رءيا
الملك
سورة
يوسف تحمل بناء الرءيا فهي سورة ـ رءيا و فيها مثالين للتأويل توّصل يوسف إلى فك
شفراتهما و معرفة الأحاديث منهما و هما رءيا السجنينين و رءيا الملك و تعذر عليه
الوصول لرءيا السورة الأساسية و هي رءياه لسجود الكواكب الأحد عشر و الشمس و القمر
فلم يصل إلى تأويلها إلاّ عند إنتهاء الرحلة و إستقرار النبأ أمام عينيه . فرءيا
سجود الكواكب تتجاوز يوسف التاريخي و تدخل في إطار يوسف المتصل بالنبوّة . فالنبي
هو من يستشرف للإنسانية أنباء رحلتها الكونية من غير حصر في التاريخ و المكان ،
فنبوّة يوسف هي إرهاص لخروجنا من كوكبنا و لضرورة خروج أي تجمع إنساني في تطوّره
لأرجاء الكون الفسيح . فالنبوّة ليس تنبأ بحدث مستقبلي مرحلي يخص فئة بشرية بل هي
تنبأ بما يخص العالمين جميعا و هنا الفرق بين رءيا الملك و رءيا يوسف فالملك بحكم
موقعه وظيفته التخطيط المستقبلي و التنبأ لمسار ملكه و الحفاظ على من توّلى حكمهم
و ملك الأنبياء يسع العالمين رحمة ،و قبل أن نلج رءيا الملك نقف قليلا مع رءيا
السجينين فلم نتحدث بعد عن فك رموزها و سنحاول قراءة شفراتها بهدي من القرءان ،
فكل صورة في رءيا تحمل ثقافة مجتمع من يرى فرءيا اللون الأزرق لا تمثل للفرنسي ما
تمثله للياباني و رءيا البقرة لا تمثل لمن يعيش القحط ما تمثله لمن يعيش رغد العيش
فصور الرءى متصلة بالجو الثقافي و الجغرافي و لكن ما يعرضه القرءان يحوي كل أنساق
الإنسان حيثما وجد ، فلن نبحث عن فك رمز الخمر و الطير في ثقافة يوسف التاريخي بل
في ما جاء في القرءان عن معنى الخمر و الطير.
"وَدَخَلَ
مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا
وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ
الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
" يوسف :36
الخمر
دليله التحول و صاحبنا أصبح ألة يتحول فيها كل شيء يعصره خمرا و في دليل الخمر
المنفعة و الإثم و إثم الخمر أكبر من نفعه فهذا السجين بحكم وظيفته أصبح لا يميز
بين الأمور و يرسلها نفس الإرسال و يتعامل مع أسرار الدولة من دون تفريق بين الذي
يجب كتمانه و الذي يجب نشره و ها هو قد أخرج فعله أمام يوسف بما قصّه من رءيا و
أمّا الأخر فقد جعل كل أخبار سيّده في متناول من يريد ، إذ الرأس هو المتحكم و هو
في رءيا هذا السجين يعبّر عن سيّد هذا السجين و ربّه و الخبز هو ما يمكن أخذه و
تناوله و الطير هم من يأتي لتلقي الأخبار.
الذي
يعصر خمرا ينفع و يضر و إن كان ضرره أكبر من نفعه و لكنّه لا يضمر سوءا إذ في
معاني الخمر النسيان و في معانيه الغول الذي يفقد الإنسان توازنه النفسي و العقلي
و كل هاته المعاني مبثوتة في القرءان فهذا السجين يفعل السوء دون أن يبيت له و دون
أن ينويه و أمّا الأخر فهو يفعل الخيانة و تسريب الأخبار بةعي و علم و يظن أنّ
الملك لم يتفطن إلى ما يقوم به و لذلك أورد القرءان عبارة "فوق رأسى"
ليدلنا على ظنّ هذا السجين إستغفال سيّده.
يوسف
و قبل أن يمنح السجينين تأويل رءياهما ينبههما أن تفرق الأرباب مذموم و أنّ من
علامة صفاء سريرة الإنسان الصدق و الوفاء لربّه الذي يرعاه و أنّ الإختيار الأمثل
هو الوفاء لله الواحد القهّار الرافض لنكث العهود و المواثيق و أن كل شيء مسجل لا
يفلت من سننه شيء "القهّار":
"
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ
الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ " يوسف :39
كل
هذا يقوله القرءان بعبارات الحق و يتابع حديث التأويل بتسجيل حكمة يوسف في توقفه
في تعيين الناجي منهما ليس لجهله به و لكن لعدم تيقنه بالحكم الصادر و ما يعلمه
يوسف أنّ ترك السجينين في الحبس دليل قوي على عدل قضاء هذه المملكة و أنّها لا
تعاقب على الظنّ .
قصة
هذين السجينين متعلقة بتسريب أخبار إمرأت العزيز إلى الحزب الضعيف "نسوة في
المدينة" كي يجدها فرصة ينقض بها على أصحاب السلطة ليضعفهم " فلمّا سمعت
بمكرهن" و تمّ البحث عمن سرّب هذه الأخبار ووقع الشك على هذين الفردين فتفصيل
الأيات يضعنا على هذا المعنى.
و
فجأة يضعنا القرءان أمام رءيا الملك و كأن لا رابط بين القضيتين. والرابط بينهما
هو الرءيا تنبيها من القرءان لقضية مهمة جدّا و هي إمكان الرءيا من الوضيع و من
الرفيع ، من السجين و من الملك فرحمة الله تسع الجميع و على عكس ما ظنّ الكهنوت
"المسيحي" أنّ الرءيا "الصادقة" محصورة في الملوك و رجال
الدين و القديسين و على عكس ما ظنّ الكهنوت "المحمدي" أنّ المبشرات
محصورة في جنس معين من البشر فإن القرءان ربط هنا بين رءيا سجينين و رءيا الملك و
رءيا يوسف من قبل في بداية السورة و لنقرأ :
"
وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ
عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ، يَا أَيُّهَا الْمَلأُ
أَفْتُونِي فِي رءْيَىَ إِن كُنتُمْـ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُواْ
أَضْغَاثُ أَحْلاَمـ ، ٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ
(44)" يوسف
سبع
بقرات سمان و سبع عجاف ، و سبع سنبلات خضر و أخر يابسات. العجاف يأكلن السمان و
اليابسات يقابلن السنبلات الخضر. لنفصل الحدث.
البقرات
بالتاء المفتوحة هي ما يتولد في كل مرّة بقرا فهنّ سبع بقرات متولدات لا يشترط أن
يأتين واحدة أمام الأخرى بل إن تصفيف السنبلات سباعيا يبين أنّهن متفرقات ، و لو
فتحنا صحيفة القرءان لرأيناه يفرق بين لفظ "سنابل" و بين لفظ
"سنبلات" فالأولى جمع سنبلة في نفس الجذع أو في نفس الحقل و الأخرى متولدة
يفترق تولدها زمان أو مكانا عن غيرها و هذا ما لم ينتبه إليه لغويو الأسلاف
بتفريعهم للجموع بين جمع تكسير و جمع قلّة و كثرة و غيرها من الجموع.
البقرة
هي كل ما يُرضع لينمو بحليبها الرضيع فيبلغ سن الفطام ، فسورة البقرة هي من ترضع
قارئ القرءان ليصل إلى الفطام ففيها البنى الأساسية لولوج نص القرءان و ما نعرفه
بإسم بقرة هو جزء من هذا المفهوم العام ، و في رءيا الملك تصوير لبقرات سمان يملكن
ما به يرضعن المريد و السمن بتعبيرنا هو الحليب و يقابله العجاف التي جفّ عينها و
معينها التي تغذي منه . إنّ هذا هو قول القرءان و ليس هذا سرد حرفي لرءيا الملك
كما قصّها هو ففي القرءان تعرية للأضغاث و تعرية لما لا يرسم القول و إلباس
الأحداث لباس الحق و هذا هو القول القرءاني دون تحريف للحدث.
البقر
يدر حليبه من أكله للسنبلات فبإنقطاع السنبلات ينقطع الحليب و يصبح السمان عجاف و
فعل الأكل يصور تداخل أجزاء السمان في أجزاء العجاف فهذا المقطع تحديدا يعطي حلاّ
للأزمة المقبلة رحمة و هداية فتقابل السنبلات الخضر مع اليابسات تصوير لحدث الجفاف
المقبل و أكل العجاف للبقرات السمان يُعطي الحل للأزمة و لنا أن نسأل كيف لحدث
مستقبلي كهذا أن يأت مفصلاّ هذا التفصيل و فوق هذا يأتي الحلم بالحل الأمثل و كيف
لرءيا تأتي لتخترق السنن الكونية ؟
إنّ
مستشاري الملك و من يصنع القرار عنده اعتبروا الأمر مجرد حلم أي رغبة الملك في شيء
بعينه لم يستطيعوا معرفة كنهه رغم محاولتهم "وما نحن بتأويل الأحلام
بعالمين" بل اعتبروا حلمه مشوب بذاتيته و هو يسرده ، هذه الذاتية جعلته يضيف
في الحلم و ينقص منه و هذا ما يسميه القرءان "أضغاث" و لم يتصور أحد من
الملأ أن هذه الرءيا ذات أهمية قصوى على حياة المصر . إنّ الملك و الملأ يمثلون
نبوّة المصر فهم من يخططون مستقبل سيره و مسؤوليتهم تفادي المزالق المستقبلية و
رءيا الملك لم تأت من فراغ بل هي نتيجة لما يحمله هذا الملك من همّ تحت ملكه و أتت
هذه الرءيا من غير أن تخترق السنن الكونية كما قد يُظنّ بل هي ضمن السنن :
"
يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ
يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ
لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ" يوسف :46
تسمية
يوسف بالصديق ليدل القرءان عن الأيادي التي يملكها يوسف لإخراج صدق التأويل و لفظ
"تعلمون" تعبير عن علم و ليس عن تخريص في الحدث ، و ليعلم القارئ أنّ
الجفاف و المطر سنّة دورية تخضع لعوامل سننية يمكن التنبؤ بها بدقّة شديدة . إنّ
هذا هدي قرءاني للباحثين خاصة و أنّ إستقرار الأنباء اليوم يجعل من علم المناخ و
المطر علما إحصاءيا إحتماليا ، فهذه إشارة قرءانية إلى إمكان الدقة فيه خاصة في
الأحداث الدورية. فلا إختراق للسنن في القرءان بل لا شيء يخرج عن علم الله أي عن
تعليم السنن و لا شيء يمكنه إختراق السنن إلاّ و هو في السنن.
رءيا
الملك أتت من محيطه ، ففيما نراه في محيطنا علاقات فيزيائية كيميائية لا نصل إلى
تفكيكها يقظة و عمل الدماغ حين تهدأ أجهزة اليقظة يمكنه تفكيكها و سبق بيان مثل
هذه الأمور في الأجزاء السابقة ، فرءيا الملك ليست إنباءا بمستقبل لا تظبطه سنن بل
هو في صميم السنن.
يوسف
نبي كريم فقضيته مع الأخر ليس قضية إنتقام بحال من الأحوال و لا تصيد للفرص
للإنقضاض على الخصم بل هو رحمة لمن حوله حال إخوته الأنبياء جميعا و كما توقع
صاحبه في السجن الذي نساه "ادكر بعد أمة" فالصديق لم يخيب أماله فقد طرح
مشروعا إنمائيا حوّل بها الرءيا الكابوس المنذرة بالجفاف القاتل إلى فرصة تعاضد
بين الجميع و لم يجعل الرءيا فرصة للإنتقام بل للبناء ، فرصة للزرع و فرصة لبناء
المخازن و تحصين الغذاء الفائض و فرصة للتضامن الإجتماعي و الحرص على عدم التبذير.
و لم يجعل يوسف تأويله للرءيا مقايضة لخروجه من السجن بل قدّم العون دون أن ينتظر
مقابلا و كذلك حال الأنبياء جميعا "لا أسألكم عليه أجرا" ثم بعدما بُحث
عنه طالب بتبرئته و ليس بخروجه و التآمر مع الملك على خصومه لحظوته منه.
يوسف
النبي هو اليد المتصلة السائرة الناظرة في المستقبل بعين الدقّة و الملقية بما
تحمل لغيرها دون خطأ :
يـ
ـو سـ ـف
صدق
ووفاء و كفاءة في العمل و عفو و إمتناع من الإنتقام و عون دون إنتظار أجر و قبول
السجن و الفقر على الإنحدار الأخلاقي و التآمر على من أحسن إليه و دقة في معرفة
النفس البشرية يوصله لتأويل الأحاديث و معرفة الملابسات و بهذا استحق أن يكون نبيا
يلبسه القرءان ثوبا الحق الكوني و يهديه للإنسانية كي تنفتح بقصصها على وظيفتها
الخلافية.
و
للحديث بقية.
تعليقات
إرسال تعليق