الدخول في ءايات البقرة 188 ـ 208 يحتاج إلى تفصيل مفاهيم بعض الألفاظ التي وردت فيها:
الأهلة
الشهر
الحرام / أشهر
تحلقوا
الهدي
صيام
رفث
فسوق
جدال
العمرة
عرفات
بيان
هذه الألفاظ هدفه تفصيل الآيات و ربطها في سياقها و إخراج الوحدة الموضوعية فيها و
التناسق بين مفاصلها و لا يمكن بحال أن يخط المرء عبارات دون رابط داخلي حتّى و إن
ظنّ من يقرأ أن العبارات فوضى عارمة ففي ذهن من كتب و ألّف و رتّل وحدة، هذا فيمن
ينطلق من فرضية بشرية القرءان فكيف بمن ينطلق من فرضية علّوه.
الأهلة
من الأهل و الأهل هو كل ما عدت إليه مرارا و تكرارا فهو موقع قدميك بعض طول التجوال،
و القمر له مواقع و إحداثيات لا تتغير في سيره هي أهلته و بها يتعرف الناس على
المواقيت و الشمس لها أهلتها و كل جرم له حركة دورية له أهلته المحددة و بها
يستطيع الناس تحديد المواعيد، و لفظ الأهلّة هي ما نطلق عليه في تعبيرنا الأعجمي
"شهورا". و أهمّ هاته المواعيد موعد الحج الذي تُعرض فيه الحجج و تُعلن
و الآية 188 تعطينا جانب الحجج و هو المتعلق بتقسيم الثروة بين الناس فهو الجانب
الذي يمثله حاليا صندوق النقدي الدولي و المجامع المالية العالمية فهم
"الحكّامـ " الذين يلجأ إليهم القوّي لذر الرماد في العيون لأكل مال
الضعفآء فهو "باطل" ببطلان حججه الواقعية في الميدان بصيحات المستضعفين
و "إثمـ" لتسربه و بثّه في المنظومة الظالمة و ظنّ القوي إستحالة
الإصلاح في منظومته فجاء للقيام بمهمة التنويم عند الحكّأمـ. و يعلن القرءان أنّ
هذا الموعد لا بدّ أن يكون ظاهرا عيانا و ليس لقاءا سريّا "وأتوا البيوت من
أبوابها" و أنّه موعد لفهم سنن الله التي بها نتّقي إختلال التوازن المالي
العالمي "و اتقّوا الله لعلكــــــــــم تفلحون" بل إنّ هذا الموعد
ضروري و حيوي و إن وجب القتال عنه من أجل أن يُقام :
"و
قاتلوا في سبيل الله الّذين يقاتلونكم و لا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين"
فالمؤتمر
الدولي الجامع للمتحآجين لعرض حججهم في إحداث التوازن المالي يجب أن يقام في أرض
"مسجد حرامـ " ممن تلتزم بحقوق الإنسان فلا تسفك الدمآء و لا تتجاوز و
لا تفسد في الأرض، و لا يجوز قتال فيها إلاّ في حال الإعتداء و قتالهم بالصول على
من اعتدى لمنعهم من المساس بحرية الناس في التجمع "و قاتلوهم حتّى لا تكون
فتنة و يكون الدين لله".
و
ينهى القرءان عن إستعمال الأسلحة الفتّاكة في حال رد العدوان إلاّ إذا استعملها
الأخر "الشهر الحرام بالشهر الحرام" و هنا لا بد من وقفة أمام لفظ شهر.
الألفاظ
في القرءان ليست إصطلاحية، فلو كان لفظ الشهر يدل على مدّة زمنية محددة لكان تحديد
مدّة كل شهر يخضع لمقياس فيزيائي أو كوني دقيق ، و لمّا كان عدد الأشهر التي يصطلح
عليها الناس تختلف مدّة و عددا من غير تحديد مقابل كوني يضبط دليله استحال أن يدّل
لفظ شهر في القرءان على مدّة زمنية، فما سبب هذا الخلط ؟
ورد
في القرءان لفظ شهر بمشتقاته :
شهر
شهرين
الشهور
أشهر
و
نرى أنّ إفتراق جمع "شهر" إلى جمعين "أشهر" و
"شهور" تفريقا يرسم لوحده بعضا من دليل هذا اللفظ. فالعين هي كل ما يسيل
و العيون هي جمع ما يسيل جمعا متضاما مرتبطا أمّا الأعين فهي تدل على أشياء مستقلة
تسيل، فلا نجد في القرءان لفظ "عيون" مرتبطا بالناس بل لفظ "أعين"
و قد كنّا أكدنا في بحوث أخرى أنّ الهمزة "ء" تدل على الإبتداء وهذا
تحديدا الفرق بين الشهور و الأشهر. فالأشهر منفصلة ، كلّما انتهى شهر بدأ أخر أمّا
الشهور فلا تعبر إنهاء شهر لبدء أخر بل هي تسير بجمعها كلها دون أن يغيب أحدها عن
السير.
لنعمق
النظر في البنية. فحرف الشين يحمل دلالة البث بنقاطه الثلاث فوقه " ـشـ
" فهو يدل على الإنتشار و موجاته المسننة " ـسـ " تدل على السير و
الإنتقال المكاني أو الزماني أو كليهما، فالشهور تنتشر مكانيا و زمانيا سيرا غير
منقطع أمّا الأشهر فلا يبدأ أحدها إلاّ بإنتهاء السابق و لكنّنا إلى الآن لم نضبط
دليل لفظ "شهر"، لنقرأ :
"إنّ
عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتـ ا ـب الله يوم خلق السّمـ ا ـوات و
الأرض منهآ أربعة حرم؛ ذالك الّدين القيّم؛ فلا تظلموا فيهن أنفسكم؛ و قاتلوا
المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة؛ و اعلموا أنّ الله مع المتقين"
التوبة
:36
من
هنا يبدأ تحديد الدلالة خاصة و أنّ لفظ "شهور" ورد مرّة واحدة في
القرءان. لنلاحظ جيّدا عبارة "يوم خلق السماوات و الأرض" و نتساءل :
هل
للشهر كمدّة زمنية دلالة عند بداية إتساع الكون بعد الإنفجار الكبير ؟
الشهر
لا يكمن تحديده مدّة في البداية لأنّ الأرض لم تتكون بعد و لا القمر و لا المجرات.
ما
هي هذه الشهور التي تسير و تنتشر دون إنقطاع بل تتراص و تتضام بينها بواوها ؟
كيف
يغامر من كتب هذه العبارة بنفسه ليجعل منها إثنا عشر شهرا مستقلا حينا و شهورا
مجتمعة متضامة مترابطة حينا أخر ؟
و
ليزيدنا صاحب القرءان تعقيدا يقول أنّ من هذه الشهور أربعة حُرُم، و لا يمكن فهم
هذه العبارة على أنّها أمر بتحريم سفك الدماء فيها بل الآية تقرر أنّ هذه الشهور
الأربعة حرم طبيعة و ماهية و لا يمكن قربها و الدخول فيها وولوجها.
هذه
التساؤلات ستترك تفاصيل إجابتها في بحث "فيزياء الشهور" الذي سأطرحه
مستقبلا في ساحة العلوم و أكتفي هنا بالقول أنّ الشهور الإثنا عشر هي المعروضة في
هذه الصورة :
هذه
الشهور الإثنا عشر التي تتكون منها كل الأشياء في كوننا هذا و هذه الشهور لا تقبل
التقسيم فهي اللبنات الأولى للوجود. ونقف هنا لنسجل أنّ بين هاته الشهور أربعة لا
يمكن فصلها لندرسها إستقلالا في مساجد الفيزياء، و هذا تحديدا خاصية الكواركات إذ
تؤكد الفيزياء الحديثة أنّ الكواركات لا يمكن فصلها عن بعضها مع أنّ القرءان يؤكد
أنّ أربعة منها فقط حرم و باقي الشهور يمكن فصلها عن بعضها و هذا هو الهدى القرءاني
يجعلنا نسير إلى مواصلة الدراسة كلّما رأينا أنّ نهاية نفق الدراسة سينتهي.
إلى
هنا نرى أنّ في دليل الشهر وحدة مستقلة وفيه دليل الإنتشار و البث و السير الزماني
و المكاني، فما هي الأشهر ؟
لنقرأ
:
"للّذين
يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر، فإن فآءو فإنّ الله غفور رحيمـ (226) و إن عزموا
الطلاق فإنّ الله سميع عليمـ 227"
البقرة
"و
الّذين يتوفون منكم و يذرون أزواجا يتربّصن بأنفسهن أربعة أشهر و عشرا، فإذا بلغن
أجلهن فلا جناح عليكمـ فيما فعلن فى أنفسهنّ بالمعروف ، والله بما تعملون
خبير"
البقرة:234
"برآءة
من الله ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحو في الأرض أربعة أشهر و
اعلموا أنّكمـ غير معجزي الله و أنّ الله مخزى الكافرين 2"
التوبة
و
نرى أن الأشهر عدّة زمنية :
ـ
أربعة أشهر
ـ
ثلاثة أشهر
و
نرى أمرا غريبا و هو إعادة عبارة "أربعة أشهر" في قضايا مختلفة :
1
ـ فيمن عزم الطلاق من زوجه الذي لم يقبل القرار "البقرة:226" ، عليه أن
يبقى حبيس قراره لا يتجاوزه إلى الإقدام على زواج أو غيره طيلة أربعة أشهر.
2
ـ مهلة للمشركين ممن اشترك في حمل السلاح على دولة الذين ءامنوا
و
الأغرب ورود عبارة "أربعة أشهر و عشر" فيمن توفى زوجه أن يبقى حبيس
الحدث لا يقبل على زواج حتّى تنقضي عدة التربص، وهنا أجدني مضطرا أن أقول أنّ على
الزوج أن يتربص 14 شهرا قرءانيا و ليس 4 شهرا و عشرة أيام كما يحلو لمن يملأ
فراغات القرءان من عنديات نفسه و هذا يجرنّا إلى القول أنّ عدّة الشهر القرءاني
يختلف عن عدّته المعروفة عندنا. فما هي عدّة الشهر القرءاني بالأيام و الليالي
القرءانية إذا نحن جعلنا مفهوم اليوم متعلق بمرحلة ظهور الشيء و الليلة متعلق
بخفاء الشيء، فيكون اليوم القرءاني بليله متعلق بظاهرة كونية هي ظهور قرص الشمس و
خفاءه ثمّ ظهوره ثانية لنرى هنا أنّ عدّة اليوم تختلف من يوم لأخر لكنّها مضبوطة
بحدث كوني و كذلك عدّة الليلة.
إنّ
عدّة الشهر الشهر القرءاني يضبطه حدث كوني هو فصال الجنين و تكون جميع أعضاءه و هو
محمول في رحم أمّه :
"ووصينا
الإنسان بوالديه إحسانا، حملته أمّه كُرها ووضعته كرها، وحمله و فصاله ثلاثون
شهرا÷ حتّى إذا بلغ أشدّه و بلغ أربعين سنّة قال رب أوزعنى أن أشكر نعمتك الّتى
أنعمت على ّ و على والدىّ و أن أعمل صالحا ترضاه و أصلح لى فى ذريتّى، إنّي تبت
إليك و إنّى من المسلمين"
الأحقاف
:15
لا
بدّ أن تترسخ في أذهاننا أنّ القرءان لا ينطلق أبدا ليقرر شيئا إصطلاحيا فكل شيء
فيه متعلق بالكون ، و فترة الفصال ليست هي فترة الحمل و الوضع و الإرضاع و ...و ،
فهذه فترة تختلف من مولود لأخر و لكن فترة الثلاثين شهرا هي فترة تنطبق على كل
إنسان مولود. هذه الفترة هي فترة فصال أي تكون أعضاء الجنين كاملة فالفصال هو
إرتباط كل الأجزاء ببعضها و إكتمال بناءها و ليس نموّها و هذه الفترة محددة للإنسان
و ليست من المتغيرات تختلف من فرد إلى أخر.
إنّ
كتب الطب تحدد هذه الفترة تقريبيا بثلاثين أسبوعا أي حوالي سبعة أشهر من الأشهر
المعروفة بيننا ، فهل نستطيع القول أنّ الشهر القرءاني هو مرادف الأسبوع الأرضي ؟
لن
نستطيع هذا إذ الأسبوع فترة إصطلاحية لا تضبطها ظاهرة كونية. إنّ القرءان قال
"ثلاثين شهرا ليرسم لنا وحدة تتكرر ثلاثين مرّة . و لو تمعنّا في أقرب ظاهرة
أمامنا تقترب من الثلاثين وحدة لرسم فصال الجنين لرأيناها في ظهور القمر بدرا ثمّ
إنتصاف ضوءه على جهة اليمين ثم إختفاءه كليّة ثم إنتصاف ضوءه على جهة الشمال ثمّ
ظهوره بدرا ثانية. لرأينا أنّ الثلاثين شهرا تقارب الثلاثين أسبوعا بحسابنا
المعروف و لسمحت لنا هذا التدليل بتحديد مفهوم الشهر.
الشهر
مفهوم متعلق بتناظر الشيء ذاته ، فالبدر متناظر إذ هناك مقابلة بين جهته المظلمة و
جهته المضيئة و إنتصاف القمر ضياءا و ظلمة يشكل تناظرا و أمّا غير هاته الأشكال
فلا يمثل شهرا .
و
كذلك الشهور الإثنا عشر، كل منها نستطيع بقليل من عمليات التناظر الرياضية جعله
شهرا أخر داخل نفس العائلة فكل كوارك يتحول بتناظر رياضي إلى كوارك أخر و كذلك كل
لبتون يتحول إلى لبتون أخر بتناظر رياضي و كل هذا ما تقوله النظرية العامة
Standard
theory
و
لكن البوزونات ليست شهورا بدليل أن تناظرها لانهائي و هذا يجعل قول القرءان بوجود
إثنا عشر شهرا أمرا محسوما، ففي نص القرءان تحديد لعدّة الملائكة بتسعة عشر إثنا
عشر منها فقط شهورا. هذا هو معنى الهدى القرآني و حاجتنا إلى القرآن ، إذ في الكون
موجودات غيبية لن تصل إليها أبصارنا و أقصد بالأبصار معناها القرآني أي حواسنا و
آلاتنا ووسائلنا فمهما تطورت ستبقى غيبا و يأتي القرآن ليطمئننا بوجودها ، ذلك أنّ
الإطمئنان لوجودها ضروري في استمرار بحثنا و تطوره إذ وجود شهور حرم قد يشككنا في
عملنا البحثي كلّه ما دمنا لا نقدر الكشف عنها إستقلالا.
الأشهر
هي تناظر سائر في حركة جرم الأرض تحددها الأهلة بأشكالها المتناظرة و همزتها تصور
بداية شهر و إنتهاء أخر فهي ليست جمعا في نفس الوعاء بل جمعا لا يبتدئ الفرد فيه
إلاّ بإنتهاء أخر، كلّما هلكت وحدة أتت أخرى و ليس عبثا أن يتحدث القرءان عن
الأهلة ليجعلها مواقيت للحج ثم يجعل الحج أشهر معلومات.
هذا
التفصيل كلّه رغم طوله ضروري للدخول في ءايات البقرة 188 ـ 208 ، فعن ماذا تتحدث
البلاغات القرءانية ؟
إنّ
الحج في معناه القرءاني يحوي الحج الإقتصادي المالي و عرض حجج الفرقاء و المتحآجين
ليمتنع حشر تسلط فئات محددة على مقدرات العالم المالية :
وَلاَ
تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ188 وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى
الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ
وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ
يَسْأَلُونَكَ
عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ189 وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ
بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى
وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ
ليس
الحج ميعادا سرّيا بين متحالفين لأكل أموال الناس فهو باطل لبطلان غياب من تُأكل
أمواله بشهادة المنظمات العالمية التي تُوقع للغالب و يرضى موظفوها بالرشاوي و
يخشون الضغط و يسكتون ليحتفظوا بالمكاسب، فكما أنّ الأهلة مواقيت لضبط الزمن كذلك
الحج موعد لضبط التوازنات المالية و منع التجاوزات فالآية لم تقل :
"يسألونك
عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و للحج" بل قالت "مواقيت للناس و
الحجِ" لتسكن أن السؤال عن الأهلة و عن الحج فكلاهما مواقيت للناس و لا يجوز
التآمر الخلفي و إخفاء المعلومات التي يدل عليها لفظ "بيوت" مودع السر،
بل كل البيوت لا بدّ أن تفتح في الحج عسى أن تحصل الحماية للجميع "واتقوا
الله" بدل التوقيت للأزمات و الويلات. و ينتقل القرءان كي لا يغالط قارئه أنّ
فتح البيوت و إقامة الحج الإقتصادي قد يؤدي إلى حرب و قتال ممن يرفض هذا الحج و
هذا التجمع و يسعى لمنعه للإحتفاظ بمكاسبه و حينها فلا مانع من مواجهة المحتكر
للقرار الدولي و إعادته لجادة الصواب أيّا كان حلفاؤه فقضية التوازن الإقتصادي
أكبر من أن ترضى الإنسانية بخرقه من طرف أيّا كانت قوّته :
وَقَاتِلُواْ
فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ190 تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ
لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ
وَاقْتُلُوهُمْ
حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ191 أَخْرَجُوكُمْ
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ
كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ
فَإِنِ
انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ192
وَقَاتِلُوهُمْ
حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ193 فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ
عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ
فلا
إعتداء على أحد و لكنّه دفاع عمن يحاول منع التجمع و يحاول الإعتداء على المتحاجين
قتال لحصول على حق مشروع "و أخرجوهم من حيث أخرجوكم" و ما داموا لم
يتعرضوا للحج بل حاولوا الإستفزاز خارج أرض إقامة الحج فليسعى المتحاجون لحل سلمي
فالحرب دائما خسارة للجميع . و إنّما القتال كي يمتنع الطغيان و التجاوز و يكون
الشرط المفروض على الجميع شرطا نابعا من سنن كونية يقتنع بها الجميع و ليس نابعا
من إجبار أحادي أو أوليغارشي " و يكون الدين لله".
إنّ
الإنسانية اليوم بلغت في قرنها العشرين بعد ميلاد المسيح بن مريم أفاقا عالية في
تدمير بعضها بل في إمكان مسح الحياة على وجه الكوكب الأزرق بأسلحة الدمار الشامل
نووية و هي تنزل شيئا فشيئا في عمق البناء الجزيئي للمادة و هنا يضعنا القرءان
أمام مسؤولياتنا ليحذرنا من إستعمال مثل هاته الأسلحة إلاّ في رد العدوان بالمثل و
ينصحنا القرءان بإستعماله بقلّة أكبر بكثير من المعتدي و ما يريده القرءان هو ما
نسميه بتوازن الردع :
"الشهر
الحرام بالشهر الحرامـ "
بين
الميم الناقصة و الميم الكاملة فرق بين تواصل إستعمال الشهر الحرامـ و إستعماله
للتوضيح و الردع و بيان القدرة على الرّد "حرام". فليس صحيحا أنّ
القرءان يحرص على المعاملة بالمثل بل يقول "و الحرمات القصاص" ليؤكد أنّ
إستعمال مبدأ المعاملة بالمثل معناه مواصلة التقاتل إلى اللآنهاية و هذا هو معنى
لفظ "قصاص" الدال على التتابع المستمر إلى الفناء. فالإعتداء بالمثل هو
حديث عن إستعمال نفس السلاح "مثل" و ليس في مواصلة إستعماله بنفس شراسة
المعتدي لذلك أعادت الآية التنبيه :
"و
اتقوا الله و اعلموا أنّ الله مع المتّقين"
ليعود
القرءان و ينبّه المريدين لمنع الحج المريدين لإحتكار القرار الدولي المالي أنّ
التنازل أفضل من المزالق العدائية و أفضل من الكارثة الفوضوية و يوصيهم أن لا
ينفقوا في الفراغ بل ينفقوا و يساهموا في المشاريع التي بدورها تُنشأ المشاريع و
ذلك بإيراد رمز "البث " فوق لفظ "أحسنوا" فبث الإحسان هو بث
للمشاريع المولّدة للمشاريع و لا تكتفي بالإنفاق النقدي الذي يشبه إعطاء المتسول
بل عليها أن ترفع من الضعفاء بالإحسان المشروعي.
بعد
الحديث الموّجه للمنظمين للحج و المعارضين له يتوّجه القرءان بعدها إلى المشاركين
في أعمال الحج
ليرسم
آليات عمارة جدول الأعمال و إقامته و كيفية بحث نقاطه :
وَأَتِمُّواْ
الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ ؛ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ196 فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ
الْهَدْيِ، وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمـْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ؛
فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن
صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ؛ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ
بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ؛ فَمَن لَّمْ
يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم،ْ
تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ، ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي
الْمَسْجِدِ الْحَرَامـِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ
ليست
العمرة طقوسا مخففة كما نقرأ في صحف الأسلاف فلفظ العمرة يعطي ظلاّ إضافيا على
مفهوم الحج إذ بين العمرة و الحج نقاط إلتقاء دلت عليها الواو بينهما و لنرى دليل
العمرة بداية بتلاوة أقرب مشتقاتها في القرءان :
يعمر
/ يعمّر / عمروها / يعمروا / نعمرّ
اعتمر
استعمر
المعمور
معمّر
عمر
عمارة
عمران
و
كلّها تدل على النماء في نفس الشيء. إنّ الدخول في الحج يحتاج إلى تحضير جدول
أعمال و هذا هو المقصود بالعمرة ، فالحج جدول أعمال ترسمه جميع الأطراف و كل منها
يقترح بتقديم حججه، و ليس الحج أجندة مفروضة من طرف بل هي نفسها من صلب الحوار
وغاية الحج كشف الآليات النظامية للتوازن المالي العام فلفظ "لله" يعبر
عن غاية هذا الحج و القصد منه. فالله عنوان السنن و النظام في القرءان. و يوضح
القرءان أنّه و في حالة إجراءات طارئة و ظروف حرجة يسمح بنقاش يسر بل السعي في
تيسير النقاش و تسريع الحدث بتسريع جدول أعماله الذي سمّاه هذه المرّة
"هديا" ليدّل على أنّ مثل هذه الظروف تكفي أن تُناقش فيها الأمور
الضرورية جدا و تكفي الإشارة إلى غيرها إذ أقرب مشتقات الهدي في القرءان :
هُدى
هاد
/ هاديا
هدّية
و
كلّها تدل على الإرشاد و الإشارة لحسن النيّة و قد جعل الأسلاف الهدي مرادفا
لتذكية بهيمة أنعام و جعلوها واجبا ملزما لمن تخلّف عن بعض طقوس الحج التي رسموها
و لكنّ القرءان لم يذكر ما هي الطقوس الواجبة التي يؤدي نسيانها أو إسقاطها إلى
تذكية بهيمة، و كالعادة يلجئون إلى الروايات لملأ ما ظنّوه نقصا في نص القرءان.
ثمّ
تواصل ءايات القرءان في تفصيلها للحدث و منعها تحت أي طارئ مغادرة وفد من الوفود
للحج :
"و
لا تحلقوا رءوسكمـ حتّى يبلغ الهدي محلّه"
فلا
يجوز مغادرة كل عناصر وفد و ممثليه جملة بل الواجب أن يصل الحوار إلى مداه، فليس
الحلق في القرءان جزّ للشعر أو الوبر و إن كانت هذه المعاني تدخل في مفهوم الحلق
المتعلّق بإقالة الشيء فلم تقل الآية "محلقين أشعاركم" بل "رءوسكمـ
" و في مفهوم الرأس تمثيل أجزاء الشيء في أصله و في القرءان :
رءوس
أموالكم (البقرة:279)
فمواصلة
نقاش جدول أعمال الحج ضرورة قصوى مهما كانت الظروف ، فإن مرض مشارك "فمن كان
منكم مريضا" أو حدث إختلاف بين أطراف الجماعة الواحدة و ممثليهم "أو به
أذى من رأسه" فيمكن لهذا الفرد أن لا يشارك في تحضير جدول أعمال مجموعته
الخاصة دون أن يكون هذا الحلق المؤقت سببا في بلبلة الحج و في هذه الحالة ينصح
القرءان بإعتماد الطرق التالية في هاته الحالات :
ـ
صيامـ
ـ
صدقة
ـ
نسك
ليس
الأذى لفظ مرادفا للمرض البدني بل لفظ الأذى في القرءان مختص دائما بالجانب النفسي
السيكولوجي ، و لم يقل القرءان "أذى في رأسه" بل أذى "من
رأسه" أي لم يعجبه و لو يوافق على طرح أصحابه أو غيرها من الأسباب يمكنه
الحلق و المغادرة، و يستحسن به أن يقدّم عربون حسن نية "فدية" بصيامه أي
إنقطاعه عن التصريح و الحديث و التعليق و إذاعة أمر الخلاف ففي مفهوم الصيام الإمتناع
و في الميم الناقصة في لفظ "صيامـ " بيان لإطالة الصمت إلى نهاية الحج،
أو يحسن به أن يصدق جماعته في معارضته ليتم حل الأمر، أو يحسن به أن يتذرع بأمر
خاص به "نسك" ليترك أفراد جماعته تحضر الحج.
فإذا
تمّت كل هذه الشروط و أمن كل طرف في جماعته و أمنت الجماعات بعضها بعضا فليبدأ
أطراف الحج و أطيافه في رسم جدول أعمال الحج :
"
فمن تمتّع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي"
و
سمّى القرءان التحضير لجدول أعمال الحج "تمتعا" يتولد به متاع الحج
الدال على المئونة و العدّة للنقاش المستقبل بعد ضبط العمرة "جدول
الأعمال" و ينصح القرءان أن لا يستعصي الإنسان و يتصلب في مطالبه بل اليسر
ضروري "فما استيسر من الهدي" سواء في العمرة "تحضير جدول
الأعمال" أو الحج "مناقشة جدول الأعمال"، و إن كان التصلب ضروريا و
يرى بعض المشاركين أنّ اليسر لا ينفع في بعض النقاط و تصلب الموقف و خُشي عن الحج
من الفوضى و ضياعه ، فالقرءان ينصح بفترة نقاهة مدّة ثلاثة أيام تصمت فيها الجلسات
و تبدأ النقاشات السرّية و المفاوضات و سمّى القرءان هذا الصيام "حجّا"
أي يفضي كل واحد بحججه ليقنع الأخرين بصواب رأيه فعبارة "ثلاثة أيامـ في
الحج" هي توضيح أنّها ليست أياما للدعة و الإستجمام بل لحج الأخر و بيان صواب
رأيه قبل أن تعود الأعمال الرسمية إلى جلساتها العلنية :
"
و سبعة إذا رجعتم"
و
ليس القصد كما تصور الأسلاف أنّ الصيام هنا إمتناع عن الطعام عشرة أيام في حال
التغافل عن بعض الطقوس، بل هذا الفهم لا يستقيم مطلقا مع سياقات الآيات و لا علاقة
له بالحج من قريب أو بعيد، فالآية لم تقل :
"فصيام
ثلاثة أيامـ في الحج، و صيام سبعة أيامـ بعد الحج"
بل
قالت "صيام ثلاثة أيامـ في الحج و سبعة إذا رجعتم"
و
نسأل هنا : رجوع من أين ؟؟؟
إنّ
الإغراق في وثنية قراءة القرءان لا حد له في كتب الأسلاف، و ملاحظة بسيطة تكفي
ليرى القارئ أنّ الآية تسمح في حال حدوث أزمة في ضبط العمرة "جدول
الأعمال" أن تتوقف النقاشات ليسمح للوفد المعارض خاصة إن لم يكن من ساكني
الدولة التي يُقام فيها الحج "ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرامـ
"، فيُسمح له بالإتصال و محاولة الإقناع و لغيره بمحاولة إقناعه و إيجاد
أرضية للإلتقاء طوال ثلاثة أيام محاججة و عرض أدلة و تبادل لوجهات النظر، و هي حدّ
أقصى و بعدها يجب الرجوع لبدء الحج الذي حددت مدّته الدنيا بسبعة أيام. و نرى أنّ
عبارة "تلك عشرة كاملة" تشير إلى حد أدنى بين التحضير لجدول أعمال و
مناقشته لمن لم يكن من حاضري المسجد الحرامـ و قد يحاول البعض التلاعب في محاولة
لتعطيل الحج و حينها :
"واتقّوا
الله و اعلموا أنّ الله شديد العقاب"
إعلان
بإلحاق العقوبة الصارمة لمن ثبت تورطه في مثل هذا الفعل.
و
تنتقل الآيات إلى الحج ذاته بعد أن عينت آلية بناء جدول أعماله "عمرة" و
حددت مدّته الدنيا :
الْحَجُّ
أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ
فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ
اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا
أُوْلِي الأَلْبَابِ197
يخبر
القرءان بعدها أن توقيت الحج مواعيد معلومة يضبطها الناس :
"الحج
أشهر معلومات"
فليس
الحج ميعادا فوضويا يضبط في أخر لحظة بل هو إعلان معلوم لجميع الناس لتحضير أنفسهم
له و مدّته أشهر تتجاوز الشهرين الدال في القرءان على نصف دورة قمرية ، و يضع
القرءان حدود المشاركة الطوعية "لا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج" ،
ونشير هنا أنّ مفهوم لفرض في القرءان لا يعني الوجوب بل العطاء برضا و دون إلحاح
من الطالب ، فالحج فرض و ليس إجبارا و لا إكراها و تنبع إقامته و تحضيره لضمير
الإنسانية التي تسعى لحل مشاكلها بالحجج و الحوار و الإلتقاء و معرفة الأخر في
مطالبه و إكرهاته و إمكاناته و يحث القرءان الناس على التطوّع السرّي و العلني و
إختيار أحسن سبل تقوى الأزمات و المشاكل "و تزّودوا فإنّ خير الزاد التقوى ؛
و اتقون يا أولى الألباب"، و لا نفتأ في التنبيه أنّ لفظ خير لا يدل على
الأفضل بل هو ما نطلق عليه بتعبيرنا الأعجمي "الإختيار". و نعود للأطر
الأخلاقية التي وضعها القرءان لمواضيع الحج و حواراته :
ـ
الإمتناع عن الرفث : و في دليل الرفث إحياء نعرات الماضي و الإحن السالفة ممن رفت
و ذبل و جعله ينشأ من جديد "رفث"، فثاء البث تشير إلى تخليق جديد و ليس
هذا إلا إجتهادا في لفظ الرفث.
ـ
الإمتناع عن الفسوق : فليس الحج مكانا لنقض العهود السابقة بل هو فرصة لتوكيدها.
ـ
الإمتناع عن الجدال : فليس الحج مكانا للأخذ و الرد بين طرفين قد يتحول إلى تصفية
للحسابات بل هو فرصة للطرح الشامل لإيجاد آليات الخروج من الأزمة و ليس الجدال أمر
مذموما و لكنّه في الحج غير مجدي إذ الحج ليس محاكمة بل عرض للحجج.
ثم
يوضح القرءان أنّ الحج ليس موضوعا واحدا بل ورش عمل "عرفات" وهي أشبه
بلجان العمل كل في إختصاصه و في المجال الذي سمّاه لحضوره فالحج في أسبوعه الأول
يدخل مباشرة في تقسيم ورشه ليبدأ الحوار على أسس علمية فأقرب المشتقات لـ
"عرفات" في القرءان الألفاظ التالية :
ـ
فعل عرف و توابعه
ـ
عُرف
ـ
المعروف
ـ
معروفة
ـ
الأعراف
و
كلّها تدل على معرفة الشيء و بيانه. و كل جماعة تحضر الحج عليها أن تحيط علما بما
يدور على المستوى الدولي لتشارك بفعالية و معها لجانها المختصة فالإختصاصات
متنوّعة و لدتها التاء و قطّعت وقت حدوثها بفترات بالثور ألف "المخفف"
فوق الفاء و بعد إفاضة الجميع إلى المشعر الحرامـ مكان إدخال قرارات إستحضارا
للسنن الهادية للحلول من الأمور التي كانت قبل الحج ظلالا و جُعلت بالحج هدى و
أضاءت عرفات على تفاصيلها كل في مجاله و لا يحل تحريف ما أوصله المختصون إلى
المشعر الحرامـ تلاعبا به :
"واذكروه
كما هداكم و إن كنتم من قبله لمن الضآلين"
و
بعد هذا العمل المضني يحل الإنتهاء من الحج و الدخول مع الناس في السياحة و
الإستجمام و التعرف بالأخر و ربط الصلات التجارية و الصدقات :
"ليس
عليكـــــــــــــم أن تبتغوا فضلا من ربّكم"
و
يورد القرءان فعل "أفاض" و كأنّه الماء المطهر و البرد بعد الحمى
الحوارية و الحر الحججي، أي جمال تعبيري هذا. لترى الآيات موّضحة أهداف الحج
المالي و الإقتصادي القرءانية :
"فمن
الناس من يقول ربنّآ ءاتنا فى الدنيا و ما له فى الأخرة من خلاق"
"و
منهمـ من يقول ربنّآ ءاتنا فى الدنيا حسنة و فى الأخرة حسنة و قنا عذاب
النّار"
"
و من النّاس من يعجبك قوله فى الحيواة الدّنيا و يشهد الله على ما فى قلبه و هو
ألد الخصامـ "
"و
إذا توّلى سعى في الأرض ليهلك الأرض و النسل و الله لا يحب الفساد"
هكذا
هي حال الناس و لا يجب أن ننخدع أن كل حضور الحج أتوا لحل مشاكل الأخرين و الإنصات
لهمومهم و إرادة توازن إيجابي ينفع الجميع بل منهم المفسد المنافق لنواياه
العدوانية التسلطية و لا نملك إلاّ أداء الواجب و كل مسئول على نفسه بعدها.
و
غاية الحج إحداث السلم العام بين الإنسانية التي أمنّ بعضها بعضا و حضرت بنية فك
النزاع و طرح ما لديها و محاولتها تفريغ علاقاتها من شحن الإختلال و الفوضى :
"يأيها
الّذين ءامنوا ادخلوا فى السلمـ كآفة و لا تتّبعوا خطوات الشيطان إنّه لكم عدّو
مبين"
البقرة
:298
فهذه
الإنسانية هي التي يجب أن تجتهد لتجد الحلول و تيسر الأمور و معرفة سنن الكون،
فالسنن تجري على الجميع و لا ينتظر حلول السماء إلاّ من لم يفهم بعد مهمته :
"هل
ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمامـ و الملائكة و قُضى الأمرو إلى الله
تُرجع الأمور"
البقرة:210
و
نرى إلى هنا أنّ القرءان لم يحدد توقيت الحج بما سمّاه الناس شوالا و ذي القعدة و
ذي الحجة و لم يبين القرءان مكان الحج المتعلق بقضايا الإقتصاد و للناس أن يختاروا
الأرض الحرامـ التي تأوي حجّهم، أرض حقوق الإنسان و المنع و الإمتناع من الإفساد
في الأرض و لم يشرّع لهم مواضيعهم إذ الإنسان هو من يقرر مواضيعه بحسب مرحلته
التاريخية و هذا ما أكدته مرارا أنّ القرءان هدى و ليس تشريعات.
عدم
تحديد مكان الحج الإقتصادي هو منطق القرءان و منطق التاريخ الذي لا يجعل البيت
الحرامـ حكرا على تجمع إنساني من شأنه أن ينحدر إلى مجتمع كافر يطغى و لا حرج على
الإنسانية أن تبقى مؤدية الحج في بلد النبي الكريم إبراهيم الذي أقام أول بيت
للناس و هي تؤدي في حق أبيها إبراهيم واجب الإعتراف له بالفضل لو جعلت حجّها في
البيت الذي دعا فيه الناس أول مرّة و للأسف فالدولة التي تقيم هذا الحج الطقوسي و
ترعاه مفرغ من محتواه دولة لا تعيش في أرض حرام و تصد الناس عن الحج و تدّعي أن من
يخالف تخاريف عقائدها لا يصح له أن يدخل المسجد الحرام الذي أسسه إبراهيم. و للأسف
فالإنسانية تقيم الحج بعيدا عن الداعي إليه فاصلة بذلك تاريخها عن تاريخ سلف عظيم
حنيفي أمة وفّى واجبه فأوفاه الرّب حقّه و جعل ذكره خالدا مخلّدا في كتابه، هو من
أعطى أبناءه الأمل و أعطى الناس المشروع الدائم و رسم الطريق، فالإنسانسة تقيم
حجّها في نيويورك و هو حج ناقص لا يحضره المستضعفون و يتم فيها التآمر و الضغط
الإقتصادي لأسباب سياسية و للأسف فحج إبراهيم لم يقمه الناس بعد.
و
أخيرا يكفي أن نعرف أنّ في القرءان :
ـ
حجّا غذائيا طبيّا
ـ
حجّا فكريا
ـ
حجّا مالي إقتصادي
لينتهي
تصديقنا لما قاله الكهنوت و لنفتح القرءان للعالمين و للحديث بقية
إبرهيم
بن نبي
تعليقات
إرسال تعليق