسيد نظرياتنا في كشوف تقنية
تسمح بتطوير آلياتنا البحثية و النفعية المباشرة.
الحقيقة
"التقنية" درجات ، فكلما سمحت نظرية علمية بكم كبير من الإختراعات
التقنية كلما ازدادت الثقة بصحتها ، فالمعرفة العلمية تتوقف عن أن تكون مرآة للكون
و الوجود لتُصبح وسيلة لفهم المادة .
و
لكن مثل هذا النهج يغيب حتى عند العلماء فهم كذلك عقائديون في مسلماتهم العلمية
اللحظية خاصة إن توصلوا لإختراعات ثورية . و خاصة إن عجز مناوؤهم مرحليا أن يخرجوا
إختراعات تقنية تثبث نظرياتهم . و لا شك أنّ مثل هذه الجدلية مفيدة جدا للصراع
الفكري إذ هو بوابة التراكم العلمي .
إنّ
النقطة المركزية الثانية التي تفصل العلم عن العقيدة هي مسألة السلطة و المرجعية،
فمرجعية العلم هي الظواهر الطبيعية و الملاحظة و التجربة ، أمّا العقيدة فمرجعيتها
النص و ما يدور حول النص من شروح ، فرجال الكنيسة الكاثوليكية اعتمدوا
"العهدين" القديم و الجديد و اعتمدوا كتابات أرسطو مقدسة لا تقبل النقاش،
فالحقيقة عندهم تنبع من النص و حدود السؤال و البحث ينبغي أن تُضبط وفق هدى النص ،
فمسألة
دوران الأرض ووجود أقمار لعطارد و سرعة سقوط الأجسام بالنظر لكتلتها ، لا ينبغي أن
تُدرس موضوعيا بل ينبغي أن تُستنتج من النصوص ذاتها . أمّا العلماء فلا سلطة
يلتزمون بها و لا نص بل دليل موضوعي يمكن تكرار حدوثه أو فهمه موضوعيا على الأقل
نظريا أو رياضيا ،
و
مع مرور الزمن أصبح من الصعب إنكار البديهي فبدل رفض النص أو جزءا منه ، غيّر رجال
الكنيسة كتف البندقية فحاولوا قراءة ما أسموه أناجيل و عهدا قديما قراءة مجازية
فقد فيها الدليل الموضوعي مكانه ليحل مكانه الذوق ، لنصل إلى مستوى قول الكنيسة
أنّ الأخلاق الفردية لا ينبغي أن تربط ربطا مباشرا بالمسلمات العقائدية .
قد
يرى القارئ في هذه المقدمة التي سيتبعها تفصيل في الأحداث التاريخية في صراع العلم
مع العقيدة تحاملا على العقائد و أصحابها و الأمر يحتاج لتوضيح.
للعقيدة
جانب مهم في حفظ توازن الفرد النفسي و هذا الجانب لن تستطيع الكشوف العلمية و لن
يستطيع العلم تجاوزه إذ هو متعلق بحالة نفسية و ليس بمسلمات عقائدية ، فالمتألهين
و بعض "المتصوفة" و "الرهبان" يعملون بصدق من أجل السلام
الإنساني و توسيع دائرة الحب الإنسانية و تمثل العقيدة في نفوسهم بُعدا خافتا و هو
و إن كان موجودا لكنّه ليس هو الطاغي و المهيمن في علاقتهم الإنسانية.
و
في ختام هذه المقدّمة أسجل أن الوحي يحتاج لمعرفة صحته مطابقته بالحقائق الموضوعية
العلمية و ليس العكس، فالوحي القرءاني و التوراتي مجال فسيح للبحث و دفع له و ليس
غلق للإنسان في قوقعة مسلمات .
الحبر
القاتل
لعلّ
أكبر سؤال فجرّ مسيرة العلم أتى من رؤيتنا للسماء :
أي
الجرمين يدور حول صاحبه ، الشمس أو الأرض ؟؟
مثل
هذا السؤال في عصرنا الحالي لا إعتبار له و لا أهمية و لكنّه فجرّ في القرون
الوسطى صراعا داميا و أدرك الكهنوت "المسيحي" أنّ في مقولات دوران الأرض
حول الشمس حتفه و نهاية سلطته، فلقد بلغ الكهنوت بحربه هذه ضد القول بدوران الأرض
ذروة الجريمة بحرق الفلكي
Giordano
Bruno
في
16 فيفري من سنة 1600 بعد الميلاد ، و جيوردانو نفسه بدأ حياته دارسا في علك
الكلام اللاهوتي المسيحي و أنهى مساره منكرا لكل الكتب "المقدسّة" ،
أنهاها نبيّا بالمعنى الرسالي و فاتحا لأفق الإنسان بعيدا عن الناطقين بإسمه.
و
لنبدأ القصة من أولّها .
إلى
تاريخ متأخر كانت النظرية السائدة هي نظرية بطليموس (130 سنة قبل الميلاد تقريبا)
، فالأرض في هذه النظرية ثابثة و تدور حولها بقية الأجرام من قمر و شمس و كواكب
و
أتى الفلكي
Copernic برؤية
مخالفة تماما و أثبث بما لديه من أدلة أنّ للأرض حركتين ، حركة حول نفسها مرّة في
اليوم و حركة حول الشمس مرّة في السنة و كانت الفاجعة.
و
مع أنّ هذه النظرية ليست ثورة في حد ذاتها فقد سبق أهل أثينا كوبرنيك بخمسة عشر
قرنا في القول بدوران الأرض حول الشمس خاصة مدرسة الفيثاغوريين و يؤرخ الباحثين
لأول القائلين بدوران الأرض حول الشمس بالأثيني Aristarque
de Samos المولود بحوالي ثلاث قرون قبل الميلاد و من
أعماله الكبرى إختراع طريقة هندسية لحساب المسافة بين
القمر
و الشمس .
و
لا بد هنا أن نشير أنّ العقائديين في كل زمان و مكان لا يهمهم الدليل الموضوعي بل
ما يهمهم هو ما وجدوا عليه أباءهم أو ما ظنّوه قراءة صحيحة لكتبهم
"المقدسة"، فلقد وشى المشائي
cleanthe
بصاحبنا أريستارك و اتهمه بقلّة "الدين" ، و لكن لحسم حظ الفلكي فقد
كانت أثينا أقزى و أرحم من أن تنزل لمستوى العقائديين و انتهت الوشاية من دون أي
نتيجة.
لم
يكن للأثنيين القائلين بحركة الأرض حول الشمس أي دليل موضوعي سوى الإستقراءات و
البراهين الهندسية و لعل هذا هو نقطة الضعف الكبرى في المنهج العلمي لأهل أثينا
فغالبا ما كانوا يكتفون بالإستقراء دون البحث في الدليل الموضوعي بتتبع المجرات و
الكواكب و حساب حركتها الدقيق و لا يمكننا لومهم ، إذ المنظار لم يُكتشف بعد.
و
كان المجد لكوبرنيك في إخراج نظرية أريستارك للوجود ثانية ، فكوبرنيك لم يُنشأ
نظريته من العدم بل كل الباحثين اليوم يعترفون أن كوبرنيك اطلّع على أعمال
أريستارك في زمن كان الناس يحترمون كل كل ما يأتي من الكلاسيكيات الأثينية خاصة و
أن كوبرنيك بديبلوماسيته لم يواجه الكنيسة بل قال أنّ ما يعرضه مجرد فرضية عمل . و
مع هذا كانت الرقابة الكنسية مشددة عليه و زادت شدتها على الفلكي Galileo
Galilei و لعل البعض يرى في مذهب البروتستانت مذهبا
أكثر إنفتاحا لقبول بينات العلم و نصحح هنا هذه الفكرة ، إذ أنّ هجومهم على غاليلي
كان أشد ضراوة عليه من الكاثوليك، فهي سنة يظهر أنّ المضطهد و الأقليات أكثر تعصبا
و شدّة و لكي لا ننخدع بالشعارات فما يحدث على الأرض هو الفيصل في الحكم هلى
الناس.
ها
هو قديس البروتستانت Luther يكتب :
"بعض
الناس يُصغي لوصولي آت من سلفه المنجمين ـ يعني به غاليلي ـ و هو يُجهد نفسه
ليبرهن أن الأرض هي التي تدور و ليست السماوات و الشمس و ما تحت قبّة القمر. فمن
هو العاقل الذي يمكنه التخلي عن النظام الطبيعي الأوفى ليتبع هذا النظام الجديد ؟
هذا
الغبي ـ يعني غاليلي ـ يريد قلب كل العلم الفلكي و لكن كتبنا المقدّسة تقول أن
يوشع أمر الشمس أن تقف ، و لم يأمر الأرض أن تتوقف"
و
بعبارات تشبه سابقتها تهجم Calvin على غاليلي و بعد أن استشهد
بعباراة من العهد القديم قال منتصرا :
"من
يجرؤ أن يضع سلطة غاليلي العلمية فوق سلطة الروح القدس !!"
هنا
درس لكل إنسان أن يبتعد عن إيراد قراءته للنص المقدس كحقيقة نهائية و عليه أن
يلتزم الدليل الموضوعي ، فلا يصلح إلى الصحيح في النهاية ، و نرى اليوم كيف يستحي
البروتستانت و الكاثوليك من عرض مثل هاته العبارات المحرجة لقديسيهم.
إنّ
ما فعلته محاكم التفتيش في حربها ضد نظرية حركة الأرض حول الشمس لن يمح أبدا و
سيبقى وصمة عار خاصة و أنّه ألقى بضباب قاتم على التوراة و منع الأدمغة الحرّة من
التفاعل الإيجابي مع الرسالة إذ أغلب الناس و إلى اليوم ترى "العهد
القديم" و "الجديد" لا يصلح لشيء إسمه علم و هم محقين في هذا من
جانب، فقراءة الكهوت لترجمة التوراة كارثة حقيقية و لن نتحدث هنا عن الوحي الموازي
و عن صحائف الأناجي . فما يستطيعه باحث ظن أن قراءة الكهنوت هي عين الرسالة إلاّ
أن يرفض الرسالة سرّا أو جهرا.
و
لكن ما هو السبب لرفض حركة الأرض حول الشمس ؟
كان
يكفي لكل النصوص التي عرضها الكهنوت أن تُأول تأويلا لا يُضعفها كي تتجاوز
الإنسانية الأزمة خاصة و أنّ أغلب القائلين بحركة الأرض حول الشمس
"متدينين" و لم يُنكر أحدهم "الكتب المقدّسة" و لا حاولوا
المساس بسلطة الكنيسة ، لكن الأمر أبعد و أعمق من هذا.
أهمية
الإنسان هي العنصر و المحور الأساس في النص الديني و خلاصه هو متكأ الكهنوت الذي
يزعم الدفاع و البحث و الإهتمام بمصير الإنسان و بصلاحه الدنيوي و الأخروي . و
يذهب هذا الكهنوت أبعد ، فالله في نظرهم خلق الكون كلّه للإنسان.
و
هنا الأزمة.
فنظرية
كوبرنيك تجعل الأرض كأي كوكب أخر لا مزية لها و لا علامة خاصة فهي تدور كالزهرة و
زحل و عطارد حول الشمس و مع أنّ نظرية كوبرنيك لم تدّع مطلقا أنّها أسقطت الأرض و
الإنسان من مرتبتهما العالية و لكن هكذا أدرك الكهنوت خطورة هذا الأمر. فإعتقادنا
كإنسانية أن الأجرام هي التي تحوم علينا مرّة في اليوم يعطينا حسب هذا الكهنوت
أهمية و منزلة و يجعل تخصيص الله لنا أمرا حقيقيا أمّا و الأمر معكوس فلا مزية لنا
و لا إصطفاء.
إنّنا
هنا أمام أزمة حقيقية إلى اليوم ، فأرضنا صغيرة ضئيلة حتى أمام كواكب مجموعتنا
الشمسية و موقعنا لا خاصية فيه و ووجودنا يكاد يشبه حبة رمل في الصحراء بل أصغر
منها ، مثل هذا الأمر خطير جدّا لإقناع الناس أنّهم المصطفون .
و
يكفي أن نر كيف تعاملت الكنيسة الكاثوليكية مع هذا الحدث كي نُدرك عبقريتها في
التنبأ لعظم الأزمة المقبلة، فقد عفت عن كيبلر مع أنّه بروتستانتي و اعتبرته عالما
كبيرا لسببين ، الأول أنّه قال أنه ما قدمه ليس إلاّ مجرد فرضية و الثاني لأنه
منجم الملك رودولف الثاني و يظهر لي أن الثانية أقوى من الأولى في حكم الكهنوت و
صمته و جبنه.
للأسف
لم يكن حظ غاليلي (1564 ـ 1642) كحظ صاحبه كيبلر مع أنّ أعمال غاليلي أكبر و أعمق
فقد كان أول من حاول و نجح في الربط بين التجربة العلمية و صياغتها في قالب رياضي
و لعلّ قانون العطالة يشهد بعبقرية هذا الرجل فلأول مرّة يستطيع عالم أن يتجاوز
مقولة من مقولات أرسطو في العالم ا"المسيحي" و يجعل من التسارع هو سبب
وجود القوّة الخارجية و ليس السرعة. كان هذا بحق أول عمل مشهود للإنسانية ،
فغاليلي أثبت موضوعيا أن الجسم الذي يُترك لحاله دون تدخل قوّة خارجية سيواصل
حركته
بسرعة
ثابثة !!!
[قد
قام بتجربته من أعالي برج مدينة pise إذ ألقى بكتلتين مختلفتين من
معدن الرصاص و رأى الجميع أنهما يصلان ـ تقريبا ـ في نفس الوقت .
و
نعلم الأن أنّ قوة أرخميدس و قوى الضغط الهوائي هي المسؤولة عن هذا الفارق البسيط
في وصول الكتلتين إلى سطح الأرض و لكن غاليلي لم يكن يملك أنذاك منظومتنا
الميكانيكية المتكاملة، وواصل غليلي تجاربه بعبقرية فذة و بجهاد كبير ليقنع الجميع
بأحقية قانون العطالة أنّ هذا الفارق القليل سببه وجود الهواء .
لن
أستمر طويلا في عرض أعمال غاليلي فما يهمنا هنا هو صراع الدليل الموضوعي مع قراءة
الناس للنص و تحول الإنسان لكائن عقائدي يرفض الدليل و هو أمامه بل لا يكتفي
بالرفض لنراه يسير في قمع العلماء و الباحثين و إرادة تكميم أفواههم و قتلهم
لحماية مسلماته. لكنني لا أستطيع القفز على حدث قلب الإنسانية رأسا على عقب و لعله
أكبر جرائم غاليلي ألا و هو إختراعه للمبصار Telescope غيظ
الكنيسة تفجرّ و بدأت تحضر النفوس لشرعنة هجومها.
كيف
لغاليلي أن يقول أنّ في الشمس نقاط سوداء ، هل في خلق الله عيوب !!
كيف
له أن يقول أن في القمر جبال !!
بطبيعة
الحال فكلا التساؤلين لا محل لهما من الإعراب و يكفي أن ير ألناس أنهم يمرضون و
يموتون و لكن لا ندري كيف يستطيع الكهنة التأثير على الناس بالترهات و هو أمر يحدث
إلى الأن.
ووصل
أمر الكهنة أن كتب أحدهم تحذيرا إلى أتباع غاليلي أن يبتعدوا عن دراسة الهندسة
لأنها من وحي الشيطان و أنّ الرياضيات هي مدخل كل الضلال . و نفهم هذا السعار إذ
أنّ مبصار غاليلي اثبت أنّ الكواكب السيارة بعيدة عن القمر و لقد كانت عقيدة
الكنيسة بل عقيدة كل الناس تقريبا أنذاك أنّ أخر جرم في الكون هو القمر !!!
مصيبة
كبرى ما يفعله غاليلي.
إن
كانت هذه الكواكب تشبه الأرض فهي حتما مسكونة و إن كانت مسكونة فهل الناس هناك من
سلالة نوح ما بعد الطوفان أم من أجناس أخرى لا علاقة لها بنوح و ءادم ؟؟
إنتهت
هذه المحادثات كالعادة بوثيقة كنسية توجب على الناس مسلماتهم و هذا نصّها :
"أول
التعليمات :
و
هو القول أن الشمس هي المركز و هي ثابثة لا تدور حول الأرض قول سخيف ، غير معقول ،
خاطئ عقائديا و ضال مبتدع لأنه مخالف لنص التنزيل المقدس .
ثاني
التعليمات :
القول
أنّ الأرض ليست المركز و متحركة تدور حول الشمس قول غير معقول ، خاطئ فلسفيا ، و
أقل ما يُقال عنه في ميدان العقيدة أنّه مناقض لها"
هنا
أنبه القائلين أنّ المجتمع "المسيحي" هو الأرحب لتطور العلم أن يراجع
حساباته ، فلم ينشأ العلم إلاّ بحربه للكهنوت بجيمع أطيافه و ما الكهنوت إلاّ عامل
تسريع لإنتشاره فغباءه لا يسمح له إلاّ بالقمع و بالقمع تنتشر البذور.
حين
كتابة التعليمات أعلاه أرسل الباب أمرا لغاليلي أن يتقدم لأقرب محكمة تفتيش كي
يُسأل عن عقيدته و عن فحوى ما يدّعيه و تقدّم الشيخ الكبير و اعترف ـ مرغما ـ
بأخطاءه !!! في 26 فيفيري سنة 1616 بعد الميلاد ووعد علانية أن يمتنع عن تدريس
فرضية كوبرنيك و القول بها سرا و علانية ، و ذكره البعض بما حدث لجيوردانو من قبل
ستة عشر سنة.
كان
غاليلي حسب مؤرخيه رجلا متفائلا ، فإنسحابه لم يعن له إلاّ إنتظار فرصة للعودة
للساحة ثانية و طال إنتظاره إلى سنة 1623 حين اعتلى صديقه Urbain
VIII عرش الباباوية الكاثوليكية و ظن غاليلي
المسكين أن صاحبه سيكون أكثر تسامحا معه و بدأ بتأليف كتابه الشهير "حوارات
حول نظامي العالم الكبيرين" سنة 1630 و أتمهما سنة 1632 و سارع لنشرهما في
نفس السنة و هو يقصد بنظامي العلم نظام بطليموس "ثباث الأرض" و نظام
كوبرينك "ثباث الشمس" أين رافع من أجل الثاني.
ترحيب
الناس بمبادرة غاليلي بالتأليف لم يدم طويلا فطوال سكوته عمل مناوءوه على تقزيم
أفكاره دون رد منه و أمام هجمته هذه بدأ الرد. فقد كتب أحد ممثلي الكنيسة
Melchior
Inchofer ردا على الكتاب الجديد :
"القول
بحركة الأرض هو أكثر البدع ضلالا و الأكثر قرفا و هوانا . فثباث الأرض مقدّس ثلاث
مرّات ، فلنا أن نتسامح في التشكيك بخلود الروح و في وجود الباري و في حلول الروح
القدس و لكن ليس لنا أن نتسامح بالقول بحركة الأرض"
بدأ
الهجوم عنيفا على الشيخ الهرم المريض و الذي يكاد أن يصيبه عمى البصر و انتهى
بدعوة غاليلي إلى روما ليقف أمام محكمة التفتيش الكبرى هناك ، و لقد اعتبرت هذه
المحكمة غاليلي ناقضا للعهد الذي قطعه على نفسه سنة 1616 .
غاليلي
أراد التملص فقد أرسل رسالة للبابا يخبره فيها أن المرض يمنعه من السفر من فلورنس
إلى روما و ردّ عليه البابا أن سيرسل طبيبه الخاص لفحصه إن استدعى الأمر و سيُنقل
مكبّلا إلى روما إن تبين خلاف ما يدعيه.
لم
يبق للمسكين إلاّ السفر إلى روما فقد ظن لحظة أنّه سيستعطف البابا ـ صديقه القديم
ـ ، و لكن هيهات لأصحاب العقائد أن يسكتوا سلطتهم لحظة مراعاة للصداقة. فلقد أصبح
هذا البابا عدو غاليلي اللدود و لنا أن ننتبه فلا نأمل شيئا من أصحاب العقائد عند
مهاجمة مسلماتهم فالأمر عندهم لا يجري وفق الدليل الموضوعي بل بما ظنّوه حقيقة.
وصل
الشيخ إلفى روما و أودع السجن بمجرد وصوله و هددوه بتعذيبه إن لم يتب من ضلاله !!!
لقد
قيل له أنّ الكنيسة ستعفو عنه إن هو :
"تاب
بقلب صادق و لعن و كره في السر و العلن أقواله السابقة و بدعه"
و
لم يبق للرجل إلاّ التوبة ليسلم و هذا ما فعله و لكن الأمور جرت عكس ما توقعه ،
فقد حوكم بـ :
"السجن
الصوري في هذه الكنسية المقدسة حسب رغبة قداسة البابا ، و تمثيلا لتوبتك و صدقها و
خلاصك الشخصي نطالبك بتلاوة دعوات التوبة السبعة مرّة في الأسبوع خلال ثلاث
سنوات"
و
هذا نص الدعوات السبعة التي تلاها غاليلي راكعا على قدميه و يديه على "الكتاب
المقدّس":
"أعلن
توبتي ، ألعن و أبغض خطائي و بدعي السابقة ، و أقسم أن لا أقول بها و لا أدعو لها
أبدا ما حييت، كتابيا أو شفويا مما يمكنه التشكيك بتوبتي هذه"
بل
إنّه مُنع من رؤية أهله و أصحابه في هذا السجن الكنيسة و أصابه عمى البصر سنة 1637
و توفي سنّة 1642 سنة ميلاد إسحاق نيوتن.
إنّنا
اليوم نضحك من هذه الأفعال و ذات هذه الأفعال تتكرر في عالمنا اليوم بصور أخرى و
لكننا داخل المسبح لا نرى ما يحدث و إعادتنا إلى هذا الصراع القديم هو محاولة
لنخرج من المسبح و نرى الأمور من أعلى لنرى أن نفس المنطق يتكرر.
لما
الخوف ؟؟
عند
سماع ديكارت خبر عقاب غاليلي فرّ هاربا إلى هولندا أين تولّت الحكومة حمايته هناك
رغم صراخ البروتستانت هناك بمعقابته. فتسامحهم مع العلماء محض خرافة فحقيقة الأمر
أنّ البروتستانت لم تكن لهم قوة محاكم التفتيش .
و
إلى وقت متأخر في حدود سنّة 1873 كتب أحدهم و كان مديرا للمدرسة الأمريكية
اللوثرية في الميسوري أنّ الحقيقة لا بد أن يُبحث عنها في الكتاب المقدّس و ليس في
كتب الفلكيين من أمثال غاليلي و كوبرنيك و نيوتن و أتباعهم . و لكن صدى هذا الصوت
لم يكن ليتجاوز صاحبه فلقد أصبح العالم مقتنعا أنّ كلام هؤلاء العلماء خطوة جبّارة
ضرورية و مهمة في طريق تطوّر معارفنا العلمية.
الخوف
لم يصب فقط ديكارت، فقد أصاب المجتمع الكنسي إن لم نقل العالم كلّه في القرون
الوسطى في قضية النيازك أو الشهب. و لنقص الحدث الأن.
العقيدة
الكنسية كانت منظومة كاملة تبث في كل قضايا الوجود بتقرير نهائي يصبح مسلمة و كانت
الكنيسة تتحدث تقريبا عن كل شيء و لا تدع شيئا إلاّ و عقدّته "جعلته
عقيدة" و هذا ما يعرّضها طبيعة إلى حرب ضد كل رأي جديد. ففي أراء أباء
الكنيسة كثير من الأفكار العلمية التي انتهى مفعولها و لكن الكنيسة بحكم هذه
العقدة العقائدية ظلّت إلى أقصى حد مدافعة عنها بل و محاربة لكل من يخالفها. و كان
للكنيسة في قضية النيازك مرجعيتين .
الأولى
أنّ السنن الكونية ليست ثابثة بل هي تخضع للتدخل المباشر للقوى ورائية تستطيع متى
تريد أن تتدخل لتحويرها، فحسب الكنيسة هناك الظواهر تحدث بطريقة متكررة، فطلوع
الشمس و الفصول هي ظواهر سننية متكررة و هناك ظواهر أخرى سمتها الكنيسة علامات و
نُذر تُنبأ عند حدوثها بأحداث مستقبلية و تدعو الناس للتوبة من خطاياهم.
و
منذ غاليلي أدخلنا العلم مرحلة جديدة ، فالسنن ليست بالضرورة متكررة، فحركة الأرض
حول الشمس ليست أبدية و بفعل حركة القمر حول الأرض و غيرها من العوامل لن تطلع
الشمس علينا كما تفعله اليوم. مثل هذا المفهوم كان غريبا و غير قابل للتصديق في
القرون الوسطى ، فالإنسانية كانت لا ترى سنني إلاّ ما هو متكرر أما من لا يتكرر
حدوثه بإنتظام فهو بالضرورة من فعل مباشر من "الله" و ليست قانون سنني .
المرجعية
الثانية للكنيسة هي أن كل ما هو فوق الغلاف الجوّي الأرضي لا يمكن أن يفن و هو
أبدي سرمدي قائم لا يزول و و مثل هذه الفكرة قديمة قدم بحوث أهل بيبلون الفلكية
فالأبراج ثابثة و النجوم لا تتحرك و ليس هناك جديد في السماء منذ أن رفع الإنسان
رأسه إلى السماء. و لكن هناك إستثناءات منها ظواهر الكسوف و الخسوف و مرور النيازك
و الشهب.
ليس
هناك في السماء تغيير فالتغير و التبدل مكانه الأرض أمّا السماء فهي مملكة الله
السرمدية الأبدية و لكن !!!
قضية
النيازك و الشهب وجدت حلاّ لتبقى هذه المنظومة العقائدية دون تغيير. فقد قالوا أنّ
هذه الظواهر تحدث تحت القمر و سادت إلى غاية القرون الوسطى هذه الفكرة ، أنّ ظواهر
التغيير و التحويل و الفساد تحدث بين القمر و الأرض أمّا السماء فهي ما فوق القمر
!!
لقد
ناصرت الكنيسة هذه الفكرة و بقيت على موقفها رغم كل الأدلة على بطلانها و بقيت
شعارات :
"من
الأتراك و من النيازك، يا إلهي خلّصنا"
و
كتب لوثر قديس البروتستانت :
"الوثنيون
يكتبون أنّ الشهب يمكن أن تأت من اسباب طبيعية، و لكنّي أقول أنّ الله لم يخلق
نُذرا أشد من الشهب لتتحذيرنا من المصائب المقبلة"
و
جاء كتاب مدير جامعة كليمانتين في روما الأب الكاثوليكي Augustin
de Angelis سنةّ 1673 ردّا على العالم الفلكي Tycho
- Brahe :
"الشهب
ليست أجراما سماوية و لكنّها تنشأ في جو الأرض تحت القمر ، لأنّ كل ما هو سماوي لا
يتغير و لا يتحول و لا يفسد و هو أبدي ، لكن الشهب لها بداية و نهاية و لذلك فهي
لا يمكن أن تكون أجرام سماوية"
هذا
الكلام العجيب جاء ليرد على تفسير الفلكي براهي لنيزك سنّة 1577 الذي ظهر و برهن
براهي أنّ هذا النيزك بعيد جدّا عن القمر !! بل و يذهب الأب قسطنطين السابق أنّ
هذه الشهب تسيرها "ملائكة" بأجنحتها بأمر إلهي مباشر.
و
جاءت ضربات الدليل الموضوعي لتضع الكنيسة في مأزق شديد. فقد برهن كل من Doerfel و
Halley أن
مذنبات سنة 1680 و سنة 1682 لها أفلاك محددة و أتم البرهنة نيوتن أنّ هذه الأفلاك
يمكن معرفتها بقوانين الديناميك الميكانيكية.
هول
الزلزال جعل الكنيسة تختفي خلف ظواهر طبيعية أخرى لتمرير عقائدها فلم يبق لها إلاّ
الزلازل و البراكين و لكن القارئ يُدرك أنّ ءاخر القلاع الكنيسية سقطت و لم يبق
إلا الجانب "الأخلاقي" لتمرر به سلطتها.
عندما
نجعل من النص وحده سائقا لأراءنا نسقط في وهم قراءتنا، فالتوراة و القرءان لا
يُمكن فصلها عن دراسة الكون نفسه بأدلته الموضوعية و لا يمكن لمجتمع أن يكون
توراتيا أو قرءانيا إلاّ إذا كانت المخابر فيه أكثر عددا من المقاهي و المخابز و
الملاهي و إلاّ عندما يُجهد الناس أنفسهم بحثا في الدليل الموضوعي تنظيرا و إبصارا
و يسعون لتطوير علمهم و آليات البحث، دون هذا فالنص وحده يصنع الدجل و الخرافة و
الكهنوتية و سلطة الوهم.
يتحدث
أصحاب العقائد عن الجانب العقدي الماورائي للرسالة و يدافعون عن رؤى أسسها أسلافهم
و ينسون الحديث عن النقطة الجوهرية في حديث الرسالة و مسار الأنبياء و هي كم
الأفكار الإجتماعية التي تحملها الرسالة و نضال من حملوها من أجل التغيير الإجتمعي
نجو مجتمع الإنسان . فلا نبوّة دون غاية إجتماعية ووظيفة الأنبياء إجتماعية أولا و
أخيرا.
إنّ
"الدين" مضر جدّا بالإنسان عندما يصبح سجنا له ، يمنعه من الإرتقاء و
التواصل مع الأخر و يحصؤ فكره في مسلّمات صعبة التبرير، و هو بهذا لن يصبح دينا بل
عقيدة و هو للأسف ما كرسته الكنائس بمهياكلها المتنوّعة، و منه نسخت الديانة
الجديدة عقائدها و أقصد بها العقيدة القومية. فقد جعلت معتنقها يعيش وهما كبيرا و
يعبد وثنا لا يخدم مصالحه و لا يرتقي به بل يحرّك فيه غرائز منحدرة و هي السرور
بالقتل و الفرح لكل تسلط على الغير و التفوق عليه و إذلاله.
إنّ
الإنسان للحظتنا هذه عاجز أن يعيش في توازن نفسي دون عقيدة و قد ربط الإنسان نفسه
بسجن عقائدي ليقايضه براحة نفسية زعمها ضرورية . و هذا ما جعل إنفتاحه محدد برؤيته
المسبقة للوجود ، فماهية حركتنا مرتبطة أساس بما نحمله من رؤية للوجود. فالعقيدة
بهذا المفهوم جزء من حركتنا و الخيار الذي فرضناه على أنفسنا ليس مطروحا في إعتناق
عقيدة أو العيش دون عقيدة بل إختيار بين عقيدة نراها حسنة و ترك عقيدة نراها سيئة.
غاب
في هذا الإختيار غيابا شبه كلي محاولة بني ءادم دراسة تطايق ما يعتقدون مع الحقيقة
الموضوعية المشاهدة في لحظة ما من التاريخ و لبست العقائد طابعا نفسيا مرتبطا
بالإنتماء للقوم و الأمة و الجماعة و الإجماع و إحداث الفرقة بين الأنبياء بإختيار
رسالة أحدهم و نبذ الأخرين بذا فيه ديبلوماسية الإحترام الشفوي .
العقيدة
المطابقة للدليل الموضوعي في لحظة تاريخية ما هي ما نستطيع تسميته بالعلم و أوّل
تعاريفه حصر التنوّع في الوحدة. فالتنوّع تحكمه نفس السنن و كشفها هو طريق العلم
نحو وحدة الرؤية لظواهر الوجود و لعلّ هذا ما يخيف أهل العقائد و إن لم يروه ،
فالعقائدي دائما مهووس بإبقاء التنوّع و التعدد ، ليس في إطاره المظهري بل حتى في
التصوّر، فإختلاف الطقوس عنده يغير من ماهية الإنسان و تنوّع العقائد عنده كسر
للعلاقة مع الوجود.
العلم
سير إلى الوحدة ضرورة . هو في عمقه دعوة لتجاوز الحس المباشر نحو الرؤية و إخراج
للإنسان من شرنقة المحسوس المباشر و تفجير لطاقاته الداخلية أو ما تسميها الرسالة
نفخ الروح. فالإنسان بنفخ الروح فيه مرّ من الركائز الأربعة للوجود ( النار ـ
التراب ـ الماء ـ الهواء) إلى وحدة هاته الظواهر عبر اللبنات الأساسية للمادة في
العالم المتناهي الصغر و هو الأن يبحث عن وحدة القوى الأربعة في منظومة واحدة و يحاول
البحث في طريق إيجاد الجسر بين العالم الميت و العلم الحي، فكل سيرنا العلمي هدفه
هو هذه الوحدة "قل هو الله أحد".
هذه
الوحدة ليس معناها نبذ ذاتية الموجودات و لكن جعل وجودها ظاهرة لشبكة من العلاقت
داخل الوجود الواحد ذي السنةّ الواحدة، فما نعتبره موجودات ذاتية ليس إلاّ تجريدا
عقائديا في هذه المرحلة يسمح لنا بالإرتقاء المعرفي، فالحق واحد و إن رأى الناس
حقائق الوجود متنوعة متعددة. و أبسط مثال على ذلك هو الإنسان ذاته ، فإبراهيم بن
نبي اليوم ليس هو بن نبي من قبل عشرين سنة و لن يكون بن نبي غدا ، فذاكرته المرتبطة
بالمحيط تصنع منه كل يوم إنسانا أخر فأنا ذات واحدة بوحدة ذاكرتي فقط و إعتبارها
هي المسيطرة على حركتي المستقبلية.
القول
أننا نعيش بين وحدات ذاتية مستقلة ناشئة من الجهل بوحدة الوجود في إطارها الكوني،
فالنظر إلى الإنسان الفرد على أنّه وحدة مستقلة مفيد و إن كان خاطئا أفيد لإنتشال
الإنسان من قمع "الوطن" و "الدولة" و "الحزب" و
"القومية" التي تريد جعله آلة لحركتها الوحشية . و الواقع أنّ هناك
معارج تجريدية من الحقيقة الكلّية، فالسياسي لا يرى الأفراد فردا فردا بذاتيتهم بل
يعتبر الذات المستقلة هي المجموع و يعتبرها أكبر أهمية من كل فرد داخل هذا المجموع
، و هذا ما سبّبّ الكوارث التي عاشتها الإنسانية بمجموعها و لا زالت تعيشها و لن
نخرج من هذا الإشكال الكبير إلاّ إن اعتبرنا الإنسان كفرد تجريدا كذلك من الحقيقة
الكلية. فإعتبار ذواتنا ذواتا مستقلة في حركتنا الإجتماعية وهم، فالواقع هو تشابك
أطراف مرتبطة لكل و إعتبار كل طرف مستقل ليس إلاّ تجريدا لهذه الواقع.
البحث
العلمي المعاصر جعلنا ننظر للوجود نظرة تختلف جذريا عن نظرة أسلافنا فقد جعل الحس
منحصرا جدّا في علاقته بالحقيقة، ذلك لأنّ وجودنا منحصر في نقطة ضئيلة من هذا
الكون الفسيح و لا علم لنا حتّى إستقراءا بالشروط التي تسيّر الوجود في أطرافه
البعيدة و كذا لإنحسار حسنّا نفسه للتفاعل مع الواقع إلاّ إستقراءا ، فبصرنا
الذاتي لا يمنكه رؤية الأشعة ما تحت البنفسجية و الموجات الطويلة و سمعنا لا يمكنه
إلتقاط الموجات الطويلة و القصيرة هذا بفرض أننا استطعنا إكتساح المسافات الضوئية
في كوننا هذا.
الرسالة
مهمتها طمأنة الإنسان الفرد أنّه حلقة في الوجود يسعى لخدمة الأجيال التي تأتي
بكشف الأسماء أي بمساهمته بكشف حدود الوجود و تعليمها و أنّ رحلته في هذا الوجود
ليست منقطعة بل ستتصل ليذوب شيئا فشيئا في الكل الباحث في عوالم أكثر عمقا و خصبة
و تحضيرا للسير. أمّا أهل العقائد فمهمة أكبرهم طريقة أن يلتذ بالنعيم في تطبيق
أوامر السيد الأعلى الذي ظنّه ديكتاتورا و حينها فأزمة العقائدي ستحل في إسطبل
النعيم كبهيمة لم يفعّل نفخ الروح فيه.
نفي
الذاتية ليس نفيا للحرية و لكنّه نفي أن يكون للإنسان عمل في محيطه دون أن يتأثر
محيطه بما يفعل أو يتأثر هو بمحيطه فجدلية العلاقة هي من تجعل لأفعالنا مسؤولية.
و
هذا ما يجعل كل عقائدي يفكر في نتائج عمله على المستوى الإجتماعي أولاّ ليسأل نفسه
، هل تحقيق رغبات السيد الأعلى أولى أم تحقيق التناسق على الأرض و في إجتيازه لهذا
الخطوة سيُدرك أنّ هدف الرسالة هو نفسه تحقيق هذا التناسق.
للحديث
بقية
تعليقات
إرسال تعليق