التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ذو القرنين و بناء السد

 

شيء رهيب.

بشر يشبه البهائم المتوحشة يسرع الخطى في إتجاه دك المدينة و من فيها. يلتهم أدثاء النساء و يمزق أجساد الأطفال. لا يوقفه شيء. لا الرصاص و لا المدافع و لا حتى الطائرات. لا يعرف معنى للموت و الفناء. يسرع فقط ليلتهم كل شيء.

ينهمر و في فورة إندفاعه تتضاعف أمواجه أضعافا مضاعفة و يدفع بأعداده كأنّها الجراد.

ما إن انفلق السد حتّى صدقت النبوءة. و ها هي نهاية العالم الحتمية في وحشية منقطعة النظير.

 

هذه هي الصورة التي نقلتها التفاسير عن نبوءة "جوج" التلمودية و عن قصص "يأجوج م مأجوج" التفسيرية. و هي بلا شك صورة حيّة ناطقة تجعل الإنسان يعيش الحدث و هو يسارع الخطى فارا لينقذ جلده.

 

هذه الصورة تراها المجتمعات في كل مرحلة إنتقالية و ليست نبوءة لأخر الزمان كما يتصور من لم يمعن النظر في قراءة هدي القرءان.

حديث القرءان عن ذي القرنين ليس حديث تاريخ و حديثه عن يأجوج مأجوج ليس حديث عن نهاية العالم بل عن نهاية عالم. هو حديث عن جدلية السلطة و الباحثين عليها. لنشعل فانوسا في كهفنا لنطلّع على أسرار السياسة و ماهية اللاعبين فيها و اللاعبين من أجلها و المذبوحين خرافا على عتبتها دون وعي منهم بقصّة السلطة. لنقرأ في ءايات القرءان من يمكن أن نصفه في عصرنا بذي القرنين، من يمكننا أن نساعده على بناء السدّ.

 

لنبدأ :

83. "وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا

84. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ و ءاتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا

85. فَأَتْبَعَ سَبَبًا

86. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا

87. قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا

88. وَأَمَّا مَنْ ءامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا

89. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا

90. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمـٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمـ مِّن دُونِهَا سِتْرًا

91. كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا

92. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا

93. حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا

94. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا

95. قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمـْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا

96. ءاتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا

97. فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا

98. قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبى فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا "

 

حديث القرءان عن ذي القرنين حديث ذكر. تذكير بأمر و تلاوة لهذا الذاكرة و لكنّه ليس حديث عن تاريخ لأنّه نابع من "و يسألونك". فمن يتساءل يتوّجه إلى سؤال عن إسم "ذي القرنين" لا يعرف له تاريخ و لا يمكن للناس أن يعرفوه إلا من خلال إسمه. إلاّ من خصائصه و سماته و بتعبير القرءان بقوله.

 

كيف نربط الذكر بالإسم "ذي القرنين" ؟

هو ربط غير ممكن إلاّ إن عدنا للقرءان فهو من سيتلو علينا الإسم. الذكر إذن ليس إلاّ ذاكرة القرءان التي تتحدث عن الإسم "ذي القرنين" ، فالقرءان ينبهنّا أن نتذكر عند سؤالنا عن ماهية "السياسة" و تفاصيلها هذه الأيات. نتذكرها كي تجيب عن تساؤلاتنا أولا و ثانيا و أخرا.

 

من هو ذي القرنين ؟؟ ما هو إسمه ؟ أو إن شئنا ما هي خصائصه و محدداته ؟

 

ذو القرنين له مكانة ، قدمه راسخة في الأرض. فالتمكين في الأرض ليس تحكمّا في سلطة و لا قيادة لعصبية و نواة تمكّن من يحملها أن يتسلط. بل التمكين في الأرض في المفهوم القرءاني هو رسوخ القدم في التشبت بالحياة، هو هذه الروح العالية التي تبعد عنك اليأس.

 

الأرض في القرءان مفهوم متعلق بكل مكان يمكنه حمل الحياة و المكان في الأرض هو ميم الحياة المستقرة إختفاءا إذ جذر " ك ن" في القرءان يعبر عن الكينونة عن الأمر المختفي في محاره ، فلا مجال لطلبه إلاّ بفتح المحار لطفا. و فوق ذلك ففعل " مكّنا" المشدود في كافه يعبر عن هذا التثبيث ، فليس ذو القرنين من يترك الموت و الهلاك يدب حوله. إنّه راعي الحياة و يملك إمكانية رعايتها لأنّه قطف في حياته من كل بستان زهرة :

 

"و ءاتيناه من كل شيء سببا"

 

هو لم يُؤتى كل شيء بل أوتي من كل شيء سببا. فله في كل قضية باب و مدخل و إن لم يحط بالبيت فهو يملك خيطا في هذا البيت. فذو القرنين له سبب في العلم و له سبب في التقنية و له سبب في الإقتصاد و له سبب من كل شيء و ليس بالمتطفل إذ السبب يعني خيطا حقيقيا و ليس تطفلا هلاميا. و بتعبيرنا اليوم فذي القرنين هو ذاك السياسي المحنك الذي يعرف إخراج من حوله من أزماتهم دون إراقة الحياة أو إفساد و فساد. هو هذا بالتحديد التمكين في الأرض.

 

ذي القرنين ليس حاملا من كل شيء سببا فقط بل هو يتبع السبب دائما :

"و اتبع سببا"

تعبير عن عدم التوقف في معرفة الجديد و التأقلم معه. فحمل الأسباب ليس قلادة علمية و لا لقبا إجتماعيا بل هو تطور مستمر و تأقلم متجدد مع الواقع المعقد في كل مرحلة. فذي القرنين يفاجئ دائما بتغيير تصورّه ، ليس نفاقا بل إعترافا بنهاية مرحلة و إقبال أخرى كما سنرى في الأيات و لذلك نرى أنّ مقطع "واتبع سببا" يتكرر في ءايات ذي القرنين. ففي كل مرحلة يتأقلم ذو القرنين مع واقعه الجديد و همّه هم من يبحث عن التمكين في الأرض. من يبحث بكل سبب عن الإبتعاد كليّا عن سفك الدماء و كل فساد في الأرض.

 

هذه سيرة و مسيرة ذي القرنين سطرّها للناس و حكموا عليه من خلالها. فتاريخه يشهد . و أداة "حتّى" هي من ترسم منعطفات سيرة ذي القرنين. "حتّى" تعبر عن خروج من إختناق سبق. تعبر عمن اجتاز القنطرة :

 

"حتّى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في حين حمئة ووجد عندها قوما . قلنا ياذاا القرنين إمّا أن تعذّب و إمّا أن تتخذ فيهم حسنا"

 

بطبيعة الحال ، فمن لم يعرف أنّ حديث القرءان هو عن الأسماء سيبدأ في البحث الجغرافي و التنقيب في الحفريات علّه يجد إسكندرا أكبرا يحمل غصن زيتون فوق رأسه فإذا الزيتون بسحر ساحر ينقلب عند المفسرين قرنا لثور بل قرنين و تبدأ رحلة وهم التفسير حيث تنتهي ذبح القرءاة.

 

و يأتي من تعوّد عن اللوك و حفظ الأسفار محمّلا غير حامل ليتهم القرءان دون بينةّ بمخالفته للمعلوم من حيث "مغرب الشمس و مطلعها" المعلومان يقينا في القرن العشرين !! فالقرن العشرين قرن "أنوار" و القرءان كتاب كهوف و مغارات لا يصلح أن يتعلّم منه الإنسان خاصة إن زعم حديثا عن علم ، إذ كيف تغرب الشمس في عين حمئة !!!

 

"بلغ مغرب الشمس" لا يعني وصل إلى قرص الشمس و أبصرها تغرق في مستنقع مائي. و لا أدري من أين تأتي مثل هذه القرءاة إن لم تكن من كتب تفسير سقف أصحابها المعرفي مسدود محدود.و هؤلاء المفسرين بذلوا جهدا قرائيا مشكورا إذ حدود جغرافيتهم وصلت إلى بحر "قاف" و ما بعد المحيط الأطلسي عندهم ظلمات لا يعرف مداها إلاّ الله. هذا ما سطرتهم أقلامهم و حبرهم ينطق في كتبة من يلوكون الأسفار و يريدون التنفيس و حرّي بهم أن يبحثوا عن الأوكسجين.

 

الشمس في القرءان ليست قرصا بل هي مفهوم فكل ما يضيء شمس و من يبلغ مغرب الشمس لم يصل إلى قرص مجسم بل وصل مدى "مغرب الشمس" ، فالبلوغ تعبير عن حد و مدى صعب الوصول ، و هناك قوم يعيشون و يحيون عند مغرب الشمس. عنوانهم الأفول و لا أمل في أن يضيء شيئ مستقبلهم ، خاصة إن كانت هذه الشمس تغرب في عين حمئة. و المسألة ليست مجازا بل مفاهيم و لو كان مقصد القرءان قرص الشمس لما أتى بلفظ "بلغ".

 

هو تعبير عن حالة متناقضة ، فالعين تروي و تزيل العطش و لكنّها هنا حمئة لا مجال فيها للري و لا لإطفاء عطش. هؤلاء القوم يعيشون في وسط يحمل إضاءة و لكنّهم لا يستفيدون من ضوئها فهي عندهم في مغرب بل هي عندهم تغرب في حين حمئة. هم أصلا يعيشون أزمة خانقة فما كان يرويهم أصبح يكويهم حمأ.

ذو القرنين يبدأ من "مغرب الشمس" و السؤال واضح ، لما ؟؟ لما لم يبدأ من مطلعها ؟

ذو القرنين باعث الحياة، سياسي أخرج من وصلوا إلى حافة التدمير إلى مرحلة "مغرب الشمس". و هنا ترسم الأيات هذه الرحلة الشاقة لسياسي خارق :

 

"حتّى إذا بلغ مغرب الشمس"

 

بعد كل هذا الجهد استطاع ذو القرنين أن يتجاوز مرحلة الهلاك الكلّي لمجتمعه :

"بلغ مغرب الشمس".

إذ ما قبل المغرب موت و فناء. بعد كل هذا العناء يخرج لك من يثير الفتن ثانية و ينفخ في الكير ليحوّل العين حمأ :

 

"وجدها تغرب في عين حمئة"

 

كل القوى الموضوعية حول ذي القرنين تدفعه أن يرضى بالأمر الواقع و يعتبر أنّ هؤلاء ميؤوس منهم :

"إمّا أن تعذّب" أي تتركهم على هذا الروتين وصولا إلى الفناء أو :

"و إمّا أن تتخذ فيهم حسنا" أي تواصل إتقان عملك لتجاوز بهم المرحلة. و ذو القرنين صاحب الأمل و الوعي و صاحب الأسباب يفضل دائما حل الحياة و الإرتقاء :

 

" قال أمّا من ظلم .......و أمّا من ءامن و عمل صالحا"

 

عمل فرز في هذه العين الحمئة و في مرحلة مغرب الشمس و هو بلا شك عمل شاق مجهد و ليس لذي القرنين إلا التأقلم مع هذا الواقع المستجد :

"ثم اتبع سببا"

"حتّى إذا بلغ مطلع الشمس"

بلوغ مرحلة طلوع الشمس لم يكن سهلا و ليس لنا إلاّ أن نمعن النظر في "حتّى" لنتصور كم العقبات. و حري بنا أن نقف لحظات مع من يلوك، ففي هذه الأيات قابل مغرب الشمس مطلعها و ليس مشرقها و هذا لوحده يرسم مفهوم الشمس في هذا السياق.

و ما إن بلغ مطلع الشمس رغم كل الجهد السابق حتى خرج له قوم لا يعرفون معنى للستر :

 

"وجدها تطلع على قومـ لم نجعل لهم من دونها سترا"

 

أوّل صلاح الإنسان أنّ لا يستفز فقيرا إن وهبه الله غنى. فالستر أكثر من ضروري في حياة الناس اللهم إلاّ ما لا يمكن لك ستره. و هؤلاء الحمقى طلعت عليهم الشمس فإذا بهم يستفزون عباد الله . فما العمل مع هؤلاء القوم ؟؟؟

هنا يرسم القرءان هديه :

 

"كذلك و قد أحطنا بما لديه خبرا"

 

كل ما سيفعله ذو القرنين سيفسر تفسيرا خاطئا و سيقرأه الناس في غير محلّه. إن ترك المترفين قالوا صاحبهم و صديقهم، يقبض رشاويهم و يتغاضى عن سرقاتهم و إن هجم عليهم محاسبا اتهموه بالديكتاتورية و الوحشية و الهمجية و بغيرها من الأوصاف التي تتجدد في كل عصر بأبجديات مختلفة.

عمق ذي القرنين أن تطلع الشمس على الجميع و لكن ...

 

"ثم اتبع سببا"

كل محطة تحمل أتعابها و الضنك. و كل فريق يستصرخ حتى و إن هلك بإستصراخه الفريق الأخر و بينهما ذو القرنين يصارع الموج ليرتفع بالجميع و يحقن دمائهم و يمنع الفساد أن يدب في مجتمعهم :

"حتّى إذا بلغ بين السدين"

 

ذى القرنين

ذا القرنين

 

أمّا "ذو القرنين" فغائب. و غيابه ليس طفرة لغوية أملتها قواعد الفاعل و المفعول به و المضاف بل غياب "ذو القرنين" يعني أنّه ليس موجودا في عالمنا الموضوعي على عكس ذي القرنين و ذا القرنين. فغياب لفظ في القرءان ليس غيابا لغويا بل غيابا موضوعيا ، غيابا كونيا.

 

غياب ذو القرنين هو غياب الواو في "ذو". فما هو مفهوم الواو ؟؟

الواو في القرءان هي and تحمل مفهوم الضم سواء أتت الواو في لفظ أو كحركة سمّاها الأسلاف تشكيلا.

 

لن يتم الإجابة عن هذا السؤال إلاّ بمعرفتنا بماهية ذو القرنين و خاصة بمعرفتنا لمعنى "القرنين"

كل محطّة مع ذو القرنين برنامج حياة للإنسانية في حياتها الإجتماعية المتلاطمة موجا من كل صوب، كل يدّعي حقوقا و يرغب في سلطة و كل يحاول الإحتماء بمخلّص ليحافظ على "خرجه" و من يأمل و يرغب في الخرج يحاول التسلق بكل وسيلة حتّى إن كانت تحمل عناوين الخراب و الدمار.

 

كل ءاية معضلة تساؤلات ، لا يخرج القارئ منها من كهف إلاّ و أدخلته في أخر حتى يكاد البصيص ينطفئ في كل حين و لكن لا خيار إلاّ مواصلة القراءة و إن حملت معها كم العثرات ففتح نافذة خير من مدح الظلام و ربّما وجدت هذه النوافذ من يشرعها فتحا لتنير و تشّع .

 

من مغرب الشمس في حياة حيف و كدح إلى إنفتاح العهد الجديد ، عهد الرغد حتّى الإنتفاخ و عدم الإستتار و في كل مرّ' يتأقلم "ذى القرنين" مع العهد الجديد و يجد الحلول بـ "ثم اتبع سببا" و الأن :

 

"حّتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا"

الكهف : 93

 

مرحلة جديدة بلغها ذى القرنين في سيره. هي مرحلة بين السدين. و للأسف فقد اعتبر الناس من وحي الصحف اليهودية أنّ السد حاجز مادي و لو انتبهوا للقرءان لأبصروا غير ذلك. فما بين السدين لا يمكن أن يكون مكانا، إذ لو كان مكانا لما بلغه !!!

 

ما يتحدث عنه القرءان أمر أخر تماما، فالسد الأوّل يعاضده السد الثاني و بين السدين تكمن المشكلة الكبرى.

 

سد أول عنوانه غروب الشمس و هي فئة الحرمان ، أشبه بإنطلاق ذى القرنين في عهد البناء الأوّل أين كانت الشمس تغرب ، و في كل مرحلة هناك فئة تغرب عنها الشمس و لا ترى الترف و إن اتسعت رقعة المستفدين منه. هذه الفئة تمثل سدّا ،إذ لا شيء تحته و فئة أخرى طلعت عليها الشمس حتى لا نكاد نجد من هو أعلى منها فهي لذلك تمثل سد.

 

كلا السدين يعاضد صاحبه فلا تغرب الشمس إلاّ و معها طلوع على قوم و لا تطلع على قوم إلاّ و تغرب عن أخرين و بين السدين طرف نسميه في لغتنا اليوم "الطبقة المتوسطة"، طبقة بين بين.

 

القرءان بريشته يضعنا على جرح المجتمعات و ينبهنّا أن أساس الإهتزاز ليست طائفة من غربت عليه الشمس و لا طائفة من طلعت عليه الشمس بل مركز الإهتزازات يأتي دائما من هذه الطبقة ، طبقة "بين بين". لنرى الأمر من قريب .

 

طبقة الكادحين ممن غربت عليه الشمس تحتاج رعاية خاصة و بقول ذى القرنين القرءاني :

 

"قال أمّا من ظلم فسوف نعذّبه ثمـ يرد إلى ربّه فيعذبه عذابا نكرا (87) و أمّا من ءامن و عمل صالحا فله جزاء الحسنى و سنقول له من أمرنا يسرا (88)"

 

و طبقة من طلعت عليه الشمس تحتاج ديبلوماسية من :

 

"كذلك و قد أحطنا بما لديه خبرا "(91)

 

و أمّا طبقة ما بين السدين ففي داخلها :

 

"من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا"

 

و هنا مكمن الخطر.

ففي هذه الطبقة ناس متعاضدون على الخراب لأّنّهم يحملون طموحا سلطويا فهم يرون أنفسهم أقرب إلى ما وراء مطلع الشمس و يريدون الخروج من السد الأعلى و ركل السد الأسفل ركلا نهائيا ، و هؤلاء هم بتعبير القرءان قوم، أن يقوم بعضهم ببعض ، فمفهوم القوم هو عدم إستقلال طرف بنفسه ، فالقوم القرءاني تجمع مصلحي بحت و ليس في الأمر إساءة فيمكن أن تجتمع المصالح الخيرة كما المصالح الخبيثة.

 

هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون قولا. فهم لا يريدون للأحداث أن تسير سيرا طبيعيا، إذ القول في القرءان ليس لفظا شفويا بل سيرورة حدث و فقه القول هو إدراك مسار الأمر ، أمّا هؤلاء فيريدون حلاّ "ثوريا" على مقاس مطالبهم هم تحديدا دون النظر للأطراف الأخرى ، و هذه النظرة القاصرة ينبعث منها يأجوج و مأجوج.

 

سابقا فصلنا الحديث في مفهوم الجذر "ء ج ج" و هو يعني التأين و الشحن حال الملح المكون من جزيئ الكلور و الهيدروجين المشحونين سلبا و إيجابا و كل طرف يدفع الأخر بعنف، فالمأجوج هو من يعطي الحياة لحال الأجج بميمه ، فهو من يشعل الفتيل و يخطط و اليأجوج هو من يمد يده ليعين حال المنفذ لمن خططوا له :

 

"قالوا يذا القرنين إنّ يأجوج و مأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا و بينهم سدّا"

الكهف :94

 

"قالوا" تصوير لجمع يريدون أمر و تصوير لطرف يكرر قوله في كل حين ، فالأمر ملح و القضية تمس أطراف كثيرة تلّح لوضع حد للأجج حتّى و إن انعكس هذا على مداخيلها فهي مستعدة أن تدفع و تستنجد بذى القرنين :

 

"نجعل لك خرجا"

 

"من لحيته أشعل فانوسه" ، هذا شعار الجموع الخائفة من الأجج ، فهي تريد أن تجعل خرجا لا أن توفره ، أي تريد تحويل مدخول معين لصرفه في وضع حد للأجج و لو انتبهت من قبل لسترت و لما ظلمت .

 

لو كان السد ماديا لكفى السدّان فكيف الطلب بإنشاء سد بين السدين !!!

 

يريدون سدّا يحميهم من يأجوج و مأجوج و يحميهم من كابوس الإفساد في الأرض و بمن يحتمون ؟؟

 

بذى القرنين

 

لعلّ هذا يشرح ماهية ذى القرنين بشكل واضح.

قبل أن نعطي فهمنا لإسم ذى القرنين ، من الضروري أن نبحث في القرءان عن الجذر ( ق ر) و شجرته المباركة. فالقر يحمل مفهوم العودة إلى هيئة و حال أيّا كانت القوى الدافعة لتغييره عن هذه الحال و ما يسميه الفيزيائيون stability و أي محاولة لإخراج أمر عن قرّه هي كسر له و قتل .

 

القرن هو ما نسميه بلغتنا جيل. فكل جيل له ثقافته و مرجعيته و عاداته و مشكلة الأمم هو أن حوار الأجيال حوار طرشان و لا بد لشخص يمتلك عبقرية الجمع بين ثقافة جيلين ليخرج هؤلاء من الورطة.

 

جيل تعب و كدّ و مر من مرحلة غروب الشمس إلى طلوعها و جيل نشأ يرى فقط مظاهر الترف فظنّها مرسلة من السماء و نسى كم الجهد المبذول. جيل يعيش في جو الترف أين "اللا ستر " قائم و هو يريد أن يغرف منه الأن و بسرعة و على إستعداد أن يأجج الوضع و يفسد في الأرض ليصل إلى ما يصبو إليه.

 

الجيل الجديد أغلبه من الطبقة الوسطى إذ هو يعيش بحبوحة طلوع الشمس و لم ير الغروب و أمّ المشاكل من هنا.

 

ذي القرنين ليس المعاصر لجيلين معاصرة زمنية فقط . ما يميزه هي يده "القرنين" الممثلة بياءه ليعانق بين الجيلين و يجعلهما يسيران في مصب واحد.

 

ما سيطرحه القرءان على لسان ذى القرنين سيجعلنا نرى الهداية القرءاني في كتاب ظلمه أهله كثيرا حتى جعلوه اساس الكهف و لم يأت هذا القرءان إلاّ ليخرجنا من الكهف.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...