لا
شك أنّ إعتبار سورة قريش متعلقة حصرا بقبيلة قوم النبي الكريم محمد يجعل القرءان
مشوبا بنوع من التاريخانية وقناعتي الشخصية العميقة أنّ القرءان خطاب للعالمين
يتلبس بصور تاريخية ليعطيها نصه البعد الكوني المتعالي عن المحيط التاريخي المحصور
و يرفعها إلى الإحاطة بموضوعها في سعة الزمان و المكان و ليس من شك أنّ فرضية علّو
القرءان عن زمن و مكان التنزيل تجعلني أدخل إلى سورة قريش لأتناولها من ناحية
تختلف تماما عن تناول الأسلاف لها و لكنّي سأبدأ أولاّ بما اعتمدوه من رؤية لنكتشف
بعضا من إشكالاته.
لنفترض
إذن مع المفسرين أنّ قريش هي قبيلة النبي الكريم محمد حيث نشأ و التي تضم بدورها
أفخاذا من بينها بني هاشم و لنزد من الفرضيات انحدارا و لنعتبر أنّ النبي محمد هو
من صاغ نص السورة.
بسم
الله الرحمن الرحيم لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ
وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ
جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ .
من
الناحية النفسية و تبعا لفرضية تأليف النبي للسورة نرى أنّه يُخاطب قبيلته و هو
بعيد عنها إذ لو كان قاطنا فيها لأتى بتعابير مباشرة من قبيل :
"فلتعبدوا
ربّ هذا البيت"
"الذي
أطعمكم"
سياق
السورة يدل كذلك على أنّه صاغها لإنتقاد قبيلته أمام قبيلة مناوئة لها أو بين قوم
أعداء لقريش و لكنّنا لا نجد نبرة عدائية في السورة بل العكس تماما ففيها خطاب
معتدل رحيم في عبارة :
"فليعبدوا"
و
هنا تبدأ الإشكالات بين صيغ للمدح و أخرى للإنتقاد المبطن. فالمدح بيّن في إعتبار
الإيلاف حلف أقامه "قصيّ" ممثلا عن قبيلة "قريش" مع القبائل
بعد إخراج خزاعة من الحرم و جعل السلطة القرشية سلطة تشاورية ، و تمّ التفاوض مع
القبائل المجاورة لتسهيل مرور القوافل التجارية بمقابل يشبه الأتاوات الجمركية.
إنّ ذكر الإيلاف بهذا المفهوم في السورة مدح كبير لقريش. و لكن يفاجئنا المقطع
الأخير من السورة بنقد لاذع مبطن لقريش متهما إياهم بالتسول من أجل الحصول على
الأمن و الطعام.
هذه
الملاحظات تجعلنا نرى النبي، بفرضية أنّه صاغ السورة، قاطن بين قوم أعداء لقريش و
هو يجاريهم في هذا العداء كي يضمن رضاهم عنه و يؤّمن مصالحه السياسية بينهم و في
نفس الوقت يحتفظ في قرارة نفسه بحب عميق لقبيلته الأم بما يبطّنه النص المصاغ من
شوق و حنين و رحمة ، فهو يمدح و يذم و يوازن الخطى بين حبال سياسية متململة .
قراءة
السورة بهذا الشكل تجعل مكيتها أمر مشكوك فيه على فرض أنّ في القرءان مكّي و مدني
كما زعم الأسلاف. و لا أدري كيف انساق المستشرقون و من سار على دربهم خلف المفسرين
في إعتبارها مكيّة !!!
ماذا
يريد صاحب النص من هذه السورة ؟؟
لماذا
يمدح و يذم و ما العلاقة بين الإيلاف الذي هو مدح و الدعوة إلى عبادة ربّ البيت
التي تنقض هذا المدح؟
إنّ
الشك سيزداد نموّا إن نحن تابعنا التفكيك بهذه الطريقة خاصة و أنّ السورة تبتدئ
بأداة "لـ " و كأنّها كانت تحوي عبارات قبلها حُذفت و لم تصلنا و ضاع
فهم غاية صاحب النص بضياع النص الأصلي.
لن
أمض طويلا في هذا الطريق و أترك للقارئ المضي فيه إن أراد كشف إشكالات ما تخرجه
هذه الفرضية، و سأدخل الأن مباشرة في فرضية علّو القرءان لأجعل فهمي لدليل السورة
مبني على نقاط منهجية خمس :
القرءان
كلام الله
للقرءان
بنية داخلية
ألفاظ
القرءان حق
ألفاظ
القرءان مفاهيم
السورة
وحدة موضوعية
إنطلاقا
أبتدئ القول أنّني لن أتابع الأسلاف في دليلهم للألفاظ التالية :
إيلاف
قريش
الشتاء
الصيف
سأفصل
فيما بعد في دليل هذه الألفاظ و سأسعى أولاّ في تفصيل أجزاء السورة.
السورة
وحدة موضوعية فليس فيها نقص و لا زيادة و ليس هناك حذف لمقاطع نص السورة و بثّها
في سور أخرى ففرضية الوحدة الموضوعية في السورة تنفي إمكان الإضافة أو الحذف دون
الإخلال بتوازن السورة.
غاية
السورة رسمتها أدة "ل " :
"لإيلاف
قريش"
فغاية
السورة توصيف قريش و إيلاف قريش و كيفية تجاوزه، فهذه اللام في القرءان ترسم غاية
الفعل و كأنّها نفي تحققه إذ اللام تدل على النفي جعلتها تعبر عن شوق الوصل إلى
الإيلاف و نجد رسم "إيلـ ا ـف" في الأية 1 من السورة مثبتة يائه يختلف
عن رسمه في الأية 2 "إلـ ا ـف"التي حُذفت منه الياء و يمكن إعتبار هذا
خطأ للنساخ و يستبعد أن يكون صاحب النص هو صاحب هذا التغيير في خط لفظ إيلاف و لكن
فرضية علّو القرءان و أنّ رسمه ربّاني تجعلنا نرى في هذا الرسم بعدا دلاليا يسوقنا
إلى مفهوم الإيلاف خاصة و أنّنا نجد رمزا عجيبا في الأية الثانية من السورة لفظ
"إ* لـ ا ـف" بين الهمزة المكبوسة بالألف "ا" و اللام. هذا
الرمز أطلقت عليه إسم الحاجز المصيدة .
الإيلاف
بياءه التي إخراج الإلاف إلى الوجود، فالياء في القرءان علامة للأيادي التي تخرج
مفهوم الجذر الأصلي فياء رحيم هي الأيادي التي تخرج الرحمة إلى عالم الظهور و
الوجود، لكن الإيلاف التي تبحث عن إخراجه السورة ليس إلاّ إلف بين قريش منزوعة
ياؤه، فهو أجذع بلا أيدي و كأنّه فرض لأمر واقع ليس أمرا حدث من رحم إلتقاء
الأطراف و مد أياديهم لإخراجه.
الجذر
(ء ل ف ) في القرءان يدل على تجميع أجزاء مختلفة و ربطها، فهو ليس توحيدا بمعنى
صهر الأجزاء و جعلها جزءا واحدا و هو ليس تجميعا فقط دون ربط.هذا يجعلنا نرى في
الإلاف" المنزوع الياء تجميع أجزاء قريش رغم إختلاف مصالحها و تباينها و ربط
شتاتها في مشروع معين و لكنّه ربط و تجيمع أتت به الأحداث و ليس لهم يد فيه و ليسوا
هم من دعا إليه أو أسسه.
بل
و أبعد من هذا فالحاجز المصيدة بين "إ" و "لـ" في لفظ
"إلـ ا ـفهم" يرسم صعوبة أي محاولة ذاتية في صنع الإلف، فمفهوم الهمزة
في القرءان متعلقة بالذاتية و يكفي رؤية لفظ "أنا" ، فكل محاولة ذاتية
للدعوة إلى الإلف أو تأسيسه تبوء بالفشل في قريش بفعل المصائد و الحواجز الموضوعة
أمام كل محاولة و حتى و إن كانت سرّية و هذا سبب مجيء الهمزة تحت الألف
"ا" و بالكسرة الدالة على الخفاء.
إنّ
السورة تؤكد أنّ هذا الإلف خرج من واقع الأحداث و منطقها المفروض، فما هو هذا
المنطق الذي جعل المختلفين و المتحاربين و الأعداء يعيشون إلفا ؟؟؟
لنقرأ
:
"فليعبدوا
ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع و ءامنهم من خوف"
الأمن
الحاصل في قريش وقوده الخوف، فالخوف الحاصل لكل طرف من الأطراف الأخرى جعلته يؤّمن
غيره ليس حبّأ في التأمين و لكن مرغم أخاك لا بطل، فهو توازن ردع و ليس توازن أتى
من تفاوض حضاري بين جماعات مؤمنة أساسا تحمل في فكرها و مسارها الإجتماعي تأمين
الأخر في نفسه و فكره و ممتلكاته. و كذلك الإطعام، فهو ليس آت من إرتفاع أخلاقي
إنساني يسعى إلى عون الأخر و الرأفة به بل إنّ هذا الإطعام وقوده الجوع، و كأنّ كل
طرف في قريش ليس له إستقلالية في غذاءه و لا يمكنه إطعام نفسه دون اللجوء إلى
الأطراف الأخرى ، و من هنا فإطعام أخر مصلحي محض سببه الخوف من الجوع الآتي ،
فالأمر مصلحة متبادلة محضة.
إنّ
السورة تبين أنّ الأمن حصل بتوازن قوى و ليس عبر أيادي مدّت لإخراجه للوجود بإتفاق
أو تفاوض بل هو أمر واقع فرض نفسه، فالخوف المتبادل المعبر عنه بلفظ
"خوف" دون اللام التعريف و دون تحديد مصدره فالكل يخاف من الكل ، هذا
الخوف الآتي من الحروب المتتابعة و النزاعات و الخصومات بين الأطراف هو سبب الأمن
و الجوع الوارد من الأزمات الطبيعية و الإنسانية أو من نقص الموارد المعبر عنه
بلفظ "جوع" دون اللام التعريف هو سبب الإطعام.
توازن
الردع هو إلاف قريش و يريده القرءان أن يكون إيلافا كي لا ينحصر في الضروريات و
يرتقي إلى أعلى بفعل الأيادي الممدودة من كل طرف في قريش. هذه الضروريات أوضحتها
السورة و هي أشبه بالحد الأدنى في التعامل :
"إلـا
فهم رحلة الشتاء و الصيف"
و
هنا لا بدّ للإنتباه لهندسة العبارات. فعبارة "رحلة الشتاء" يقابلها
"الصيف" و ليس هناك رحلة الشتاء و رحلة الصيف فهذا من الإضافات التي لا
يقبلها النص القرءاني فملأ الفراغ يحصل في ذهن الإنسان لرسم الصورة كاملة و لا
يمكن أن يكون الفراغ في النص إن اعتبرنا فرضية علّو القرءان. و سنرى أنّ هذه
المقابلة ترسم الصورة رسما كاملا دون الحاجة للجوء لكلام البشر الأعجمي في بيان
دليل الشتاء و الصيف.
الشتاء
في القرءان ليس فصلا إذ الفصول إصطلاحية و ما هو فصل حار اليوم قد ينقلب فصلا
باردا بفعل التغيرات المناخية الحاصلة و غيرها ، فهذه التسمية إصطلاحية و ليست
كونية و القرءان يحدد مفاهيمه كونيا فلو كان الشتاء فصل لكانت له محددات فيزيائية
كيميائية محددة جدّا، و لا تكفي معدل درجة الحرارة لرسم حدود فصل كونيا إذ هذا
المعدل غير مضبوط بحدث كوني بل هو عملية إحصائية لا وجود لها في الواقع.
فما
هو الشتاء ؟
عربية
القرءان تجعلنا نبحث عن أقرب المشتقات لهذا اللفظ فيه و هي :
شتى
أشتات
هذه
الألفاظ تدل على التفرق الطبيعي بين الأجزاء المجتمعة و مجيئ الهمزة في أخر لفظ
"الشتاء" يعبر عن ذاتية هذا الشتات أي بتعبيرنا أنانيته فرحلة الشتاء،
هي رحلة تنتهي بإنفصال أجزاءها فكل جزء فيها يأخذ مصالحة التي أودعها في الرحلة و
كأنّه ما كان منتميا إلى جماعة. و الرحلة من مشتقاتها :
رَحل
رحالهم
المعبر
عن تجميع مصادر لهدف معين، فقد تكون تجارية أو إقتصادية و قد تكون سفرا على ناقة
أو ركوبا في طائرة أو كراء لباخرة، فهذه الرحلة هي مشترك إقتصادي بين أطراف هدفه
الربح الفردي الأناني في نهاية المطاف و كل فرد من الأشتات يهمه أن يصبح شتاءا.
إلاف
قريش أحد بنوده الذي فرضه الواقع تأمين رحلة الشتاء بين أطرافه و بنده الأخر الذي
فرضته الأحداث هو "الصيف" و ليس "رحلة الصيف"، فما هو الصيف ؟
أقرب
المشتقالت إلى لفظ "صيف" هو :
صف
صافات
و
هي تدل على التراص و النظام و ياء "صيف" تشير أنّ هذا الصف لا يحدث
تلقائيا بل يحتاج ضرورة لأيادي تخرجه كل مرّة و السورة تشير إذن إلى البند متعلق
بالدفاع المشترك ضد أي طرف في قريش يسعى لحرب أخر.
بنود
قريش في إلافها بندين
ـ
تأمين الإشتراك الإقتصادي
ـ
الدفاع المشترك ضد أحدهم في حال هجومه على أطراف أخرى
و
لكنّ بنود الإلف أتى بها منطق الأحداث و لم تسعى إليها أطراف قريش، فسياط الواقع و
إكراهاته هو من فرض البنود دون أن يكون لهذه البنود تسجيل و لا توثيق لغياب ياءها،
و القرءان يدعو إلى تحويل هذا الإلاف و جعله إيلافا آت من عمق قناعتنا الإنسانية
بتوثيق و تسجيل، فياؤه لا بد أن تعمل في الدعوة إليه و تعمل في إخراجه.
و
أخيرا فمن هي قريش ؟
هل
هذا إسم قبيلة النبي أم أنّه مفهوم شامل لكل تجمع بشري؟
لو
عدنا للقرءان لرأينا أنّ أقرب لفط إلى قريش هي الألفاظ :
قرية
قرى
و
علامة "ش" زيدت في أخره مع ياء تربط بين "قر" و
"ش". و كأنّ هذا التجمع مدّ أياديه ليجعل من قريته رمز للشتات المتصل و
نحن اليوم نعيش في مجتمع قريش و قوم النبي عاشوا في زمن قريش و جاءهم ليخرجهم من
مكّة إلى بكّة و من منطق القرية إلى منطق المدينة و من الإلاف إلى الإيلاف.
إنّ
التاريخ يكتبه المتغلب و السقيفة حصلت السلطة في قبيلة قوم النبي و لا شك عندي أنّ
إضفاء إسم قريش على المتغلبين أمر مضحك، إذ هو يفضح تقرشهم و إن ظنّوا بذلك أنّهم
خلّدوا ذكرهم في التاريخ
تعليقات
إرسال تعليق