التخطي إلى المحتوى الرئيسي

و جاء ماركس

 ليس هذا المقال محاولة لمد الجسور بين الماركسية و الدين و ليس قراءة للماركسية من منظور النص الديني بل هو إطلالة على علاقة ماركس الفكرية للدين و المبادئ التي أرستها نصوصه .

الإلحاد كبعد تحرري من قوى ماورائية هو نتيجة حتمية في الماركسية ذلك أنّها تدعو لعالم محوره الإنسان من حيث أنّه الفاعل الأوحد للتغيير وذلك لأنّ الماركسية في طرح مؤسسها ضد الأدلجة و الدوغماتية. فالإلحاد المطروح قبل ماركس يحمل في بذوره الأولى هذا الطرح بدءا من قدماء فلاسفة الإغريق و لكن بنى الإلحاد متنوّعة و لا تنبع من نفس المعين

و بعد إنفجار التقنية و الكشوف العلمية في القرن التاسع عشر عادت نظريات الإلحاد لتشرب من معين فلاسفة الإغريق قائلة أنّ الدين و النصوص الدينية هي تفسير بدائي للكون و ظواهره.

هذا الكلام مهم في ذاته إذ هو يدفع الكهنوت بصفة عامة أن لا يدخل الله في كل ظاهرة طبيعية لم تصل الإنسانية بعد إلى حلّها و يدفع بالناس إلى التفكير العلمي بعيدا عن المعجزات و الكرامات و يدخل الإنسان في عالم القانون الموضوعي للظواهر الطبيعية و أكبر ممثلي هذا الإتجاه Auguste conte .

و في هذه الوجهة يتجه الإلحاد الماركسي بدءا من القرن التاسع عشر فهو يؤسس لإستقلال الإنسان و يرفض أي محاولة لحرمان الإنسان من قدرته كخالق .

فماركس وريث شرعي للنضال الطويل الذي قاده الإنسانيون بالمعنى الإيجابي للكلمة من أجل إعطاء الإنسان ما سلبه منه الدين فهو وريث لـ Fichte و Hegel اللذان أعادا للإنسان قدراته الممنوحة في النصوص الدينية لله, و ماركس وريث لـ Feuerbach الذي رفض أن يسلب الدين من الإنسان قيمه الذاتية العليا ليعطيها لشبح غير موجود.

ماركس الشاب واصل النضال و عرف أين يستقي المعين الإلحادي العميق من منبعه الإغريقي. ففي رسالته للدكتوراة سنة 1841 كتب في مقدمته :

"تعلن الفلسفة شهادتها التي خطّها Prometee "أُبغض جميع الألهة"

هذا الشعار يجعل منه عدّوا لكل ألهة السماء و الأرض التي لا تعترف بالضمير الإنساني كإله أعظم. هذا الشعار لا ند له يستطيع نقضه"

ماركس عمقّ نظريات الإلحاد السابقة بإعطائها مفهوم كوني فلم يعتبرها هو و Engels ككذبة اختلقها الطغاة الحاكمون ليتسلطوا و لم يعتبر هذان الفيلسوفان الدين نابع من وهم أنتجه الجهل بالمحيط بل إن الدين عندهما وُجد ليجيب على مطالب أساسية داخل الإنسان ، فمن جهة الدين إنعكاس لخوف داخلي حقيقي عند الإنسان من الوجود ناتج عن عجزه عن صراع هذا الوجود و تغلبه عليه و من جهة فالدين إحتجاج ضد هذا الخوف. فالدين كإنعكاس لهذا العجز يؤسس لإيدلوجية لتفسير الوجود و تبرير الوضع القائم . هذه الإيديولوجية سلاح حاد بين أيدي الحكام لإعلان الأمر الواقع للشعوب و أنّ ما هو موجود يعبر عن إرادة الله و لا يملك الإنسان إلاّ الإذعان ونجد واحدا من أكابر الكتاب المسيحيين يسير في هذا الخط و هو Saint Augustin في كتابه "مدينة الله" يكتب :

"إنّ الله هو من أرسى الرق و نظام العبيد في العالم كعقاب لخطأ أبينا ءادم و أي محاولة لرفع الرّق هو مقاومة لإرادة الله و رفض لها"

و نجد تاريخ الكنيسة "المسيحية" الكاثوليكية على مدى العصور تكرس و تبرر للأمر الواقع من رق و إستعباد و إقطاع و كل هذا جعل ماركس يكرس مقولة السابقين أنّ "الدين أفيون الشعوب"

و في الجهة المقابلة فإنّ الدين إحتجاج على العجز و الخوف، فالدين في هذه الجهة ليس محاولة لتفسير الوجود و لا ظواهره و ليس إيديلوجية تحاول تفسير الظلم و العجز بل هو بحث عن حل للمأساة الإجتماعية الإنسانية، فالدين من هذه الوجهة ليس طريقة للتفكير بل طريقة للحركة ، ليس إيديولجيا بل مشروع. و في هذا فماركس لا يتعامل مع الدين كميتافيزيقا و مثالية بل يتعامل معها كمؤرخ أنثروبولوجي لحركة الإنسان في التاريخ و ليس صحيحا أنّ أنجلز و ماركس لا يريا في الحركات الدينية إلاّ وجها سلبيا تعكسه عبارة ماركس الشهيرة "الدين أفيون الشعوب" فتحليل أنجلز لنشوء المسيحية قبل أن تؤدلج على يد قسطنطين كانت مشروعا و مواجهة و إحتجاج على الوضع القائم و يحلل ظاهرة حلم المسيحيين الأولين بظهور المهدي و إنفجار الوضع و يتحدث أنجلز على هذا التيار المسيحي كتيار ثوري و حتّى لينين يتحدث عن المسيحية الناشئة في كتابه "الدولة و الثورة" كروح ثورية. و يرى أنجلز أن فشل مشروع المسيحيين الأولين يعود إلى إنعدام قوّة إجتماعية أنذاك تستطيع التخلص من طغيان الرومان و يؤكد أنّ تحول المسيحية إلى إيديولوجية و دغما كهنوتية سببه هذا العجز.

الله في المفهوم الماركسي ذات محددة الوجود كما أقرّها الكهنوت و لذا فهو يرفضها و يخرجها من معادلة الوجود. بالنسبة للطرح القرءاني ففاطر السماوات و الأرض ليس ذاتا و ليس له إسم فأسماؤه حسنى مطلقة و علاقتنا به هي من وحي السنن الكونية فمشكلة الكهنوت أنّ الله عندهم يتدخلفي الوجود ذاتا و ليس سننا تسير على الجميع و لئن أعجزنا فهم آليات السنن فهي موجودة و القرءان يدفعنا لمعرفتها و عدم التفريق بين السنن الكونية و الإجتماعية في قراءتنا للكون و المحيط فهما من منبع واحد.

من منطلق إعادة الإنسان كمحور في عملية التغيير فكلام ماركس هو عين ما يقوله القرءان في إقراراه بخلافة الإنسان ولا شك أنّ ماركس أعاد الكلام التوراة و القرءان إلى الواجهة بالقراءة الإيجابية الصحيحة و الذي يهمني ليس أن يكون ماركس ضد أو مع الله كوجود فهذه مسؤوليته ، ما يهمني في مقاربة قراءته هو حجم وعيه بشبكة العلاقات الإجتماعية دون أن يجعل عداوته منصبة على الدين كدين بل هجومه على الدين هو هجوم على سلطة كهنوتية متحالفة مع السلطة السياسية، في هذا كلّنا ماركسيون أقصد قراءنيون.

Fichte و Hegel أراد أن يعطي للإنسان كتابة شيئا من أسماء الله من خلق و إبداع و غيرهما التي كانت فيما قبل محصورة في الفكر المسيحي على "الذات الإلهية" من تركيز هذا الفكر على المعجزات و الماورئيات و غيرها مما لا يدخل في الإطار السنني و لا شك أنّهما كذلك قرءانيان من حيث أن القرءان يمنح للإنسان وظيفة الخلق و الإفتراء "الإبداع" و الفعل و الإبصار غيرها. ففيخت و هيجل أسلاف ماركس و لكن ماركس ليس سلفي

بفصله لإنعكاس الخوف الحقيقي من الوجود و الإحتجاج من هذا الخوف في الظاهرة الدينية يقترح ماركس منهجا لتحليل ما أسماه بالمحتوى الإنساني الخرافي المشكل لبوتقة الدين، فهو يؤسس لعملية دراسة الظاهر الدينية وفق أنماط العلاقات الإجتماعية الحقيقية التي تفرز إنعكاس الخوف الوجودي و تفرز في نفس الحين نقيضه المتمثل في الإحتجاج عن هذا الخوف.

عوّدنا ماركس في تحاليله على إخراج الجدلية في الأمر المدروس و هي طريقة تكاد تكون مركزية في كل طرحه. و يحاول ماركس بهذه المنهجية تحديد موقع الزمن الفاعل في تجاوز مرحلة دينية معينة عند وصول الصراع بين إنعكاس الخوف الوجودي و الإحتجاج عليه مرحلة الحسم.

ففي مقالاته عن "القضية اليهودية" و ردّه عن مفاهيم Bruno Bauer عن تحرر اليهود كتب ماركس يقول سنة 1844 :

"عندما يشعر اليهودي و المسيحي أن ديانتيهما ليست إلاّ مراحل تطور للفكر الإنساني شأن جلد الحيّة لن يكونا في موضع تعارض ديني بينهما بل في علاقة نقدية بحتة علمية و إنسانية"

ثم ينتقل ماركس إلى نقد محوري لتحليل بوير عن شروط تحرر اليهود فماركس لا يتحدث عن اليهودي و المسيحي كدينين مختلفين بل عن حلقتين لنفس الصيرورة فصلت بينهما الظروف الإقتصادية و الإجتماعية لنشوءهما و هو بهذا لا يريد تحرير اليهود كعرق و جنس بل يبحث عن تحرير الإنسان عامة:

"لن يكف أن نطالب : من يُحّرِر (بكسر الراء) ؟ و من سيُحرِّر (بفتح الراء)؟ النقد يجب أن يتوجه بسؤال ثالث : "أي شكل من التحرر نريد"؟

و يضيف ماركس بقلمه الرائع :

"إن بوير ينقصه الحس النقدي فهو يخلط بين التحرر السياسي و التحرر العالمي الإنساني".

ماركس يحاول إذن التركيز على البنى الأساسية في التطور الحقيقي للمجتمع و خاصة علاقات الإنتاج في محاولة لإعطاء الأسباب المادية قولها الأخير في كل عملية تغيير.

رؤية ماركس كرؤية بوير الذي ينتقده كرؤية سلفهما فيروبيخ المعتبرة للدين كوسيط مفتعل من الإنسان نفسه ليعترف بنفسه و كأنّ حاجة الإعتراف عند الإنسان عميقة إلى درجة تجعله يختلق موجودا متوهما ليعترف به. إنّه أشبه بمختلق شهادة أكاديمية ليجر إعتراف الناس بإبداعه. ولكن إضافة ماركس لهذه الرؤية حاسمة فهو يبحث عن جذورها في الواقع الحقيقي و التاريخي و لذلك هو يتهم بوير بأنّه لم يقم بتحليل جذري يصل إلى عمق الأزمة عند الإنسان الحقيقي:

"التحرر السياسي يمثل تطورا كبيرا. و لكنّه ليست الخطوة النهائية للتحرر"

و هنا يضع ماركس يده على الجرح الأساسي فليست القضية المساواة في الحقوق السياسية كما أقرته الثورة الفرنسية و إن كان يعتبر هذا تقدما و لكن الإشكال في بقاء الفوارق الإقتصادية و الإجتماعية و الهيمنة و التسلط التي تنتجها هذه الفوارق و كأنّ ماركس يقول أنّ المساواة السياسية لا معنى لها دون شطب جميع الفوارق. فماركس يرى الأمر بشموله و يتجنب محاولات التجميل و سنرى أنّ الإشكالية في طرح ماركس هي في ديناميكية شطب الفوارق فنحن لا نستطيع توقيف الزمن و ترتيب البيت الإنساني بشطب الفوارق جملة بل أي محاولة مس بالبنى ستنتج صراعات لا حصر لها و عامل الزمن قد لا يكون مطلقا في صالح التقليل من الفوارق بل في تعميقها إن حدث الصراع.

يرى ماركس في الدين إذن صورة لتجلي الخوف الداخلي الوجودي للإنسانية و للإحتجاج عليه في آن واحد و يذهب في بحث جذور تأسيس نصوصه و يجعلها تنبع حصرا من الواقع الإجتماعي و الإقتصادي الذي يحيطها بل يراها عاكسة له في الإتجاهين خوف و إحتجاج عليه و يشرح في كتابه "رأس المال" رؤيته لنشوء الدين "المسيحي" و تطوره ويرى فيه دين مناسب لمجتمع تجاري فردي يبحث الفرد فيه كنواة معزولة تعويضا سماوي عن عزلته في:

"طقس الإنسان المجرد المتمم الديني المناسب"

و يقصد بالإنسان المجرد المسيح و كأنّ أتباع المسيح يريدون أن يختلقوا صورة موهومة لعيسى كإنسان مجرد يحمل خلاصهم من واقع العزلة المفروض و يعينهم على فك العزلة عنهم كأفراد و يوحدهم في طقس جماعي، مثل هذا الدين في نظر ماركس أنشأته الظروف الموضوعية الإقتصادية لمجتمع تجاري فردي يعزل الفرد عزلة تامة.

و في كتابه "القضية اليهودية" يشرح ماركس التحول الذي طرأ على المسيحية عندما تغيرت الظروف الإقتصادية وظهرت الدولة الديموقراطية البورجوازية بل و يؤكد ماركس أنّ هذا التحول حافظ على جدلية الخوف و الإحتجاج عليه :

"فهذا التزواج (الخوف الداخلي و الإحتجاج عليه) يعبر في إطارإنساني في حقيقة الدولة ،القاعدة الأساسية أين تمثل المسيحية وجهه المتعالي"

ففي مثل هذه الدولة :

"العمق الإنساني للدين محقق بطريقة علمانية (غير مقدسّة"(

فالدولة الديموقراطية البورجوازية في نظر ماركس وهم ثاني كوهم الدين المسيحي من حيث أنّها تبحث عن طمأنة الخوف الوجودي عند الفرد بمؤسساتها و خطابها و فلسفتها و يفسر ماركس أنّ بقاء الدين المسيحي في الوجود رغم التحولات الإقتصادية الحاصلة بأنّه نتيجة حتمية لفشل مثل هذه الدولة و طروحاتها بل يذهب أبعد في عبارة شهيرة :

"وجود الدين يعبر عن ظاهرة مرضية"

مثل هذه العبارة تعبر عن الإرباك في تفسير بقاء الأشكال الموروثة رغم تغير المحيط الإقتصادي و الإجتماعي و حتّى المعرفي فماركس يعتبر الدين أساسا ظاهرة مرضية و هي إذن ظاهرة لا نفسربقاءها فقط ميكانيكيا و كأنّ ماركس يرى أنّ الظاهرة الدينية سببت سرطانا في مسيرة الإنسان يمكن فهم جذوره و شرح أسباب تطوره لكنّنا نعجز عن سبيل لفهم تشبث الإنسانية به.

هكذا ، فالدين في المجتمعات التجارية يعبر عن كل النقص في هاته المجتمعات هو "التتمة الوقورة، و المواساة الضرورية ، إنّه التحقيق الخارق للذات الإنسانية المجردة إذ الذات الإنسانية ليس لها وجود حقيقي"

هذا ما كتبه ماركس في "إسهام في نقد فلسفة هيجل.

الدولة البورجوازية في نظر ماركس تؤكد الجدلية و التزاوج بين الوجود الحقيقي للفرد في "المجتمع المدني" و بين وجود مجرد كمواطن أين يباشر سلطته المجردة وهو بهذا :

"يستطيع أن يتجرد من الدين، لأّن عمقه الديني محقق بطريقة علمانية في الدولة"

و يصل ماركس إلى عمق الأزمة ، فلا تحرر حقيقي عالمي للإنسانية يتحقق إلاّ بـ :

"إزالة الصراع بين الوجود الفردي للإنسان و بين الوجود المجرد للإنسانية"

و يضيف في كتابه "القضية اليهودية" :

"التحرر السياسي هو حصر للإنسان من جهة كجزء من المجتمع البورجوازي ، فرد أناني مستقل و من جهة أخرى لمواطن كمثال أخلاقي. لن يتحقق التحرر الإنساني إلاّ عندما يعترف الإنسان بقواه الذاتية كقوة تنتمي لقوى إجتماعية و ينظمها لا يفرق بين قوته الإجتماعية في هيئة قوة سياسية"

في هذا الغوص العميق في محاولة إسكات الخوف الداخلي بمحاولة لفهمه يتألق ماركس في بحث الجذور و يجعلنا نستشف رؤيته إلى ما يمكن أن نسميه بعبثية أي عمل سياسي لا ينبثق من تمثيل إجتماعي حقيقي.

في هذا المشهد التاريخي الواقعي لنظرة ماركس لتطوّر الإنسانية و نظرته للدين يعطينا ماركس رؤيته المادية الجدلية للدين، فالديانات عنده تنشأ و تتطور و تموت في شروطها التاريخية المحددة.

و لو حصرنا قراءتنا لنظرة ماركس للمسيحية فقد رأينا سابقا كيف حاول ربط ظهور المسيحية بالإقتصاد التجاري في كتابه "رأس المال" أين نرى ثنائية الفرد بين فرد أناني في حياته الحقيقية و بين فرد "أخلاقي" يحاول به البحث عن تعويض سماوي للنقص الظاهر في حياته الحقيقة.

التحرر العالمي الإنساني عبرّ عنه ماركس بوضوح حين أعلن إستحالة تحقيقه دون إزالة الصراع بين الوجود الفردي في الواقع الحقيقي و بين الوجود المتخيل لهذا الواقع، إزالة الطلاق بين الفرد كشخص حقيقي وبين الفرد كمثال أعلى يصبو إليه.

مثل هذه النظرة بهدفها الواضح المعالم تجعل من بحث وسيلة تحقيقه أمرا أقرب إلى التقنية و هذا ما طرحه ماركس في دعوته لإلغاء الطبقات الإجتماعية بإلغاء الفوارق الإقتصادية في المجتمع . فالفرد الذي يحيا في مجتمع دون طبقات حسب ماركس سيشارك بملء طاقته و قواه من أجل المشروع الإنساني الكبير خلقا و إبداعا و ينتفي عنده الصراع مع الأخر ليعيش معه مرحلة بناء جماعي واعي و يشعر بمسؤوليته تجاه الأخرين و يرى نفسه حلقة مشاركا في مشروع لا نهاية لقدرته الخلاقة. هكذا رأى ماركس وسيلة تحقيق هدفه لإزالة الصراع الجدلي بين الفرد الحقيقي في عالم الواقع و الفرد المثالي. فما سيصبح الدين في مشروع ماركس ؟ و ماذا سيصبح الدين في مجتمع بلا طبقات ؟

إنّ الدين سيزول كدين فماركس اعتبر الدين كعمق إنساني في عملية التحرر السياسي و لكن هذا التحرر سيتحقق إنسانيا واقعيا و حقيقة دون الحاجة إلى الدين ليرسم لنا مثلا خيالية و مجردة تجعل توازن الإنسان النفسي و العقلي مختلا. فماركس لا يعتبر الدين المسيحي ثورة للعبيد بل يعتبره دينا للعبيد. و نجد عبارات أنجلز في وصف العمق الإنساني للدين في نشأته و تكلسه عندما تتغير الشروط التاريخية في العلاقات الإقتصادية:

"هناك شعور عند المسيحيين الأولين أنّهم في صراع ضد كل الناس و أنّ هذا الصراع سينتهي بنجاح المسيحية؛ هذا الحماس و هذه الثقة الأكيدة في الإنتصار لا نجد له مثيلا في مسيحي عصرنا بل نجد مثيله في قطب أخر في المجتمع و هم الإشتراكيون"

فأنجلز هنا يؤكد على العمق الإنساني في المسيحية الأولى الذي يحمل جوابا مثاليا لأسئلة واقعية، و يحمل إطمئنانا خياليا لوجود حقيقي.

و لئن كانت الإجابات عن الأسئلة بين الشيوعيين و المسيحين مختلفة تماما فإنّ الأرضية في الإحتجاج على الواقع هي القاسم المشترك بينهما في نظر أنجلز.

و نقرأ سمات هذا القاسم المشترك لمفكر فرنسي ماركسي ARAGON في كتابه الرائع "دقة الشعر التاريخية" :

" العلاقة التي تنشأ من رفض الواقع برؤية خيالية نابعة من المعجزات هي نظرة نابعة أساسا من منطلق أخلاقي فالخيالي هو تجسيد لرمز أخلاقي في معارضة عنيفة للنظم الأخلاقية التي تحيط بالعالم الذي نشأ فيه"

و يضيف:

"ما هو كريم و سخي و إنساني في مسلمة العقيدة الإلهية والتي يمكن للماركسي و المسيحي أن يتبناها و لكن لا يمكن تبنهيا من النازي أبدا"

و نرى في قراءة أراغون محاولة لتجاوز التاريخانية إلى الغوص في العمق الإنساني ، فالإنسان يوّلد الرمز تعبيرا عن غمّه الوجودي في سباحته في ظلام الوجود حيث لم يتسنّى له بعد فك طلاسمه .

فأراغون ككثير من الماركسين يحاولون تكريس فكرة إعتبار الظاهرة الدينية ظاهرة إنسانية علينا إستيعابها لأنّها منّا. هنا أقف راسما للوحة دون أن أقدّم نقدا لها و سأترك هذا في الجزء الأخير من البحث فليمهلني القارئ.

إنّ ماركس أدرك و من اللحظة الأولى إستحالة إلغاء الظاهرة الدينية دون إلغاء للفوارق الطبقية و لم يراوده حلم الإلغاء بتسويف الزمن ففي كتابه "رأس المال" كتب :

"عموما، فإنّ الإنعكاس الديني للوجود الحقيقي لن يزول إلاّ عندما تقدّم ظروف العمل و الحياة العملية للإنسان علاقات شفافية و عقلانية بينه و بين قرناءه و بينه و بين الطبيعة"

و يقصد ماركس بعبارة "شفافة و عقلانية" للإنسان إلاّ ما صنعه الإنسان و بناه و خلقه و هنا نشير إلى محورية الرياضيات في التفكير الماركسي فكل ما لا يُقاس لا وجود له و كل ما لا مقدار له خارج عن العقلانية بالمعنى الماركسي.

فبالعمل الإنساني وحده يصبح الإنسان خالق صورة نفسه بما ينتجه و يخلقه.

فالإنسان عند ماركس "ليس مالكا للطبيعة" فعمله "في تبعية للطبيعة" أي لقوانينها الموضوعية فالإنسان لا يخلق الطبيعة و إنّما :

"العمل هو فعل خلق لا يخلق الطبيعة ، و لكنّه يخلق الإنسان و تاريخه في صراعه معها"

و لكن المشكلة الكبيرة التي واجهها ماركس و أنجلز في هذا التنظير الذي يظهر متكاملا هي مشكلة الإنسان "البدائي" قبل ظهور العلاقات التجارية و تسلط الرساميل أي قبل ما أسماه بعض الماركسيين بالجذور الإجتماعية للدين. و يجيب أنجلز في رسالته لصديقه كونراد شميدث:

"إنّه من العبث محاولة البحث عن الأسباب الإقتصادية للتصورات الدينية للشعوب البدائية" فـ "في بداية التاريخ ، كانت القوى الطبيعية هي موضوع الإنعكاس الديني"

إنّ مثل هذه التبريرات تشير إلى أنّ أنجلز يرى في طغيان العامل الإقتصادي العامل الحاسم في تطور الدين بل و نشوءه و يريد أن يغفل الإشكال الإنساني في مجابهته لتفسير غائية الوجود. وكما سنرى في النقد فالماركسية لا يهمها مطلقا البحث في الغاية من الوجود إذ هي مسبقا تضع ما تسميه باقوانين الموضوعية للوجود و لا تضع الغائية كجزء من معادلة سيرنا الوجودي.

و نرى في الإرباك الحاصل من إستحالة إلغاء جانب التخيل عند الإنسان حتّى في أقصى تخصصات العلوم الدقيقة قضية معاناة في نظرية ماركس في المعرفة.

فماركس يرى أنّ رحم الخلق الإنساني و السير التاريخي للإنسان هو العمل سواءا في جانبه التقني أو في جانبه الفني و الديني ، مثل هذا البعد لا يملكه في الأرض غير الإنسان ، فعلى خلاف الكائنات الحية الأخرى فما يميز الإنسان عن غيره أن هدف عمله موجود في ضميره و يمثل قانون حركته، فوجود المستقبل الفاعل و التخيل لنهاية المشروع و التنبؤ بنتائجه هو من يميز الإنسان عن غيره .

إنّ هذا المشروع المخزن في الضمير ليس موجودا إبتدءا بل الإنسان هو من يؤسسه عكس الكائنات الأخرى فبرامجها معدّة سابقة في ذواتها.

وجود المشروع في ضمير الإنسان عند ماركس تخيلي ووهمي إذ هو يتجاوز الواقع الموضوعي و يتعالى عليه و وجود المشروع يسابق الواقع سواءا لتبرير هذا الواقع أو للإحتجاج عليه لهدف تغييره.

إنّنا هنا نصل مع طرح ماركس إلى إستشفاف لرؤيته للدين، فالدين عنده مشروع إنساني و لكنّه مشروع وهمي.

هنا نرى إنحسار ماركس في سقف معرفي محدود فرضته قوانين الميكانيكا النيوتنية بإرساءها لمبادئ الحتمية و لو أنّ ماركس عاصر ميكانيك الكم لغير نظرته ربّما، فلا وجود للواقع مفصولا عمن يشاهده و أي مشاهدة للواقع يعني تغيير في هذا الواقع نفسه فمحاولتنا التعالي على ما نشاهده و نبصره إلى قوى موجودة خلف الستار ليست وهما بل هي من صميم البناء العلمي المعاصر و هي إستباق ضروري لأي كشف مستقبلي لما نقرره تنظيرا و نرى في هذا تلاحما مع ما يسمى بالإنسان البدائي من حيث جوهرنا الإنساني فهذا الإنسان يتجاوز واقعه و ما يشاهده إلى ما وراء هذا الواقع محاولا شرح ما يبصره بما لا يراه بتعبير أسطوري أو رمزي ،

ليس هذا حالة مرضية بل هو شرط أساسي لأي مجهود فكري. إنّ هذا تحديدا ما يسميه القرءان بنفخ الروح الذي سنتحدث عنه في موضوع مستقل. فنحن الكائن الوحيد الذي يمكنه توسيع برنامجه الذاتي أو بالعبارة المشهورة :

"نحن الكائن الوحيد الذي يبحث فيه دماغه عن آلية عمل هذا الدماغ فالدماغ يبحث عن الدماغ "

هذا البرنامج هو الروح و هو منتفخ أي أنّه متضخم ليس تركيبا و ماهية و لكن متضخم معرفيا في الفراغ المتخيل. هذا التضخم أشبه بكوننا الذي يتمدد في اللاشيء. فأن نقول أن كوننا يتمدد يطرح إشكالا كبيرا إذ نحن إبتداءا نتصور الفضاء الذي يتمدد فيه تصورا لانهائيا مع أنّ الفضاء نفسه متعلق بكوننا الذي نحن فيه ففي اللاشيء لا وجود للفضاء و كأنّنا نقول أنّ كوننا يخلق فضاءه بتممده و هذا تحديدا ما يفعله برنامجنا الداخلي عندما يتحرك.

و سنترك الباحث الأنثروبولوجي Henri wallon يحدثنا عن العلاقة بيننا و بين الإنسان البدائي من حيث الماهية في كتابه الرائع "من الفعل إلى الفكر":

"بين أساطير الإنسان البدائي و العلم، هناك تشابه في الوظيفة، إنّهما متعلقان بعالم الأسباب التحتي الظاهر لنا في العالم المحسوس"

يُتهم الفكر الماركسي بإفراغه للمحتوى الإنساني في طروحاته فالغائية منعدمة فيه بل هي أساسا تتشكل كبقية المفاهيم في جدلية البحث و العمل .

بل نجد الفكر الماركسي مُتهم بفقد البعد الإنساني للفرد ليس فقط بمقارنته بما سمي أديانا للتوحيد بل بمقارنته بأفكار الفلاسفة الإغريقيين. سنحاول الأن الحكم على هذا الإتهام بعد سماع الطرفين و سنبدأ بالسماع لكاتبين "مسيحيين" في نقد ماركس على مستوى الطرح الإنساني، أحدهما قس بروتستانتي Gollwitzer في كتابه "الإلحاد الماركسي و "الإيمان" المسيحي" و أضع لفظ الإيمان بين قوسين لأنّ القس يقصد به الفيض الذي يتلقاه الإنسان بالذوبان بشخص المسيح و مثل هذا التعريف ينطبق عليه مسمى العقيدة أكثر ممّا ينطبق عليه مسمى الإيمان.

و الأخر أب كاثوليكي Girardi في كتابه "الإنسانية الماركسية و الإنسانية المسيحية"

يمكن تلخيص ما أتى بها الكاتبان من إعتراضات أساسية على الطرح الإنساني الماركسي في النقاط التالية :

1 ـ الجنس الإنساني عند ماركس يتلخص في الروح المطلقة كما عند هيغل. فعندهما ليس للفرد معنى و لا حقيقة إلاّ بالنظر إلى الكلية الإنسانية فهي التي تعطيه معنى و حقيقة. فالفرد لا يستطيع تحقيق ذاته إلاّ في ذوبانه الكلّي في مشروع التحقق الذاتي لجنسه الإنساني. و يسجل القس أنّ حق الجنس الإنساني عند ماركس يحطم حق الإنسان كفرد يشعر بذاته أو كما يقول الأب الكاثوليكي "عند الماركسية ، المطلق ليس الإنسان بل الإنسانية" فالفرد لا قيمة له إلاّ بما تقدّمه له قيمة النهاية التي رسمها له جنسه الإنساني.

2 ـ لا يمكن التوفيق بين النظرة الماركسية للتغيير العملي للواقع و الثورة كقيمة مطلقة و بين مبدأ القيمة المطلقة للفرد.

لا شك أنّ الكاتبين ارتكبا خطأ فادحا في التحليل فماركس لا يورد في تحليله مطلقا لفظ "الروح المطلقة" بل أين أورد هيغل لفظ الروح استبدله ماركس بلفظ المادة بل إنّ ماركس غيّر جذريا المفاهيم الهيغيلية فماركس لا يعترف بشيء إسمه المعرفة المطلقة و لا يعترف بشيئ إسمه نهاية التاريخ فالفرق بين الرجلين هو فرق بين نظام مغلق و بين آلية منفتحة للتطوّر دون نهاية.

فلا يوجد عند ماركس تثبيث للأشياء في نظام كلّي مغلق أين يأخذ كل طرف مكانه المحدد و لكن خلق و إبداع متصل للإنسان بالإنسان أمّا نظرة هيغل فهي منشأ التفاسير الكلية الديكتاتورية للسلطة و منشأ التفاسير العنصرية بدفاعه عن المنظومة المغلقة أين لا يجد الفرد لنفسه معنى و لا حقيقة إلاّ بالنظر للكل الذي ينتمي إليه و يكفي رؤية فلسفة هيغل كتبرير للسياسة البروسية و إمبراطورها و دعاية لها لنعلم جذور تاسيس فلسفته و إن غلّفها بالتعبير الأكاديمي. فماركس لا يعتبر الشيوعية نهاية التاريخ كما يردد سلفية الماركسية بل يعتبرماركس الشيوعية نهاية للمرحلة الهمجية للإنسان و بداية للتاريخ الإنساني بالمعنى الصحيح لكلمة إنساني . فأخر الدراسات التي غاصت في فكر ماركس تدرك تنبأه بالعولمة و أنّها الخطوة الأولى لتدمير الرأسمالية كنظام إقتصادي يقهر الفرد و فتح المجال للتطور الإنساني الحقيقي، فالثورة عند ماركس ليست عملا مسلّحا حصرا بل تحطيم ذاتي للبنى التحتية للنظام الرأسمالي و التاريخ عنده ليس صنع جماعة بل صنع أفراد في مجموعة و هذه كلماته في "البيان الشيوعي" :

" الشيوعية هي تجمع تكون حرية المبادرة فيه و الإنفتاح لكل فرد شرطا أساسيا لإنفتاح الكل"

إرادة تصوير ماركس بالتبعية لهيغل معلوم هدفها فهي تريد أن تقتل بذور الثورة الإجتماعية في المهد بتصوير ماركس كالتلميذ المشاغب على أستاذه هيغل صاحب النظرة الجمالية الكلية للتاريخ و للروح المطلقة الممثلة في رمزها أي في السلطة السياسية . و نرى أنّ الكاتبين "المسيحيين" خلطا كذلك بين مفاهيم النفعية أو البراغماتية كما يحلو للمستعربين كتابتها و بين المفهوم الماركسي لمبدأ العملية أو مبدأ الفاعلية إن صح التعبير.

عند ماركس لا تقاس فاعلية عمل فردي بقياس مردوده الآني و الفائدة التي يمكن أن يدرّها ، فقياس فعالية العمل الفردي ليس مطلقا عند ماركس بل الحكم على العمل الفردي يخضع لتاريخية الإنسان نفسه و هذا الحكم على الفاعلية لا نستطيع التنبأ به مسبقا. فمن بداية حركة الإنسان في تطويعه لآلة صيد حجرية و تعرفه على النّار إلى عصر التصنيع في زمن ماركس خلقت المجتمعات الإنسانية تاريخها و من الممكن دراسة كل مرحلة و الحكم عليها ليس في إطار هدف أخير غائي مرسوم و لكن بالنظر إلى حجم تحكم الإنسان في الطبيعة و المجتمع و التحكم في نفسه. فالفاعلية عند ماركس لا تُقاس مطلقا بالنجاح الآني سواءا كان فرديا أو جماعيا بل المقياس الحقيقي عند ماركس هو المشروع الإنساني الأساسي أي جعل الإنسان كفرد خالقا .

و يخلط الكاتبان بين النهاية و الغاية و الوسيلة عند ماركس. فالثورة الإجتماعية عند ماركس ليست نهاية في حد ذاتها بل نهاية التاريخ عند ماركس إن صح هذا التعبير هي في جعل الإنسان كل إنسان خالقا مبدعا.

لكن ماركس يرى الثورة الإجتماعية بإلغاء الملكية الفردية لوسائل الإنتاج شرطا أساسيا لبداية تحقيق المشروع الإنساني فهو متسق كع فلسفته من حيث أنّ منشأ الفوارق عنده سببه الجوهري وجود الفوارق الإقتصادية و إلغاؤها ضروري لبداية التاريخ الإنساني الحقيقي.

و لنا أن نتساءل عن ماهية القيمة المطلقة للإنسان كفرد عند ماركس ما دام ماركس ينفي وجود مقياس مطلق لعمل الفرد.

لا شك أنّ الإشكال في قراءة ماركس نابع من عدم إستيعاب فكرته الكليّة و لنقرأ هذه الفقرة التي جعلها الكاتبان المسيحيان إدانة لماركس :

"الفرد لا يكون سيّد نفسه ، حرا إلاّ عندما لا يدين بوجوده إلاّ لنفسه"

فحسب هذان الكاتبان فإنّ ماركس يحتقر الإنسان و يذله إذ يجعله يعيش عزلة تامة عن العالم و الأشياء و الناس حوله بل مثل هذه الفكرة قاتلة لأي مجتمع إنساني حسبهما. و يظهر أنّ الكاتبين واصلا إعتبار ماركس تابعا لفلسفة هيغل ، فعلى عكس هيغل فإنّ ماركس مادي بحت فهو لا يرى وجود الأشياء نابع من تصورنا لها بل وجود الأشياء ذاتي منفصل عنّا و عن تصورنا لها فالإنسان عند ماركس لا يخلق العالم بل يتفاعل بثباث مع موجودات الطبيعة المنفصلة و المستقلة عنه فالفرد حسب الطرح المادي لماركس يجهد نفسه بفرضياته المتتالية و النظريات و النماذج المختلفة لإعادة تصوّر بناء عالم الأشياء الموجود من دونه و المستقل عنه.

فالعالم الشيئي المحيط بنا يكرهنا على تغيير نماذج فهمنا له التي تزداد تعقيدا في كل مرحلة و هذا ما يجعل لتاريخنا الإنساني معنى و شكل من اشكال الجمال و الأمر نفسه عند النظر لعلاقة الإنسان بالإنسان فماركس يحدد مفهوم الإنسان بـ "مجموع علاقاته الإجتماعية" أي بقيمة تفاعل الفرد مع المجتمع و الإنسانية و لا شك أنّ معارضي ماركس و الباحثين عن الهفوات خطفوا مثل هذه العبارة ليجعلوا من ماركس وحشا إجتماعيا ينفي عنه الإنسانية و يجرده منه و يجعل وجوده مقاسا بحجم العلاقات الإجتماعية و مثل هذه القرءاة أدلجة لا تنطبق على مقولات ماركس في "رأس المال" و في غيرها بل لقد حارب ماركس المادية التي تريد حصر الإنسان في لعبة العلاقات الإجتماعية، ففي أطروحته عن فلسفة فيورباخ كتب :

"العقيدة المادية التي تريد جعل الناس نتاج ظروف تربيتهم و بالتالي جعل تغير الإنسان و تحوله نتاج لظروف تربوية مغايرة ينسون تحديدا أنّ الناس هم من يغير الظروف"

هذه الفكرة هي مفصل أساسي في فكر ماركس و لن يغيرها ما عاش و نجد صداها في كل ماكتب و عبثا حاول معارضوه و أعداؤه المؤدلجون جعله في مصاف هيغل بعبارته الشهيرة "الحرية هي معرفة الضرورة".

و نجد هذه العبارة العميقة الأخرى في منشوره "العائلة المقدسة" :

"الحرية، هي وعي الإنسان بذاته في العنصر العملي للوجود أي في معرفة الإنسان بالأخر على أنّ مثيله"

فماركس بجعله الفرد "مجموع علاقاته الإجتماعية" لم ينف عنه الحرية و لكن أعطى بهذا التعريف نطاق حركة الإنسان بتعبير بسيط جدا و هو إستحالة حركة الفرد دون مجتمع و أنّ قيمة الفرد مرتبطة بتفاعله مع الأخرين إجتماعيا و ها هو يوضح الأمر بتفصيل في كتابه "الأيديولوجية الألمانية" :

"لا يستطيع الإنسان إمتلاك وسائل تطوير قدراته في جميع المجالات إلاّ في مجتمع ، ففي المجتمع وحده يستطيع الفرد أن يكون و يصبح حرّا"

قيمة الفرد المطلقة عند ماركس هي إذن في مجموع علاقاته الإجتماعية بأطراف المجتمع في إطار إنساني و لعلّ الجانب الثوري في طرح ماركس هو من أعطى لمعارضيه الذريعة لتحريف مقصده من تحديد ماهية الفرد فماركس لم ينف يوما البعد الإنساني في العلاقات الإجتماعية و لا ألغى ذاتية الفرد فكل هذا بديهي في طرحه و مثل هذه التحريفات تخضع لنفس المنطق مع أي مفكر يحاول المساس بسلطات القوى النافذة في المجتمع. خاصة إن كان هذا المفكر متجه لإعطاء المستضعفين ليس فقط مرهما يداوون به الجروح بل يعطيهم منهجا يملكون به رؤية واقعية للمحيط و للقوى المؤثرة فيه تسمح لهم بالقيادة أو المشاركة فيها. مثل هذا الموقف الفكري يقود حتما لتآلب هذه القوى المتحكمة ضد هذا الفكر بكل وسيلة لإضعاف تأثيره و لعلّ الكهنوت الديني المسيحي رأى في ماركس و الماركسية خطر كبير جدّا ليس فقط على مكانته بل على وجوده خاصة أنّ ماركس سحب البساط نهائيا من تحت أرجل هذا الكهنوت عندما أخرج في طرحه شخص المسيح كرمز للدفاع عن المستضعفين. و لنختم هذه الفسحة القصيرة طويلة في نظرة الماركسية للدين بقوله :

"العقيدة أفيون الشعوب"

كثير ممن يسمّي نفسه ملحدا ، أي يرفض بالتصديق بوجود من ليس كمثله شيء لا ينتبه بحكم نفيه أنّ فكرة التصديق بعقيدة أو أسطورة هو من إنشاء الإنسان.

إن كان الكون هو ما يحويه من مادة و إن كان هذا الكون كل متكامل لا يحتاج لشيء من خارجه و إن كان هذا الكون هو الوجود و ينفي بوجوده كل وجود ممّا سواه، إن كانت هذه حقائق فإن من أوحى إلى الإنسان التصديق بالعقائد و الأساطير هو الإنسان نفسه فلما كل هذا الصخب.

نحن كإنسانية مسؤولون عن هذا البناء العقائدي كلّه فهو من موروثنا و من نفسيتنا و لا ينفك عنّا.

ينبغي وفق هذه النظرة أن لا يرتبك "الملحدون" و لا يصيبهم غيظ جرأء وجود العقائد لأنها في النهاية إنسانية و من صناع إنساني و يجب حينها أن يغوص الباحث "الملحد" ليخرج من رمزية هذه العقائد خلفياتها المصلحية و النفسية و التاريخية.

هذا ما طرحه أراغون و هو ولا شك طرح ماركسي بإمتياز لمن غاص في فكر "الشيخ" ماركس ، فماركس رجل فكر عبقري كبير قلّما تنجب الإنسانية مثله و هو نبي المستضعفين بحق و لكن بعض السطحيين يرى في ماركس "نبي الملحدين" و لست أنف هذا الطابع عن فكره لكنّ ليست هذه صفة هذه الفكر الأساسية.

هذا ما قصته بعبارة "الظاهره الدينية علينا إستيعابها لأنها من" كي أنبه أنّ الأمر فينا و منّا و ما قلته عن الرسالة في طرحي هنا في المنتدى أنّ الرسالة إسقاط للكون و ترجمة لما في روح كل واحد منّا، و ما يفرق البشر ليس مستوى علمهم بل مستوى صدقهم. الصدق وحده هو من يفجر طاقات الروح فإن ارتقت بصدقها للعلم تعالت إلى الكلمة السواء.

أمّا ما طرحته عن الخوف، فهو لا شك حديث نفسي يجتاح كل واحد منّا.

الخوف من المجهول يوّلد العقائد و الإيمان بالمجهول ـ أو كما يقول القرءان الإيمان بالغيب ـ هذا يوّلد الأقلام أي الفرضيات فمن يوّلد فرضية و يعتبرها فرضية فقد عبّر أنّه تجاوز مرحلة الخوف الوجودي و أمّا من جعل أقلامه طاغوتا فهو يعبّر أنّه يسعى للخلود في حياة دنيا و هو عند الرسالة لم يعقل بعد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...