ها نحن اقتربنا من إسم لوط ، إسم مرتبط ببقاء النواة التي تحفظ المولود مع والديه وصولا إلى البنوة المتمثلة في إسم إبراهيم و البشرى التي يحملها إسما إسحاق و يعقوب. و في السير لاحظنا مشكلات العقل ، مشكلات ربط خلايا الشبكة العصبية في إسم لوط التي يسميها القرءان عقل ءاياته في إسم لوط. هي شبكة تجعل من يدرس في ءايات لوط يلقي بشبكته في سورة الفيل فعبارة "حجارة من سجيل" لا تخطئها العين عند دراسة إسم لوط. و في التسويم ، أعني البحث عن الإسم في حجارة من سجيل :
مسومة عند ربك
سيدخل الباحث في بحث
الشبكة مرغما ثم يجد نفسه يطير من سورة الفيل إلى الأيات التي تحمل عبارة
"حجارة من سجيل"
أرسل عليهم طيرا أبابيل
و من يلاحظ عنوان سورة الفيل سيجد في نسخة القرءان "العثمانية" ثلاث
طيور تنطلق من عنوان السورة. إننا أمام رسم خاص لا يمكننا بحال تجاهله حتى و إن
ظنّ القارئ أن رسم الطيور هنا عبثي.
هي بنية قرءانية خاصة لا تتلو العبارات فقط بل تنشأ الرسم و يمكنني وضع هذه
الفرضية و هي إمكان وضع رسم القرءان منه، من داخله بل تصحيح أي خطأ في الرسم منه.
هي فرضية صعبة المنال و ليس لنا إلا أن نلق القلم الأن.
و عند قراءاتنا لعبارة :
إنّ في ذلك لأيات
للمتوسمين
نجد أنفسنا في نفس
إشكالية البحث عن الشبكة و سنجد أنفسنا أمام مقاطع
قطع من اليل – مصبحين – حجارة من سجيل
و الأية في القرءان هي
نافذة تساؤل ، و هذا التساؤل واضح ، هي في إمكان النبي الكريم أن يضع هذه العبارات
في ءايات أخرى من سور القرءان ؟؟ هل في إمكانه المراهنة على ذاكرته ؟؟ كيف يمكنه
التحقق ؟؟
بحث الشبكة العصبية في القرءان يجعلنا نرى حجم التعقيد في نص القرءان خاصة و أنّ
هذا التشبيك له محتوى و ليس قضية جمالية فإسم لوط له محتوى و هذه الإحالات من ءاية
لأخرى و من سورة لأخرى تضعنا أمام كائن حي.
هذا الكائن الحي نجد صورته الحية في سورة الصافات، سورة الأليات الجينية الفاصلة و
الواصلة ، لنقرأ :
وَإِنَّ لُوطٗا لَّمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ
إِذۡ نَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ
إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ
ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ
وَإِنَّكُمۡ لَتَمُرُّونَ عَلَيۡهِم مُّصۡبِحِينَ
وَبِٱلَّيۡلِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ
مرورنا على الأيات يحتاج لإستفاقة لنبصر لفظ
"مصبحين"، فإسم لوط مرتبط بالصبح و قد سبق بيانه في الجزء الأول
بإستفاضة، ففي غالبية الأيات المرتبطة بلوط نجد العذاب مرتبط بالصبح و مرتبط كذلك
بالليل "و بالليل" ، و المطلوب عقلها و ربطها بشبكتها العصبية لنرى رسم
الصورة متكاملة متناسقة. و كأننا في دماغ يرسم الصور بعمل متشابك "عقل"
لخلاياه العصبية و لعل هذا ما يلقي ضوءا على قول القرءان "لقد جاءكم رسول من
أنفسكم".
ءايات الصافات لم تقل "قطع من
اليل" و حذفت لفظ "قطع" . حذف كي يغلف دعوته للعقل لمن لم يصبه
الإصباح بعد و هو يقرأ ؟؟ ربما. أم هذا الحذف سنني ، إذ رسم الدماغ للصور يسقط
منها أجزاءا و إلا لزم رسمها طاقة أكبر، فعبارة "بالليل" تحيلنا إلى
"قطع من الليل".
و الأن سنلتفت لمحتوى
الأيات لنغوص أعمق مع من قرأ الجزء الأول من البحث و لنبدأ بأيات سورة هود:
قَالَ لَوۡ أَنَّ لِي بِكُمۡ قُوَّةً أَوۡ ءَاوِيٓ إِلَىٰ رُكۡنٖ
شَدِيدٖ
قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ
فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ
إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ
ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ
مهما تعاظمت الضغوط على إسم لوط فلن يصلوا إليه.
لوط إسم لمن لا صلة له مع جماعة الفصل مهما فعلوا. إسم لم لا يرضخ لهذا المشروع،
إسم محصن عن دائرة السلطة التي تدفع بكل قواها و بكل وسائلها لإدخال لوط و أهل لوط
في مشروعها و لكنها لا تصل إلى إسم لوط.
أهل لوط هم سبب الإسراء
، سيرا و سرا فالباء في كتاب الجلال دائما سببية ، هي ترسم ما تحت البيت، تدخلك
إلى البيت لتر السر. فسبب سير لوط هم أهله ، هم من هم معه في المشروع و لهذا السير
عوائق لا حد لها، عائق يرسمه المحيط "قطع من الليل"، فالليل ما الإبصار
فيه ضئيل ، هي حالة من الشك و الإرباك أمام إتساع دائرة مشروع الفصل و تمكنه من
المجتمع و سنعود لهذه النقطة في حينها. إتساع هذه الدائرة تجعل أهل لوط في حالة من
العزلة مع مجتمعهم و هذا ما يعبر عنه لفظ "أسر" و هو ليس شكا متصلا بل
ومضات من الشك "قطع" ، فالقطع في القرءان يعبر عن الندرة. و هنا يأتي
الإلتفات و عبارته الخارقة
وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ
إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ
هل هو نهي عن الإلتفات للأهل و إذن للإمرأت
بالإلتفات ؟؟ هي هكذا توحي لنا الأية. و لكنها تعبر لنا عن ضغط إمرأت لوط على أهل
لوط. هي من تلتفت و هي من تضغط بطرقها الغير المباشرة ليلتفت لوط و أهله.
ضغط امرأت لوط هو الأعظم ، فمن هو تحت إمرتك و مسؤوليتك تكفي منهم نظرة و شبح من
التعاسة ليدفعوك لتغيير الإتجاه و القناعة.
فالنضال في وجود الولد
صعب و تكفي السلطة الديكتاتورية تهديد أبناءك ليقف نضالك و يكفيهم تهديد زوجك لتضع
قناعتك جانبا. و يكفي تذمر عمالك كي تخضع لشروطهم و يكفي المظاهرات المليونية من
شعبك كي تعلن الحرب. فإمرأت لوط تريد أن يكون لها ما لباقي المجتمع من إمتيازات ،
فليس نحن فقط من نفهم و المجتمع كله مجنون ؟؟ و لا يمكننا أن نواصل في مشروع الوصل
و كل المجتمع في خانة الفصل ؟؟
لوط في القرءان متعلق بإمرأته ، فضغطها صعب رده و صعب أن يواصل لوط و أهله نضالهم
و امرأته تدفع بكل قواها لتغيير الإتجاه.
إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ
ليس ما سيصيبهم بل ما أصابهم. فالمرأت أصابها ما
أصاب المجتمع، أصابها فيروس الكسب في مجتمع القرية و فيروس الإمتثال للمنظومة :
إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ
ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ
ثم تأتي الإستفاقة "الصبح" إذ مجتمع
الفصل لا يمكنه أن يستقر و الكوارث ستتلاحق في مدة زمنية قصيرة بهكذا مشروع.
ثم لنلق براحلتنا في
واحة سورة الحجر:
فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ
مِّن سِجِّيلٍ
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ
توقفنا عبارة "لبسبيل مقيم"، هذه
العبارة التي تجمع الغاية "اللام" و السبب "الباء"، هو إذن
سبيل وحيد مقيم، هو السبيل الوحيد الذي يحدث الإستقرار في المجتمع، هو السبيل الذي
يقيم المجتمع و يترك لأفراده دافع الحركة "مقيم" و إلاّ بدأ الشلل
يدب في المجتمع و لا ننسى أننا في سورة
الحجر ، سورة رسم التحجر.
هذا السبيل تبحث السلطة ذي القوة عن استئصاله و
نقرأ في سورة العنكبوت
أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ
ٱلۡمُنكَرَۖ
قطع السبيل هو تصوير إلى
ندرة الوصل في المجتمع فغالبية المجتمع تعيش في أجزاء الفصل. و هو مشروع ممنهج من
السلطة لقطع السبيل و جعل الوصل حالة إسثتنائية و هنا نعيد الإشارة أن إسم لوط ليس
مرتبطا بالمثلية عضويا بل مرتبط بها من ناحية الغاية ، فحين تعم المثلية مجتمعا
تبدأ حينها و قبلها تجارة الأرحام و مشروع الفصل بين الوالد و مولوده. و لكن ظاهرة
الفصل ليست محصورة في المثلية بل في القرءان أسبابها الجوهرية، ففي سورة الأعراف:
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ
إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ
يَتَطَهَّرُونَ
و في سورة الحجر:
قَالُوٓاْ أَوَ لَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ
ٱلۡعَٰلَمِينَ
جوهر مشروع الفصل هو نظام القرية، فالقرية في
القرءان كل تجمع جوهره العلاقات الإقتصادية و الكسب ، هذا من جانب ، ثم تطور العلم
و التقنيات التي تسمح بالفصل صناعيا أي بإستعمال تقنيات عالية للفصل و علم الجينات
الأن يسمح لنا بتصور هذه الأليات الصناعية.
و هنا تظهر تبريرات إبراهيم لقوم لوط و دفاعه عنهم. أليس تطور العلم لا يمكن دفعه
و إقتصاد المجتمع و الكسب فيه أليس مبرار كافيا. و يكفي المولود حاضنة تربيه و هذه
يوفرها النظام القائم ؟؟
ثم تأتي الأيات لتصف إسم إبراهيم ، فإسمه متعلق بالحنف ، بالرجوع إلى الحق متى ما
ظهرت أدلته المقنعة ، تصف الأيات هذه العودة:
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَآءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ
يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيبٞ
لحليم من حيث إيجاد
المبررات فالحلم تفهم للأخرين ، هو بلوغ مرحلة رؤية التعقيدات، فإسم إبراهيم يحاول
أن يجد المبررات لقوم لوط ثم بتشرفه للغيب و رؤيته لكوارث هذا المشروع المعبر عنه
بلفظ "أواه" ، مفهوم متعلق بتشرف الغيب ، ها هو إبراهيم ينيب و يعود عن
موقفه الأول، فالتبريرات لا تنفع أمام نتائج المشروع.
فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ
ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ
حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ
هو هدي قرءاني أن نبق في مسيرة الوصل لا نحيد
عنها أيا كانت الإكراهات و أن نبق إسم لوط إسما قرءانيا بما يحمله من ثقل
المواجهة. و هي نافذة لمواصلة البحث في أهمية بقاء المولود في نواة والديه ، نافذة
نبقيها مفتوحة إلى حين و هي مرتبطة بالنجاة.
أنهي
يوم الأحد 19 فيفري 2023.
إبراهيم بن نبي
تعليقات
إرسال تعليق