ورد
لفظ يأجوج مقترنا مع مأجوج بواو العطف في القرءان مرتين.
و
لم يرد هذين اللفظين منفردين إشارة إلى تلاحمهما العضوي.
و
الأسلاف جعلوا من عبارة :
"يأجوج
و مأجوج"
ثُمَّ
أَتْبَعَ سَبَبًا92} حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن
دُونِهِمَا قَوْمًا
لَّا
يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا {93} قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ
يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
مُفْسِدُونَ
فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا
وَبَيْنَهُمْ
سَدًّا
{94} قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ
بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ
رَدْمًا {95} آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ
قَالَ
انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا
{96}
فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا {97}
قَالَ
هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ
وَعْدُ رَبِّي حَقًّا
{98
تعبيرا
عن جنس بشري خرج من مغاراته في حدث تاريخي محدد و أمعنوا في وصف هذا الجنس و
أصبغوا عليه صفات بيولوجية و خلقية.
و
سندخل ءايات القرءان بالبراءة من كم هذا الخيال المتعسف لنرى الأمور عن قرب.
أوّل
الملاحظات هي إعتبار القرءان لـ :
"يأجوج
و مأجوج" حدثا و مجموعة بشرية في آن واحد، فلنقرأ الآيتين التين وردت فيهما
جملة "يأجوج و مأجوج" :
الكهف
18/92 ـ 98
فالقوم
الذين لقيهم ذو القرنين متخلفون تقنيا و لا يكادون فهم ما يُلقى إليهم من حديث و
لا يعيشون عصرهم و هم يستعينون بغيرهم في كل شيء بمقابل يدفعونه خرجا لمعينهم نقدا
أو رزقا.
و
مع كثرة عددهم الذي دلت عليه الميم الناقصة في "بينكمـ" مقابل
"يأجوج و مأجوج" القليلون المعبر عنهم بالميم الكاملة في
"بينهم"
إلاّ
أنّهم عاجزون عن دفع الأذى عن أنفسهم و إيجاد طريقة للتخلص من فساد هؤلاء و طلب ذو
القرنين منهم أن يعينوه بقوّة دليل على ضعفهم المتأصل فيهم.
و
القرءان يصف "يأجوج و مأجوج" قولا أنّ من عادتهم الإغارة على ممتلكات
الغير من زرع و ماشية و ممتلكات و إفساد ما لا يقدرون على حمله
(مفسدون
في الأرض)
وهم
بذلك لا دولة و لا مكان إستقرار لهم ولا موقع جغرافي يحدد مكان إقامتهم و كان الحل
الأسلم إقامة سد على مدخل المدينة لحمايتها من إغارتهم وذلك لموقعها بين سدين
طبيعيين يحميانها من الجوانب.
فعلامة
"يأجوج و مأجوج" الأولى هي الإفساد في الأرض و هم لفرط تشابههم و انعدام
الشخصية الفردية فيهم عُبر عنهم بالمفرد "يأجوج" و "مأجوج" مع
أنّهم جماعات "مفسدون في الأرض".
فآيات
الكهف تجعلهم بشرا كغيرهم لا ميزة خلقية تميزهم و هم في تصرفاتهم أشبه بالهمج
الذين يتسلطون على أي تجمع إنساني إن رأوا فيه تخلفا و ضعفا و لنمض للموضع الثاني
في القرءان الذي جاء فيه ذكرهم :
الأنبياء
21/92 ـ 100
فتح
"يأجوج و مأجوج" يوحي أنّها حدث متولد بفعل التاء المفتوحة في
"فُتحت"،
و
ضمير هم في الآية 94 يدل على أنّ
"يأجوج
و مأجوج" بشر،
و
كأنّ المهم في "يأجوج و مأجوج"
هو
الحدث "فتحت"
و
ليس المجموعة البشرية "يأجوج و مأجوج"،
و
الآية تصور حدث مفاجئ و فتح باب لمجموعات متسارعة متكاثرة متزايدة نحو الإفساد و
التدمير
"من
كل حدب ينسلون"،
جماعات
تنتفي فيها الفردية و ينتفي فيها الضمير و يصبح سيرها آليا.
هذا
الفجأ يعبر عنه لفظ "فُتحت" دون تعيين من فتح لكثرة العوامل الذي دفعت
لهذا الحدث و كأنّ الحدث يبدأ بغتة و يتعاظم و يعسر التحكم فيه لكثرة الداخلين فيه
و تعاظم أعدادهم.
هذه
الآيات ترسم حدثا متسارعا تدخل فيه مجموعات بشرية و تتكاثر و يعسر التحكم فيها،
هذه المجموعات البشرية هدفها الوحيد الإفساد و التخريب و هي مكوّنة دائما من قطبين
لا ينفصلان "يأجوج" و "مأجوج".
و
لن نستطيع الذهاب أبعد من دون تحديد و تعميق فهمنا لعبارة "يأجوج و
مأجوج".
أقرب
المشتقات لـ "يأجوج"و "مأجوج" في القرءان هو لفظ
"أُجاج"، فقد ورد أجاج صفة للماء المالح :
"و
هو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات و هذا ملح أجاج و جعل بينهما برزخا و حجرا
محجورا"
الفرقان
25/53
"وما
يستوي البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه و هذا ملح أُُجاج، و من كل تأكلون لحما
طريا و تستخرجون حلية تلبسونها، و ترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله و لعلكم
تشكرون"
فاطر
35/12
فالضغط
الأسموزي (درجة الإختلاف في الضغط الكهربائي بين جسمين متأينين) يمنع مرور الماء
العذب إلى الماء المالح بفعل تأين الملح إلى أيونات صوديوم موجبة و أيونات كلور
موجبة و بلوغه مستوى معين من التأين يمنع مرور الماء العذب إلى الماء المالح
Na (+) و
Cl (-)
التأجج
إذن في الماء المالح هو تأين للملح الذي ذاب فيه و هو تحول من جسم بلوري منتظم
(الملح الصلب) إلى جسم متأين تتحرك أيوناته في كل الإتجاهات دون نظام و دون وجهة
في حركة عشوائية يطلق عليها في الفيزياء إسم :
Brownian
movement
فجذر
(ء ج ج) العربي يحمل فهوم الحركة العشوائية الفاقدة لأي إنتظام و تنافر أعضاءها هو
الباعث لحركتهم جميعا، و لمّا كانت الياء في القرءان الكريم تدل على اليد المخرجة
للأشياء و المفاهيم و كانت الميم دالة على بعث الحياة في شيء كان
"يأجوج" هو باعث التأجيج و المحرض عليه و مخرجه و المخطط له و كان
"مأجوج" هو المنفذ و الآلة التي تقوم بالتأجيج.
و
نستطيع تصوير هذا التفاعل بين يأجوج الفاعل و مأجوج المفعول به بالحكومة الهتلرية
التي دفعت شعبها لقتل الأبرياء بخطاب تأجيجي عاطفي و ما فعلته الولايات المتحدة مع
شعب فيتنام بخطابها لتصدير الديموقراطية بزعمها و ما يفعله دعاة الإرهاب لتأجيج
أطفال أبرياء بخطابهم الدموي للقتل و الفساد في الأرض.
و
لنعد إلى الآيات أعلاه التي ورد فيها عبارة الثنائي المبين "يأجوج و
مأجوج".
فآيات
الكهف تصور حدث تاريخي و لكنّها كعادة القرءان يخرج الحدث من إطاره التاريخي
الجغرافي إلى جعله قولا أي صيرورة حدث حق في كل زمان و آن وهو ينصح المجتمعات
الضعيفة التي بدأ "يأجوج و مأجوج" بالظهور فيها أن تحصن نفسها علميا و
أخلاقيا و هذا ما يصوره "ذو القرنين" أحسن وصف، و أن تباشر فصل نفسها عن
هذا الأجج لغاية مجيء وعد الرّب و هو واضح في الآيات أي لغاية إندثار
"يأجوج" الباعث و إنحسار "المأجوجين" عنه و لا يصبح لوجود
السد بعده أي معنى.
و
أمّا ءايات الأنبياء فهي تصور حال إنحدار الإنسانية إلى إتساع دائرة "يأجوج و
مأجوج" في كل الكون بمجرّاته و عموم الفساد فيه مع وجود تطور تقني هائل و
حينها فقد بلغ أجل إعلان نهاية المهمة و إسدال الستار بعد عموم الفساد.
لينفتح
عالم الآخرة الأفسح و يُختار من هو أهل لمواصلة المسيرة.
لا
مأجوج دون يأجوج، و النخبة المأججة هي الدافعة لحركة الأجج.
و
هذا الثنائي سبب إهلاك الأمم التي لم تحصن أفرادها علميا و أخلاقيا و سمحت بشيوع
فعل الأجج دون وعي منها بخطورة الموقف و لذلك فمن غير المعقول أن لا تعرف هذه
القرية (التجمع السكاني الكبير) و لا تستبين فعلها و مسؤوليتها هنا في الدنيا و
يوم الحساب :
"يويلنا
لقد كنّا في غفلة من هذا، بل كنّا ظالمين"
هذه
الأحداث المتسارعة لها أسبابها الموضوعية التي توضحها الآيات وهي غفلة الطبقة
المسئولة
(الذين
كفروا) عن تكوين فرد مسئول و فعل الظلم الذي تمارسه و رفضها الإبتعاد عنه إذ جاء
لفظ (ظالمين) إسما للدلالة على قوته و تأصله.
ف"مأجوج"
أفسد بفعل جهله و غباءه و"يأجوج" الذي دفعه حتى اعتقد مأجوج أنّه ربه
فلا يناقشه في قول ولا أمر سيردون النار (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ، و كل فيها
خالدون).
و
الذين كفروا فغفلوا عن واجباتهم بتغطية الحقائق و تعميتها و الغفلة المتصلة عن
أفراد قريتهم و ظلمهم المستمر سيردون كذلك جهنم (إنّكم و ما تعبدون من دون الله
حصب جهنم أنتمـ لها واردون).
إنّنا
أمام وصف دقيق لواقعنا ووصف لواقع أي أمة تغفل نخبتها الحاكمة و تغطي الحقائق و
تعميها و تظلم و ترفض عمل الصالحات و السعي الجاد لتحصين المجتمع علميا و أخلاقيا
فتنهار قريتها و تنكسر بفعل قوى الخراب التي أنتجتها "يأجوج و مأجوج"،
فأين الخرافة في هذه الآيات و أين الدجل الذي روج له المفسرون بما سموه علامات
الساعة الكبرى. .
ـــــــــــ
تابع
يأجوج و مأجوج
الزمن
في القرءان ليس إصطلاحيا بل متعلق دائما بحدث كوني يضبط سيره.
فيوم
و سنة و عام ليست ألفاظ متعلقة بما اصطلح عليه الناس.
أمّا
القرن فلا علاقة له بما يطلق عليه "مائة عام" بل متعلق بمفهوم إستقرار
أجزاء في وعاء واحد ، رغم تنافرها و لو رأينا مشتقات هذا اللفظ في اللسان العربي
القرءان لوجدنا :
تقرَّ
/ قرّى / أقررنا / أقررتم / نقرّ / استقرّ / القرار/ مستقر.
هذا
في الجذر العربي ( ق ر) و الذي أضيف إليه النون ليصبح قرن
الدال
على إحتواء عناصر في وعاء واحد رغم تنافر الأجزاء و لو لاحظنا الألفاظ :
قرين
/ قرناء / مقرنين
للاحظنا
هذا المعنى إضافة إلى لفظ "قارون" الدال على جمع في أوعية متعددة.
فالثور
المخفف "ا" الدال على إنتماء هذه الأوعية لنفس الشخص رغم تعددها و ظهور
إفتراقها في أبنية و وعاءات متعددة و الواو دالة على ضم هذه الأوعية لنفس الشخص.
فالقرن
مرتبط بمفهوم الجمع في وعاء واحد و ذو القرنين ينتمي لهذه المفهوم إذ هو من نفس
الجذر العربي.
و
قبل أن نرى هذا المفهوم في ذي القرنين لنواصل تأكيدنا لمفهوم "يأجوج و
مأجوج" و أنّهم مجموعات بشرية.
إنّ
الصخور الملتهبة البركانية السائلة لا يثبت معها شيء ، حديدا كان أو نحاسا أو
معدنا فدرجة حرارة الماغمي لا يثبت أمامها معدنا ولذلك فعبارة القرءان :
"فما
اسطاعوا أن يظهروه "وما استطاعوا له نقبا"
لا
تصور حركة الصخور السائلة نحو السد و الردم و عجزها عن إذابته إذ لو كان الأمر
كذلك لكانت عبارة "و ما استطاعوا له نقبا" مناقضة لهذا المعنى.
إنّ
التاء في القرءان تدل على عملية التوليد فـ "استطاعوا" تصور المحاولات
المتعددة لإختراق السد دون جدوى.
لنتأمل
قليلا أن الردم ليس هو السد، فاللفظين ليسا من نفس الجذر العربي و لذلك فذو
القرنين تجاوز مقترحهم بإقامة السد إلى إضافة الردم لمزيد من الحماية.
و
لا شك أنّ القرءان يتكلم عن الحدث قولا أي تصويرا حقيقيا لصيرورة الأحداث و سيرها.
فالسد
و الردم بناهما ذو القرنين بنص الآيات و بنص القرءان العربي فالردم و السد موجودان
مختلفان الماهية.
و
دليل لفظ "ردم" يمكن معرفته من ورود العبارة "بينكمـ و بينهم"
في الآية:
"أجعل
بينكمـ و بينهم ردما"
فالردم
يشبه ما نسميه الخندق الفاصل بينهما. ونرى أنّ السد هو بناء يمنع حركة من يقترب
منه و كأنّ الدال في لفظ "سد" تدل على منع حرف السين من الحركة. فمفهوم
السين في القرءان يدل على السير. و الدال نفسه يمنع سير من يلقي بنفسه في الردم
الذي يدل عليه الانزلاق في حرف الراء.
السد
و الردم حاجزان لتوقيف حركة "يأجوج و مأجوج" ولقد حاولا هؤلاء الإختراق
فلم يتمكنّا من نقب السد مع تمكنهم من إجتياز الردم و عبارة:
"فما
اسطاعوا أن يظهروه و ما استطاعوا له نقبا"
تصور
هذه المحاولات المتكررة.
القرءان
محكمة ءاياته و لذلك فمفهوم يأجوج و مأجوج موجود داخل نفس هذه الآيات و سنحاول
البحث عنه.
و
أنبّه قبل الغوص أن ليس شرطا أن يكون "يأجوج و مأجوج" نفس الموجود في
القرءان و يمكن أن يكون "يأجوج و مأجوج" في ءايات الأنبياء (92 ـ 100)
مختلفة عنها في ءايات الكهف، إذ الذي يرسم الموجود هو السياق أمّا الذي رسم
المفهوم فهو من إختصاص الجذر.
مفهوم
"يأجوج و مأجوج" متعلق بالجذر (ء ج ج) و هو يصور الحركة العشوائية الغير
منتظمة، و قد يكون الصخر الذائب مأجوج بسبب خروج يأجوج الصخر الماغمي من أعماق
الأرض سائلا و حينها كيف يمكن أن نعتبر "حتّى إذا خرجت يأجوج و مأجوج" و
الخارج الصخري هو يأجوج وحده !!!!!
يمكن
أن نعتبر أنّ كاتب القرءان فاشل كما سأل يوما أحد الإخوة هذا السؤال في منتدانا.
وهذا
الكاتب "الفاشل" لم يدقق فيما يكتب و هو يخطّ عبارة "يأجوج و
مأجوج" ليدل على سائل بركاني ملتهب خارج من أعماق الأرض و في طريقه يذيب
الصخر فيجعله مأجوجا و لم يفرق الكاتب بين النوعين و جعلا الإثنين يخرجان مع أنّ
يأجوج فقط هو الخارج.
لنفترض
إحكام القرءان و لنقل أنّه دقيق العبارات و أنّه لم يقصد الصخر الخارج و لا الصخر
المُذاب بل قصد مجموعات بشرية في سياق ءايات الكهف و حينها سنرى وضوح الصورة بل و
سنرى مكان كل من يأجوج و مأجوج.
إنّ
عبارتي :
"حتى
إذا بلغ مغرب الشمس"
"حتى
إذا بلغ مطلع الشمس"
تصور
وجود كلا الطرفين على جانبي القوم الذين لا يفقهون قولا و تأكيد ذي القرنين على
عدم الإعتداء على يأجوج بمجرد علمه بمخططاتهم و الإكتفاء فقط بالدفاع عن النفس من
مأجوج يوضح من هو يأجوج في الآيات و من هو مأجوج.
و
الذي ينهي النقاش في نظري أن الياء في يأجوج و الميم في مأجوج تصور حال المخطط
المترف تقريبا و حال مأجوج الفقير الضعيف "لمـ نجعل لهمـ من دونها
سترا".
و
أختم هذه الملاحظات بورود الواو في كل من "يأجوج" و "مأجوج"
الدالة على الضم و الرص و الجمع في مفرد و لو كان المقصود صخرا لما احتجنا للفظين
إذ الصخور الذائبة تصبح من نفس ماهية السيل الصخري الملتهب.
قرن
ذو القرنين في ربطه يأجوج بمأجوج و كشف العلاقة بينهما و قرنه الثاني هو بين قصصه
و قصص موسى و العبد الصالح و أترك القرون الأخرى للقارئ كي يكشفها بنفسه في كهف
السورة الحامي
ـــــــــــ
ملحق
يأجوج و مأجوج
الأستاذ
الحبيب شهاب قدّم إعتراضات على قراءتي لمفهوم يأجوج و مأجوج و اعتبر الآيات موّجهة
للحديث عن حدث كوني واعتبر أنّ الآيات تتحدث عن ردم و أنّ السد هو ما
"قاله" القوم و ليس ما أنشأه ذو القرنين و قال أنّ القوم الذين لا
يفقهون قولا لا يمكنهم إدراك مفهوم الإفساد و كان الأحرى بهم أن ينساقوا إلى
المأجوجين، وخلص في النهاية أنّ عبارة "يأجوج و مأجوج" صخور و معادن
سائلة تخرج من باطن الأرض تفسد الأرض في سريانها و سجل أن عبارة "حتّى إذا
فتحت يأجوج و مأجوج" دليل على هذا المعنى.
أرى
أنّ عبارة "يأجوج و مأجوج" توجهنا إلى الجذر العربي (ء ج ج) توجيها
واضحا و كنت في الموضوع بينت دليل هذا الجذر و أنّه متعلق بالحركة العشوائية
الفاقدة لأي إنتظام و تنافر أعضاءها هو الباعث على حركتهم جميعا. و لا يمكن تفسير
هذه الثنائية "يأجوج و مأجوج" في نظري بحدث كوني متعلق بالصخر، إذ الصخر
لا يمكنه أن يكون يأجوجا بل مأجوجا فقط.
و
مجيء هذه الثنائية مترابطة دوما بين من يأجج و من يتأجج دليل أنّهم مجموعات بشرية.
و الأبيات وضحت الأماكن المتواجد فيها "يأجوج و مأجوج " و لنقرأ مكان
تواجد يأجوج الدافع و المخطط :
"حتّى
إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما، قلنا ياذا القرنين
إمّا أن تعذب و إمّا أن تتخذ فيهم حسنا (86) قال أمّا من ظلمـ فسوف نعذّبه ثمـ
يُرّد إلى ربّه فيعذبه عذابا نكرا(87) و أمّا من ءامن و عمل صالحا فله جزاء الحسنى
و سنقول له من أمرنا يسرا (88)"
فهم
قوم يعيشون في منحدر بركاني على المغرب من القوم المستهدفين.
و
لنرى الآن مكان تواجد مأجوج :
"حتّى
إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قومـ لمـ نجعل لهمـ من دونها سترا"
الكهف
:90
و
نرى هندسة العبارات الخارق. فيأجوج يحرض و لذلك نبّه ذو القرنين بلسان القرءان
قولا أنّ العذاب يقع على الظالم منهم أمّا من يعمل الصالح منهم و يؤمن غيره فلا
سبيل إلاّ أن نعامله بالحسنى. و لكن المأجوجين في جهة مطلع الشمس مستضعفين هائمين
لا ستر يحميهم حتى من حر الشمس و لم يتحدث هنا ذو القرنين عن العذاب و لا عن
العقاب في حقّهم إذ المنفذ هنا مستضعف لا يقوى حتّى على ستر نفسه في مساكن.
فالقوم
المستهدفون يعيشون بين قوم يأجوج و قوم مأجوج، و هم بين سدين لا يستطيعون حراكا و
ما ينتجونه يهدمه هؤلاء. و السبب ظاهر وهو أنّ يأجوج يريد الإستيلاء على أرض هؤلاء
و يدفع بمأجوج و يمنيه بتقاسم الأرباح بل يدفع لهم ثمنا جرّاء فعل إفسادهم و هذا
ما قالته
الآيات
:
"قالوا
يا ذا القرنين إنّ يأجوج و مأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل
بيننا و بينهم سدّا"
الكهف
:94
فتقديم
الخرج لذي القرنين هو محاولة لإستمالته لصفّهم حتى لا يغريه يأجوج بالإنضمام لهم،
و لكنّهم نسوا أنّ ذا القرنين يتحرك وفق منطق المبدأ و الخير و لا يتحرك بمنطق
النفع المالي مقابل التخلي عن مبادئه :
"
قال ما مكّنى فيه ربّى خير فأعينوني بقوّة أجعل بينكمـ و بينهم ردما"
الكهف:95
و
ألاحظ هنا أنّ القرءان يسجل الأحداث قولا أي حقيقة و عندما يرد لفظ
"قالوا" فهو وصف للسان حال القوم و صيرورة الحدث بينهم و ليس القول
تعبيرا شفويا في القرءان.
و
من هنا ندخل في مفهوم ذو القرنين في هذه الآيات . فهو من علّم هؤلاء أنّ مأجوج
منفذ فقط و يأجوج هو الدافع و هذا سبب رحلاته فهو من اقترح الحل و كل هذا تقوله
الآيات و ترسمه في هندسة مرّكزة، فآيات السورة لا تُقرأ ترتيبا ويُفهم تفصيلها
إلاّ إذا قُرئت جميعا في قراءة ذهاب و إياب ليجد القارئ الخيوط.
فآيات
السور "فُصلّت" أي أن تفصيلها يخضع لعوامل كثيرة على القارئ كشفها.
فالقوم المستهدفون انتبهوا بعد عناء ذي القرنين في سفره لكشف خيوط سبب الإفساد أنّ
الحيطة مطلوبة من الجهتين و قد اقتنعوا ببناء سد ثالث من جهة المدخل الرئيسي إذ
السدين الطبيعيين شرقا و غربا يحميانهم.
فذو
القرنين الكاشف لإقتران يأجوج و مأجوج دعا القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا أن
يعينوه في بناء السد. وفقه القول ليس مرادفا لفقه الحديث، فالقول دائما في القرءان
صيرورة حدث، فهم لم يفهموا ما يدور حولهم من أحداث و لم ينتبهوا من هو المخطط
للضربات الموجعة التي يتلقونها وهذا حال من يركز على المنفذ (مأجوج) و ينسى أن
مأجوج لا يتحرك دون وجود يأجوج (المخطط) و لولا ذو القرنين ما فهموا، وهم يتضرعون
له بعد فهمهم لسير الأحداث أن يبني لهم هو بنفسه سدّا.
فماذا
بنى لهم ذو القرنين؟
ردم
بينهم و بين المدخل الأساسي للمدينة أي بنى لهم خندقا و يليه باب أشبه بباب
فولاذي، فإفراغ قطع الحديد (زبر الحديد) الذائب (القطر) تمّ بعد أن ساوى ذو
القرنين بين الصدفين أي بين جزئي الباب الكبير. وبعد البناء الحصين لم يتمكن
الثنائي المفسد لا من تجاوز الردم مع سهولة تجاوزه (ما اسطاعوا أن يظهروه) ، ولم
استطاعوا أن يظهروه لم يستطيعوا بطبيعة الحال نقب الباب (و ما استطاعوا له نقبا).
و
ينبه ذو القرنين أنّ هذا الحل مؤقتا و أنّ للباب مدّة حياة كأي بناء و هو رحمة
عليهم أن يحضروا أنفسهم لما بعدها :
"قال
هذا رحمة من ربّى، فإذا جاء وعد ربّي جعله دكاء، و كان وعد ربّى حقا"
الكهف:98
و
يستمر الحدث الإنساني بين يأجوج و مأجوج و من يتحمل إفسادهم في حلقات و دول، لكل
مرحلة غالبها و المتغلب عليه كالموج الذي يرفع جزءه ليخفض جزءه الأخر إلى أن يحين
النفخ في الصور حين يشيع الأجج في كل مكان كما يوضحه القرءان:
"و
تركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض، و نفخ في الصور فجمعناهم جمعا"
الكهف:99
يأجوج
و مأجوج يعبّران عن إقتران و لذلك جاء ذو القرنين ليربطهما و يوضح بياءه العلاقة و
الربط بينهما. فذو القرنين ليس إلاّ إسما لمن يكشف كيف اقترنت الياء بالميم في
الجذر (ء ج ج). و ربّما كان ذو القرنين كذلك هو من قرن بين قصص موسى و العبد
الصالح إذ جاءت الآيات المشيرة إليه مباشرة بعد نهاية قصص موسى مع العبد الصالح،
فربّما هو مواصلة و قرن و ربط لقراءة الأحداث قراءة عميقة و فهم تداعياتها دون
التأثر بما يظهر. و يبقى سؤال أخي الشهاب عن سبب تركيز الآيات على المنفذ و المخطط
مع وردهم في ءايات عديدة أخرى من القرءان و أرى أنّ الأمر متعلق بالوحدة الموضوعية
في السورة التي لم أدرسها في هذه السورة بعد.
تعليقات
إرسال تعليق