سنلج في هذا البحث موضوعا شائكا و خطيرا هو الصيام لنبرهن أنّ القرءان هدى للناس و ليس صحيفة للطقوس و تفاصيلٍ للنسك، و أهمية مثل هاته البحوث هي تعريف القارئ بمفاهيم القرءان و ليس إثارة حماسه لمحاربة الطقوس الفردية أو الجماعية و لا تهييج غرائزه ليقف منافحا عن طقوسه أمام من يريد تشكيكه في أصول "دينه" ، و لا أنفي أن تثير بعض الفقرات حفيظة من يعتقد و يسلّم بالإرث النّصي بعيدا عن دلالته ، إذ ما أسعى إليه ليس محاباة و لا سيرا في إجماع بل ترسيخا لعالمية الرسالة دون نظر لطقس أو عقيدة فئة أو مسلّمات أمّة أو عرق . مثل هذا البحوث يسعى لرسم ماهية الإنسان في صورته القرءانية ، إذ الحكم على الإنسان في القرءان ليس في ممارسته طقسا بل في عمله للصالحات و نهوضه بمهام الخلافة ، بحثا علميا و كفاحا في سبيل الله المرادف لقيم الحرية ، و إسكات غرائز الإنتقام و التعدّي و التجاوز على الأخر إسلاما و إيمانا.
للأسف
فقد أصبح إنتماء الفرد الديني لدى الكثيرين في العالم "العربي" و
"الإسلامي" يُرسم بإمتناعه عن الطعام في "رمضان" و في بعض دول
"المغرب العربي" تحوّلت "أركان الإسلام" من الأركان الخمسة
المعروفة إلى أركان أربعة إجتماعية يُحكم بها على هوّية الفرد
"الإسلامية" و هي :
ـ
تلفظ الشهادتين
ـ
الإمتناع من أكل لحم "الخنزير"
ـ
ختان الأطفال الذكور
ـ
صيام رمضان
و
يمكنني أن أضيف ركنا خامسا للمزاح و هو الإعتداء الجسدي على الزوجة لمن بلغ درجة
التقوى.
ففي
هذه الدول يعتبر الناس طقس الصلواة ركنا من أركان الإسلام نظريا فقط و هم يقبلون
تسمية الفرد بمسلم و إن علموا تركه لها و لكنّهم لا يتسامحون إطلاقا في قضيّة
"الصيام" أو الختان أو تناول غرام من لحم حيوان أسموه خنزيرا. و هذا
يعبّر عن ما كرّسه القرءان و هو انزلاق النسك في ثقافة معينة . و يجدر بالباحثين
في علم الإجتماع بحث أسباب هذا التحوّل و الانزلاق الناشئ عن بنية المجتمع
الإقتصادية و الإجتماعية. و لنتساءل في بداية هذا البحث أولاّ :
هل
الصيام طقسا من الطقوس ؟؟؟؟؟
يجدر
بنا أن نحدد ماهية الطقس و كيف نفرّق بينه و بين النسك. و في رأيي أنّ الطقس يُبنى
على ثلاث ركائز :
ـ
الجماعية بصورتها العسكرية
ـ
الرتابة أو ما يمكن تسميته بالروتين
ـ
إنتفاء المصلحة
سنحاول
في ضوء هاتين القاعدتين تصنيف الصيام في "أمتنا". يظهر لكل ملاحظ أنّ
"الصيام " في "شهر رمضان" طقسا كبقية الطقوس من
"صلواة" و "حج" إذ الناس تمتنع فيه جماعيا عن الطعام أكلا و
شربا طوال يومهم من طلوع الشمس إلى غروبها طوال مدّة شهر تنتهي باحتفال عيدي سمّاه
الناس "عيد الفطر" و هذه الجماعية هي التي تضفي صفة الطقوسية على الصيام
فجماعية الأداء الشبه عسكري هي ركيزة أي طقس و عندما تنتفي عسكرة النسك يصبح إسمه
قرءانيا "نسكا" لا يتعدّى هذا الحد. و هذا هو الفارق الذي أريد وضعه بين
تسمية القرءان و تسمية الطقوس . و ينبغي أن نشير أنّ طقس "الصيام" يمتاز
عن غيره من الطقوس بميزة خاصة إذ هو يمس حياتنا الإقتصادية مباشرة لتعلقّه المباشر
بإستهلاك الغذاء ، مثل هذا البعد نجده كذلك في إهدار ملايين الخرفان في يوم واحد
سمّاه الناس "عيدا أضحى". فالبعد الإستهلاكي المباشر للصيام يجعل رؤية
غايته عند جمهور الناس واضحة ، فهو يدعوهم إلى الإمتناع عن الطعام لغرض الإقتصاد و
لكنّنا نفاجأ أنّ الإستهلاك في هذا الشهر يتضاعف و هنا تتأكد لدينا طقوسية الصيام
في العقل الجماعي إذ ينتفي كلّيا الطقس مع مصلحة الفرد و المجتمع .
و
لو قربنا المجهر قليلا لرأينا أنّ "شهر الصيام" فرصة للسياسيين للممارسة
الدجل بتحالف مع كهنوت الأخبار لتحاك الخطط الصبيانية في ظهور الهلال و غيابه في
هذا الشهر لإعلان بدء "الصوم" و إنتهاءه و تفريق الجموع التي ترغب في
توحيد بدء و نهاية هذا الطقس ، و ينتهي النقاش عن ظهور الهلال في غيره من الشهور
إذ الكل يعلم أنّ حساب ظهور الهلال رياضيا إرتيابه أقل من الثانية و لم نر إلى
الآن مشكلة في تحديد ظهور هلال شوال أو رجب و للأسف فإنّ تحول الرسالة إلى طقوس
سبّب و بصورة واضحة غياب كلّي لنفخ الروح في الإنسان عند مجموعات بشرية هائلة
عندما يتعلّق الأمر بالطقوس.
بعد
هذه التوطئة سنلج موضوع الصيام في القرءان متناسين أو متعمدين نسيان ما يعرفه
الناس و ما قاله الأسلاف و ما تواترت به الأخبار و إن كنّا إبتداءا نرى صعوبة ربط
الإمتناع عن الطعام بغايات الرسالة القرءانية الكبرى. ندخل الموضوع متسائلين أسئلة
بريئة :
ـ
ما حاجة الرّب إلى إمتناعنا عن الطعام ؟
ـ
هل للإمتناع عن الطعام فائدة و ما هو السن الذي يمكن فيه للفرد أن يمتنع عن الطعام
طول يومه دون أن يتسبب هذا الإمتناع في الإضرار بتوازنه البيولوجي العصبي ؟
ـ
لماذا إختيار وقت جماعي متغير فصليا بالإعتماد على شهور القمر دون أي ضرورة واضحة
لهذا الإختيار كنقص في المصادر الغذائية مثلا؟
لن
أدخل في تفاصيل ضرر الإمتناع عن الطعام يوما كاملا أو فائدته و حاجة الفرد إلى
الغذاء توازيا مع سنّه و أترك هذا لأهل الإختصاص و إن كان الكل يعلم أنّ هناك حد
للإمتناع لا يتعداه المرء إلا معرضا توازنه الصحي العصبي للخطر و ما نجده في
القرءان هو إباحة للطيبات بوضع الحدود للإستهلاك و النهي عن التبذير و الإسراف.
تركنا لهذا الجانب التفصيلي يعود لتنوّع حاجة الأفراد للغذاء، فما يحتاجه الصبي
غير ما يحتاجه البالغ و ما تحتاجه الحامل غير ما يحتاجه الشيخ من غذاء وما يحتاجه
سكان المحيط المتجمد غير ما يحتاجه ساكن الصحراء. و سنكتفي بدراسة الصيام نفسه دون
ربطه ربطا آليا بالإمتناع عن الغذاء ، و كما تعوّدنا سنبدأ بتحديد مفهوم اللفظ
نفسه في القرءان بالإرتكاز على بعض من البنية اللفظية في القرءان و عربيته إضافة
إلى إستفادتنا من المشترك اللفظي لهذا اللفظ في القرءان. و لنتفق أولاّ على فكرة
بنيوية ذات أهميّة قصوى في القرءان و هي عربيته أو جذريته بتعبيرنا، و نرى أنّ لفظ
"الصيام" مكوّن من الجذور التالية:
صـ
ـيـ ـاـ م
إنّ
الياء في القرءان قوى فعل تشبه إلى حد بعيد ما سمّاه الأسلاف علامات الإعراب، فهي
تدخل على الألفاظ بداية و توسطّا في القرءان و كذلك العلامة "ا" فهو من
نفس قبيلها يدخل على الألفاظ القرءانية ابتداءا و توسطا و نهاية. فالياء و الألف
يشبهان البوزونات في عالم المكونات الشهرية للمادة فدخولهما إمداد للطاقة لرتق
الجزيء و ليس الأمر متعلقّا بقضية نحو و صرف و قواعد إعرابية بل الأمر بنيوي
سنطرحه في مواضيع مستقلة إن شاء الله. و ما يهمنّا في بحثنا هذا هو أنّ لفظ الصيام
مشتق من الجذر العربي ( ص م)، و لو تتبعنا هذا الجذر في القرءان لرأينا بعضا من
تفريعاته :
صمّوا
/ أصمّهم
صمّ
/ صمّا
الأصم
و
كلّها تدل على إقفال جهاز إستقبال الكلام بمفهومه القرءاني و نجد أن لفظ الصم يقرن
في القرءان بلفظ "البكم" الدال على العاجز عن إيصال الكلام و يقرن كذلك
بلفظ "العمي" الدال على العاجز عن الرؤية و ليس فقط عن الإبصار ، و
ينبغي التنبيه أنّ إقفال أجهزة إستقبال الكلام ليس إقفال لحاسة الأذن من تلّقي
الخطاب الشفوي حصرا إذ الكلام هو مفهوم شامل في القرءان و هو ما نسميه في لغتنا
معلومات Information لندخل الآن البلاغات القرءانية لنقرر هذه
المعاني:
"مَثَلُهُمْ
كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ
اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ
بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18)" البقرة
إنّ
المحيط هو ما نتفاعل معه بأبصارنا و كل من يبصر يحاول أن يبلّغ غيره كلاما و
إخبارا عن بصره و رؤيته فإن عجز كان من البكم و إن عجز الذي يسمعه عن فهمه كان هذا
السامع من الصم ، فالعلاقة ثلاثية بين محيط و مبصرين من مبلغين و سامعين. و هذا ما
يوضحه كذلك البلاغ القرءاني التالي :
"
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا
أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً
وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ
بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ
يَعْقِلُونَ (171)" البقرة
فالممتنع
عن قبول الدليل الواضح و المكره لغيره على رفض الدليل بتغطية الأمر بشتى الوسائل
"الذين كفروا" ، مثل هؤلاء يوصلون كلاما مبعثرا هم أنفسهم لا يدرون ما
يقولون و من كان في أجواء الصم و البكم و العمي فهو عاجز عن عقل الأمور ، إذ هو
عاجز عن إستقبال كلام الأخر لإفهامه و هذا أضعف الأحوال "صم"، عاجز عن
التعبيرعن ما يبصره كلاما "بكم" ، عاجز حتّى على الإبصار
"عمي". ونرى في وصف البلاغ المبين للدواب التي لا تعقل تحديدا لدليل
الصم :
"
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا
عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا
سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ
الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ
خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ
(23)"
الأنفال
طاعة
الله و رسوله هو اللين في التعامل و عدم الرفض المبدئي بل طول نفس في الدراسة كونا
"الله" و قرءانا "الرسول" إذ القرءان إسقاط للكون و هما وجهان
لعملة واحدة و يدعونا القرءان لإستقبال الكلام و العلم النابع منهما و عدم البحث
عن غيرهما "تولوا" و ليس الأمر ضغطا نفسيا بل محاولة للإقناع " و
لا تكونوا كالّذين قالوا سمعنا و هم لا يسمعون" فشر من يسير و ينتشر على
البسيطة و يدب فيها هو العاجز عن إستقبال الكلام مقفلا لأجهزة إستقباله إقفالا
تاما "الصم" و العاجز عن إبلاغ الكلام الذي يحمله "البكم" ،
مثل هؤلاء واضح عجزهم عن عقل القضايا و ربط أجزائها وصولا لوحدة الصورة. هذا نابع
عن إختيارهم المبدئي لإقفال أجهزة الإستقبال و إقفال أجهزة الإصدار المركبة في
الإنسان بحكم نفخ الروح فيه و هذا ما يعبر عنه لفظ "خير" فليس هذا اللفظ
مرادفا للأفضل و الأحسن بل مرادفا لما نسميه نحن بلغتنا الأعجمية
"إختيارا" ، و لمّا كان إختيار هذا المقفل إصدارا و إستقبالا هو إختياره
الذاتي فإنّ السنن عاجزة أن تفتحهما إقتحاما و عنوة فلا بدّ لفتح الإستقبال و
الإصدار عدم الإعراض و لا يمكن لموجة راديو أن تنتج موسيقى و الجهاز مغلق. و بعد
هذه التوطئة المبسطة نواصل الأن عرض باقي مشتقات الجذر العربي (ص م ) في القرءان :
تصوموا
/ يصم
صوما
صيام
/ صياما
الصآئمين
/ الصآئمات
نرى
تفريع الجذر (ص م) بين الصوم و الصيام دليلا على دقّة الهندسة اللفظية في القرءان
فالصوم يدل الأول على ضم و رص الجذر (ص) و (م) و كأنّ الصوم عملية وصل و هذا ما
ينبأ به حرف الواو في القرءان الدال على الرص و الضم و أمّا الصيام فرص حروفه دليل
على أنّه عملية جماعية لورود الياء في وسطه، فالياء في القرءان تدل على عمل
الأيادي لإخراج الجذر إلى عالم الوجود ، فالرحيم هي الأيادي المبثوثة في الكون
لإخراج الرحمة و العليم هي الأيادي المبثوثة لإخراج العلم و الصيام هي الأيادي
المخرجة للجذر (ص م) إلى الوجود و الأمر لا يتوقف عند هذا الحد إذ اللفظ لم يأت
بصيغة "صيم" بل بصيغة "صيام" و نرى في إضافة "ا"
على الياء إثارة لهذه الأيادي و تحريض لتفريق هذه الأيادي بأقصى قدر ممكن في
المحيط.
الصوم
مواصلة لغلق أجهزة الإستقبال و إمتناعها من إلتقاط الكلام المحيط بها و الصيام هي
الآليات و الوسائل و الأيادي التي تجعل أجهزة الإستقبال مقفلة و تعمل لذلك في
محيطها الواسع. ونجد في القرءان إسم الصائمين و الصائمات ليدل الأول على متعاونين
على فعل الإقفال و الثاني على من وّلد آليات جديدة للصوم و الصيام، فالتاء
المفتوحة دالة على فعل التولّد من الكمون إلى الفعل ، ما يشير أنّ الصيام عملية
متجددة الآليات و ليس فعلا روتينيا. و نرى في غياب لفظ "الصائمون" مع
وجود الثنائية الصائمين / الصائمات دليلا على أن الصوم و الصيام تأكيدا لإنتفاء
الطقوسية أو بتعبيرنا الروتينية عن فعل الصوم و الصيام ليس عملا روتينيا طقسيا ينضم
فيه الفرد إلى جماعة إنضماما أسسه الإرث و العادة بل هو عمل يخرج فيه الصائم يده
لمدّها للصائم الأخر و دواليك في عملية بناء الصيام و القيام به و هذه الأيادي
الممدودة تخرج عمل الصيام متجددا في كل مرحلة ، دلّ على هذا لفظ
"الصآئمات" المعبر على التوّلد الجديد لوظيفة الصوم و الصيام من زمن
لأخر.
إلى
الآن لم نحدد معاني الصيام و ماهية الإمتناع ، ذلك لأن هاته المعاني يضبطها السياق
و لا يمكننا أن نقرأ القرءان بالمعاني بل بالمفاهيم ، و بها وحدها نستطيع إيجاد
إحكام الآيات و تفصيلها ، و علينا أن نسأل في كل بلاغ قرءاني يرد فيه اللفظ صوم /
صيام عن ماهية الإمتناع و الإقفال المقصود و لا نركن إلى معنى وحيد نتكأ عليه
لنبدأ في التبرير العمدي عن كسرنا لإحكام الآيات. و سنحاول الآن الدخول بتواضع إلى
محيط القرءان لنستبين المفاهيم و سنبدأ سلسلة البلاغات القرءانية بآيات سورة مريم :
"
فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ
إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ
نَسْيًا مَّنسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ
رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ
عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا
تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26)"
إنّ
مريم لا تريد و لن تستطيع أن تشرح موقفها و لا أن تقيم الدليل على براءتها موقفها
مهما حاولت و لهذا تركت هذا الأمر لإسم الرحمان و اكتفت بأن لا تثير الأخر بكلامها
كي لا يطالبها هو كذلك بأسئلة ، فعبارة "فلن أكلّم اليوم إنسيا" تشير
إلى عدم رغبة مريم في التواصل مع الأخر شرحا و تفسيرا ، و لتحقق هذه الرغبة امتنعت
هي عن إثارة الأخر بأي نوع من الكلام ، و لذلك فهي إبتداءا أغلقت مصادر إستقبال
كلام الأخرين، فعبارة "إنّي نذرت للرحمان صوما" لا بد أن يليها من جهة
الممتنع عدم إثارة الأخر بأي نوع من أنواع الكلام، هذا الإقفال و الإمتناع المتصل
"صوم" هو رضا برسالة ثقيلة لا تستطيع مريم معرفة ملابساتها و لا شرحها
الدال عليه لفظ "إنسيا" المطلق.
إنّنا
نسير في جوّ ممهد في القرءان للبحث عن دلالة لفظ مفهوما أو معنى إن نحن استسلمنا
لقراءته من داخله دون أن تعيقنا أفكار خارجية تسلقت نصّه في مرحلة تاريخية مضفية
على نفسها بمرور القرون قدسية و أزلية و الحق أنّني أتفهم أن يرى الناس ترادفا بين
الصوم و الصيام ما دامت آلياتهم لم تنتبه أن أيّ تغاير في هندسة اللفظ يعني تباين
معناه و سندخل الآن اللفظ الذي تعلقت ءايات سورة البقرة في تكريس طقس الإمتناع عن
الطعام و لنقرأ بلاغات القرءان. و نبدأ ببلاغ كنّا قد فصلناه في مبحث "الحج
بين طغيان الطقوس و غياب المصالح" :
"وَأَتِمُّواْ
الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ؛ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ
الْهَدْيِ، وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمـْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ؛
فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن
صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ؛ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ
بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ؛ فَمَن لَّمْ يَجِدْ
فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم،ْ تِلْكَ
عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ، ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ
الْحَرَامـِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ
الْعِقَاب"
ِ
البقرة :196
ليست
العمرة طقوسا مخففة كما نقرأ في صحف الأسلاف فلفظ العمرة يعطي ظلاّ إضافيا على
مفهوم الحج إذ بين العمرة و الحج نقاط إلتقاء دلت عليها الواو بينهما و لنرى دليل
العمرة بداية بتلاوة أقرب مشتقاتها في القرءان :
يعمر
/ يعمّر / عمروها / يعمروا / نعمرّ
اعتمر
استعمر
المعمور
معمّر
عمر
عمارة
عمران
و
كلّها تدل على النماء في نفس الشيء. إنّ الدخول في الحج يحتاج إلى تحضير جدول
أعمال و هذا هو المقصود بالعمرة ، فالحج جدول أعمال ترسمه جميع الأطراف و كل منها
يقترح ليمهد لتقديم حججه، و ليس الحج أجندة مفروضة من طرف بل هي نفسها من صلب
الحوار وغاية الحج كشف الآليات النظامية للتوازن المالي العام فلفظ
"لله" يعبر عن غاية هذا الحج و القصد منه. فالله عنوان السنن و النظام
في القرءان. و يوضح القرءان أنّه و في حالة إجراءات طارئة و ظروف حرجة يسمح بنقاش
يسير بالسعي في تيسير النقاش و تسريع الحدث بتسريع جدول أعماله الذي سمّاه هذه
المرّة "هديا" ليدّل على أنّ مثل هذه الظروف تكفي أن تُناقش فيها الأمور
الضرورية جدا و تكفي الإشارة إلى غيرها إذ أقرب مشتقات الهدي في القرءان :
هُدى
هاد
/ هاديا
هدّية
و
كلّها تدل على الإرشاد و الإشارة لحسن النيّة و قد جعل الأسلاف الهدي مرادفا
لتذكية بهيمة أنعام و جعلوها واجبا ملزما لمن تخلّف عن بعض طقوس الحج التي رسموها
و لكنّ القرءان لم يذكر ما هي الطقوس الواجبة التي يؤدي نسيانها أو إسقاطها إلى
تذكية بهيمة، و كالعادة يلجئون إلى الروايات لملأ ما ظنّوه نقصا في نص القرءان.
ثمّ
تواصل ءايات القرءان في تفصيلها للحدث و منعها تحت أي طارئ مغادرة وفد من الوفود
للحج:
"و
لا تحلقوا رءوسكمـ حتّى يبلغ الهدي محلّه"
فلا
يجوز مغادرة كل عناصر وفد و ممثليه جملة بل الواجب أن يصل الحوار إلى مداه، فليس
الحلق في القرءان جزّ للشعر أو الوبر و إن كانت هذه المعاني تدخل في مفهوم الحلق
المتعلّق بإقالة الشيء فلم تقل الآية "محلقين أشعاركم" بل "رءوسكمـ
" و في مفهوم الرأس تمثيل أجزاء الشيء في أصله و في القرءان :
(رءوس
أموالكم) البقرة:279
فمواصلة
نقاش جدول أعمال الحج ضرورة قصوى مهما كانت الظروف ، فإن مرض مشارك "فمن كان
منكم مريضا" أو حدث إختلاف بين أطراف الجماعة الواحدة و ممثليهم "أو به
أذى من رأسه" فيمكن لهذا الفرد أن لا يشارك في تحضير جدول أعمال مجموعته
الخاصة دون أن يكون هذا الحلق المؤقت سببا في بلبلة الحج و في هذه الحالة ينصح
القرءان بإعتماد الطرق التالية في هاته الحالات :
ـ
صيامـ
ـ
صدقة
ـ
نسك
ليس
الأذى لفظ مرادفا للمرض البدني بل لفظ الأذى في القرءان مختص دائما بالجانب النفسي
السيكولوجي ، و لم يقل القرءان "أذى في رأسه" بل أذى "من
رأسه" أي لم يعجبه و لو يوافق على طرح أصحابه أو غيرها من الأسباب يمكنه
الحلق و المغادرة، و يستحسن به أن يقدّم عربون حسن نية "فدية" بصيامه أي
إنقطاعه عن التصريح و الحديث و التعليق و إذاعة أمر الخلاف في حالة طلب جهّات
خارجية منه ذلك فواجبه الصمت وواجب هذه كل واحد أن يمتنع عن طلب إستسفسار هذا
الغياب و لذلك جاء لفظ "الصيام" هنا و ليس لفظ "الصوم" ليبين
أنّه عمل جماعي يقوم به هذا الفرد المختلف مع هيئته بإقفال مصادر إستقباله بإعانة
من حوله كي يغلق كل واحد منهم أجهزته عن هذا الحدث ليستمر الحج في أحسن أحواله دون
أن يكون للتجنّي و الصيد في الماء العكر حجّة. ففي مفهوم الصيام الإمتناع الجماعي
عن إستقبال مطلب ممن يريد معرفة أسباب المغادرة و في الميم الناقصة في لفظ
"صيامـ " بيان لإطالة الصمت إلى نهاية الحج ، أو يحسن به أن يصدق جماعته
في معارضته ليتم حل الأمر، أو يحسن به أن يتذرع بأمر خاص به "نسك" ليترك
أفراد جماعته تحضر الحج
فإذا
تمّت كل هذه الشروط و أمن كل طرف في جماعته و أمنت الجماعات بعضها بعضا فليبدأ
أطراف الحج و أطيافه في رسم جدول أعمال الحج:
"
فمن تمتّع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي"
و
سمّى القرءان التحضير لجدول أعمال الحج "تمتعا" يتولد به متاع الحج
الدال على المئونة و العدّة للنقاش المستقبل بعد ضبط العمرة "جدول
الأعمال" و ينصح القرءان أن لا يستعصي الإنسان و يتصلب في مطالبه بل اليسر
ضروري "فما استيسر من الهدي" سواء في العمرة "تحضير جدول
الأعمال" أو الحج "مناقشة جدول الأعمال"، و إن كان التصلب ضروريا و
يرى بعض المشاركين أنّ اليسر لا ينفع في بعض النقاط و تصلب الموقف و خُشي عن الحج
من الفوضى و ضياعه ، فالقرءان ينصح بفترة نقاهة مدّة ثلاثة أيام تصمت فيها الجلسات
و تبدأ النقاشات السرّية و المفاوضات و سمّى القرءان هذا الصيام "حجّا"
أي يفضي كل واحد بحججه ليقنع الأخرين بصواب رأيه فعبارة "ثلاثة أيامـ في
الحج" هي توضيح أنّها ليست أياما للدعة و الإستجمام بل لحج الأخر و بيان صواب
رأيه قبل أن تعود الأعمال الرسمية إلى جلساتها العلنية :
"
و سبعة إذا رجعتم"
و
ليس القصد كما تصور الأسلاف أنّ الصيام هنا إمتناع عن الطعام عشرة أيام في حال
التغافل عن بعض الطقوس، بل هذا الفهم لا يستقيم مطلقا مع سياقات الآيات و لا علاقة
له بالحج من قريب أو بعيد، فالآية لم تقل :
"فصيام
ثلاثة أيامـ في الحج، و صيام سبعة أيامـ بعد الحج"
بل
قالت "صيام ثلاثة أيامـ في الحج و سبعة إذا رجعتم"
و
نسأل هنا : رجوع من أين ؟؟؟
إنّ
الإغراق في وثنية قراءة القرءان لا حد له في كتب الأسلاف، و ملاحظة بسيطة تكفي
ليرى القارئ أنّ الآية تسمح في حال حدوث أزمة في ضبط العمرة "جدول
الأعمال" أن تتوقف النقاشات ليسمح للوفد المعارض خاصة إن لم يكن من ساكني
الدولة التي يُقام فيها الحج "ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرامـ
"، فيُسمح له بعزلة و تخرج الأيادي من كل طرف لتقيم هذه العزلة و لا تحاول
الضغط "صيام" و يسمح لهؤلاء بالإتصال و محاولة الإقناع و لغيره بمحاولة
إقناعه و إيجاد أرضية للإلتقاء طوال ثلاثة أيام محاججة و عرض أدلة و تبادل لوجهات
النظر، و هي حدّ أقصى و بعدها يجب الرجوع لبدء الحج الذي حددت مدّته الدنيا بسبعة
أيام. و نرى أنّ عبارة "تلك عشرة كاملة" تشير إلى حد أدنى بين التحضير
لجدول أعمال و مناقشته لمن لم يكن من حاضري المسجد الحرامـ و قد يحاول البعض
التلاعب في محاولة لتعطيل الحج و حينها :
"واتقّوا
الله و اعلموا أنّ الله شديد العقاب"
إعلان
بإلحاق العقوبة الصارمة لمن ثبت تورطه في مثل هذا الفعل"
إنّ
غياب نظرية المفهوم عن الأسلاف هي من دفعتهم دفعا إلى إعتبار الألفاظ معاني وجودية
واحدة في كل ءاية وردت فيها و إن أعوزتهم الآيات و حصرتهم التجأوا إلى المجاز و
تقدير المحذوفات. و نرى في هذا تكذيب بإحكام ءايات القرءان و تكذيب بتفصيل ءاياته
بل خطورته النفسية أكبر إذ هي تدفع المرء أن يرى القرءان متهافت و مع ذلك يستمر في
التبرير له للحفاظ على النسيج الإجتماعي و الإبتعاد عن ترويعه. لنواصل الإقتباس من
موضوع الحج في لفظ الصيام ما دمنا قد فصلناه هناك :
"
" لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا
طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ
اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ (93) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ
بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ
مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ
(94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ
وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ
يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ
طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا
اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو
انْتِقَامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ
وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا
وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)" المائدة
هذه
تلتها الآية المتعلقة بالكعبة و الشهر الحرام و الهدي و القلائد و نرى أنّ حديثها
مرتبط بالطعام و شبطة المحيط النعيمية التي منع القرءان المساس بتوازنها كي تبقى
الثروة البهيمية متزنة و الشبكة قائمة لما في إختلالها من ضرر إيكولوجي بل و غذائي
على الإنسان. إنّ ءاية المائدة 93 تؤكد على إحداث الوقاء فيما نطعم ، فلا حرج
علينا أن نطعم ممّا تأكدنا من عدم ضرره تجربة مخبرية علمية "إذا ما
اتقوا" أو تجربة ناشئة بأمن طعام ما لإستهلاكه المسبق "و ءامنوا" و
ينبهنا إلى تقصي الصالحات في صناعتنا الغذائية و لا نسير سير جنون البقر دون إتقاء
و لا أمن و لا صالحات تسبق هذه الصناعة و كل هذا ليس نهائيا بل علينا مراجعة ما
نأكل من طعام بتقدم معرفتنا الذي تبينه أداة "ثمّ" بل ينبه القرءان
أنّنا سنصل إلى مرحلة إكتفاء غذائي كبير و يأمرنا بالإحسان و إختيار الأفضل الدالة
عليه "ثمّ" الثانية. و ينتقل القرءان لرسم آلية حفظ التوازن البهيمي في
كل مرحلة و الإمتناع عن الصيد بشقيه البرّي و البحري في حال كان هذا الصيد مؤذن
بفناء جنس بهيمي و هذا هو المقصود بعبارة "و أنتم حرم" ليدل أنّ سفك الدم
بإنهاء الجنس مرفوض و أنّ الناس مُطالبون أن لا يتجاوزوا و يحفظوا سرّهم كما حفظوا
علانيتهم. و هنا يفصل القرءان في كل الحالات :
ـ
حالة فرد أو تجمع يملك قوّة صاد و هو يعلم خطورة ما يفعل مخالف القوانين البيئية
في حفظ التوازن البيئي و هذا مُطالب بإحداث التناظر التام فيما أحدثه من إختلال في
التوازن "و من قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النّعمـ يحكم به ذوا عدل
منكم هديا بالغ الكعبة" و ليس المقصود بالهدي البالغ الكعبة ذبائح بهيمية تصل
المكعب الموجود في الجزيرة إذ هذا يجعل الصيد مختصا بمنطقة جغرافية و لا ندري هل
في صحراء "مكة" ما يصطاده الناس ، و حتّى من ظنّ أنّ النبي هو كاتب هاته
العبارات يحتاج لوقفة تأمل في تناسق النص. فالآية هنا تحدد أنّ هناك حد أدنى لبقاء
التوازن في جنس بهيمي معين و دونه فتسارع إنقراض هذا الجنس أكيد. و هذا تحديدا
مفهوم الكعبة الذي قدّمناه سابقا و نرى هنا كيف يرسم القرءان مفاهيمه بالبحث
الكوني في الشهور الحرم كي يعيدها في موضوع الكعبة بنفس اللفظ و بمعنى يؤكد مفهومه
الأول بتنويع معناه ، وهذه الفتوى في إيراد الألفاظ ستجعل كل باحث يقف دون أن يجد
العبارات التي تفي بحق من صاغ الكتاب.
ـ
حالة تجمع أو فرد صاد و الصيد ممنوع عليه في مدّة حرام معينة و حينها فالمطلوب
منها دفع المقابل طعاما أو غرامة تجعله يمتنع عن فعله لا حقا " أو عدل ذلك
صياما ليذوق وبال أمره" و ينبغي هنا أن نقف لحظات. فالإمتناع عن الطعام لا
يمكن فرضه على أحد إلاّ بسجنه و منع وصول مصادر القوت إليه لذلك نرى أنّ عبارة
"ليذوق وبال أمره" لا تستقيم مع الإمتناع عن الطعام ، و لا يمكن لهذا
الإمتناع أن يكون عدل الصيد من حيث القيمة، فهل إن صاد أرنبا نمنعه من تناول
الطعام المعادل لوزن الأرنب مثلا !! مع ما في هذا من عدم تحقق الكعبة البهيمية ، و
قصد الآيات أنّ من صاد في شهر حرم حين منع الصيد يُمنع من الصيد مقدار ما صاده و
هذا ما تفعله القوانين الدولية مع شركات الصيد العالمية بفرض عقوبات مالية أو منع
من الصيد في مدّة تعدل مدّة صيدهم في الأشهر الحرم ليذوقوا وبال أمرهم. هذا المنع
صيام أي غلق لكل أجهزة الإستقبال عند الصائد المخالف بتكاثف الأيادي على منعه .
ـ
و أمّا إن كان الصيد حدث عن جهل فالعفو خير و إن عاد فوجب معاقبته بما يوضع من سنن
حامية للتوازن عقابا رادعا
و
بعدها تنتقل الآيات لتفصل أنّ التحريم في الطعام :
ـ
فصيد البحر ليس حراما فالآية تهدي الناس لصلاح هذا الطعام
ـ و
طعام البحر كذلك متاع لنا كذلك
ـ
صيد البرّ كذلك ليس حراما إلاّ في المواقيت المعلومة المعينة سننيا من الجهات
العلمية .
و
الحديث عن تحريم صيد البر إلاّ في مدّة التحريم لا يُقصد به تحليل صيد البحر مطلقا
بل لو دققنا النظر في رسم الألفاظ للاحظنا لفظ "دمتمـ " بالميم المقصوصة
الدالة على الإستمرار لغاية بلوغ الكعبة و العدد المطلوب لتكاثر النسل البهيمي دون
إنقراضه أمّا صيد البحر فيمكن داخل مدّة التحريم صيده بآليات معينّة كتضخيم قطر
الشبكة مثلا على أنّ الإحتراز مطلوب و هذا ما أكدته الآية 95 بالتركيز على الصيد
مطلقا.
و
ينتقل القرءان ليؤكد أنّ الكعبة كما أنشأها الله في بنية الكون التحتية في عالم
الشهور علينا أن نحترم نحن الكعبة في عالم الغذاء و الصيد و غيره و أنّ كل هذا ليس
مقصودا به طقوس و لا طلاسم بل كل هذا مقصده التوازن و التناسق في الكون فلنتعلم من
الكعبة البيت الحرام الكواركية كيف نحافظ على كعبتنا الغذائية
و
نستمر في بلاغات القرءان لندخل عمليا في تناقض القراءة السلفية المعتبرة للفدية
جهدا فرديا ذاتيا لا مصلحة للمجتمع فيه، ففرضية إمتناع إنسان من الطعام ، مع ما
فيه من صعوبة عملية لا يفي بعدل المخالفات كما سنرى. و أي إمتناع عن الطعام لن
يكون له فاعلية خاصة و أنّ الممتنع سيستهلك ضعف ما لم يستهلكه في
"صيامه" عند إفطاره، لنقرأ :
"
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا ؛ وَمَن قَتَلَ
مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى
أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ؛ فَإِن كَانَ مِن قَوْمـٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ
وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ، وَإِن كَانَ مِن قَوْمـٍ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمـْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ
وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ ، وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92)
وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمـُ خَالِدًا فِيهَا
وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْـ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ
وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا
تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُـ كَثِيرَةٌ
كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ
اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94) لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ
بِأَمْوَالِهِمـْ وَأَنفُسِهِمْ ؛ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ؛ وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى
؛ وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95)
دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ؛ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
(96)" النساء
كيف
يقتل مؤمن مؤمنا أخر عمدا؟ إنّ هذا مستحيل إذ كلّ منهما أمنّ الأخر عن قناعة ذاتية
عميقة في ذاته و فكره و ممتلكاته. فالمؤمن لا يقتل مؤمنا إلاّ خطأ. فإن حدث قتل
مؤمن لمؤمن خطأ فعلى دولة المؤمن القاتل خطأ واجبات :
1
ـ تحرير من هو تحت مراقبة مالية خارج جنح القتل "تحرير رقبة مؤمنة" و
كنّا في مواضيع مختلفة فصلنا الحديث في لفظ "رقبة" و أنّه يعني المراقبة
و التتبع لمخالف يوضع تحت أعين الجهات الموّكلة و يحوّل القرءان حالة الإحتقان
بالقتل الخطأ إلى تخليص فرد أو أكثر أرّقته حوائجه المالية.
2
ـ دية مسلّمة لأهل القتيل يحددها المشرّع حسب ظروف المقتول و حسب حالة المجتمع
التاريخية و الإقتصادية إلاّ أن يصدّق أهل المقتول.
هنا
نرى أنّ هدي القرءان للناس في طريقة تشريعهم و هو يدعونا لوضع تشريع حافظ في قضية
قتل الخطأ سواء بالتأمين أو غيره إذ كلفة الدية و تحرير الرقبة تستدعي جهدا ماليا
قد لا يستطيعه الفرد القاتل . هذا إن كان المؤمن المقتول من نفس أرض المؤمن في
دولة مؤمنين فإن كان هذا المؤمن من قوم عدو أي ارتكبت دولته قتلا عمدا أو خطأ و لم
تف بواجباتها في التعويض فالعداوة هنا يضبطها السياق و ليست عداوة مبدئية ، إن كان
هذا المقتول المؤمن من قوم عدو فهنا يجب تحرير رقبة مؤمنة و ليس لها تجاه أهل هذا
المقتول واجبات إذ دولته هي من تتكفل به جزاءا وفاقا بعملها الأسبق و ينبغي أن
نلفت النظر أنّ عبارة "و إن كان من قومـ بينكم و بينهم ميثاق" هي ما
جعلتنا نؤكد أنّ الدية و تحرير الرقبة واجب جماعي و ليس فردي فالقوم هم من يقوم
الإنسان بهم و يقومون به و أمّا إن كان الفرد المقتول من قوم معاهدين بعهد و ميثاق
في قضية القتل و غيرها فلأهل هذا دية لأهل القتيل و تحرير رقبة مؤمنة فإن كان هناك
إكتفاء و غاب الرقبة فالقرءان يأمر بـ "صيام شهرين متتابعين توبة من الله ، و
كان الله عليما حكــــــيما". و هنا ينبهنا القرءان و يهدينا لإبرام
المعاهدات مع الدول التي يتنقل إليها مواطنينا .
يجب
علينا أن نتساءل الآن عن الأمر الذي تُطالب فيه دولة القال خطأ المشاركة فيه صياما
شهرين متتابعين حين إنتفاء الرقبة و مع إستثناء هذه الحالة كما يظهر إلاّ أنّها
تشير أنّ مفهوم الرقبة ذاته لا يقابل في بعض المجتمعات فدية القتل الخطأ. جاء
قولنا عن مشاركة الدولة بأياديها لسبب ورود لفظ "الصيام" في مقابلة
تحرير الرقبة. و لكن عن أي إمتناع تتحدث الآية؟
لفظ
"متتابعين" في عبارة "شهرين متتابعين" يشير بداية إلى مدّة
زمنية أو إلى حدثين متناظرين و نفهم من هذا أنّ الإمتناع المقصود هو حجز المال
المعادل لتحرير الرقبة في خزينة خاصة مدّة خاصة قدرها شهرين متتابعين في إنتظار
ظهور رقبة في هذه المدّة قبل تحرير هذا المال في مصاريف أخرى. و نتبين من هدي
القرءان في هذا البلاغ ضرورة حركية المصارف المالية في الدولة و دينامكيتها و
تحويل الأزمات الطارئة إلى فرص لتحرير الرقبات و فك الحصار المالي عن الناس. و
أجدّني مضطرا أن أعتبر عبارة "شهرين متتابعين" دالة على قتلين متتابعين
خطأ ، و هذه المدّة هي التي يُحجز فيها هذا المال و لا يصرف . فالقتل الخطأ سنّة
كونية ممكن تقننيها تشريعيا وفق الإحصاءات و تحسب مدّتها حسب كل مجتمع إنساني.
ويكفي
قراءة ءايات النساء أعلاه لنرى أنّها تتحدث عن أحداث العمل و غيرها و الإستثمار و
الحصانة الواجب إتخاذها من الدولة عند حوادث العمل. و نفس هذه المدّة "شهرين
متتابعين" نجدها في حال تدهور العلاقات الزوجية في ءايات سورة المجادلة،
لنقرأ :
1.
" قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي
إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
(1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِمـ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْـ
، إِنْ أُمَّهَاتُهُمـْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمـْ ؛ وَإِنَّهُمْ
لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ؛ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ
غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا
قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ؛ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ
بِهِ ؛ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ
شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّآ ، فَمَن لَّمْـ يَسْتَطِعْ
فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؛ ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ؛
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ، وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) إِنَّ الَّذِينَ
يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ
أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ (5) يَوْمَ
يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ
وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ
يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى
ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا
أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ
يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ (7) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ
لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ
الرَّسُولِ وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ
وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ
حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (😎 " المجادلة
سورة
المجادلة موضوعها قضايا المرافعة التي يحييها الناس كلّما سنحت شروط هذا الفتح مع
أنّهم بثّوا الحكم فيها، فمفهوم لفظ الجدال في القرءان متعلق بالمرافعة عن قضية
بعد صدور الحكم فيها أمّأ الشفاعة فهي مرافعة قبل صدور الحكم و الفرق دقيق.
الّتي
تجادل في زوجها و ليس عن زوجها ، لا تدافع عنه بل ترافع ضدّه في حكم صدر وهي تشتكي
إلى الله باحثة عن مخرج سنني للتخلص من هذا الحكم ، على أنّ بحثها له حل لو أدرك
الناس سماع الله الكوني إذ نظام الكون و سننه مبثوثة في علاقات الأشياء و الأحداث
الكونية نفسها و هذا الحكم بالذات نتيجة لرفضه من طرف أو أطراف حلّه موجود و ليس
بمحال و هذا كلّه ما تقوله عبارة "والله يسمع تحاوركما" إذ ليست هذه
العبارة حشو ألفاظ. و الحوار هو في مفهومه القرءاني هو الأخذ و الرد المتتابع
المتواصل الذي لا يفتر ما دام الحل لم يجد طريقه، هذا التحاور يُقام بين الّتي
تشتكي و القرءان و ليس تحاورا بينها و بين شخص النبي، فكاف "تجادلك" رسم
لإحاطة القرءان بالزمان و المكان.
ما
هو إذن موضوع الجدال و ما هو الحكم الصادر و ما هو الحل ؟؟؟؟
لنتفق
أنّ مفهوم النساء متعلق بالتأخر و لا علاقة له بجنس الأنثى و نحذر من متابعة
التفاسير ممن جعل فعل "يُظاهرون" مرادفا لعبارة "أنت عليّ كظهر
أمّي" ليبيح الذكر لنفسه النشوز في علاقته الجنسية بزوجه وهذا من أصول
التفاسير القديمة أنّها ترى القرءان كتاب كرّس بنودا طويلة للجنس. مثل هذا التفسير
لم ينتبه أنّ المظاهرة لا تعني الترك و الإهمال بل التعاضد مع أخر قصد البروز.
لنرى إيراد القرءان لهذا اللفظ كي نتأكد من هذا المفهوم :
"كيف
و إن يظهروا عليكـــــم لا يرقبوا فيكم إلاّ و لا ذمّة ؛ يرضونكم بأفواههم و تأبى
قلوبهمـ و أكثرهم فاسقون"
التوبة
: 8
"إنّما
ينهاكمـ الله عن الّذين لم يقاتلوكم فى الّدين و لمـ يخرجوكمـ من دياركم أن
تبرّوهمـ و تقسطوا إليهم ؛ إنّ الله يحب المقسطين " الممتحنة :9
"فلمّا
جآءهم الحق من عندنا قالوا لولآ أوتى موسى ؛ أو لم يكــــــــفروا بمآ أوتى موسى
من قبل ، قالوا سحران تظاهرا و قالوا إنّا بكل كافرون" القصص :48
"إن
تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما ، و إن تظاهرا عليه فإنّ الله هو مولاه و جبريل و
صالح المؤمنين ، و الملآئكة بعد ذلك ظهير" التحريم :4
"و
ما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكـــــــتاب إلاّ رحمة من ربك ، فلا تكوننّ ظهيرا
للكافرين" القصص:86
لا
ريب أنّ المفسرين سايروا الخط الجنسي في تفسيرهم لأخذهم للفظ ظهر على أنّه الجانب
الخلفي لوجه الإنسان و هذا الفهم الحسّي هو من حاولوا به ربط إحكام الآية لكن
الأمر لا يستقيم. بداية بإيراد لفظ "نساءهمـ " في الآية بدل
"أزواجهم " و في هذا وحده دليل على سقم هذا التفسير و سنرى كيف ستزداد
تناقضات مثل هذا الفهم الجنسي المبسط. و قبل هذا أشير إلى مشتقات الجذر العربي (ظ
ـهـ ر ) في القرءان لمن أراد أن يتأكد من المفهوم أعلاه :
ظهر
/ يظهروا / يظهرون / ظاهروا / تظاهرون / يظاهروا / يظاهرون
أظهر
/ تظهرون / يظهر
تظاهرا
/ تظاهرون
ظهر
ظهور
ظاهر
ظاهرة
ظاهرين
ظهير
الظهيرة
فأية
المجادلة 2 تتحدث عن من يتعاضد و يتحالف ضد توجه سياسة مجتمعه نحو النساء و تظاهر
هذه الجماعة هي ضد النساء تحديدا ليحاول فرض رؤيته و سياسته و ربّما ليهيمن ، هذا
التحالف ضد المتأخرين سببه سياسة المجتمع و لا بد أن نسطر جيدا لفظ
"منكم" كي نرى الصورة جيّدا ، فتظاهر الفئة ضد سياسة النساء المشرعة في
المجتمع فلفظ "منكم" يصور مجتمع الذين ءامنوا بهيئاته التشريعية و
التنفيذية و لفظ "منكم" يشير أنّ سياسة دولة الذين ءامنوا تنبع من
ساكنيه جميعا دون إستثناء و ليست دولة الين ءامنوا أوليغارشية تشريعية أو قوى
مسلّحة تفرض رأيها بقوة الحديد و النار. هذه المظاهرة ضد سياسة المجتمع النسائية
يرفضها القرءان إذ هي تحالف غير مسئول و يسير في إطار فوضوي إذ هؤلاء المتظاهرين
ليسوا مكلفين لوحدهم برسم سياسة توجه المجتمع نحو النساء و سبل كفالتهم و توظيفهم
و إعانتهم بهذا الطريق التظاهري المقصود به الهيمنة على المقدرات و هذا ما تدل
عليه عبارة " مّا هن أمهاتهم" ، فمن يتولى هؤلاء النساء هم من ولدنهم و
نرى في لفظ "ولدنهم" كسرا للقواعد المعروفة إذ المفروض أن يأت لفظ
"ولدنهن" بدل ولدنهمـ " و لكن القرءان يتحدث هنا عن المتسبب في
توليد النساء و هو المجتمع كلّه تقريبا "إن أمهّاتهمـ إلاّ الّتى ولدنهمـ
" ،
قضايا
النساء لا تُناقش بتظاهر أطراف يريدون حل المشكل بالتحالف لإرادة الهيمنة على حساب
المجتمع كلّه. فالجذر العربي (و ل د) لا يدل فقط على إخراج جنين من رحم بشري حصرا
بل هو مفهوم شامل متعلق بإخراج الشيء لمثيله ولفظ الأم هو من يجعلنا نرى أنّ
الولادة هنا تتحدث عن توليد المتأخرين و ليس عن توليد أجنة أنثوية فالأم في
القرءان ليست مرادفة للوالدة و في القرءان :
"منه
ءايات محكمات هنّ أم الكتاب" أل عمران:7
"يمحو
الله ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب" الرعد :39
"
أم القرى" الشورى :7
"و
أمّا من خفت موازينه "فأمّه هاوية (9) و ما أدراك ماهيه (10) نار حامية (11)" القارعة
مثل
هذا المسلك الذي يفضل التظاهر و التحالف بدل ترك مسألة القيام بالنساء للمجتمع
كلّه ، هذا المسلك منكر و زور ببعده عن الحقيقة و ممارسة التحريض ، و لكن ما علاقة
هذا الآية بالتي سبقتها ؟
لننتبه
أولا أنّ الآية انتقلت من المفرد " تجدلك / تشتكى " إلى الجمع
"يظاهرون / يقولون " و تنقلنا الآيات من حالة تظهر صيغتها مفردة إلى
حالة جمع خارجين من محاكمة فردية إلى ساحة الواقع الفسيح الموّلد لهذه المحاكمة بفعل
صيرورته . لنواصل القرءاة حتّى نستطيع كشف الرابط فالسورة وحدة موضوعية و ءاياتها
مفصلّة و القراءة الكاملة للسورة هي وحدها من تعطي دلالة كل جزء فيها و تبرر موقعه
.
الآية
3 تتحدث عن تظاهر أخر بين متظاهرين ليس ضد سياسة المجتمع تجاه النساء بل ضد وجود
النساء أنفسهم و نرى هنا غياب لفظ "منكم" إشارة إلى أن التظاهر موّجه ضد
النساء رأسا أي ضد وجودهم ، مثل هذا المسلك يحتاج إلى تأديب قانوني في حالة تكراره
و عقابه ناتج من نفس مطلب المتظاهرين أنفسهم فطلبهم محق النساء من المجتمع سيطبّق
لكن عليهم بتدفيعهم إلى تحرير الرقبة من أزمته المالية أو بحبس هؤلاء في تطوّعي
مدّته شهرين متتابعين دون أجر و هذا ما يفيده لفظ "صيام" في هذه الآية
أو بإطعام ستين مسكينا .
نرى
من هذا البلاغ القرءاني أنّ صيام شهرين يعادل إطعام ستين مسكينا و بفرض أنّ ستين
مسكينا هم ما يعبر عنهم العدد 60 نرى أنّ صيام شهرين هو عمل تطوعي مدته أسبوعين
قمريين أي نصف شهر بتعبيرنا ، و يجعلنا مثل هذا الإفتراض نرى أنّ الراتب الأدنى
لأي عامل في مجتمع الذين ءامنوا يقابل أربع مرّات تقريبا حاجته للطعام . مثل هاته
العقوبة تجعل هؤلاء المتظاهرين يعلمون أن لا مجال في مجتمع معين أن تغيب منه
النساء ، فصيرورة المجتمع نفسه تجعل وجود النساء سنّة كونية و الواجب التكفل بهم و
حمايتهم و محاولة تحويل أكبر عدد منهم إلى رجال قادرين على الكسب و الإستقلال
الإقتصادي ، فحدود الله لا يمكن تجاوزها و هي سنن كونية أهميتها واضحة في تحريك
الديناميكية الإجتماعية و الإقتصادية في المجتمع . هذه الإجراءات القانونية تُطبق
في حال لم يحدث تحكم طرف في أخر أمّا إذا تمّ اللجوء إلى مثل هذه الوسائل العنفية
فالواجب إتخاذ إجراءات أعلى شرحتها الآية 5 من سورة المجادلة :
"إنّ
الّذين يحآدون الله و رسوله كبتوا كما كبت الّذين من قبلهمـ ؛ و قد أنزلنا ءايات
بينات ؛ و للكافرين عذاب مهين "
و
قد رأت الإنسانية أهوالا كثيرة من محاولات تحييد النساء بالتظاهر ضدّهم أو بتحالف
النساء للهيمنة على المقدرات كما حدث مع البلشفيين وهذا هو القرءان يبين للناس هدي
التعامل مع هذه الجدلية كي تجد الحل بعيدا عن التظاهر و من يرد العناد و التطرف و
يرفض رؤية الحقيقة فسيرى النتيجة في واقعه " وللكافرين عذاب مهين". و
ينبغي أن نقف لحظات مع لفظ "المس" إذ جعله الأسلاف مرادفا للمعاشرة
الجنسية و هي عادة عندهم و لا أدري كيف للآيات أن تقول للذكر أن يمتنع عن الطعام
ستين يوما قبل أن يعاشر زوجه مع أنّها تنصحه أن يمتنع عن هجران زوجه جنسيا في
بداية الآية ، أليس هذا التناقض كاف بإعادة القراءة لكن الأسلاف لا يهمهم إحكام
الآيات و لا تفصيلها و ما يهمهم هو إسقاط عادات أقوام على القرءان و حصر دلالته في
تاريخ قبيلة.
عبارة
"من قبل أن يتمآسا" تعني التحكم و التوجيه النفسي و الفكري، فالمس في
القرءان مفهوم متعلق بالتحكم في الشيء تحكما كاملا و توجيهه نفسيا و فكريا:
"يمسسكم
قرح فقد مس القرح القوم قرح مثله " أل عمران :140
"مسّنا
و أهلنا الضر" يوسف :88
"مسّنى
الكبر" الحجر :54
"مسهم
طائف من الشيطان" الأعراف :201
"تمسنّا
النار" البقرة :80
"
و إن طلقتموهن من قبل أن تمسوهنّ " الأحزاب :49
و
لكنّنا إلى الآن لم نحل إرتباط الآية 1 بالآيات التي تليها و الإشكال ما زال
قائما. فإذا تابعنا قراءة الآية 7 و 8 من المجادلة وجدناها تتحدث عن النجوى بالإثم
و العدوان و معصيت الرسول برفض تقاسيمه للمجتمع من نساء و رجال و مساكين و فقراء و
غيرهم و إعترافه بهم و يدخلون للقرءان ليس لإمتصاص الحيواة منه بل لسبك التناقض
بينه و بين السنن الكونية و هذا مستحيل :
"و
إذا جآءوك حيّوك بما لمـ يحيك به الله و يقولون فى أنفسهم لولا يعذبنّا الله بما
نقول ؛ حسبهم جهنّم يصلونها، فبئس المصير"
من
هنا نفهم أنّ لفظ "زوجها" في الآية 1 من سورة المجادلة لا تتحدث عن
المعاشر الجنسي الشرعي بل عن فئتين من نفس المرتبة الإجتماعية ، يتحاوران عن
النساء و يختلفان في رسم السياسة و لا يفتر حوارهما مجادلة بطول الزمن و لن ينتهي
هذا الحوار مهما طالت الأزمان و نفهم لماذا تمّ الإنتقال من الإفراد في الآية 1
إلى الجمع في الآيات التي تلتها، إذ كل فئة تجمع بذاته. و لا أدري كيف يرى قارئ
القرءان الزوج مرادفا للعشير الجنسي حصرا وهذا في نظري راجع لطغيان النظرة الجنسية
على القرءان و غياب نظرية المفهوم في تحديد ألفاظه.
و
في نفس الوجهة نقرأ بلاغات سورة المائدة :
"
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ
لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُواْ
مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُمـ
بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ
وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَان ،َ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ
مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمـْ أَوْ
تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍـ ؛ ذَلِكَ
كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمـْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ
يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) " المائدة
إنّ
هذه الآيات تتحدث عن الوقاية في تناول الطعام ، فالطيب الذي بلغ نضجه ما لم يثبت
أنّه ضار حلال و ينبغي مراعاة الحدود في تناوله و عدم تجاوز الحلال إلى الحرام فكل
ما أضر بصحة الإنسان حرام تناوله و هذه فلسفة القرءان في كلامه عن الطعام و ما لم
يثبت ضرره حلال و ما يهم هو الوقايات المتنوعة التي يحدثها المجتمع في مراقبة
طعامه بلجان بحث و مراقبة مختصة وظيفتها تأمين الناس في غذائها ببحثها عن السنن
الوقائية :
"
و اتّقوا الله الّذي أنتمـ به مؤمنون"
و
لما كان علم الإنسان متراكم و ما كان يراه طعاما نافعا لا يُرى ضرره يمكن للبحث أن
يكشف ضرره ، لا بدّ أن يتوقف من تناوله و لا يستعمل قدراته السلطوية لأجل نفع
إقتصادي ليستمر تناول هذا الطعام شأن بعض الشركات التي تسوّق ما تعلم ضرره الصحي.
فلفظ "اليمين" في القرءان لا يقصد به جهة مقابلة لليسار جغرافيا كما يظن
الناس و لا يُقصد به القسم بل اليمين مفهوم متعلق بالقدرة على تقبل أمر أو تسييره
من دون تسلط ونجد في القرءان عبارات :
"ملكت
يمينك" / "ملكت أيمانكم"
"و
السماوات مطويات بيمينه"
"جهد
أيمانهم"
"يسعى
نورهم بين أيديهم و بأيمانهم"
"جانب
الطور الأيمن"
"
أصحاب اليمين " / "أصحاب الميمنة"
فأية
المائدة 89 توضح أنّ مسألة مواصلة تشجيع إستهلاك طعام لم يثبت ضرره القطعي من طرف
جهّة تنتفع إقتصاديا من تسويقه مثلا ليس مأخذا عليها فهو من باب اللغو الذي لا يثبت
شيء و إنّما المأخذ فيمن أقتنع بالضرر ثم واصل هذا التسويق أو هذا الإستهلاك شأن
ما حدث في إستهلاك لحم البقر الإنجليزي و البلجيكي الذي أفرز مرض "جنون
البقر" أو كالسجائر التي يعلم كل الخلق ضررها و هم مستمرون في إستهلاكها ،
فهذا ما يسميه القرءان "عقّدتم الأيمان" إصرارا على الفعل بتثبيته ، مثل
هذا إن حدث يتطلب تعويضا كبيرا يصل إلى عشرة أضعاف الفعل نفسه قيمة لسعر هذا
الطعام الضار ، هذا وحده ما يستطيع تغطية التجاوز "فكفارته إطعام عشرة مساكين
من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم " أي من أفضل الطعام و أرقاه و إمّا التكفل
بإخراج من هو في مأزق مالي تحت مراقبة من مأزقه "تحرير رقبة" ضمن خزينة
مختصة في تحرير الرقبة و كل هذا ليس عملا تطوعيا بل عملا مضبوطا تفرضه الدولة
بتشريعات و القرءان يهديها لتفعل و هي من يجب عليها بحث التفاصيل الخاضعة للمستوى
الإجتماعي و الإقتصادي . و من لم يجد مساكين و لا رقبة فعليه صيام ثلاثة أيام .
لفظ الصيام هنا بياءه يدل على المشاركة الجماعية في عمل دون راتب طوال هذه الأيام
الثلاث ، و كما سبق فإنّ العمل في القرءان يُنظر إليه كبعد أعلى من المادة
المستهلكة و هو في هذه الآية يفوق ثلاث مرّات الإستهلاك .
و
في نفس معنى الصيام من مشاركة في عمل تطوعي بالإمتناع عن تلقي أجره نقرأ البلاغ
القرءاني :
"إِنَّ
الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ
وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ
وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ
اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا " الأحزاب : 35
غنيّ
بنّا أن لا ننبه في كل مرة أنّ الثنائيات المسلمين / المسلمات ... الذاكرين /
الذاكرات ليست جنسية متعلقة بتذكير أو تأنيث بل هي ثنائيات فيمن ترابطت أياديهم في
إخراج الأمر من إسلام و إيمان و قنوت و صبر و خشوع و تصدق و صيام و حفظ للفروج و
هؤلاء هم القسم الأول المشار إليه بالنهاية " ـين" و قسم ممن واصلوا
توليد هذه المعاني بأساليب أخرى متناسبة مع المراحل الجديدة المعبر عنه بالنهاية
" ـات"، ونقف في هذه السلسلة قليلا :
إسلام
ـ إيمان ـ قنوت ـ صدق ـ صبر ـ خشوع ـ تصدق ـ صيام ـ حفظ للفروج
و
هي سلسلة بناء المجتمعات الحيّة تبدأ بالإسلام أي بوضع السلاح أمام أخيه الإنسان
ليبدأ معه السير ضمن ميثاق السلم الإجتماعي في البحث العلمي الذي يتطلب تأمين
الأخر في فكره و ذاته و ممتلكاته و هذا هو الإيمان ليأت بعدها مواصلة السير مهما
كانت العوائق و هذا هو القنوت أي الإصرار لتأتي مرحلة اشد و أعتى و هي قول الصدق
فيما أقرّه البحث مع ما ينجر من هذا القول من إشكالات في الواقع الإجتماعي و
النفسي و تبدأ الزوابع من كل وجهة لتأت مرحلة الصبر و الثبات ثم المواجهة إن تطلب
الأمر و هو ما يسميه القرءان الخشوع لتأتي بعدها النتائج و الثمرات و يبدأ التصدق
ثمّ الصيام أي الإمتناع عن تلقي أجر للعمل المبذول للصدقة المعطاة و رص الصفوف كي
لا يدخل الأذى من الفروج الناجمة من هذه المسيرة.
إنّ
المسيرة طويلة لمواجهة الأحزاب ، كل الأحزاب بمختلف مظاهرهم ، الإعلامية و الفكرية
والعسكرية قد يصل بأس هذه المواجهة إلى تعكير الجوّ في بيت من يحمل مسؤولية
المواجهة و في موضع سرّه حين يتعب أهله من تبعة ممارسة المسؤوليات الجسام و ها هي
الآيات تنبه المسؤول و أهله:
"
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ
الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا
جَمِيلًا (28) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ
فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) يَا
نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا
الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَن يَقْنُتْ
مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا
مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) " الأحزاب
آن
الأوان بعد هذه السياحة المطوّلة في لفظ الصيام أن ندخل ءايات سورة البقرة التي
جعلها الناس دليلا للإمتناع عن الطعام في زمن حدّدوه و لا يسعني إلاّ عرض ءايات
الصيام في سياقها لنستبين الوحدة الموضوعية فيها محاولين تفصيل ءاياتها و إن كنّا
سنحصر الغوص في موضوع الصيام ، لنقرأ :
"يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ،
الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى ؛ فَمَنْ
عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ
بِإِحْسَانٍ ، ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ، فَمَنِ اعْتَدَى
بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمـٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَواةٌ
يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ
وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ، حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَن
بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ
؛ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ
إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَـ عَلَيْهِ ؛ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمـٌ (182) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ
كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)
أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ؛ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامـٍ أُخَرَ ؛ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ
طَعَامُ مِسْكِينٍ ، فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ؛ وَأَن
تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ؛ إِن كُنتُمـْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ
الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى
وَالْفُرْقَانِ ؛ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ، وَمَن كَانَ
مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ
الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ
وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ
إِذَا دَعَانِ ، فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ
يَرْشُدُونَ (186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامـِ الرَّفَثُ إِلَى
نِسَآئِكُمْ ؛ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ، عَلِمَ اللّهُ
أَنَّكُمْ كُنتُمـْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ،
فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ ؛ وَكُلُواْ
وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُـ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ
الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ، ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ ؛ وَلاَ
تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ، تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ
فَلاَ تَقْرَبُوهَا ، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ (187) وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ
وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ
النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188) " البقرة
أول
الملاحظات وجود تعابير مكررة في هذه الآيات:
"يأيها
الّذين ءامنوا كُتبَ عليكم القصاص فى القتلى"
"
كُتبَ عليكم إذا حضر عليكم الموت إن ترك خيرا الوصية"
"
يأيها الّذين ءامنوا كُتب عليكم الصّيام كما كُتبَ على الّذين من قبلكم"
كتاب
الشيء هو تجمع الأجزاء الضرورية لنشوء هذا الشيء فهي أشبه بالشروط الحتمية التي
يخضع لها توّلد الحدث ، و لمّا كانت هذه الأجزاء الضرورية و الشروط متعددة ماهية و
وجودا في الزمن جاء فعل "كُتبَ" المبني للمجهول كما يقول الأسلاف خطأ
ليبين بضمته على الكاف هذا التعدد . فالقتل في دولة الذين ءامنوا قصاص يجب تتبع
حدثه و التحقيق فيه و بحث تفاصيله و هذا مفهوم القصاص ليأخذ المجتمع حصانته و
يتّقي الإجرام المستقبلي ، و دون قصاص تتعاقب الويلات على المجتمع و سيلجأ عاجلا
أم أجلا بفعل التجربة التاريخية إلى ممارسة التحقيق ، دون ذلك فوجوده أساسا موضع
خطر و توازنه منهار بله أن يصل إلى مجتمع يمكننا تسميته مجتمع الذين ءامنوا. و
لهذا أتت عبارة "كُتب عليكم القصاص" لتصوّر الحتمية التي يقتنع بها أي
مجتمع مؤمن. وكذلك الأمر مع ميت ترك إختيارا ، فتبليغ وصيته ضرورة لا يمكن
الإنفلات منها إلاّ بخلق الإشكالات بين أقرباءه في توزيع تركته.
وللحديث
بقية
تعليقات
إرسال تعليق