فيما سبق رأينا أنّ الصلواة في
القرآن مفهوم متعلق بالتفاعل مع الأخرين دون تعد و لا تجاوز، فالأشياء كلّها تصلّي
فتتفاعل مع غيرها دون تعد و لا تجاوز و أشير هنا أنّ الشيء في القرآن هو اللبنة
الأساسية في تكوين الكائنات، فمكونات الذرة تتفاعل دون أن يتعدى بعضها على بعض و
الأحماض الأمينية في DNA تتفاعل مع بعضها دون تعد ولا تجاوز و
الخلايا في الجسم تتفاعل دون تعد و لا تجاوز و لو حدث تداخل بسيط و تعد ضئيل في
هذه الأشياء لأنهار العالم الميت و العالم الحي. فالصلاة هي قانون هذا العالم و
يبقى الكائن الوحيد الذي أُمّر
بإقامة الصلواة هو الإنسان.
فإقامة الصلواة هي أمر بإقامة
آليات هذا التفاعل الإيجابي مع الأخر دون تعد و لا تجاوز و ليس غريبا أن يتكرر هذا
الأمر مئات المرات في القرآن فالفرد الذي لا يقيم الصلواة و لا يتابع ما يحدث حوله
و لا يتفاعل مع غيره يركد و ينحدر و يغرق في البهيمية و المجتمع الذي لا يقيم
الصلواة و لا يستفيد من إيجابيات الأخرين و لا يُساهم في بناء الحضارة الإنسانية و
ينعزل مجتمع قرّر الدخول في
السقوط الأكيد و الأزمات المتكررة.
إنّ إقامة الصلواة هي بناء آليات
هذا التفاعل فما هو مفهوم القيام إلى الصلواة ؟
لأضرب مثالا أدخل فيه إلى مفهوم
القيام للصلواة قبل أن أعرض شواهد البلاغ المبين، و هذا المثال لا يُقصد به
الإستدلال و إنّما رسم الملامح فقط. عندما أقول "أقمت مأدبة" فالمقصد
أنّي أعددت لها و إذا قلت "قمت إلى المأدبة" فهي
حاضرة لا ينقص إلاّ الإستمتاع بما
حُضِّر فيها.
فإقامة الصلواة هي طور بناء أطر
التفاعل و حدوده للتعامل مع النفس و الغير أمّا القيام إلى الصلواة فهو قيام لحد و
إطار موجود فعلا
القيام إلى الصلواة يتطلب شروطا
نفسية للقيام بها و شروطا صحية بالإغتسال. فلا يجب للجنب أن يقوم إلى الصلواة و لا
السكارى و لا لمن تكاسل
فلم يهيئ نفسه للصلواة.
قلنا سابقا أنّ الصلواة ليست هي
النسك و أؤكد هنا أنّ القيام إلى الصلواة ليس قياما للنسك بل هو قيام للتفاعل مع
الأخر. و قبل التفصيل أود أن أضبط
دلالة "الجنب" و
"السكارى" في القرآن ليتضح المعنى.
الجنب في القرآن يدل على الإنشغال
بأمر قريب و الإعتناء به و التفرغ له و ليس معنى الجنب ما بعد المباشرة الجنسية
كما سنرى،.
فقراءة الأقدمين لآيات الغسل
جعلتهم يظنون أنّ الجنب هو من مسّ زوجته و خرجت منه النطف، و بدأوا يقلبون الأمور
لمّا استثنى الله عابر السبيل من الجنب فقالوا أنّ "الجُنب" لا يجوز له
عبور المسجد!!!!!!!و زعموا أنّ السكارى هم المخمورين و لو كان الأمر كذلك لطلب
منهم المولى التوبة و الرجوع لا القيام إلى الصلواة و هذا الفهم الخاطئ جعلهم
يقولون ب "النسخ" أي انتهاء مفعول بعض الآيات !!!
فلنركز إذن في دليل هذين اللفظين:
1 ـ الجنب : و يقصد به المشتغل
بعمل ما أخذ منه تركيزه فهو منصب على عمله بدليل أنّ عابر السبيل ممن حدد وجهة
سفره و انتقاله من نفس جنس الجنب، فالجنب لا يقرب
الصلواة إلاّ بفترة غسل و استراحة
يستفرغ بها طاقة تركيزه في عمله الأول.
2 ـ السكر : أي وقوع المرء في أمر
نفسي يأخذ بمجاميع نفسه بحيث لا يستطيع التفكير إلاّ فيه شأن المبنج الذي لا يدري
ما يدور حوله فهو لا يقدر على حراك و لا تفاعل مع غيره، وليس السكر في البلاغ
المبين مرادفا لتناول الكحوليات، و نجد
دلالة هذا اللفظ في الشواهد
القرآنية التالية:
"يأيها النّاس اتّقوا ربّكم؛
إنّ زلزلة الساعة شيء عظيم(1) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت و تضع كل ذات
حمل حملها و ترى الناس سكارى و ما هم بسكارى و لكنّ عذاب الله شديد2"
الحج
"و جاءت سكرة الموت بالحق،
ذلك ما كنت منه تحيد"
ق 50/19
أمّا "السكر" الذي يقصده
الناس من غياب للوعي بشرب الكحوليات و الخمور فيسميه
: البلاغ المبين "غَول"
"لا فيها غول و لا هم عنها
ينزفون" الصافات 37/47
فالذي به سكر ينبغي أن يطهر، ويعلم
ما يقول و ما يقال له، أي يخرج نهائيا من حالة سكره ليقرب الصلواة، وليس الطهر
إغتسال بل الطهر إنتقال من حال إلى حال خير
منها، و لنقرأ هذا البلاغ لنطمئن:
"و يسألونك عن المحيض، قل هو
أذى فاعتزلوا النسآء في المحيض، ولا تقربوهنّ حتّى يطهرن، فإذا تطهّرن فأتوهن من
حيث أمركم الله؛ إنّ الله يحب التوابين و يحب المتطهّرين"
البقرة 2/222
فقرب المرأة في فترة المحيض (فترة
إحتمال الحمل في العدّة) و محاولة عرض نفسه عليها للإقتران الحلال و الزواج ليس
بعد اغتسالها و إلاّ كان في اغتسالها قبل نهاية المحيض جوازا لقربها ، فالطهر إذن
هو خروجها النهائي من حالة المحيض
إلى حالتها الجديدة.
فالسكارى لا يجوزوا لهم قرب
الصلواة إلاّ بخروجهم من حالة التبنج النفسي
الذي هم فيه.
فما هي الصلواة التي يرجى منّا
التحضير الصحّي و النفسي لدخولها قبل القيام إليها؟
إنّ الخطاب الموجه لـ "الذين
ءامنوا" ليس خطابا لمجموعة عقائدية بل خطابا لمن أمّن غيره في جسده و فكره إذ
أقرب مشتق للإيمان في القرآن هو الأمن و دخول الياء عليه بين ألفه و الميم لترسم
اليد الممتدة من البداية لتأمين الأخر و فعل
ءامن (فَاعَلَ) هو تفاعل بين طرفين
كـ "قَاتَل" و "سَاهَم"، و لنقرأ:
"و إذا قيل لهم ءامنوا كمآ
ءامن النّاس قالوا أنؤمن كمآ ءامن السفهاء !! ألا إنّهم هم السفهاء و لكن لا
يعلمون (13) و إذا لقوا الّذين ءامنوا قالوا ءامنّا و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا
إنّا معكم إنّما نحن مستهزءون (14) الله يستهزئ يهم و يمدّهم في طغيانهم يعمهون
15"
البقرة
"و كيف أخاف مآ أشركتم ولا
تخافون أنّكم أشركتمـ بالّله ما لم ينّزل به عليكم سلطانا!! فأيّ الفريقين أحقّ
بالأمن ؟؟ إن كنتم تعلمون (81) الذين ءامنوا و لمـ يلبسوا إيمانهم بظلمـ أولئك لهم
الأمن و هم مهتدون 82"
الأنعام
"أمـ نجعل الّذين ءامنوا و
عملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أمـ نجعل المتّقين كالفجّار"
ص :28
"و ما يستوي الأعمى و البصير
و الّذين ءامنوا و عملوا الصالحات و لا المسيء؛ قليلا مّا تذكرون "
غافر :58
فالإيمان مرتبط بعمل الصالحات
والبعد عن الظلم و محاولة الطغيان على الأخر فالإيمان هو الجزء السلبي في عمل
الصالحات و لكنّه الجزء الأهم، فتأمين الغير في فكرهم و جسدهم و نتائج أبحاثهم و
قناعاتهم هو سبيل رقي الإنسانية و بلوغها طور الخلافة الحقيقية و دون هذا الجانب
السلبي لا معنى كبير للصالحات
و إن كَثُرت إذ الأرضية التي تُبنى
عليها هشة جدّا.
فالإيمان ليس مفهوما عقائديا بل هو
مفهوم يعّم الإنسانية كلّها بإختلاف عقائدها فهي مدعوة للبدء فيه بصيغة
"الذين ءامنوا" لتصل إلى مستوى "المؤمنين" و لن أطيل هنا
البحث في دليل لفظ الإيمان و مفهومه و قد تفتح تفاعلات الإخوة
الموضوع فنثريه حينها.
فآية النساء:43 و آية المائدة:6
تخاطب "الذين ءامنوا" و
هي بهذا لا تدعوهم إلى نسك لتنوع نسكهم أو غيابه بل
تدعوهم للقيام إلى الصلواة التي
أقاموها من قبل.
فطور القيام إلى الصلواة يسبقه
إقامة آليات التفاعل و تعيين حدوده ليتمّ دون تعد و لا تجاوز، و الآيات هنا تتحدث
عن التفاعل المباشر بين المقيمين للصلواة و هي لذلك تشترط شروطا صحية و أخرى
نفسية، فالشروط النفسية هي الطهر و التأهب، فلا الجنب و لا السكارى يُسمح لهم
بالتفاعل المباشر و يخاطبهم القرآن بصيغة
"لا تقربوا الصلواة"
فالتفاعل بين الناس علميا و معرفيا
أو حتّى على مائدة طعام أو في حفل عرس ليس أمرا متروكا للعبث في القرآن فهو يَحرص
على بناء العلاقات الإنسانية في مستوى راقي جدّا إذ يمكن لجملة واحدة أن تكدر هذه
العلاقات و يكفي لتصرف بسيط
أن يُنشأ العدواة بين الناس، هذا
في الجانب النفسي.
أمّا في الجانب الصحي فهو يشترط
الغسل والمظهر اللائق و أقل تقدير لمن كان مريضا أو على سفر أو من جاء من عمله
"أو جاء أحد منكم من الغائط" أو كان يستجم في أمر لا أهمية قصوى فيه و
يمكنه تركه و تأخيره "أو لامستم النساء" أو كان مسافرا و تعذر عليه
الحصول على الماء فعليه على الأقل أنّ يُظهر ما يجعل الرائحة التي تنبعث منه طيبة
"فتيمموا صعيدا طيّبا"، إذ الصعيد هو ما يصعد و في دليل التيمم السير و
عدم التوقف إذ أقرب مشتق له في القرآن هو "اليم" و الذي يتيمم الصعيد
الطيب هو من يضع لا يترك المكروه يخرج من جسده أمام غيره بل يعمل ما في وسعه ليسري
و يصعد منه الطيب. والدخول في هندسة الآيات السابقة وربطها في
سياقها يعطي هذا الدليل.
وليس في الآيات أمر بالقيام إلى
الصلواة، إذ الأمر لإقامة الصلواة، و من أقام آليات التفاعل فحتما سيقوم إلى
الصلواة بل هو تحديد لشروط هذا التفاعل
المباشر بين المقيمين إلى الصلواة.
قد وصلنا إلى تحديد الفارق بين
إقامة الصلواة و القيام إلى الصلواة و هو فرق جوهري، فإقامة الصلواة طلب للتفاعل
مع محيطنا و غيرنا بإقامة حدود التفاعل الإيجابي و عدم التعدي على الآخر شأن
الكائنات الأخرى التي تصلّي و يخبر البلاغ المبين أنّ غياب إقامة الصلواة عند
الفرد و في المجتمعات من تهيئة لوسائل التيقظ و الرقابة و الرصد على النفس و على
الآخرين دون اعتداء و تعدي للحدود نتائجه ظهور المنكرات و الفحشاء، فالفرد و
المجتمع الذي يغيب عن التفاعل فلا يشهد و لا يعلم هل هو مسبوق أم سابق في تطور
علمه و قوته سيدخل في براثن الفحشاء من تفشي العلاقات الجنسية المشبوهة و التعابير
اللفظية الخبيثة و سقوط خلقي و أخلاقي و تفشي المنكر من أزمات إقتصادية تودي بحاضر
الناس و مستقبلهم إلى الخطر الأكيد
و لنقرأ:
العنكبوت 29/41 ـ 45
و المجتمعات التي لا تقيم الصلواة
فتغفل عن التفاعل مع الآخرين تتخلف علميا و تنحدر و لا تفلح أبدا، و يرسم لنا
البلاغ المبين صورة من غفل عن رصد أهم شيء
لوجود الحياة و هو الماء كيف لن
يفلح:
البقرة 2/1 ـ 5
ف "المـ" كتاب لا ريب
فيه، و الريب يمثله "قانون هايزنبرج" في استحالة إبصار جزيء ذري أياّ
كان مع أنّنا ندرك وجوده، فالقرآن هنا يشهد و يدعم وجود كتاب "المـ"
الغيب ، فهو غيب لن تستطيع كلّ أبصارنا بما فيها أحدث الآلات حاليا و مستقبلا أن
تبصره و لكنّه موجود و هذه بالذات أهمية الهدي القرآني إذ بدونه لن نستطيع الجزم
في أمور بحثية دون شهادته و توقيعه و يشير رمز المد الموجي فوق اللام و الميم
الناقصة و غيابها في الألف الدالة على قوى الفعل في جزيئي "ل ل ل...ل" و
"مـ مـ مـ ....مـ "، و ملاحظة بسيطة للفاتح "المـ " توحي لنا
بإكمال العبارة
المـ ..ـاء
جزيء الماء المكون من ذرتين
هيدروجين و ذرة أوكسجين هدى لمن يتقي هذا الكتاب فلا يعتدي عليه و لا يلوث البيئة
فيفسد تكوينه و تخزينه و سيره وهو هدى لمن تتبع دراسته العلمية للخروج من الكوكب
الأزرق "الأرض الحرامـ " إلى بعث الحيواة في
كوننا الفسيح. فبجزيء الماء تذب
الحيواة.
و هذا الجزيء الغيب بفعل قانون
هايزنبرج يجعلنا نعلم أنّ الكتاب الذي نقرأ هو كلام الله أي True information فيكون سبب لإيماننا و اطمئنانا بأنّه حق
يطابق داله مدلوله، فالذين يؤمنون بالغيب ليسوا هو من يسلّم للغيب كما يعتقد الناس
بل هم الذين يدفعهم هذا الغيب للإيمان، فغيب جزيء الماء عن أبصارنا مهما كان علو
تقنياتنا و ذكره في كتاب الله دليل للإيمان. و من يؤمن بالغيب يصلّي عليه و يمنع
الفساد فيه لعلمه بجدوى أوامر الله و جريانها في الوجود و الذين يؤمنون بالغيب
ينفقون من أموالهم لإقامة الصلواة على هذا الموجود الأساسي للحيواة من
مخابر و أقمار و مراصد.
و الذي يبصر كتاب الله و ما أنزل
في التوراة يدرك أنّ جدلية الكون و الكتاب قائمة فالكتاب يشرح الكون و الكون يشرح
الكتاب ليعلم من يبصر أنّ القرآن
ليس إلاّ إسقاطا للكتاب ـ الكون.
إنّ إقامة الصلواة على جزيء الماء
دليل على الهدى و العلم و دليل على التقوى، و
.تلك معاني لا علاقة لها
بالرهبانية في البلاغ المبين و إنّما بالعلم و الرقي
وهذه الصلواة سبيل من يريد الفلاح
و يسعى له.
و أمّا القيام إلى الصلواة فهو
قيام للتفاعل مباشرة بين الناس و يشترط فيه أن يكون المرء طاهرا نفسيا و جسميا لكي
لا يؤذي غيره ، و أبسط آليات هذا الطهر
الجسمي غسل الجوارح التي من شأنها
أن تلمس الأخر.
و أختم هذا الجزء من البحث بالحديث
عن مفهوم صلواة الجمعة الذي يعتبرها الناس
نسكا خاصا في يوم سموه
"جمعة".
إنّ تسمية الأيام الأرضية في
البلاغ المبين مطابق لمسمّاها ولا يخضع لإصطلاح الناس، فالسبت في القرآن دليل لترك
الأمر في سيره دون تدخل و هو في عالم الإنسان يجسده يوم الراحة و الإنسانية جميعا
أن تسبُت في يوم من أيام
عملها تحدده و ليس السبت أمرا لقوم
سابقون بل هو للعالمين.
وورود فعل يسبتون
"7/163" يبين أنّ السبت ليس عنوانا ليوم اصطلاحي بل هو إسم لفعل السبت
ودلالة لفظ سبات (25/47 ؛78/9) على غياب الفعل و العمل يجعلنا
نطمئن لما قلناه في دلالة السبت.
و يوم الجمعة من نفس جنس يوم السبت
فهو إسم للإجتماع و التجمع بين "الذين ءامنو" من مختلف توجهاتهم
العقائدية لمدارسة أوضاعهم و شؤونهم و نستطيع التمثيل له في عصرنا هذا بإجتماعات
البرلمانات الديموقراطية لتدارس أوضاع المجتمع و مراقبة تطوراته أو الإجتماعات
النقابية أو غيرها و بالإختصار لإقامة الصلواة بتعبير البلاغ المبين وهذا ما نقرأه
في الآية
الكريمة:
الجمعة 62/9 ـ 1
إنّ الذكر ضد النسيان و ذكر الله
تذكر لما أودعه في الكون من سنن و قوانين و ما أنزله من وحي و بينات تنير سبيلنا و
ترسم لنا الحدود، و لا شك أنّ ذكرات ممّا كان يفعله النبي الكريم في إجتماعه مع
الناس من مدارسة أوضاعهم معهم وصلنا في شكل محرف جدّا من خطبة لرجل يسمع له
الآخرون دون تدخل منهم و لا مساءلة و لا برنامج مسبق من الحاضرين لمناقشة أوضاعهم
وذلك أنّ الأحاديث و الأخبار التي تصور النبي الكريم خاطبا فوق منبره كُتبت في عهد
حكومات قمعية لا تسمع للناس بإقامة الصلواة على أعمالهم و حركاتهم بل همّها أن
تقول فيسمعها الناس دون إنكار و لا انتقاد ولا حتّى مساءلة فظنّ الناس فعلها في
"صلاة الجمعة" هي نفس فعل النبي الكريم و الحقيقة أنّ آيات سورة الجمعة
توضح
مفهوم الجمعة و إقامة الصلواة
فيها.
فذكر الله ليس هو القيام للصلواة و
يس هو النسك و لنقرأ:
"و الذين إذا فعلوا فاحشة أو
ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم" آل عمران : 191
"إلاّ الذين ءامنوا و عملوا
الصالحات و ذكروا الله كثيرا" الشعراء : 227
فالذاكرة أساس في علم الإنسان و
فعله الموافق لأمر الله، و ذكر الله هو رجوع بالذكرى لأوامر الله المودعة فينا
بنفخ الروح فينا و ما يحمل هذا النفخ
من ضمير بثه الله فينا ووعي جعلنا
به خلفاء في أرضه.
فذكر الله تذكر لأعمالنا و
موازنتها بأوامر المولى جلّ ذكره، هذه الموازنة غايتها الإستغفار و بناء الغفر و
الحماية لأعمالنا حتّى لا نزل و ندخل في المنكرات. وكل أمة تغفل عن ذكر الله و لا
تقيم صلواة الجمعة لمدارسة أوضاعها أمة لا تفلح. فدوران العجلة الإقتصادية
"البيع" ينبغي أن يترك آنيا في يوم الجمعة للتفرغ لتدارس الأوضاع و ما
سوى البيع و توابعه لا يترك كالبحث
العلمي و لا الأعمال الأخرى
الضرورية من تطبيب و غيرها.
إنّ نسيان قوم النبي اليوم ليوم
الجمعة و نسيان ذكر الله و حصره في شعائر خاوية لا حياة فيها و لا أمل سبب كبير من
أسباب هوانها و انحدارها و أحرى بها أن تتدارس قضاياها جماعيا بدون تمويه و لا ظلم
ولا طغيان لطبقة حاكمة تريد
حصر البلاغ المبين في قراطيس و خطب
مكررة جوفاء.
و للحديث بقية في الأجزاء الباقية
تعليقات
إرسال تعليق