التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نوح و كسر الإجماع

 الأنبياء في القرءان أسماءا و ليسوا ألقابا ، فإسم كل نبي يحمل ماهية نبوءته و في القرءان إسما لعشرين نبيّا محمد خاتمهم ، فالأنبياء حلقة مختومة و ليست سلسلة تاريخية منتهية كما أنّنا نقول أنّ الأحماض الأمينية العشرين المكوّنة لحسلسلة جيناتنا حلقة مختومة فلا نجد غيرها لكن نجد أمثالها بلا حصر في كل جسم. فمن حمل إسم نوح فهو نوح سواءا عاش في القرون الغابرة أو عاش في هذا القرن أو في القرون المقبلة .

نجلس اليوم مع إسم نوح القرءاني لندخل هديه و نرى نبوءته و ندخل ساحة الإسم في سورة تحمله و يحملها. ندخل السورة كالعادة لنقرأها في حاضرنا بمستوى سقفنا الروحي و نحاول به تجاوز سقفنا المعرفي الإجتماعي الحالي علّنا نجد دواء لطول أدواءنا المتكرسة. و نترك الإنسانية الباحثة تبحث عن نوح التاريخي في حفرياتها و في إستجلاء محطة سفينته و البحث عن لقبه و لكن مسيرتنا أخرى رغم أهمية البحث التاريخي، مسيرتنا هي رسم الإسم لنتعرف على نوح في حاضرنا فلا نعاديه بل نسير في فلكه و نركب سفينته.

من هو نوح ؟

نوح إسم لكل من دعا إلى إحترام سنن الله الناظمة لسير الكون و الكائنات ، لكل من جاهد في سبيل توضيح خطر تجاوز الحدود السننية ، فكل من عمل في حقل الزلازل و كشف سنن إنبعاثها و وسائل التحرز منها و عمل بإخلاص لتنبيه الإنسانية منها يحمل إسم نوح و كل من عمل في حقل البراكين و أخلص في كشف سننها و العمل على رسم خرائط فجرها و توقيتها يحمل إسم نوح و كل من عمل ليُقنع الإنسانية في بداية قرننا من ظاهرة الإحتباس الحراري و قضى عمره بحثا و نضالا يحمل إسم نوح.

هذا ما ستؤكده سورة نوح كما سنرى و ترسم لنا صعوبة نضال نوح و إشكال عمله و حواجز منعه من أداء رسالته ، لندخل الأن في ضيافة السورة :

إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِے أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمـْ عَذَابٌ أَلِيمـٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِـ إِنِّى لَكُمـْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمـ مِّن ذُنُوبِكُمـْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى? إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جآءَ لا يُؤَخَّرُ? لَوْ كُنتُمـ ْ تَعْلَمُونَ (4)

نوح

يظن متبعي الرسالة أو من يزعم إتباعها أنّ الأنبياء يعلمون و يُدركون أنّهم مسيرين أوتوماتيكيا من قوى خفية و أنّهم متأكدين من أنّ ما يفعلونه يحمل توقيع هذه القوى و الأمر ليس كذلك ، فنوح يتحرك بوعي و قناعة و لم يحرك شفاهه بالقول أنّه نبي و هو لا يعلم أنّ الرّب و الملأ الأعلى يمحونه و يثنون على عمله ، بل لولا القرءان لما عرفنا أنّ نوح التاريخي يحمل نبوءة و لولا القرءان لما علم داوود أنّه نبي بالمعنى الذي تعارف عليه الناس .

انطلق نوح برسالة تلقفّها من قوى الطبيعة برؤيته و بصره و إجتهاده في فهمها :

"إنّا أرسلنا نوحا إلى قومه"

تجمع لعوامل كثيرة جعلت من مسيرة نوح رسالة يحملها تتركز شيئا فشيئا و ترتسم برسم هذا الجمع في "أرسلنا" كي تصل إلى مستوى الدعوة أي طلب التقوية من الأخر للسير في مشروع معين .

إنّ نوح يحمل رسالة إنذار، فهو يتحرك لينشر في الناس ضرورة الإحتراز من خطر محدق قادم :

"أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم"

قناعة بحثية تؤكد إتيان العذاب الأليم لمن لم ينتبه للخطر، هذا ما يدفع نوح كضمير إنساني لحركة توعية قومه أي من يقوم بهم ، فقد يكون القوم من ينطق بلسانك و قد يكون من تعيش بينهم و قد يكون الإنسانية كلّها ، فقومك من تستطيع بهم الدعوة بالإنذار لتجنب هذا العذاب الأليم .

لا تحدثنا الأية عن ماهية هذا العذاب بل تكتفي بوصفه بالأليم فاتحة الأفق لكل من ينذر بعلم و قناعة ووعي إلى تجنب العذاب الآتي أن يدخل في إسم نوح.

و يبدأ نوح المسيرة الدعوية :

"قال يا قوم إنّى لكم نذير مبين"

القول في القرءان هو سير الحدث الموضوعي في حياة الناس ، فالقول ليس حديثا شفويا بل غالبا ما يكون حديثنا بشفاهنا هو عكس قولنا فغالبا ما يكون حديث المرء سترا لدوافعه الحقيقية و حين يصل الحديث بالشفاه إلى مستوى القول يكون الإنسان بلغ مستوى النفاق المطلق إذ يعجز الأخرين عن معرفة دوافعه الحقيقية خلف ما يقوله لسانه .

نوح قال، أي سيره كلّه في واقع الناس هو إنذار للناس ، محاضرة هنا و مسيرة هناك و جهاد هنالك و سجن و شتم له ، كل هذا لا يثنيه عن إنذاره ، هكذا يرسم نوح قوله و يرسمه بدليل و حجّة و برهان ، فالمبين هو من لا يحتاج لغيره ليظهر ما يريده ، فنوح يملك قناعة راسخة بما يدعو له و ينذر منه ، قناعة جعلت منه مبينا في دعوته.

بل إنّ نوح يملك أدلّة موضوعية على ما يقول :

" ان اعبدوا الله و اتقوه و أطيعون"

عبادة الله هي البقاء في طريق البحث السنني و معرفة الدليل الموضوعي الكوني فإسم الله مفهوم متعلق بالسنن الناظمة للكون و من يعبد الله هو من يبحث عن دليلا موضوعيا على أقلام ورثها أو أراد تأسيسها و ليست عبادة الله في القرءان مرادفا لأداء طقوسي ظنّه الناس. و أمّا تقوى الله فهي بحث عن من يقي أي بحث في آليات الدفع و الوقاء .

كل هذا صعب ، صعب فهم الإنذار لقلّة معرفة من تحدثهم ، كأن يحدث خبير في الإحتباس الحراري جمهور لا يُدرك أبجديات هذا العلم ، صعب شرح المخاطر المقبلة و هي لم تحدث بعد و صعب إقناع الناس بتوقيف طريقة عيشهم و هو قد اعتادوا عليها و أصبحت جزءا من حياتهم . لنحاول إقناع مدمن عن التدخين أن يتوقف و لنحاول إقناع البشرية أن تحرق سياراتها المضرة بالبيئة و لنحاول إقناعهم بترك الربا :

يطلب نوح و يدعو أن يطيعوه و أن يحاولوا دخول وعاءه المرسوم بنون "أطيعون"، و هو ليس طلب إمتثال بل طلب لين في فهم ما يقوله نوح و ما يشرحه و ما يحاول إنذراهم عنه و لنا أن نتصور ماهية العذاب و أن نتصور عمل نوح لتسعيل شرح الأمر و الإنذار بمستوى مستمعيه. هذا فيلم تبسيطي و هذه محاضرة بلغة تبسيطية ، كل هذا يحمله لفظ (أطيعون ) .

يغفر لكم من ذنوبكم و يؤخركم إلى أجل مسمى، إنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون

غفران الذنوب ليس محو الخطايا من السجّل بل وضع آلية تمكن الإنسان من تصحيح أخطاءه و تجاوز خطاياه، فالغفر ليس تغطية بل قطع لتفاقم الذنب و إنتشاره و الذنب هو كل ما يُثقل كاهل من يحمله .

فهم قول نوح و الإصغاء إليه و قبول دعوته الإنذارية بداية غفر الذنب الواقع ، و نرى هنا أنّ من يتوّجه إليهم نوح إبتداءا يزعمون جهلا بخطورة ما يحدث و يزعمون براءة من هذا الواقع . .

نوح يشرح آليات غفر الذنب و تأخير مفعول العذاب إلى حين الأجل، فلا شيء في هذا الكون دائم و كلّما حان أجل وجب علينا القفز إلى مستوى أبعد لنواصل سيرنا .

إحتباس كوكبنا الحراري يمكننا علاجه و التخفيف منه لكن هناك حد لتحمل الكوحكب ديموغرافيا و عندها فالأجل سياتي و لا تنفع المراهم و سنُضطر لمغادرة كوكبنا لنواصل السير و المسيرة الخلافية. هذا مثال عن الأجل الذي يدفع لبحث الأجل في مسيرة متصلة الحلقات، كلّ حلقة منها تطلب علما بحدودها و أجلها :

"لو كنتم تعلمون"

هي دعوة لعلم أجل كل مرحلة و البعد عن أحلام الخواء فلكل أجل كتاب. هي دعوة لدارسة كل شيء في محيطنا و معرفته لنخلص من العذاب الأليم و نخلّص من يأتي بعدنا من محن تفاقم الأزمات .

للحديث بقية

--

لا عليك أخي مسلم لله فأسئلتك تفتح البحث و لسنا هنا إلاّ أن نتساءل و نحاول أن نجيب عمن يخالجنا في تفاعلنا مع الرسالة .

ربّما الذي لفت إنتباهك هو وصف العشوائية و أنا لا أقصد بالبحث العشوائي البحث الفوضوي لا سمح الله بل البحث في كل إتجاه لإقناع فرد أو جماعة، فالمناداة هي محاولة و بحث بكل الوسائل لإقناع جهة ما فالبلاغ القرءاني :

"و إذ نادى ربّك"

وصف لطول المحاولة و صعوبتها لإقناع موسى بالتقدم لحوار الظالمين و هذه المحاولة ليست مباشرة بل هي ربا معرفية تتنامى في إسم موسى ليقتنع بأن الذهاب لحوار هؤلاء الظالمين هو أمر لا مندوحة منه.

--

قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْـ دُعَآء?ى~ إِلاَّ فِرَارًا (6) وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْـ جَعَلُوا أَصَـ ا ـبِعَهُمْ فِي ءاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7)

مسار نوح بدأ بالإنذار قولا و محاولة إقناع قومه بخطورة ما سيأتي ، محاولة إقناعية معضدة بالدلائل الموضوعية و البيان المقنع واضح و يظهر أنّ الإقناع العلمي الموضوعي لم يكف فالمصالح الذاتية و الآنية طغت و دفعت بالزمر إلى التمترس لحسر دعوة نوح الإنذارية .

الليل في القرءان دليل غياب الإبصار و الرؤية ، فالليل مفهوم كوني يشمل كل ما لم يتضح بعد ليُصبح مُبصرا و مرئيا ، فدعوة نوح ليلا هي فتح نوح لنوافذ مغلقة على قومه كي يصل إلى إقناعهم و تنبيههم إلى جهلهم بكوارث حتمية ستأتي إن لم ينتبهوا كحال نوح في بداية هذا القرن و هو يشرح للناس في الخمسينات من القرن العشرين خطورة الإحتباس الحراري نتيجة لعجلة التصنيع اللابيئية .

النهار مفهوم متعلق بما يُبصره الجميع ، كحال إبصار الجميع لمضار التدخين و المخدرات و العلاقات البغائية ، فنوح هنا داعي نهار و تقديم أدلته على الكوارث المترتبة على هذه الأعمال لا تحتاج كبير عناء .

جامع نوح ع إسم بقية الأنبياء هو الصدق و الإصرار ، فنوح يدعو ليلا و نهارا و يرى أنّ عمله يذهب غثاءا حتى أنّه يشك في قناعاته و ذاته و من حوله :

"فلم يزدهم دعاءي إلاّ فرارا"

كلمّا طالبهم ليتقوّى بهم على صرف المخاطر فرّوا بل ازدادوا فرارا ، و هنا الإحكام القرءاني ، فالأمر ليس متعلقا بالدليل و البرهان فما يقدمه نوح لا يكاد أحد من الناس ردّه و نقضه علميا و معرفيا و موضوعيا بل دافع الرفض نفسي متعلق بمصالح ذاتية فردية و جماعية تشابكت بمرور الزمن فصعُب حلّها و نقضها لإعادة بناءها على أسس سليمة. فالفرار تصوير لمن لا يريد مواجهة الأمر بشجاعة و لندخل في هذه الصورة القرءانية :

( و إنّي كلّما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهمـ في ءاذانهم و استغشوا ثيابهم و أصرّوا و استكبروا استكبارا )

قبل الدخول في الصورة ، نشير أن قول نوح هو سيره الموضوعي في حياته و ليس فقط ما يشافه به غيره و ما يحاضر به و يخطب بين الناس ، و قول نوح "رّب إنّي دعوت قومي" هو بيان أنّ نوح بلّغ ما ربت إليه معرفته فالرب عنوان لمن زادت به معرفتك و قد يكون ظاهرة بيولوجية درستها أو أستاذ أو رءيا دعتك لتعميق دراستك لأمر خطير انكشفت خطورته بعد طول بحثك .

كلّما بيّن نوح و دعا قومه ليجدوا الغفر و إمكان تفادي الكوارث المقبلة ، كلّما أجهد نوح نفسه :

"جعلوا أصابعهمـ في ءاذانهم"

ليس هذا مجازا ، فليس في القرءان مجاز يتحكم فيه الذوق بل القرءان قول حق ينطبق لفظه على موضوعه . لندخل الأية بالمفاهيم . الأذن هي ما نتلقى به السمع و الأصابع هي ما يستطيع إغلاق الحواس من رصد السمع . من يجعل أصابعه في ءاذانه هو من يغلق حاسة إستقباله السمع ، أي من لا يريد أن يسمع الدليل و لا يرغب في الإنفتاح على من ينذره دليلا و برهانا .

"و استغشوا ثيابهم"

الثياب هي ما يستر الجسم ، فالثياب تعزل الجسم عن المحيط الخارجي لتضع له للمحيط حدّا في توّغله . الأية هنا تتحدث عن الثياب المتعلقة بالقوم ، هي ثياب جماعية أو ما نسميه بلغتنا المصالح العليا لفئات المجتمع و إستغشاء الثياب بهذا المفهوم يعني إحداث العزلة التامة عن دعوة نوح ، و في فعل القوم من إقفال السمع و وسائل العزل إصرار في القرار و إستكبار عن مواجهة دعوة نوح بتحقيره و التحريض عليه و بشتى ما يمكن للمرء تصوره في القول.

إعلان بأن هناك مصالح عليا يجب الدفاع عنها أمام جعوة نوح ووصف نوح بالمحرض و عزل دعوته و التقوقع على الذات و إغلاق كل وسائل السمع أمام نوح ، ليبدأ نوح في مرحلة مواجهة أكثر عنفا و خطورة على نفسه .

أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16)

نوح القرءاني يحمل بغسمه رؤية تفاؤلية كليّة لمسيرة الإنسان في خلافة الرّب ، يرسمها بريشة موسيقية تتعالى بنغماتها لتجعل الإنسان يتعالى معها إلى وظيفته الخلافية .

إنّ نوح و هو يُنذر بالكارثة المقبلة يفتح الأفاق لإمكان الحل ، فالكارثة ليست قدرا لا مفر منه بل هو قدر تدفعه أقدار و يظهر أنّ ما يحذر منه نوح كارثة خطيرة و كبيرة حتى يكاد من يتصورها بما قدمه نوح عنه يستسلم و يركن إلى القعود و لكن نوح القرءاني قول أنّ السنن تدفع الكوارث و أنّ مهمتنا كإنسانية هي دفع السنن بالسنن لغاية أن يصل إلى إدراك عمقها :

" ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا"

إشارات إلى الخلق الباطن في مفهوم السماء ، ذلك أنّ من أعمق لبنات الكون في كوننا هي الذارات و هي كلّها تحمل تكوين طبقي يحوي سبع طبقات طاقوية حددتها ميكانيك الكم في القرن العشرين و الذرة سماء بحكم أنّها تحمل في تكوينها طبقات و عندما غاص العقل الإنساني في فهم سببية هذه الطبقات السبع دخل في عالم لم يكن يتصوره، عالم انتفت فيه نظرية السببية النيوتونية إلى نظرية تعتمد الإحتمال لتشرح إستقرار كوننا . و عندما يقول القرءان بلسان إسم نوح "الم تروا" فهو يقصد الرؤية لا الإبصار إذ من المستحيل أن نُبصر السبع طبقات مهما علت تقنياتنا ، فالأمر متعلق بإستحالة موضوعية و لا علاقة لعجز التقنية أو قدرتها .

باطن الخلق في طبقات غلافنا الجوي ، فغلافنا طبقي و طبقاته تؤمن إمكان الحياة في كوكبنا و رؤية هذه الطبقات إستقراء لخصائصها الحرارية و التركيبية و ليست من منطلق إبصارها ظاهريا ، إذ عند إبصار غلافنا الجوي لا نبصر طبقات سبع و إن كان "قوس قزح" يعطي صورة ظاهرية لتكوين سباعي تستقبله عيوننا الإنسانية ، فقوس قزح ظاهر بدائي لينطلق البحث نحو عمق التكوين في رؤيته .

إنّ في تكوين ذرات الكون و طبقاتها إمكان كبير لحل مشاكلنا الطاقوية بدأنا في التعرف عليها في بدايات القرن العشرين و في تكوين هذه الذرات نفسها طبقات أخرى يمكنها أن تحل مشاكلنا الطاقوية حلاّ نهائيا يحترم توازن البيئة و يفيض عن حاجاتنا ، فرؤية السبع سماوات الطباق ليس إبصارا جماليا للتعجب و الإستغراب بل للهدي نحو حل الكوارث المقبلة .

إنّ ما يسميه الناس نسلا و هم يشيرون لتوالد الإنسان شتيمة غير مقبولة فالإنسان ليس نسلا بل قيمة عليا بما يحمله من روح ، فالنسل أمر متعلق بالبهائم لتفي بحاجات الإنسان الغذائية. أمّا توالد الإنسان فهو نعمة كبرى و أن هنا لا أتحدث عن تكاثر بشري بل توالد إنساني فكم من توالد ليس في إلاّ نسلا سيرثيه نوح كما ستأتي بيانه في السورة .

هذا التوالد يحتاج إلى تهييئ أرضية لهذا الكائن الروحي ، أرضية تفي بحاجاته و تفسح أمامه إمكانات تفجير روحه ليسير في مهمة الخلافة . و من هنا حاجتنا إلى الغوص في بناء السماوات في باطن الخلق ، فالقرءان بهديه ينبئنا بإسم نوح أنّ حل مشاكلنا الطاقوية هنا ، أي في رؤية السبع سماوات الطباق. و ما طرحته عن رأيي في الذرات و تعلقها بهذه الأيات مجرد إجتهاد و حتما سيقرأ من يأتي بعدنا هذه الأيات بعمق أكبر و لكن الطريق هو هذا ، طريق البحث في عمق التكوين و لبناته الأولى .

السبع سماوات طباق هي إطار لإنتقال إلكتروني بينها ، و هذا هو مفهوم القمر ، فالقمر في مفهومه القرءاني متعلق بإنتقال من طبقة إلى طبقة ، أو بتعبير القراءان منازل . و الإنتقال من طبقة إلى طبقة يوّلد نورا أي إشعاعا أحادي الموجة و هذا هو مفهوم النور و امّا الشمس فهي تحمل مجموعة هائلة من الأمواج متعلقة بتفاعل نووي ، فالشمس نواة للأشعة و هي المسؤولة عن التوازن الكلي . هذا في باطن الخلق أما ما نبصره في مجموعتنا الشمسية مما نسميه قمرا و شمسا فليس إلاّ مظهرا لما يحدث في عمق التكوين ، فما في مجموعتنا الشمسية رسم كاريكاتوري بياني لما يحدث في عمق التكوين بريشة رسام ينقلنا من الظاهر إلى الباطن حتى و كأنّ هذا الفنّان يلاعبنا كصبيان في سن الرضاعة لينقلنا من الصورة إلى التجريد. ينقل الإنسانية من سقفها المعرفي بنص متشابه يُربك القارئ ليعمق تواضعه، فالسير طويل و لكنّه سيرا تفاؤليا يجعل أتباع نوح لا يتشاءمون مهما كبرت الكوارث .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...