كل البلاغات القرءانية المعروضة
تؤكد ما قلته ، اي أن لا وجود لصنف الألوان في القرءان . لنوّضح هذه العبارة
بالأمثلة القرءانية حتى لا تختلط الأمور بفعل الجوع الرمضاني .
1 ـ " ألم تر أن الله أنزل من
السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف
الوانها وغرابيب سود "
فاطر:27
إن انطلقنا أن ليس في القرءان حشو
عبارات و أنّ الإحكام فيه معناه أنّ كل علامة فيه لها وظيفتها و مكانها في الصورة
العامة فإنّ عبارة "مختلف الوانها" هي حشو عبارات إن اعتبرنا البيض و
الحمر ألوان.
معنى هذا أنّ اللون في القرءان ليس
متعلقا بما نعرفه نحن من أزرق و أخضر و اصفر و بنّي و بنفسجي بل يحمل مفهوما أخر.
من هنا فالحديث عن الثمرات المختلف ألوانها ليس حديثا عن إختلاف لون الموز عن لون
التفاح إذ بل حديثا عن شيء أخر سنتطرق إليه فيما بعد.
لنشر الأن في القرءان تفصيل كل شيء
معناه أن ذكر لون و نسيان ألوان أخرى هو نقص في القرءان إذ ليس فيه البنفسجي و
البنّي و البرتقالي. إضافة إلى شيء مهم و هو أنّ اللون ألوان فالأحمر ليس واحد بل
"أحمرات" عدّة ، و مسألة اللون فيزيائيا لا معنى لها ، إذ الفيزياء
تعترف بوجود موجة كهرومغناطيسية تحدد النور و بصرنا نتيجة لضعفه و محدودية مجاله
البصري لا يفرق بين أحمر و أحمر قريب منه و يعتبر الأبيض لون رغم أنّ اللون الأأبض
هو تداخل كل موجات الألوان الأخرى.
لا يمكن للقرءان أن يذكر لونا
بإسمه إلاّ و هو يحكم على نصّه بالتاريخية و انّ البعد الكوني فيه غائب إذ ذكر لون
واحد يستتبع ذكر كل الألوان الأخرى و هذا محال لأنها لا نهائية و حتى تحديدها
بألوان الطيف السبعة لمناسبتها للبصر البشري أمر منقوص إذ البنفسجي غائب في
القرءان.
أمّا الغرابيب السود فالأمر يحتاج
تدقيق ، إذ حتّى لو اعتبرنا الغرابيب جمع غراب فإن القرءان يقول أنّ الغراب يدفن
موتاه و لا بد أن ننبه هنا أن جذر الغراب و الغرابيب هو ( غ ر ب) و لا علاقة للأمر
بلون الغراب بل بإختفاء الجرم الذي يضيئه من شمس و غيرها ، فكل ما خفتت إضائته
غرابا و الغرابيب السود هو كل ما يعكس الإشعاع المتدفق عليه.
عمّا تتحدث الأية :
" ألم تر أن الله أنزل من
السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف
الوانها وغرابيب سود "
فاطر:27
تتحدث الأية عن الثمرات المخرجة
سواءا من الجبال أو من غيرها و هاته الثمرات مختلفة ألوانها ، فكل منها متناسب مع
محيطه و شروطه المناخية و الترابية و هذا مفهوم اللون و اللينة في القرءان ، تناسب
الحي مع محيطه. فالثمرات مختلف ألوانها فكل ثمرة تنبت في محيط و مناخ و يمكنها أن
تنتبت في غيره لكن خصائصها ستضمحل في المناخ الذي لا يناسبها فالتمر لا ينتب في
فيلندا إلاّ بشق الأانفس و ذهاب كثير من خصائصه و يمكن للتقنية أن تنبته لكن
القرءان يشير إلى وجوب دراسة هذا التلاءم بين المناخ و النبات كي يكون إستهلاكنا
للثكرات نافع .
و الثمراث جدد بيض و حمر و غرابيب
سود. و سنعود للمفاهيم بعد حين و ربّما في الردود اللاحقة لمفاهيم بيض و حمر و سود
و يكفينا الأن فتح النافذة.
2 ـ "وَإِذَا بُشِّرَ
أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ
كَظِيمٌ "
الوجه المسود ليس black بل هو كل من فقد بوصلته فالوجه تحديد للتوّجه و السواد تحديد لما
لا يعي و لا يفهم ما لا يقال له فهو لا يعكس بسماعه حوارا بل كأنّ ما يصله يغور
دون رجعة كأن لم يسمعه.
3 ـ "كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ
مُّسْتَنفِرَةٌ "
دليل واضح أن ما نسميه لونا أحمر
ليس كذلك في القرءان ، إذ من تستنفر ليس شرطا أن تكون من "لون" واحد و
يمكن أن تكون تسمية الحمر للونها لكن هذا ليس من عربية القرءان بل من غصطلاح اللغويين
و ليس له في القرءان دليل واحد.
4 ـ "كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ
صُفْرٌ "
الأصفر في القرءان هو ما نطلق عليه
في لغتنا بالشاحب الرشيق و ذي الهيئة الوسيمة الرقيقة الفاتنة الرشيقة ، و نقرا في
سورة البقرة :
"بقرة صفراء فاقع لونها تسر
الناظرين"
يكفي أن تأتي الأية "بقرة
صفراء فاقع تسر الناظرين" لو كان المراد الحديث عن اللون ، إذ في إضافة
"لونها" حشو عبارات لو أريد هذا.
الأية تقصد رشاقة البقرة و أن
لونها فاقع أي أنها "بنت البلد" غير مستوردة و لا غريبة و لكل بلد
أبقاره و الأية تتحدث عن قضية قتل و قد يكون عن "قتل موسى" عليه السلام
و ليس الأن موضع الحديث التفصيلي عن هذا الأمر.
5 ـ "سبع بقرات سمان ياكلهن
سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات "
في عالم الحي السمان يقابلهن
العجاف و في عالم النبات الخضر يقابلهن اليابسات، فكل نبات أعطى محصوله الوافر
أخضر و كل ما جفّ و لم يدر شيئا جاف و الأمر ليس متعلقا بما نسميه "لونا
أخضر"
فالأخضر في القرءان دليل وفرة نعيم
و رخاء و لا علاقة له بلون و في الأنهار هناك طحالب "خضراء" سامة قاتلة
تأتي بتكاثر مركبات الأزوت ، دليل أن ما نسميه "لونا أخضر" لا يدل دائما
على نعيم.
تحياتي في إنتظار "الألوان
الأخرى"
بن نبي
"يوم ينفخ في الصور و
نحشرالمجرمين يومئذ زرقا"
تؤكد أنّ الأزرق ليس لونا ، إذ من
يحشر زرقا هو من يحشر مسرعا رغم شدّة الدفع ، و تصور مليون إنسان في شارع ضيق
يتدافعون مسرعين من جراء حادث مرّوع و إنفجار حلّ في الشارع ، هذا هو الزرق و في
لغة الناس "جنيّ أزرق" أي من لا تستطيع الإمساك به لسرعته رغم كثرة من
يريد الإمساك به ، هذا فقط للتنبيه أنّ في لغة الناس شيئا من المفاهيم و إن كانت
مجازا.
الأبيض في القرءان هو ما لا تهمة
فيه، فيد موسى البيضاء هي يد لا تهمة عليها بريئة من كل جريمة .
الكأس المعين بيضآء للشاربين ، فلا
سائل ملّوث فيها و لا سموم غذائية ، و هذا ما ستصله الإنسانية يوما عندما يقف كذب
الرأسماليين و ينتهون عن بيع السموم للبشر و الأنعام.
وكذلك الثمار فهي قاصرات الطرف أي
سهلة المنال ، إذ الطرف ليس عين "حور العين" كما سجل هذا من يتحرك جنسيا
في قراءته ، الطرف هو جهة إذ هناك طرفين في كل شيء نبصره بل أطراف و الطرف القاصر
أي مسافته قريبة منك ، هذه القاصرات الطرف كأنهن بيض مكنون . الكنون المخفي
المستور لعلّو قيمته و من البيض المكنون مثلا ما نسميه اللؤلؤ أو بعض الكنون من
الألماسات في دكاكين المجوهرات.
هذه الثمار عالية القيمة الذاتية و
ليس التجارية و هي بعيدة عن كل تهمة في ما تحمله من غذاء من دون عوارض تؤذي من
يتناولها.
هذه الكأس و هذه الثمار ليست من
لون واحد بل هي بيضآء و ان اختلفت ألوانها.
ليس هناك سبعة ألوان بل هناك عدد
لا نهائي من الألوان و كل لون يمتاز بطول موجته ، و نحن البشر نبصر جزءا فقط ممن
طيف الألوان ، حدوده بين الأحمر و البنفسجي ، و لا نبصر بأعيننا ما تحت الأشعة
الحمراء و ما فوق الاشعة البنفسجية و انظر للصورة في نهاية الرّد.
ما نراه نحن البشر من ألوان هو
تفسير دماغنا للموجات الكهرومغناطيسية و يحدث أحيانا أن يكون دماغ أحد البشر مختلف
في تفسير الألوان فتظهر عوارضه بأن يرى الأحمر أخضرا و الأصفر بنفسجيا و هذا ما
يطلق عليه daltonien .
القرءان تحدث هاديا عن كل أطياف
الضوء ، فهل تكلم عن النور ، و النور وحيد الموجة ، فاللون الأخضر مثلا يحمل عددا
لا نهائيا من الألوان الخضراء كل بموجته و لذلك القرءان لم يتحدث عن لون أخضر و
حتى أهل الفن يفرقون بين أخضر و أخضر ، و اكتفى هدي القرءان بالحديث عن النور ،
فكل لون وحيد الموجة هو ضمن مفهوم النور.
ثم تحدث عن علاقة بصرنا و الدماغ
في تفسير الألوان فقال :
"فلا أقسم بما تبصرون (38) و
ما لا تبصرون (39)"
الحاقة
حتّآ أجهزتنا عاجزة عن الإحاطة
بالأطياف البصرية كلّها و نرى في عالم الحيوانات تنوّعا رهيبا في الإبصار ، فمن
حشرات لا تبصر إلاّ لونا واحدا بموجة واحة أي لا تبصر إلاّ نورا واحدا إلاّ نسورا
تبصر طيفا عريضا يتجاوز بكثير حدود الإبصار البشرية إلى بهائم تبصر تحت الأشعة
الحمراء.
ما قرأناه من بلاغات في الرودو
السابقة يثبت في نظري أنّ ما يعرفه الناس من اسود و أبيض و أحمر و أخضر و اصفر ليس
في القرءان ألوانا بل مفاهيم أخرى و هذا ما رأيناه و هدي القرءان في حديثه عن
النور يثبت أنّه كتاب محيّر في دقته.
أمّا في إختلاف مفاهيم رأى و أبصر
و نظر فالرؤية تحدث داخليا أي دون حاسة موّجهة لما نبحث عنه بل هي تحليل داخلي
يقوم به الفؤاد أي الدماغ.
أما البصر فهو توجيه أداة لمعرفة
ما هو خارج ذواتنا ، فالعين البشرية بصر و التلسكوب بصر و المجهر بصر و كل بصر
يعمل ضمن حدود إبصاره.
أمّا نظر فهي ما نسميه في لغتنا
الإنتظار أي توجيه الفعل لترقب ما نرغب في حدوثه.
تعليقات
إرسال تعليق