التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تابع رمضان

 

من هنا نتساءل ، ما هي الشروط الضرورية التي تجعل الصيام ضرورة ؟؟؟؟ و أرى القارئ يرى المشكلة ، إذ مثل هذا السؤال ينفي أن يكون الصيام إمتناع عن تناول الطعام إلاّ أن يكون نقص الغذاء ظاهرة متكررة و يكون لهذا الإمتناع حفاظا على سلامة الجماعة كلّها من نفاذ الغذاء. و يزداد الأمر إشكالا بقراءة عبارة "كما كُتب على الذّين من قبلكم " .

هذه العبارة تجعلنا نرى الصيام أمرا مختصا بجماعات بشرية واسعة بدليل الكاف المنحنية في رسم قبلكم و أنّ هذا الحدث ليس متصلا بل مركزا في التاريخ ، و هذا ما ترسمه ميم قبلكم الوتدية. و لكن يوّضح القرءان أهمية هذا الصيام بقوله "لعلّكم تتقون" أي هدف و غاية هذا الصيام إنشاء وقاية و التعاضد بين أعضاء المجتمع الإنساني الدالة عليها ياء الصيام كما أوضحناه في بداية البحث. و قبل أن نستمر في قراءات الآيات التالية لنستقرئ ماهية هذا الإمتناع و يجدر بنّا أن نلاحظ أنّ كتابة الصيام أتت بعد :

ـ كتابة القصاص

ـ كتابة الوصية

ففي القصاص حديث عن القتلى و آلية حل هذا الإشكال ثم حديث عن وصية الميت إن لم يكن مقتولا ثم إنتقال إلى الصيام !!!! و نترك الآن الرابط بين هذه الآيات لنواصل قراءة الآيات.

إنّ القرءان يوّضح أنّ هذا الإمتناع الجماعي الذي يتعاضد فيه الأفراد ينبغي أن يكون في أيام معدودات أي متفرقات في الزمن إذ القرءان يفرق بين الأيام المعدودة المتصلة زمانيا بتائها المربوطة الدالة على الكمون و بين الأيام المعدودات الدالة على التفريق في الزمن. و يرشدنا إلى ماهية هذا الإمتناع بقوله :

"فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدّة من أيامـ أخر"

الصيام ممتنع عن المريض الموجود بين جماعة الصيام فلفظ "منكم " يعبر عن تواجد المريض بين الجماعة و الصيام غير ممكن لمن تأهب السفر و ضبط موعده فعبارة "على سفر" أي متأهب للسفر أو غائب في سفره. و نرى أنّ كل مريض و كل من على سفر لا يلزمه هذا الصيام و عليه أن ينتظر فرص الصيام المقبلة "فعدّة من أيامـ أخر" و إلى الآن لم نفهم ما هو الإمتناع المقصود . لنواصل جدلية التقدّم في القرءاة و العودة إلى الوراء و محاولة إيجاد الإحكام و التفصيل فالقارئ للقرءان هو من يعمل لتكوين الصورة و ليس متلقيا لموجة صوتية بل يتلّقى موجة كلامية عليه ربط أجزاءها التي هي محكمة طبيعة . لنواصل القراءة :

"و على الّذين يطيقونه فدية طعام مسكين "

فالممتنع عن الصيام إختيارا و هو مُطالب به ممن لم يكن مريضا أو على السفر مطالب بتعويض عدم مشاركته بإطعام مسكين لمن يطيق و يقدر عليه ، و لمن تطوّع إختيارا بالإطعام و لم يكن مُطالب بالصيام فهذا إختياره لا يُُلام عليه ، أي من أراد أن لا يشارك في الصيام و فضلّ إطعام مسكين بدله فله إختياره "فمن تطوّع خيرا فهو خير له" و أشير مرّة أخرى أن لفظ خير في القرءان هو ما نعبر عليه بلغتنا الأعجمية "إختيار" و ليس الخير تفصيل شيء على شيء كما ظنّ الأسلاف .

فتوليد الصيام إختيارنا و لنا عدم فعله و لكن الصيام كتاب سيتابعنا حتما لنقوم به إن أردنا توازن المجتمع الإنساني، و هذا متعلّق بعلم الصيام "إن كنتمـ تعلمون" و إلى الآن لم نعرف ماهية هذا الصيام و إن كنّا نرى أنّ تحييد المريض عن الصيام سببه العجز عن المشاركة أو إمكانية العدوى و ليس سببه عدم قدرة المريض عن الإمتناع عن الطعام و كذا المسافر ، فتحييده عن الصيام سببه موعده و مشاغله و ليس له علاقة بقدرته عن الإمتناع عن الطعام و الصيام كلّه عمل إختياري و إن كان القرءان يبين أنّه كتاب له خطورته في عملية التوازن. لنواصل :

" شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ؛ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "

البقرة :185

كنّا في بحث "الحج بين طغيان الطقوس و غياب المصالح" فصلّنا في مفهوم الشهر و هو متعلق بالتناظر ، و الآية هنا تتحدث عن شهر كوني مكوّن من الشهور الإثنا العشر التي سبق تفصيلها في موضوع الحج ، ذلك لأنّ لفظ "رمضان" بنونه وعاء يحمل مكونات شهرية يخرجها شيئا فشيئا وصولا إلى قلب النبي برسالة القرءان . فالقرءان نزل على حامل شهري إسمه رمضان يتجزأ في كل مرحلة حتّى يصل إلى ذات النبي ، فهو أشبه بالأشعة الكونية التي نحلل تجزأها في مساجد الفيزياء و حتّى يتضح هذا الكلام نوضّح بهذا الشكل ظاهرة التجزيئ الشهري لبعض المكونات الشهرية المعروفة و المسمّاة بـ DESINTEGRATION

فالنيترون يتجزأ حسب أعلى الصورة إلى بروتون و إلكترون و إلى نيوترينو عكسي و تحت شروط معينة يمكن كذلك نشوء فوتون من هذا التجزؤ. و كذلك الأشعة الكونية المكتشفة في بداية القرن العشرين تتجزأ عند دخولها الغلاف الجوّي إلى ميون الذي بدوره يتجزأ إلى نوترينو إلكتروني عكسي و إلكترون و نوترينو ميوني بفعل بوزون ، و لن أطيل في تفاصيل عملية التجزيء الشهري و تكفي هذه الصورة لتوضيح ماهية شهر رمضان الحامل لألف شهر في بدايته "ليلة القدر خير من ألف شهر" ثم إنتقاله من السماء وصولا إلى قلب النبي الكريم موجة محفوظة تتحول إلى كتابة رسمية و رأيي أن الشهر الأخير الباقي في قلب النبي الكريم نوترينو .

فالآية تقول أنّ القرءان نزل في هذا الشهر "شهر رمضان" المكوّن من تآلف بين شهور تتجزأ إلى مكوّناتها الأصلية بفعل صيامها ممن يشهدها و هذا ما دعا إليه القرءان و ما يعمل له الراسخون في العلم حاليا في المسرّعات النووية و في عمليات إستقبال الأشعة الكونية، و أتعجب من الأسلاف كيف لم ينتبهوا أنّ نزول القرءان في شهر رمضان ليس نزولا في مدّة قدرها "شهر قمري" سموه رمضان ، إذ هذا القول بعيد جدّا خاصة و مدّة الشهر عندهم ثلاثين "يوما".

و أمّا التبرير بأنّ النزول في شهر رمضان يعني بداية النزول فأترك للقارئ ملاحظة تقدير المحذوفات في القرءان بهذا المنهج السقيم. و لا يمكن في القرءان أن نجد إتباعا لإصطلاح في تسمية أمر ، فاللفظ في القرءان مضبوط كونيا و لا يمكن أن يرد مدّة إصطلاحية دون أن ترد أسماء بقية "الشهور" فأين ذي القعدة و شوال و رجب و ربيع الأول أو أين أغسطس و حزيران ، فالقول أنّ رمضان إسم لمدّة جهل عميق ببنية القرءان الكونية. و لا يتركنا القرءان مع لفظ رمضان دون توضيح أنّه هدى للناس من حيث بيان عملية النزول الكونية كي ينتفعوا في نقل رسائلهم الموجية مستقبلا بحفظ تام و يشير إلى هذا بلفظ الفرقان في هذا الشهر أو ما أسميناه التجزيء بلغتنا الأعجمية و تشتت الشهر الرمضاني إلى أجزاءه وصولا إلى قلب النبي الكريم بعد تجزءاته المتعددة في رحلته الكونية و أشير أنّ هذا التجزيء سنني فكل مرحلة فيه مضبوطة و ليرجع القارئ إلى كتب الفيزياء النووية ليرى هناك فرقان الشهور.

إنّنا هنا أضعنا كل الروابط مع الآيات السابقات و لكن مهلا ، قريبا سينقشع الوهم البصري.

شهر رمضان أنزل فيه القرءان ، و المطلوب ممن شهد الشهر أن يصمه !!!!!!

لا بد من وقفة مع لفظ "شَهِد" إذ الأسلاف جعلوه مرادفا للإبصار ، و جعلوا من شهد الشهر مرادفا لمن أبصر ظهور القمر. و هنا نرى التعسف في فهم ألفاظ القرءان.

و حتّى ننتبه أن التعسف مبالغ فيه فالقرءان يورد لفظ "منكم" ليدل أنّ من لم يشهده ليس مرادا بالخطاب ، و لو كان المقصود إبصار القمر أو تعيين ظهوره على الأقل لجاءت صيغة الآية مثلا بعبارة "فإن شهدتم الشهر فصوموه". إنّ صيغة "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" تبين أن القضية فردية و تتحول جماعية بفعل الصيام . لنتأمل الآن لفظ "شهد" المشتق من الجذر العربي ( ش ـهـد ) الدال على معرفة تفاصيل الحدث و إذا كان من شهد مطالبا بصيام الشهر فإنّ المريض و من على سفر معفى من الصيام وهنا ملاحظتين في هندسة التعبير:

1 ـ غياب لفظ "منكم" في الآية 185 و وروده في الآية 184 دال على أنّ شهود الشهر ليس مختصا بتجمع بشري بعينه بل المختص بالتجمع هو الصيام ، فهل هذا خطأ مطبعي من النبي الكريم أم أنّها دقة لا يستطيعها بشر بهذا الكم الأدنى من العبارات . إنّ المريض و من على سفر معفى من الصيام و إن شهدوا الشهر.

إنّ شهود شهر رمضان لم تبلغه الإنسانية بعد و لهذا فهي عاجزة عن صومه و صيامه و هي في بداية بدايات الصيام كما سنرى فيما بعد و هذا ما نفهمه من أنّ صوم الشهر و صيامه متعلق بشهر كوني بمنع تبعثره و حصره فصوم الشيء هو جعله لا يستقبل تأثيرا خارجيا و هذا ما تفعله تلسكوبات العالم في محاولات إستقبال الأشعة الكونية و دراسة ما يصلنا من موجات، و نرى أنّ الّذّين من قبلنا حاولوا هذا الإستقبال بطرق عدّة و ما أهرامات بلاد النيل إلاّ رمزا واضحا لهذا الصيام و كذا في المايا و في غيرها من الأصقاع ، فالإنسان ما فتئ يحاول إستقبال شهر رمضان و الشهور بصفة عامة. و هذا الإستقبال دوري و هذا ما يفيده تعبير الشهر عن التناظر كذلك ، فالشهر الكوني متناظر و مدّة عودته متناظرة "فعدّة من أيامـ أخر" . كل هذا الصيام التعاضدي بطبيعته لكشف شهر رمضان غايته إكمال العدّة الشهرية و تداعياتها و آليات ظهورها و تجزؤها :

" يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ "

البقرة 185

و ليزول الإشكال تماما يوّضح الربّ صائغ القرءان أنّ هذا الصيام هو دعوة للرّب من حيث فهم آلية إرسال الشهر برسالة القرءان و أنّ المقصد من هذا البحث إحداث الإطمئنان الكامل في الذات تأمينا للنفس و للآخرين و شعورا بعمق التلاحم بين الأرض و السماء و أنّ الهداية تحفنّا من كل جانب :

"و إذا سألك عبادى عنّى فإنّى قريب، أجيب دعوة الّداع إذا دعان ، فليستيجبوا لى و ليؤمنوا بى لعلّهم يرشدون"

إنّه برنامج كبير قدّمته هاته الآيات يشارك فيه كل أحد تقريبا إلاّ من لم يستطع أو لم يرد فواجبه أن يشارك في إطعام من سكن لصيام الشهر و إن كان الأفضل أن يتربص الناس ، كل الناس أياما لدراسة الموجات و الصور الواصلة إلينا من الكون الفسيح، فمجتمع الذين ءامنوا مجتمع بحث علمي بطبيعته و هذا إقتراح من القرءان أن لا يوجد فرد في هذا المجتمع دون تربص علمي أياما في السنّة، تربصا يفتح أفقه العلمي و يجعله يشعر بتبعات البحث على الأقل. و على المجتمع أن يقنن مثل هذا الأمر حسب طلبات المختصين ممن تمرّسوا في هذا المجال بتحديد مواعيده.

إنّ ليلة الصيام ليست غياب قرص الشمس عن جزء الأرض بل هي غياب كموني للشهر و شهوده ، و حين هذا الغياب يعود الناس إلى مصالحهم اليومية التي تقبل التأخير المعبر عنها بلفظ "نسآئكم" ليحيونها من جديد ، و هنا نرى القرءان يشير أنّ الوظائف الحيوية في المجتمع لا يجوز تركها للاهتمام بالصوم و الصيام بل المطالبون بالتربص هم من في إستطاعتهم تأخير عملهم و لا يحدث منه عليهم و لا على غيرهم حرج.

و كأنّ القرءان يقرر أنّ صيام شهر رمضان هو أساس البحث العلمي و ذروته و أنّ دوران البحث العلمي في المجتمع عليه. من هنا فإنّ النساء مع إمكان تأخيرها فهي ضرورية كذلك في تحريك العجلة الإقتصادية ، و لا يمكن للإنسان أن يؤخر النساء إلى ما لا نهاية :

"علم الله أنّكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم و عفا عنكم ، فالآن باشروهن و ابتغوا ما كتب الله لكم"

و لا أدري كيف أعلّق عن رؤية الأسلاف للجنس في كل ءاية من ءايات القرءان و كيف ربطوا المباشرة بالمعاشرة الجنسية مع أنّ خطاب الآية موّجه للذكور و الإناث و كأّنهم يقولون أنّ القرءان يقرر أنّ الرغبة الجنسية طبيعة ذكرية و أنّ الأنثى جهاز إستقبال جنسي لا رغبة لها !!!! و لا أدري كيف ربطوا بين "فتاب عليكم و عفا عنكم" بقضية جنسية مع أنّهم امتنعوا عنها و أكثرهم تمرسّا في التبرير قال أنّ هذا العفو و هذه التوبة سببها التفكير في المعاشرة الجنسية !!!!

مباشرة النساء هي العودة إلى أعمالنا اليومية العادية الوظيفية إذ فيها يجد الإنسان بعضا من روتينه ، و لكن القرءان يسميه مباشرة ليقول لنا أنّ إختيار الوظائف ينبغي أن تحكمه البشرى و ليس العنت و الإرهاق النفسي فهو ينصحنا أن لا نختار وظيفة لا بشرى لنا فيه تتحول بالتقادم إلى تنغيص. و لنطمئن إلى هذا المعنى جاءت عبارة القرءان فاصلة لأي خلط :

"و ابتغوا ما كتب الله لكم"

و قد فهمها بعض الأسلاف على أنّها إرادة للولد من مباشرة الزوج الأنثى جنسيا لولا أن لفظ "ابتغوا" يدل على محاولة تجاوز الأخر تنافسا و عملا و ا يقصد منه الرغبة في شيء.و بعد هذا تأتي الفقرة التي أخذت تركيز الأسلاف إذ منها استقوا ضرورة الإمتناع عن الطعام في مدّة شهرية حدّدوها بتسمية إصطلاحية :

" ... وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُـ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ، ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ ؛ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ، تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ "

هنا تنتقل بنا الآيات لتوّضح أنّ ظهور الشهر متعلق بالإنفجار الحاصل في الأجرام و هذا ما يعبّر عنه لفظ "الفجر" و أنّ حدود هذا الإنفجار هي بيان الخيط الأبيض من الأسود من هذا الفجر.

لقد فسر الأسلاف عبارة "حتّى يتبين لكمـ الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر" بأنّ المقصود بها فترة ما قبل طلوع الشمس و لو انتبهوا لرأوا أن تفسيرهم هذا إتهام للقرءان بحشو الألفاظ إذ كان يكفي أن تأت الآية بهذه الصيغة لكي تبرر هذا التفسير " حتّى يتبين لكم الفجر".

و في السياق العودة إلى النساء بعد الصيام يستمر الإستمتاع إلى ظهور الظرف المقبل من التربص المقبل للإلتقاط أشعة الفجر (الإنفجار بتعبيرنا) ، فهذه الأشعة بدايتها إنفجار يحمل جميع شهوره معه و هذا هو "الخيط الأبيض" الحامل لكل الترديدات داخله نهاية إلى تجزئه الكلي إلى أخر حلقاته و هذا هو "الخيط الأسود" ، فتحضير إستقبال الموجة الرمضانية و حفظها صوما يصبح مركزا عند بداية حدوث إنفجار ما في السدير و أنّ صيام الشهر يتم إلى إنطفاء الموجة المُستقبلة أو بتعبير القرءان "الليل" ، و لا يجوز مباشرة النساء و نحن في مساجد الصيام ، و سأكرر هنا أنّ لفظ المسجد لا يعني المنسك بل المسجد مكان تنفيذ برنامج فالقرءان يُحذّر من هذا التلاعب و أنّ أمر صيام الشهر ليس تملصا من أعباء الوظيفة بل هو ماهيتنا كخليفة مُطالب بمعرفة السنن لينهض بوظيفته الخلافية.

هذا كلّه ، من مراكز بحث و تحضير و عمل و تقنين يتطلب ميزانيات و أموال ، و ينبه القرءان مجتمع الذين ءامنوا أن لا يتخذ هذا المشروع مطيّة لسرقة المال العام و تجاوز في المطالب و استحواذ على صدقات الناس و علينا الحذر أن الانزلاق في مثل هذا السير معناه تعريض وظيفتنا الخلافية للخطر :

" وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ "

و نرى في هذا التناسق حلاّ لقراءة أشكلت كثيرا و لست هنا أريد مواجهة مجتمعات تريد الإمتناع عن الطعام في فترة معينّة جعلتها طقسا لها ، بل أنا بحكم انتمائي لهذه الثقافة أمتنع عن الطعام و الشراب مع أهلي إحتراما لمشاعر من هم حولي و إن كنت أراها عادة سيئة في ذاتها ، إذ الإستهلاك في هذا الشهر بدل أن ينقص يتضاعف و الأمراض تتكاثر و العجلة الإقتصادية تتوقف و يتحول القرءان إلى صحيفة للأغاني الليلية.

و قد يتحول الإمتناع عن الطعام إلى هذيان ذهني مركزّ في إنتظار وقت الإفطار و مثل هذا التركيز يضرّ بالمرء إذ يصبح بصره متوهما أنّ جسمه يشتهي من الطعام الكثير و يدفع به إلى شراء ما لا يقدر بعد على إستهلاكه ، و الأمر يتفاقم مرضا بتكثير الأكل دفعة واحدة. و رمضانكم مبارك

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...