كنّا
سابقا عرضنا لقراءة عن سورة الكهف، عن فتية الكهف و عن عمق الكهف الذي تدخلنا إليه
السورة حتّى لا يكاد القارئ يبصر نورا يستطيع منه الخروج. سورة تحمل القارئ
بمصباحه ، حينا تطفئه له عمدا و حين تضيئه لحظات و تلاعبه كما يلاعب الوالد طفله
لتكشف له كهفه الداخلي و استحالة الخروج منه دون وعي به. وعي بحدود كهفه ،
بجغرافيته.
سورة
تكشف كذلك للإنسانية القارئة للقرءان أنّها تعيش الكهف و أنّ هنالك إمكانية للخروج
و إمكانية للإستقبال و أنّ الكهف في النهاية ليس كهفا واحد و ووحيدا بل كلّما
أزالت الإنسانية كهفا وجدت نفسها في كهف أكبر :
"قل
لو كان البحر مدادا لكلمات ربّي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربّي و لو جئنا
بمثله مددا"
و
في نهاية الرحلة الكونية لقاء الربّ. لقاء من يفتح الأفق ليخيل للإنسان أنّه تخلّص
من الكهوف نهائيا :
"...فمن
كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربّه أحدا"
إنّ
جمال سورة الكهف. هندستها ، عبقرية الصياغة ووضع العلامات الهادية كما سنرى في
علاقة موسى بالعبد الصالح عبقرية تجعل من القارئ يبدأ في كل نهاية لمقطع القراءة
من جديد، كأنّ السورة حُبكت و أعيدت صياغتها ملايين المرّات لتصل إلى أجواء الكمال
الهندسي. من صاغ هذه السورة لا يحتاج إظهار عبقريته، فهي مشعة في الكهف المظلم و
الناس فقط تعيش كهفها الداخلي بصدق لذلك تأبى فتح البصر :
"و
لقد صرفنا فى هذا القرءان من كل مثل و كان الإنسان أكثر شيء جدلا"
الكهف
:54
نحن
هنا نفتح في الكهف نافذة و لا نزعم فتح نافذة إلى خارج الكهف و سنرى أنّ القرءان
في هذه الآيات المقتطعة أعظم من أن تسيجّه طائفة أو أن يعبث به أحد. هو في هذا
وفيّ لعهد حفظه لنصّه بنفسه و لا يبحث له عن حافظ، بل ما يخشاه أن يتبعثر الحوت
فيرتطم في كل جانب و لا يدرك شيئا.
"و
إذ قالـ موسى لفتاه لا أبرح حتّى أبلغ مجمع البحرين أو أمضىَ حقبا"
الكهف
:60
القول
في القرءاة تصوير للحدث السائر إلى نهايته، هو تصوير بالكاميرا المتنقلة و التي لا
تعبأ بالتفاصيل بل بجوهر الحدث و غايته فالقرءان قول ، تصوير لسير الحدث في جوهره
و غايته. و عندما "قالـ" موسى ، لم يتلفظ بشفتيه راغبا بل سجلّ الأمر في
حركته كلّها وصولا إلى :
"لا
أبرح حتّى أبلغ مجمع البحرين أو أمضىَ حُقُبا"
إنّ
الآية في هذا المقطع تصوّر الحدث في أبعاده الجوهرية. موسى اكتشف وجود بحرين، هذا
أولّا ، يريد البحث عن مجمع لهذين البحرين، كأنّه مدرك أنّ للبحرين منبع واحد !!
بحر
و بحر بينهما ياء . بحران متعاضدان ، يصبّان في نفس الوعاء،. و موسى ببحثه الدؤوب
فشل إلى حينه عن بلوغ المجمع. و يريد الأن أن يحسم أمره. إمّا أن يواصل البحث عن
المجمع و إمّا الإستسلام و المضي حقبا. أي البقاء في نتائجه السابقة لا يتجاوزها و
القعود الحقبي و الإكتفاء بل الإنكفاء فيما "مضى". إذ من يتوقف يبقى في
القرءان "ماضي" ، يعيش على تركة ماضيه الفكرية حقبا إلاّ أن تحين ساعة
الإنقلاب الجديدة ربّما أو يغادر دون أن يفتح نافذة جديدة. إننا حقيقة في سورة
الكهف، أين المكهوف يبحث عن منفذ فإذا أعيته الحيل استراح مستسلما لـ
"قدره" علّ مفاجأة سارة تنير دربه.
إرهاق
من بحث عن مجمع البحرين، لكن ما هما البحران ؟
سنجيب
عن هذا السؤال هنا بعجالة كي لا نتعب القارئ معنا ثم سنجيب عنه بتفصيل في باقي
البحث.
بحر
يحمل عنوانه الظاهر و الإلتزام الحرفي . و بحر عنوانه الباطن و الإلتزام فيه بناء
من الحكمة و الرحمة في إهمال تام لما يقرّه القانون الظاهر.
يخبرنا
القرءان بإسم موسى أنّ للبحرين مجمع يجمع بينهما أي أنّهما في النهاية يصبّان في
نفس الوعاء، و كل المشكلة في كيفية إيجاد المجمع و تحديد نقطة التلاقي. هذا
التحديد ليس جغرافيا و ليس تاريخيا بل هو نفسي كما سنرى في بقية هذا الطرح.
ربّما
كان يمكن الحديث عن بحر الظاهر و بحر الباطن كما يحلو لفلاسفة الصوفية التسمية و
مهما يكن فبحر العبد الصالح يحتاج تأويل أي عملية عروج للوصول إلى المعنى الأوّل
المطلوب و المبتغى و بحر موسى الماضي يحاول فقط إيجاد السبب المباشر الظاهر
للعيان.
"فلمّا
بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله فى البحر سربا"
الكهف
:61
الحوت
هو ما يحوي. هو الوعاء المغلق الذي لا يترك مجالا للخروج منه. الحوت أشبه
بالبوتقة. و الأية هنا تضعنا في جوّ رهيب من التساؤل.
هل
كان موسى مع حوته في البحر و خرج من بحره ليبلغ المجمع وحده !!!
كأنّ
الأية تدفعنا إلى تصوّر الحدث لأنّها ترسم لنا قولا كعادة القرءان كلّه. موسى و
فتاه نسيا حوتهما و السبب بلوغ "مجمع بينهما" و هنا القفزة النوعية.
فالقرءان لا ينشأ لك الجسور و الصور بل أنت من ينشئها، أنت من يقرأ، هو يهدي فقط.
عندما
اقتربا موسى و فتاه من الهدف و "بلغا مجمع بينهما" تبخّر الحوت كأنّ
موسى كان راكبا على "فراش علاء الدين". هذا لمن يتصور رحلة موسى بحرية
في الماء !! لو كانت كذلك لما نسيا الحوت إذ هما فيه عند بلوغ المجمع. و قد يتصوّر
القارئ أنّ فتى موسى ربط الحوت في صخرة عند بلوغ المجمع و انقطع الحبل فجأة و اتخذ
الحوت بسيله في البحر. إن كان هذا تصوّره فهو ينتمي للبحر الأول بحر الظاهر و لا
شيء عليه لكن الآية ستنقله مراحل أخرى لتنزع عنه شك و تلقيه موسويا كما سنرى.
الحوت
هو الوعاء المغلق. إنّه هنا تصوير لحالة الأتباع. فقائدهم و هو في هذه الأية موسى
حارس أمين إذ لا مجال لهم من الخروج من البوتقة و من البحر الذي هم فيه و هو
يتعقبهم بفتاه و لكن هذه الرحلة و محاولة بلوغ مجمع البحرين دائما رحلة فردية و لا
يمكن للحوت أن يواكب موسى فيه.
مجمع
البحرين رحلة فردية و لا يمكن بحال أن تكون جماعية و لا يملك الحوت إلاّ أن يتبخر
في بحره فليس كل فرد يستطيع رؤية المجمع و إن بلغه و لا يستطيع الحوت أن يقتنع
أساسا بوجود مجمع للبحرين و لذلك فتصوير مغادرة الحوت فيها لمسات العبقرية :
"سربا"
من
الجذر ( س ر ب) . وصف لفناء حالة قائمة. كالسراب الذي ما إن اقتربت حتى يفنى كأنّه
غير موجود. و الحوت هنا كأنّه لم يكن موجودا في الرحلة أساسا.
الرحلة
الموسوية قائمة أساسا لإقناع الحوت أنّ للبحرين مجمع لذلك سيرتد موسى و فتاه قصصا
و ينظرا ما الذي فعلاه حتّى تسببا في فرار الحوت !!!
رحلة
البحث عن مجمع البحرين تنسي كل ما سوى نفسك، لأن هذه الرحلة بالذات هي القضية
الجوهرية عند أي فرد و ليست قضية إجتماعية أو سياسية، إنّها محاولة لفهم منطق سير
الظواهر الإجتماعية أمامنا و مسألة العدل الإلهي و علاقتها بالرحمة. هي أساسا
محاولة فهم منطق وجودنا كأفراد و لأي قانون يخضع . لذلك فصاحب الأتباع سينسى حوته
إن أراد هكذا رحلة.
"فلمّا
جاوزا قال لفتاه ءاتنا غذاءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا"
الكهف
:62
سفر
نصب بلا شك. سفر البحث عن مجمع البحرين . أي سفر هذا ؟ و من يستطيع تحملّه. إنّ ما
تنتظرنا من مفاجآت في الآيات المقبلة كفيلة بدفعنا لفتح أعيننا جيّدا لنقتنع بأمور
مهمّة تساعدنا في إنارة كهف حياتنا.
موسى
و فتاه جاوزا "مجمع البحرين" و الآية لم تضف عبارة " مجمع
البحرين" لفعل "جاوزا" لسبب دقيق في جدّا و هو أنّ موسى و فتاه لم
ينتبها أنّهما جاوزا "مجمع البحرين". هنا المفارقة لكل تابع بحر. يوصله
سيره إلى مجمع البحرين لكنّه يجاوز دون أن يقف متأملا. و قريبا سيعود إلى ما قبل
المجمع.
مطلب
الغذاء للفتى دعوة تأمل. فنحن في هذه المقاطع نسير في إشكالية حل لغز الجمع بين
"بحر الظاهر" و "بحر الباطن" و يحتاج كل باحث عن المجمع لغذاء
إذ بدونه تتوقف الرحلة و يصاب صاحبه بالنصب و الإرهاق و يبقى ماضيا حقبا.
"قال
ءرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإنّى نسيت الحوت و ما أنسانيه إلاّ الشيطان أن أذكره و
اتخذ سبيله في البحر عجبا"
الكهف
:63
علامة
"إلى" تدل على أن الإيواء مطلب موسوي. و كيف للصخرة أن تأوي ؟؟
طلب
الإيواء من الصخرة عبثي. أنت تطلب من صخرة أن تأوي حوتك و تأويك و للصخرة دائما
نفس الرّد. فهي في النهاية تحمل تردادا واحدا بلغة الفيزيائيين، صعب إن لم يكن
مستحيل تغيير تردادها الذاتي. هكذا إذا برمج موسى و فتاه صخرة ، و القارئ يدرك ما
أعنيه بالصخرة ، فقد تكون إعلاميين ، صحف ، مثقفين ..الخ .
برمجة
صخرة لإعادة الأسطوانة للأتباع و إقناعهم ربمّا بضرورة البحث عن مجمع البحرين لا
يمكنه أن يؤدي إلى نتيجة لذلك أتى لفظ العجب هنا بدل السرب.
في
الأولى أرادوا أن يسربوا كأنّهم لم يكونوا هنا أساسا. أمّا هنا فالعجب آتي من
إستحالة متابعة رحلة البحث عن المجمع لمن لم يقتنع بعد بهذا فالمسألة داخلية نفسية
متعلقة بالفرد و لا ينفع التكرار من صخرة لنفس الاسطوانة من إقناع الحوت. أبدا.
وهم
"الشيطان" نشأ و ينشأ غالبا أن "التكرار يعلّم الحمار" و التكرار
الصخري لا يعلّم شيئا بل يسحق العلم و ما يفعله قليل من التكرار مفيد جدّا في
تحفيز الذاكرة لكنّ الإكثار منه يخلق من حامل الروح صخرة.
و
الأن و قد اقتنع موسى أنّ رحلته فردية و أن لا مجال لتشركيها و عليه دخول الكهف
وحده ، يريد أن يفهم السبب :
"قال
ذالك ما كنّا نبغ فارتدّا على أثارهما قصصا"
الكهف
:64
الردّة
على الأثار هي عودة لفهم الاسباب تقصيّأ "قصصا". ما السبب الذي يمنع أن
يقتنع الأتباع بضرورة رحلة كهذه ؟
ما
الذي فعلته ليفشل مسعى إقناعهم ؟
هذا
ما ستتطرق إليه الايات التالية من 65 إلى 82.
و
للحديث بقية.
"ذالك
ما كنّا نبغ"
و
ليس "ذالك ما كنّا نرغب". فالبغي هي إحاطة من أعلى لا تترك لمن تحيط به
متنفسّا. و هنا دقة الوصف فبغي موسى على الحوت هو ما يجعل الحوت تابعا لا يستطيع
أن يخالف في شيء و ليس ضرورة أن يكون البغي مرادا و لا مقصودا بل يمكن أن يكون
طبيعيا آتيا من تسلط معنوي من غير إكراه.
و
في الهندسة عبقرية أخرى:
"نبغ"
بحذف
الألف المنحنية "نبغى" كأنّ هناك إرادة هنا للإرغام. و من هذا الحذف وحده
نفهم رغبة موسى في إقناع الحوت بضرورة البحث عن "مجمع البحرين" ، إرغام
بل تنكيس لرأس الحوت إلى أسفل ليسير في مشروع البحث ، لكن هيهات.
"فارتدّا
على ءاثارهما قصصا"
تقصي
لسبب تيه الحوت في بحره و عدم رغبته في تقبل البغي إذ الصخرة لا تؤدي وظيفة إقناع
بل وظيفة ترداد. و لا يمكن أن تؤمّن الصخرة على وظيفة إقناع.
و
بدأت مسيرة القصص و تقصّي الأسباب التي توّهت الحوت. و يظهر أنّ موسى لم يصل و
فتاه لشيء مقنع لسبب فشلهما بل هو أساسا لم يبلغ مجمع البحرين رغم مجاوزته له و
بين القناعة بوجود المجمع و اليقين بإبصاره أو رؤيته بحر عميق.
لنتابع
موسى في رحلته فبعد الأية 65 يختفي الفتى تماما و لهذا الإختفاء سبب سنتعرض له
قريبا :
....."فوجدا
عبدا من عبادنآ ءاتينـ ا ـه رحمة
من
عندنا و علّمنـ ا ـه من لدّنا علما (65) قال له موسى ا هل أتّبعك على ا أن تعلّمن
ممّا علّمت رشدا (66)"
(و
ج د ) لا يدل على الإمساك بما نبحث عنه بل يدل في القرءان على أن ما عثرت عليه أمر
له بال، أمر يعوّل عليه، أمر جد. فمن يلعنه الله لن تجد له نصيرا، حال من افتضح
أمره و بان سرّه و أزيلت عنه الستائر، لا يمكن أن تعثر على مدافع جدّي له. لن تجد
له نصيرا رغم كثرة الصائحين لكن لا أحد يستطيع نصرته لأنّ الفضيحة مدوّية.
أن
يجد موسى و فتاه عبدا من "عبادنا" أي أنّهم عثروا على جوهرة على عبد
يمكن التعويل عليه في تقديم الإجابة عن سبب الفشل.
"عبدا
من عبادنا"
هذا
القرءان صيغ من قوى علوية إبتدءا بمن أنزله روحا إلى القوى الملائكية التي نقلته
إلى الفؤاد الذي حمله و تحديد الآية أن هذا العبد ينتمي إلى "عبادنا" أي
أنّه حلقة في هذه القوى الروحانية ، فالحلقات مترابطة متصاعدة وصولا إلى الرّب
الأعلى. فهذا العبد حلقة و لكنّه ليس رأس الهرم. و عندما نتابع إجابته لموسى بين
الأية 79 و الأية 82 سنجد هذا التراتب الفنّي الدقيق :
فأردت
فأردنا
فأراد
ربّك
إنّنا
نعيش حلقة إسمية في هذه الآيات الكهفية، فموسى إسم و ليس لقبا متعلّقا بنبي تاريخي
، إسم يحمل عنوان الثورية و الحسم و البغي "الإيجابي" ، عنوان من يريد
الأمر سريعا دون نظر للمناظر الخلفية المهيمنة على المشهد. و أمّا العبد فسمات
إسمه :
"ءاتيناه
رحمة من عندنا"
"و
علّمناه من لدّنا علما"
هذا
العبد لم يتكلف صفة الرحمة بل هي أمر طبيعي فيه ، إذ الإتيان هو ما يصل بلا جهد،
الإتيان دائما في القرءان طوعي طبيعي و أمّا المجيء فيحمل الجهد و يتطلبه. إنّ هذا
العبد يتعامل طبيعة بمفهوم الرحمة و هي بحكم إتصاله الحلقي بالقوى العلوية لا
يتكلف الرحمة بل هي من "عندنا"، طبيعة من ينتمي لحلقات الرسالة، طبيعته
الرحمة و ليست الحرفية و لا الإلتزام بالنص كعادة من يحترف بإلتزام القانون و هو
يقتل العدل.
إنّ
الرحمة ليست ضعفا في هذا العبد ، بل ركيزة السير لدنياه هو العلم، هو التعرّف على
الأشياء بالعلامات المشدودة لها ، فالرحمة ليست مغايرة للعلم بل متاضمة معه "
و علمناه". و من كانت هذه سماته لا ينطلق من ضعف.
و
لناّ أن نقف بين لفظين :
"عندنا"
و "لدّنا"
العبد
أتته الرحمة من رغبته في التشبه بمن هو أعلى منه، إذ الرحمة في الكون ملاحظة في
ظاهرة الخلق أين كوكبنا رغم ما يحيط به يحيا و تعمر فيه الحياة بل إنّ من فيه
البشر ، يستحقون السحق لإجرامهم و مع هذا يمطر المطر عليهم و يشربون الماء و
يضاحكون الأولاد.
أمّا
العلم الذي علّمه العبد فهو ليس علما "منزّلا" بل مكتسبا" أتى من
مشاهدة الظواهر. لذلك وصف في الأية باللدّني، كأنّه أتى ممن هو "دنّي"
من القوى المتحدثة في الأية.
لنبدأ
في مسايرة الحوار ، فموسى اقتنع أنّه أمام رجل جدّي يمكنه أن يجيبه عن اسئلته ، و
سيكون الجواب في مسايرة واقعية لأحداث جمّة. إنّ هذا العبد لا يجيب مشافهة على
أسئلة بل يضع السائل أمام تحديات الحياة، يضع من يسأل أمام الأستاذ الأكبر
"الحياة". فالحبر الواقعي هو الحبر الحقيقي و ما سواه شعر.
لقد
أراد موسى أن يكون تابعا للعبد ، فموسى يريد إعادة ما تعوّد عليه مع حوته، تابع
يتتلمذ على أستاذ :
"قال
له موسى هل اتبعك على أن تعلّمن ممّا علّمت رشدا" الكهف :66
قول
موسى يصوّر سيره مع العبد، سير من يريد التعلّم كما علّم. يريد أن العبد أن يرشده
لما تعلّمه هو لا أن يرهقه. و الظاهر أنّ موسى انبهر بما يملك العبد من علم و
الآيات لا تحدثّنا عن ماهية هذا العلم. الأيات تتركنا نسبح في بحرنا الذي تعوّدناه
لعّلنا نبلغ مجمع البحرين.
"قال
إنّك لن تستطيع معى صبرا (67) و كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68)"
وحده
القرءان يضع قارئه على قارعة الهاوية و يدفعه للسقوط في مهاوي التساؤل. وحده
القرءان ، و لا أزعم أنّي قرأت كثيرا من الصحائف، لكن ما قرأت يجعلني أضع القرءان
في خانة وحده. وحده هذا القرءان يلقيك في غياهب الظلام محتارا تائها لا تدري عمّا
يتحدث و يتركك تنتظر الصبح، أليس الصبح بقريب !!!
ما
العلاقة بين التعلّم و الصبر. و ما علاقة التعلّم بالإحاطة بالأخبار ؟؟؟
الصبر
متعلق بالتحمل و هذا التحمل له حد و أفق، فما لا تدرك جوانبه كلّها لا يمكنك إلاّ
أن تحكم عليه حكما ناقصا. إنّ العلم الذي علّمه هذا العبد يحتاج التحمل في تقصّي
تفاصيل الأمر كلّه و لا يكتفي بالتفصيل السطحي البسيط.
الرحمة
عنوانها فهم ضعف من ترحمه و هي متعلقّة أساسا بالعلم المحيط بحيثيات القضايا و
ليست الرحمة ظاهرة عاطفة عابرة بل أصيلة مرتبطة بالعلم.
"و
كيف تصبر على ما لمـ تحط به خبرا"
يجعلنا
هذا المقطع نعذر من نظّنه أدنى منّا و نرحمه إذ كيف يستطيع الإنسان أن يصبر على ما
لم يحط به بعد !!!
إنّ
موسى يعلن إمكان الصبر و يعلن عدم عصيان الأمر ، فقول موسى تحديد لطاقته و إعلان
كامل لولاءه حتّى إن لم يفهم سبب حركة العبد و سيره و هذه صفة التابع الذي لا يجرأ
على المخالفة حتى و إن لم يقتنع :
"قال
ستجدنى إن شاء الله صابرا و لا أعصي لك أمرا" الكهف :69
مشيئة
الله هي تجسيد للأمر في الواقع و يمكن لهذا الواقع أن لا يجسّد و حينها فإن لفظ
"إن" تعبر عن حد الطاقة عند موسى و ما لا يمكنه تحملّه. و ما لا تتحمله
لا يمكنك مسايرته و لا يمكنه أن يتجسد عندك واقعا إلاّ و أنت مرغما و حينها تفقد
صبرك.
إن
فقد صبري فلن أعص. هذا شعار موسى أيّا كان الأمر و هذه صفة الجندي ، صفة التابع
الذي يبتلع ريق الغضب لأوامر من فوقه و يطبق و الدمع يجري من عينيه و سنرى
العبارات الموسوية تخرج من فيه مرغما بثوريته و هذا ما سيفقده متابعة التعلّم و
سيجعل رحلته قصيرة له طويلة علينا.
"قال
فإن اتبعتنى فلا تسئلنى عن شيء حتّى أحدث لك منه ذكرا" الكهف :70
يمكن
لأي دجّال أن يستغل ءايات القرءان ليجمع التابعين حوله و يخبرهم أن لا يسألوه عن
أمر تأسيا بـ "الخضر" و يمكن لأي سياسي محترف أن يطلب الطاعة العمياء و
الولاء المطلق مستشهدا بهذه الأيات. و مشكلة الإستشهاد أنّ العبد برهن على علمه
العميق و لولا ذاك ما "وجده موسى" و لولا ذاك ما تزّلف في طلب الإتباع و
الملازمة.
من
اختار طريق الإتباع عليه أن يمتنع عن السؤال حتى يُحدث له ذكر ، أي ليست له
المبادرة فالمبادرة لمن اتبعه أمّا هو فباق في حالة الإنتظار حتّى تأتيه الأمور.
هذا هو بحر موسى.
العبد
لم ينه عن التساؤل، أبدا، هو منع موسى من المبادرة و لعلّ هذا ما سيدخلنا في البحر
الأخر.
للحديث
بقيّة.
العزيز
يوسف هريمة ؛
موسى
لم ينس الحوت و لا فتاه و لكّنهما وضع ثقتهما في صخرة. و هنا المأساة ، هنا
النسيان الحقيقي إذ الصخرة تكرر الترداد و لا تقنع أحدا. و النساين من ( ن س ء) و
هو في مفهوم التأخر سواء كان التأخير في الذاكرة أو التأخير عند الصخرة و الأية
تتحدث عن تأخير عند الصخرة و ثقة بها و الدليل :
"و
ماأنسنيه إلاّ الشيطان أن أذكره"
وهم
الثقة بالصخرة.
أمّا
المفاهيم الأخرى فسيأتي جوابها في نهاية البحث إن بلغنا المجمع إن شاء الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
العزيز
أحمد محمود ؛
تعلم
قناعتي فيما يخص قواعد اللغة و ليس المثنى عندي في الأيات مرتبطة بوجود
"يْن" في "البحرين" بل لأسباب بنيوية.
الفرق
بين البحران و البحرين في القرءان هو الألف و الياء.
الألف
تعبّر عن حائط بين بحر و أخر و حتى إن اعتبران البحران مجموعة بحار فبينها حائطا و
هي لا تجتمع.
"و
ما يستوى البحران" هنا عدم إلتقاء
"ملرج
البحرين يلتقيان" إلقتاء
"جعل
بين البحرين حاجزا" فيه إلتقاء لكن بوجود حاجز أي أن هناك سقف يجب تعدّيه
لحدوث الإلتقاء
يمكن
إعتبار "البحريْن" جمع أين تتلاقى هذه البحار إذ السكون فوق الياء فقد
طاقته فتداخلت البحار عكس غياب السكون في "الكافرين" و المنافقين"
و المؤمنين" فاليد قائمة لم تفتر. و قد اعتبرت البحرين مثنى لسبب بسيط ،
فموسى كان في بحر و يبحث عن مجمع لبحرين ، و قد يكون ما يبحث عن مجمعه مع بحره
أكثر من بحر و سنرى في بقية البحث دلائلا أخر.
ـ
الحوت هو بوتقة و أمّا التاء في أخره فهي تعني التوليد حتما و لكن داخل الحاء .
حاء يضم داخله . و يمكن الخروج من الحوت فرسم الحاء ليس مغلقا تماما ، هو سقف باغ
منقض لكن فيه فتحة للخروج و أردت بقولي بوتقة تركيز الفكرة فقط و إلّا فلساني
أعجمي.
ـ
"فالـ" هنا تحدد أنّ القصة دفعة واحدة ، قول سائر و يمكننا البرهنة هنا
على حفظ هذه الأيات فهي قول واحد من الأية 60 إلى الأية 82.
ـ
تحدتث عن سبب غياب الهاء في "جاوزا" و السبب أنّهما جاوزاه لكنّهما لم
ينتبها. فما جاوزاه لم يغب عن بصرهما بل لم يلاحظاه أساسا.
ـ
نسيان ما قمت يداك أن تنس أنّ مستقبلك و مآلك هو من صناعة يدك فكل ما تفعله مختارا
ستجني نتيجته و لا تظلم "القدر" بعدها كحال من يستغرب ثوران شعبه عليه .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــ
العزيز
خالد ؛
رحلة
موسى رحلة إسمية كحال القرءان كلّه و سنتقطع أنفاسنا في الكهف كما سنرى و لن يشتعل
مصباحنا لنعرف هل اقتنع موسى بأسباب فشله و هل بلغ مجمع البحرين و هل ..و هل
"قال
فإن اتبعتنى فلا تسئلنى عن شيء حتّى أحدث لك منه ذكرا"
الكهف
:70
الحديث
في القرءان ما يأتي دون طلب . و هكذا يطالب العبد موسى بالإمتناع عن سؤاله ما لم
يبادر هو بتذكيره بما حصل لهما في مسيرتهما. مغامرة ارتضاها موسى و لن يستطيع
الإلتزام ببنودها إذ هذا الإلتزام يخالف طبيعته العميقة. طبيعة الثائر الهائج الذي
يريد جواب لحظي لكل ما يراه مخالفة و تجاوز و ظلم.
عربون
السير قهر هذه الطبيعة الثورية الحاسمة :
"فَانطَلَقَا
حَتَّى? إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ? قَالَ أَخَرَقْتَهَا
لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا" الكهف :71
في
الإنطلاق عنوان الفراق. فالجذر ( ط ل ق) يحمل مفهوم فك الإرتباط و كأن في نون
"انطلق" تفكك محتويات الوعاء النوني لرحابة الإنطلاق، كل في إتجاههه.
هنا
الأية بدقة القراءة التشريحية تضعنا على الأمر الأهم. فإتباع موسى للعبد ليس
إلتصاقا بل محاولة لفهم سيره و مسيرته، إنّه إتباع من يحلل شرط أن لا يسأل. أن
يحترم المسيرة إلى أخرها .
القرءان
هنا يخبرنا أنّ موسى ليس مستعبدا لهذا الرجل و ليس متبّعا له وفق رغباته بل شرط
السير أن يمتنع موسى عن التساؤل و يحيا وفق طريقته المعتادة. و رغم إرادة موسى أن
لا يعص أمرا للرجل فالأية بلفظ "انطلق" تخبرنا أنّ لا عبد ليس آمرا و
أنّ طبيعة السير إستفزاز للمعتاد و ليس أوامرا للتنفيذ.
"حتّى"
تصور مسيرة سبقت و "ملحا" اشتركا فيه الرجلين، و فيه بدايات إستفزازية
لموسى إذ لفظ "حتى" يرسم منعطفا لما سبق و كأنّه درجة كبرى أعقبتها
درجات من قبل. و لنرى الآن إن أمكنتنا الرؤية في الكهف ما حدث.
ركوب
السفينة دخول في مشروع واحد، إن غرقت لا سمح الله غرق الرجلان فلا مجال هنا
للإنطلاق بل المجال هنا للإرتباط العضوي، فمصلحة موسى هي مصلحة صاحبه تماما و أي
تعثر لأحدهما عثرة لصاحبه.
ركوب
السفينة ليس مجازا بل عنوان حقيقي لكل مشروع مشترك و ليس بالضرورة أن تكون السفينة
مركبا خشبيا أو حديديا أو فولاذيا أو غواصة تحت الماء و في المحيط. و ليس في
القرءان لغو عبارات و تأويله ينبع فقط من أخذ كل علامة في عباراته عين المجهر و
إلاّ فالتأويل ناقص. هذا ما يقوله القرءان عن نفسه و للناس أن تنقض و ترّد.
في
جواب "الخضر" لموسى أنّ المساكين كانوا يعملون في البحر و لو كان الأمر
قضية صيد للسمك لما أضاف القرءان في نصّه لفظ "البحر" فالسفينة كانت
تكفي لوحدها لتنشأ الصورة و على عكس ما يظن أغلب المفسرين فليس في القرءان تأكيد
للمعنى فالتأكيد حشو عبارات.
لن
ندخل هنا في جوابات من سنسيمه من الآن فصاعدا الخضر رحمة بمن يقرأ ما نكتب حتّى لا
نكثر عليه من الأقواس و يمل. فالخضر إخضرار ، عنوان للشباب العقلي رغم شيخوخة
البدن.
سنتبع
فقط سياق الأيات لنعود في الأخير لرسم الصورة معكم.
خرق
الخضر السفينة. خرقها يعني إفساد للمشروع و تعريض لمصالحه و مصالح موسى في نفس
الوقت. هو إنتحار علني و لعلّ الصورة الحسية معبرّة. صورة من يضع قنبلة في سفينة
هو راكبها، أليس هذا إنتحارا !!!
إنّ
إتهام موسى مباشر. فالخضر رجل مدسوس ، يعمل لصالح قوى معادية للمشروع ، إنّه
متآمر. فالإمر بكسر الألف هو أمر خفي إذ الكسر في القرءان يعني الخفاء.
الخضر
رجل خاضع لجهاز معادي يأتمر بأوامره السرّية و هو خرق السفينة ليغرق من فيها. إنّه
لم يأتي ليشارك في إنجاح مشروع بل أتى خصيصا ليغرق المشروع و ينهيه.
ليس
بالضرورة أن يكون تعبير موسى لفظيا فالقول في القرءان كما نكرر كل مرّة صيرورة
حدث، رؤية لمفاصل السير في نقاطه الأساسية.
"قال
أخرقتها لتغرق أهلها"
و
دون توقف و لا فاصلة إتهام :
"لقد
جئت شيئا إمرا"
ثم
ينتبه موسى أن السفينة لم تغرق بل أصابها فقط عطب :
"قَالَ
أَلَمْـ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا" الكهف 72
عجيب
أمر الهندسة الكهفية و هي تنير لنا بمصابيح خافتة متكلمة :
"ألمـ
أقل إنّك " 72
"ألمـ
أقل لك إنّك" 75
تنبيه
للقارئ و إشهاده فيما يحدث
"ألمـ
أقل إنّك"
كأنّ
موسى محاط بجماعات تشاهد ما يحدث و يخاطبها الخضر أنّ موسى عاجز عن الوفاء بعهده
المقطوع.
ألا
ترون أيّها الناس تسرع موسى !!! لما الإتهام و لم يكن في نيتّي أبدا إيقاف المشروع
و لا التآمر عليه :
"قَالَ
لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا"
الكهف :73
إنّ
موسى يتذرع بالنسيان و ليس التذرع إنكارا بل إستعطافا و إستلاطافا. فموسى صاحب أمر
"من أمري" . لموسى مسؤوليات على من يقودهم في البحر ، على مساكين البحر
القابعين فيه المطمئنين به فالسكن إطمئنان. مساكين البحر هم من يرهق موسى و هم من
دفع به لإتهام الخضر و ليس هو من نقض العهد بل جرعة الإرهاق أنسته العهد. و هو
يطالب أن لا يحاصره الخضر بهذه العثرة.
"فَانطَلَقَا
حَتَّى? إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً
بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا"
الكهف
:74
درجة
أخرى بعد الإنطلاق أكثر ألما و خطورة. قتل نفس زكيّة بغير نفس. و هذه هدّية لمن
يتهم القرءان بالدعوة للقتل لعلّهم ينتبهون أو على الأقل يقولون بإزداوجية القرءان
بين الرحمة و القتل !!
و
تتواصل المسيرة وصولا إلى هذه الحادثة الأليمة أين يعلن موسى أن النفس
"زكيّة" يعني ليست مريضة لدرجة يحتاج إسعافها لقتلها قتلا مريحا حال
المتسرطن الذي يطلب الموت و لا يجده أو حال الجريح الذي لا يجد جرّاحا يطالبك
راجيا الإجهاز عليه لإنهاء مأساته.
إنّها
نفسا زكية. حكم موسى الظاهري جاهز. و لا يدري موسى أنّ كل مأساته مع هذه التزكية.
و لو كانت النفس زكيّة لكان الحكم صحيحا :
"لقد
جئت شيئا نكرا"
موسى
و إخوانه الأنبياء ليسوا قتلة و لذلك فالقتل دائما صفته النكر في مسيرة النبوّة. و
أن يأت هذا الحكم من موسى الثائر المحارب يجعل من يتهم حملة السيف من الأنبياء في
معرض سؤال موضوعي عن هذه الأية. هل هذا المتحدث هو نفسه موسى الذي نعرف ؟؟؟
لنستمر
في التشريح.
"لقيا
غلاما"
لقاء
ثم قتل !!! و السؤال واضح : ما سبب هذا اللقاء ؟؟ و ما ضرورة القتل ؟؟؟
أسئلة
سيجيب عليها الخضر بعد إنتهاء المسيرة :
"قَالَ
أَلَمْـ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا" الكهف :75
بدايات
صعبة أعقبها خرق السفينة لمساكين يعملون "في البحر"، ثم قتل لنفس بعد
لقاء و في كل مرّة بيان لتسرع موسى. و إظهار لخطأ تقديره :
"ألمـ
أقل لك"
إنّ
هذه تحتاج طول نفس لتفهمها يا موسى، و يأتي لفظ "لك" ليصوّر طول المهمة
و تعقيدها ثم إعلان من موسى بالعجز الكلّي :
"قَالَ
إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِى ? قَدْ بَلَغْتَ مِن
لَّدُنِّى عُذْرًا"
الكهف
:76
الإمتناع
عن السؤال تأكيد لوصول الجواب القولي عمّا سبق. فموسى اقتنع أنّ الرجل أبعد منه
نظرا و أعمق رؤية لما يدور حوله و قضية قتل الغلام أقنعته أنّ الخضر يتحرك ضمن
دائرة وعي أكبر من وعيه. دائرة لا إنتقام فيها و لا كره بل علم و رحمة :
"...ءاتيناه
رحمة من عندنا و علمناه من لدّنا من علما" الكهف :65
ليس
كما يظن من يتبع ظاهر القول، تضاريسه الخارجية دون وعي بماهية الأمور.
"قَالَ
إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِى "
بعد
كل هذا لن أتجرأ على سؤالك و إن تجرأت فلك أن تنهي مصاحبتي.
"
قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًا"
عذرتني
بما فيه الكفاية و لا مجال لعذر أخر فقد بلغ السيل الربى.
"
فَانطَلَقَا حَتَّى? إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا
فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ
فَأَقَامَهُ ? قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا" الكهف :77
"أهل
قرية" وصف لمجتمع مكثف العلاقات يسمح بدخول من لا ينتمي إليه بل و يحتضنه و
لكنّه مجتمع محكوم بالقواعد التجارية لذلك انهياره أمر حتمي فكل قرية في القرءان
تنهدم و تتفجر تحت ضغط علاقاتها التجارية.
لما
رفض "أهل قرية" إستضافة موسى و صاحبه ؟؟؟
ليس
لنا أن نخرج من الأيات و نخمن فدقّة القرءان لا تسمح لنا بقراءة ما بين السطور بل
بقراءة السطور فقط و كل محاولة لإضافة شيء بين السطور ستبوء بالفشل.
فرق
بين الإستطعام و الضيافة .
الإستطعام
حركة لطلب الطعام و الضيافة تقديم مجاني للطلب. قبول بالطلب دون إنتظار أجر.
أهل
القرية أبوا هذا الإستطعام دون مقابل فكيف للخضر أن يقيم لهم الجدار دون أجر !!!
موسى
لم يسأل هنا بالمباشر بل غلّف سؤاله برجاء و لكن هذا الرجاء عند الخضر محض سؤال.
ليس
الأمر عند الخضر إستدارة على السؤال بل القضية عنده دائما في اللب.
"لو
شئت"
عند
الخضر معناه "لما لم تطلب أجرا" و هي في القرءان كذلك.
الجدار
يريد أن ينقض و لا أحد أنتبه لإقامته بل إنّ أهل القرية جعلوا إقامة هذا الجدار
ثمن للإستطعام و موسى لم ير في هذه المقايضة عدلا. و يظهر أن الخضر متخصص في إقامة
الجدران المنقضة :
"لتَخذت"
بدلا من "لأتخذت" بيان لذوبان ذاتية الخضر لأنّ إقامة هذا الجدار لم تكن
فردية و لا ثنائية بل اشترك فيها كذلك أهل القرية، و هذا الجدار لا يخص بيتا سنقض
على أصحابه بل يخص كل أصحاب القرية.
إلى
هنا نقف بعد إنقطاع الأنفاس.
العزيز
أحمد محمود؛
كنت
سأتطرق لمجموعة من تفاصيل الرسم بعد إنهاء الموضوع لكن ها أنت فتحت في الكهف
نافذة.
مفهوم
الميم في القرءان متعلّق بالحياة و لعلّك اطلعت على ما كتبته عن هذه العلامة
بتفصيل.
"زكية
(م)" الأية 74 الميم من فوق. يعني أن الغلام حي و يحمل كل صفات الحياة، هذا
ما رأه فيه موسى و تأتي الميم تتهم الخضر أنّه قتل نفسا ما كان ليقتلها لأنها كانت
مؤهلة لمواصلة حياتها الطبيعية. موسى لا يتهم الخضر بالقتل بل لا يقبل عذره أساسا
و لا يريد حتّى أن يستمع. قوله يعبر عن نفسية موسى الثورية التي تتهم إبتداءا عند
رؤية أي تجاوز و مخالفة.
أمّا
الميم (م) الواقعة تحت شيء في الاية 76 . هذه الميم تحمل مفهوم الحياة كذلك و قد
اعتبرها الأسلاف ظاهرة صوتية عند إلتقاء كسر الهمزة بالباء. و الأمر ليس ظاهرة
صوتية و قد سبق تفصيل هذا في بحث علامة الميم.
"شيء(م)
بعدها" يدل على أن الشيء المقصود يحمل حياة و لو في صورة مخفية كالجنين مثلا
. كأنّ النفس التي قتلها الخضر ليست متجسدة في شاب بل في جنين. فالخضر قتل جنينا
في حكم التخليق . لما :
"فخشينا
أن يرهقهما طغيانا و كفرا"
و
سيأتي التفصيل في باقي البحث إن شاء الله.
أن
تكون الميم وتدية في كلا المثالين دليل أنّ المقتول لا عقب له. فميمه مستقرة
لكنّها ليست سائرة.
و
أمّا سبب لقاء هذا العبد تحديدا فهو آت من تجربة مريرة في البحث عن سبب الفشل في
إيجاد مجمع البحرين. فموسى سبق أن جرّب السير مع عدّة عباد لكن لم يفلحوا في شفاء
غليله إلى أن وجد "عبدا من عبادنا". تصوير دقيق لمحطة بعد سفر بين
المحطات طويل.
أم
الفرق بين العبارتين "قال موسى له" الغير موجودة و "قال له
موسى" فالأولى تعني أن غاية القول لهذا الرجل "له" و أما العبارة
القرءانية فهي تعبر أن الغاية موسى نفسه و إن عبر من "له". فموسى ليس
تابعا بل يريد بناء جسر ليعبر إلى نفسه. و دعنا من الشطحات ههههه.
أمّا
السفينة فسأرجأ الحديث عنها في إجابات الخضر لنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــ
العزيز
خالد ؛
عندما
سنتنهي القصة سنجد أنفسنا دون إجابة, سنجد أنفسنا و كأننا لم نقرأ شيئا. حال من
يعيش كهفا مثقوب من كل الجهات و يبحث عن مخرج و كلّما سار وجد نفسه عاد لنقطة
البدء. و أنت ترى أن ذو القرنين يأتي مباشرة بعد الخضر ، من ثقب إلى ثقب ، و قد
نجد قبسا يوما.
كلامك
صحيح جدّا عن أنّ اللقاء ليس شرطا في وجود قصة الخضر. فما تحمله الأيات لا يوحي
بوجود لقاء إلاّ إن بقينا في بحر الحوت السطحي الظاهري. الموضوع كلّه إسمي .
نحن
سائرون و ربّما أدرك القراء خصوية هدي القرءان و كم النوافذ التي تفتحها كل ءاية.
هذا ما أبتغي.
تعليقات
إرسال تعليق