يكتسي هذا البحث أهمية خاصة من حيث
أنّه يسعى لبحث جذور النسك الحالية التي سمّاها الناس خطأ الصلواة كما يعرفها
الناس من قوم النبي الكريم محمد، فقد سبق في الأجزاء الثلاثة السابقة أن توصلنا
إلى دليل الصلواة في البلاغ المبين و هو حد التفاعل مع الأخر دون تعدي ولا تجاوز و
توصلنا إلى أنّ البلاغ المبين لا يحوي هيئة هذا النسك و لا مواقيتها. و يبقى السؤال
المطروح : ما سبب إغفال القرآن لهيئة هذا النسك و ما سبب هذا الإجماع بين أتباع
النبي الكريم محمد في هيئتها و مواقيتها؟
ليسمح لي القارئ قبل أن أعرض
التفاصيل أن أختصر عبارة النسك بلفظ الصلاة فقط (و ليس الصلواة) إذ هذا ما حدث
تاريخيا بالفعل فقد جعل الناس فعل الصلواة مرادفا للنسك و لنبق على حذر من مفهوم
الصلواة الذي أكدناه طول هذا
البحث عشرات المرات.
أول الملاحظات هي إجماع المذاهب
على هيئة الصلاة قديما و حديثا في شكلها الأساسي و لم تختلف إلاّ في مسائل فرعية
طفيفة لا علاقة لها بهيئة الصلاة الأساسية و يكاد يصعب على من لم يُمارس هذا النسك
التمييز بين جزئيات هذا
الإختلاف و هذا الإجماع نلاحظه في
النقاط التالية:
ـ طريقة الدخول إلى الصلاة والخروج
منها
ـ عدد الصلوات في اليوم
ـ طريقة الإنحناء أو ما يطلق عليه
اسم الركوع و السجود
ـ عدد "الركعات" في كل
صلاة
ـ الإتجاه إلى "البيت
الحرام"
و اختلفت هذه المذاهب في أمور يصعب
حصرها و لكن نجملها في النقاط التالية:
ـ الجهر بالقراءة أو الإخفات
ـ ما يتلى في الصلاة و ما يقال في
أجزاءها
ـ إسبال اليدين في الصلاة أو
التكتيف
ـ جواز القنوت أو عدمه
ـ التشهد و رفع السبابة فيه
ـ إدارة الرأس أو عدمه حين السلام
لئن كانت هذه الإختلافات فرعية في
تحديد الهيئة العامة في الصلاة إلاّ أنّها مهمة في تحديد ماهية التواتر الذي يقال
أنّ الصلاة نُقلت به، إذ كيف يكون الأمر متواترا و لا يُضمن شكله و مضمونه
بجزئياته إلاّ إذا اعتبرنا أنّ صلاة النبي الكريم أو من نقلها من بعده اختلفت بقدر
وجود هذه الإختلافات، و الذي
يهمنا الآن هو الهيئة العامة و
ليست تفاصيل الصلاة الداخلية.
ثاني الملاحظات المهمة و هو عدم
تحديد بداية تاريخ الصلوات الخمس، وهنا نجد الإضطراب الشديد في كتب التراث الحديثي
و التاريخي. على أنّ هذه الكتب تتفق على اختلاف مواقيت صلاة النبي و عدد ركعاتها
حين إقامته في مكة و حين رحيله إلى المدينة و استقراره فيها. وهذه نقطة ذات أهمية
قصوى، فاختلاف عدد الصلوات في مكة و المدينة يدل على غياب التواتر فيها من زمن
النبي الكريم إبراهيم،
إذ إدعاء أنّ الصلاة التي أدّاها
النبي محمد هي نفسها التي أدّاها النبي إبراهيم يبطله هذا الإختلاف و نتيجة أخرى
في هذا الإختلاف بين صلاة مكة و المدينة هي أنّ الصلاة الحالية لها بداية في زمن
النبي و ليس قبله، و هناك محاولا ت في تحديد صلاة القرشيين و هيئتها و ادعاء
المؤرخين أنّ من قوم النبي جماعة تسمّى الحمس من المتشددين في نسكهم يؤدونه عرايا
في البيت الحرام و الحقيقة أنّ
هذا الفهم جاء من خطأ في فهم دليل
آيات البلاغ المبين ولنقرأ الآيات:
الأنفال
فالآية تحدد أن هدف قيام الكافرين
إلى الصلواة غايته مك الناس الذي يحمل معنى الشد إلى المركز و هي بتعبيرنا الحالي
المكوس وفرض الضرائب و أخذ مقابل مادي من القادمين لنسك الحج في البيت الحرام، و
في نفس الوقت يسعون لصد الناس عن البيت ممن ظهر فقره و عدم استطاعته الدفع أو خلاف
في الرؤية العقائدية كما هو حال النبي الكريم معهم و رفضهم فتح البيت له للحوار و
التبادل المعرفي الحر مع القادمين إليه و كفرهم لكل مبادرة من هذا النوع. فهم لا
يسعون بصلاتهم إلى
التفاعل الإيجابي مع الأخر بل مكسه
و تطويقه و إكراهه عل فهم و قناعة.
إنّ الآية لا تتحدث عن هيئة نسك
القرشيين بل عن غاية هذا النسك و السعي لكسب
مادي من خلال نفاق شعائري.
إنّ صلاة مكة في كتب التراث كانت
ركعتين ركعتين حسب بعضهم و لا وجود لها عند البعض الآخر إلاّ ما كان من
"التهجد" ليلا وهي أقوال تفتقر للدليل من كتاب الله، على أنّهم استشهدوا
بآيات سورة المزمل للتدليل على وجود الصلاة في مكة في المرحلة المتقدمة من البعثة،
مع أنّ آيات المزمل كما أوضحنا في الأجزاء السابقة لا علاقة لها بالنسك بل هي تأمر
النبي بنسخ القرآن و خطه ووضعه في أرتال ليلا بعد عناء النهار و تأمره بمدارسة
القرآن مع أصحابه ليلا و تأمرهم أن "يقيموا الصلواة و يؤتوا الزكواة" أي
التفاعل مع الآخرين بإلتزام الحدود بصفاء داخلي، و لا علاقة لهذا الأمر بالنسك كما
تمّ توضيحه في
بحث المفهوم.
إنّ تحديد نسك الصلواة في كتب
التراث ضروري لتأسيس ارتباط الإسلام بشعائر جعلوها أركانه، إذ اعتبارهم الصلاة ركن
من أركان الدين يجعل من الصعب تصور النبي دون أداءه لهذا النسك في مكة، ولكن الأمر
يتأزم عندهم لأنّ الفاتحة ليست هي أول السور نزولا حسب نفس هذه الكتب و يتأزم أكثر
بقولهم أنّ فرض الصلاة تمّ في ليلة المعراج و هو خطأ جسيم.
و تذكر كتب التراث أنّ عدد الصلوات
في مكة قبل فرضها بعد حادثة الإسراء
كانت ركعتين ركعتين في وقتين:
1 ـ عند شروق الشمس
2 ـ و عند غروب الشمس
مستشهدين بقول البلاغ المبين:
"وسبح بحمد ربّك بالعشي و
الإبكار" آل عمران :41
و منهم من يذهب أبعد من هذا
كالواقدي كما ينقل روايته البلاذري في أنساب
الأشراف:
"كانوا يصلون الضحى و العصر
ثم نزلت الصلوات الخمس قبل الهجرة وكانت الصلاة ركعتين ركعتين ثم نزل إتمامها
بالمدينة للمقيم و بقيت صلاة المسافر
ركعتين ركعتين ".
إنّ المشكلة الأساسية هي كما سنرى
في تحديد مواقيت الصلاة استنادا لحركة للشمس و القمر. وسيجد الأسلاف صعوبة كبيرة
في مناقشة هذه القضية بالذات. إذ تعيين مواقيت صلاة الصبح و المغرب و الظهر في
الأيام المشرقة سهلة نوعا ما مقارنة بصلاة العصر و العشاء، على أنّ صلاة العشاء
يستطاع تحديدها بظهور القمر في الليالي المقمرة، و لكن المشكلة تبقى قائمة في
الأيام
الغائمة.
كيف كان النبي الكريم و من بعده من
الصحابة و التابعين يعينون مواقيت الصلاة،
هذا ما تصمت عنه كتب التراث قاطبة
و لا تحلله إطلاقا.
و إذا كان هذا الأمر الخطير مُغفلا
فإنّ كتب التراث تطرقت لطريقة الدعوة لأداءها جماعيا و أطلقت عليه اسم الأذان. على
أنّ الأذان يدل على الإذن الظاهر المصرح به و كان الأفضل تسميته النداء. كما هو
نداء اجتماع الناس في يوم
الجمعة و سبق تحليله في بحث مفهوم
الصلواة.
كتب التراث تجعل ظهور النداء بين
السنة الأولى للهجرة و السنة الثانية للهجرة و ذكرت من المؤذنين : أبا محذورة سمرة
بن معير و سعد القرظ ابن عائذ مولى عمار بن ياسر و كان يؤذن في قباء. و تحكي كتب
التراث قصة عجيبة في تحديد صيغة النداء إلى الصلاة، ففي صحيح مسلم أنّ النبي
استشار أصحابه في أمر النداء فمنهم من اقترح ناقوس "النصارى" و منهم من
اقترح بوق "اليهود" و استقر الأمر على اقتراح عمر بنداء بشري و أمر
النبي بلالا بتلبية هذا الإقتراح فكان أول من نادى للصلاة. و روايات أخرى تذكر
رؤيا لعبد الله بن زيد الخزرجي رءا فيها النداء بألفاظه المعروفة الآن. و أترك
القارئ يتمعن في هذه الخرافة بدل
تحليلها.
و تذكر الروايات أنّ النبي كان
يجتمع في مكة مع أصحابه في بيت الأرقم بن أبي الأرقم وهو ما دفع بالمؤرخين إلى
اعتبار هذا البيت أشبه بالبيت الذي تقام فيه الصلاة، و تنقل هذه الكتب أنّ النبي
قبل قدومه المدينة أمر أسعد بن زرارة
ببناء مسجد و هذا نصه:
"أنّ أسعد بن زرارة هو من بنى
المسجد في المربد و لمّا حضر النبي بتعويض أصحابه و قد اتخذ ناس من المعدمين من
أصحاب رسول الله لا منازل لهم هذا المسجد مأوى لهم ينامون فيه و يأكلون فيه و عُرف
هؤلاء بأهل الصفة".
إنّ هذه الرواية غير موثوقة إطلاقا
ومنطلقها سياسي يحاول فيها أصحابه تصوير الأنصاري سعد و من خلاله كافة الأنصار
باللصوص الذي يسطو أحدهم على مال الأخرين و ملكهم، و إضافة إلى هذا فهذا المبنى ذا
طابع إجتماعي كما تصوره نفس الرواية إذ النبي حال مجيئه المدينة لا يستطيع أن
يُظهر نفسه مظهر المتحكم في أمورها من أول لحظة ببناء نسكي كهذا أمام الفئات
العقائدية الأخرى، ولا شك أن الذي دفع بالمؤرخين إعتبار هذا المكان منسكا هو إعادة
بناءه و ترميمه على يد الخليفة عثمان بن عفان ثم توسيع الملك العباسي المهدي له
سنة 160هـ و التوسيع الثاني الذي أمر به الملك العباسي المأمون سنة 202 هـ و هذا
بالذات ما يدفعني بالقول أنّ هذا المكان اعتبر مكان الصلاة بعد وفاة النبي الكريم
بمراحل. وأظن أنّ دافع الرواة لهذه الرواية هو في محاولة شرحهم
لآية التوبة:
التوبة
إنّ المسجد في هذه الآيات ليس مكان
النسك و لكن يمثل مكان إقامة السلطة التنفيذية،إذ في مفهوم السجود الخضوع لبرنامج
و تنفيذه، فمسجد ضرار هو مكان سلطة تنفيذية مناوئة لدولة المدينة التي تهدف إلى
الإضرار بالنبي و بمجتمع المدينة الناشئ و لتحضير قدوم العدو و التحالف معه و لا أدري
كيف يستقيم ُفهم الآيات باعتبار المسجد مكان النسك،.
فالسجود هو الخضوع لبرنامج و هؤلاء
أسسوا هيئة لتحضير برنامج تقويض مجتمع المدينة، و البلاغ المبين يوضح المكان الذي
أخطأت كتب التراث في تحديد ماهيته و هو مسجد المدينة الذي أسسه النبي وهو مكان
إقامة برامج التقوى و الإرتفاع
إلى أعلى.
و كتب التراث أساءت إلى النبي
إساءة كبرى في هذه القضية بالذات فقالت أنّ مكان إقامة مركز السلطة التنفيذية
"المسجد" كان على أرض يتيمين و كان فيه نخل و زرع و حرث و قبور من قبور
"الجاهلية" فأمر النبي بالنخل فقطع و بالحرث فأبيد و بالقبور فنبشت كما
ينقل الطبري. فهل ما نقله الطبري هو فعل النبي أم فعل
الخليفة العباسي المهدي؟ و هل
يُعقل انّ النبي الكريم ينبش القبور.
و يضيف الطبري أنّ النبي بناه مئة
ذراع في مئة ذراع أي بتقديرنا الحالي حوالي 30/40 متر مربع و جعل له أساس من ثلاثة
أذرع بالحجارة و جعل له ثلاثة أبواب
و جعل عمده من جذوع النخل و جعل
قبلته إلى بيت المقدس.
إنّ هذه الرواية تصور تقليد النبي
لأتباع قوم موسى في المدينة في تحديد قبلة نسكه إذ مَن غيرهم يُحسن تحديد هذه
الوجهة في المدينة، و لكن المشكلة الكبرى و الطامة العظيمة أنّ قوم النبي موسى ليس
لهم وجهة جغرافية في صلاتهم !!!!!! إذ صلاتهم المعهودة يُقتصر فيها على الوقوف و
ترانيم سموها أدعية كما سيأتي بيانه دون أن يكون لوجهتهم تحديد جغرافي و هذا
يجعلنا نرى كتب التراث هذه محض خرافات و يجعلنا نقرأها لنزيد فرارا منها، فتناقض
مثل هذا التناقض ليس من السهل تجاوزه. و هذه الكتب تجعل القبلة هي مصلّى إبراهيم
مع أنّها في البلاغ المبين تدل على أوسع من هذا كما سيأتي بيانه. وهذه العلاقة
المشبوهة بين ما تزعمته كتب التراث بين النبي الكريم و يهود قوم موسى تظهر في
كتاباتهم كلّها و هذا ما يظهر في القول أنّ النبي الكريم موسى هو من صحح عدد
الصلوات للنبي في ليلة الإسراء!!!
فكيف كانت صلاتهم يهود قوم موسى في
زمن النبي ؟
قبل أن أجيب عن هذا السؤال المهم
أود أن أوضح دلالة لفظ الصلاة في العبرية.
لفظ الصلاة في العبرية التوراتية
تمثله لفظة "تفيله" أو "تفلوت" و في عبرية الكهنوت يطلق عليها
اسم "صلوته" أو "صلوتا" و يرجع بعض الباحثين اسم
"صلوتا" إلى الآرامية القديمة محاولين ربط رسم الصلواة القرآني العجيب
برسمها الآرامي و لكنّهم نسوا باقي رسوم السباعية التي سبق الإشارة إليها في البحث
الأول عن مفهوم لفظ الصلواة. و هناك عمى بصري لكثير من المستشرقين في بحثهم دلالات
الألفاظ، إذ يحاولون جهدهم التدليل على سرقات كاتب القرآن لألفاظ من خارج المجتمع
القرشي، و تناسوا المساكين أنّ النبي الكريم سيصبح عبقريا لو استطاع إدخال ألفاظ
أخرى في لغة قومه بهذه الصيغة المتقنة، فهم يريدون إثبات غباء النبي و دجله و في
نفس الوقت إثبات عبقريته و نبوغه و شاعريته!!!
إنّ لغة القرآن لا تشبه لغة البشر
و نظمه لا يشبه نظمهم، فلغته كونية و ليست محلية و البحث عن لفظ من هنا و هناك لن
يزيدهم إلاّ بعدا عن فهم بنية البلاغ
المبين.
إذا استقى النبي الكريم رسم
الصلواة من الآرمية القديمة فممّا استقى بقية
ألفاظ السباعية:
الغدواة، الزكواة؛ الحيواة؛
المشكواة؛ منواة؛النجواة
ممّن و ممّا استقاها النبي؟
نطالب من يدرس البلاغ المبين أن
يدخله بقلب منفتح و بطهر و صفاء داخلي كأي نص و لا يدخله بأفكار تخدم مصالح سياسية
و إستراتيجية. فهل تحول الإستشراق أم غيرّ ثوبه في بداية هذا القرن الجديد؟
و لنعد للموضوع، إذ ما فائدة اتهام
الغير إذا كان قوم النبي أنفسهم اتخذوا
القرآن مهجورا.
يغيب لفظ الصلاة في التوراة غيابا
كلّيا و أقصد بالتوراة صحفها الخمسة
الأولى:
بريشيث
شموث
ييقرى
بمدبر
دفريم
و لا نجد للصلاة ذكرا إلاّ فيما
اُضيف على التوراة من نصوص بشرية أضافها
الكهنوت الآثم فيما نسخه من صحائف:
النبييم
و الكوتوبيم
و نجد معنى الصلاة بلفظ
"تحنونيم" الذي يدل على التضرع و الإبتهال المنسوب لمجموعة من الأنبياء
و القضاة في أتباع قوم النبي الكريم موسى. أمّا
الصلوات الحالية في مناسكهم
فمصدرها:
الميشنا
و الهاجانا
و خاصة في التلمود من قسمه براخوث
و يسميها "تفليه" و هذه المصادر أقل درجة بكثير عند هذا الكهنوت من
"النبييم" و "الكوتوبيم" وهي خمس صلوات يومية عددا و
صلاتين نوعا، منها صلاتين:
1 ـ صلاة الغدو
2 ـ صلاة العشاء
و يقال لهما "شماع" و هي
صلوات جهرية تقرأ فيها فقرات من التوراة، وسبب تسميتها ب "شماع"
ابتداؤها بكلمة الشهادة "يشمع يسرائيل" أي "اسمع إسرائيل" و
يكفي أن نشير أن المؤرخ يوسف الذي عاصر المسيح ذكر "شماع" في كتابه عن
"حروب اليهود" لنطمئن بوجودها قبل زمن النبي الكريم محمد بكثير
"واشمع إسرائيل" هي آيات من صحيفة التوراة الخامسة "دفريم :6/4 ـ
9" يرددها المصلي في صلاته و تقام
هاتين الصلاتين عند النهوض من
النوم صبحا و قبل النوم ليلا وهي صلواة فردية.
ثمّ ثلاث صلوات جماعية أخرى سمّاها
الكهنوت "شمونا عشرا" أو "الثمانية عشر" و أطلقوا عليها كذلك
إسم "عميدا" و فيها يردد المصلي ثمانية عشر بندا و تكفي الإشارة أنّ في
بندوها ذكر هدم المعبد و تفاصيل أخرى ما يكفي لجعل زمن
إختراعها بعد سنة 70 ميلادية و
تقام هذه الصلوات في الأوقات التالية:
ـ "تفيله هشحر" أي صلاة
السحر و تسمى اختصارا "شحريت" و تقام في الصبح
ـ "تفيله همنحه" وهي
تقابل صلاة الظهر
ـ "تفيله هعبريت" و هي
صلاة المغرب
و هي صلوات جماعية.
هذه الصلوات الخمس عددا كانت
موجودة بين أتباع قوم موسى في المدينة لأنّ نقلها في الميشنا سبق بعثة النبي بزمن
طويل. و معروفة عندهم صلاة السبت
"شيباث" وهي بمثابة صلاة
الجمعة.
و لا شك أنّ ملاحظة توقيت هذه
الصلوات يوضح أنّها أكثر منطقية في مجتمع لا يملك تعيين الزمن سوى ظهور و غياب
الشمس. و يبقى مشكل تعيين توقيت صلاة العصر و العشاء عند قوم النبي الكريم محمد لا
يجد حلا له إلاّ باعتبار أنّ الأقدمين أكثر معرفة بحركة الشمس منّا و أقدر على
تتبع حركة القمر و الأجرام بالعين المجردة. و لا شك أنّ توقيت هاتين الصلاتين
إضافة لغياب قرص الشمس في الأيام الغائمة دفع الناس إلى تعيين مختصين يتكلفون
بتحديد أوقات الصلاة إجتهادا و
النداء لها ناسبين هذا الفعل للنبي
الكريم.
إنّ مشكلة تحديد وقت صلاة العشاء و
العصر تجعلنا نتوقف قليلا، إذ مفهوم العصر في البلاغ المبين يدل على اشتداد الضغط
و هو من مشتق فعل يعصر، وهذا يجعل صلاة الظهر الحالية لأقرب دليلا لهذه التسمية من
صلاة الظهر فمنتصف النهار تحديدا هو المتسم بضغط الفوتونات العالي على الأجسام و
هذه الدلالة تجعلني أفترض أنّ تغييرا ما حدث بين تاريخين في إضافة صلاة إلى العد
الموجود
قبلها.
إنّ تحديد دلالة أسماء الصلوات
ضروري إذا أردنا تحديد زمن بداية تواترها و استتباب توقيتها إلى يومنا هذا فهل
تسمية الصلوات تخضع لمنطق حركة الشمس أم لمنطق تقسيم العمل في مجتمع النبي أم إلى
منطق آخر نجهله؟
لا شك أنّ تسمية صلاة الفجر التي
يسميها الناس صبحا و صلاة المغرب تخضع لمنطق حركة الشمس من شروق و غروب و يبقى
السؤال متعلقا بصلاة الظهر و العصر و العشاء. فإذا اعتبرنا أنّ بقية الصلوات تخضع
لمنطق تقسيم العمل فإنّنا نستطيع فهم توقيت باقي الصلوات في زمن النبي.
، فصلاة الظهر هي ما تسميه
الروايات صلاة الضحى و تنقل أنّ النبي كان يصليها فهي وقت خروج الفلاحين من حقولهم
في مجتمع شبه صحراوي في حدود العاشرة صباحا إلى الواحدة أمّا صلاة العصر فهي صلاة
ما بعد القيلولة و صلاة العشاء هي صلاة
نهاية اليوم قبل الخنوع إلى النوم.
هذا التوقيت تغير بعد وفاة النبي
إن وجدت في حياته صلاة بتغير تقسيم العمل في المجتمع و لكنّه حافظ على عدد الصلوات
و هيئتها و عدد ركعاتها و نجد في كلام أنس بن مالك المنقول عنه ما حدث من تغيير في
الصلاة، على أنّني لا أثق بنسبته إلى أنس بن مالك بقدر ما يعبر هذا الخبر عن شهادة
بعض المتأخرين عن التغيرات
المحدثة في المجتمع الجديد.
هذا، و ينبغي أن نسجل اختلاف بين
أتباع قوم النبي الكريم موسى و أتباع النبي الكريم محمد في صلاة العصر. فالزعم أنّ
قوم النبي نقلوا الصلوات من أتباع
النبي موسى يفتقر إلى الدليل خاصة
و أنّ هيئة الصلاة مختلفة بينهما.
و تتضارب الروايات في تحديد عدد
الصلوات في اليوم بين القائل بالجمع في السفر و الجمع في الحضر بين صلاتي الظهر و
العصر من جهة و صلاة المغرب و العشاء من جهة أخرى و هي بهذا التضارب تجعلنا نطمئن
أنّ التوقيت في زمن النبي إن وجدت في حياته صلاة كان يخضع لظروف اجتماعية و
اقتصادية ينبغي معرفة تفاصيل المجتمع المديني لتحديدها، على أنّ هذه الروايات تتفق
في تحويل "القِبلة" من بيت المقدس إلى
مكة.
فبعد أن كان النبي تابعا
ل"قِبلة" أتباع قوم النبيّ موسى حولّ قِبلته بأمر إلهي إلى مكة نتيجة
حنين النبي إلى مسقط رأسه!! ، فهل صحيح ما ذهبت إليه هذه الروايات و هل هو قراءة
صحيحة لآيات البلاغ المبين؟
لنقرأ البلاغات القرآنية:
البقرة
إنّ القِبلة في البلاغ المبين فرع
من شجرة:
أقبل /تقبّل/ مستقبل/قابل/
قبول/قَبْل
وهي ألفاظ تدل على تناظر في المكان
أو الزمان على أنّ قوى الفعل في قِبلة بكسر القاف تدل على خفاء ما نقابله. ونرى في
الآية أنّ القِبلة المشار إليها هي المسجد الحرام، مكان نفخ الروح في آدم و مكان
مصلّى إبراهيم و هو نفسه البيت الحرام، فالنبي كان ساكنا من سكانه و بدأ دعوته
هناك و أصبحت مكة بعد هجرته قِبلة له يريد العودة إليها بفعل الضغط الشديد عليه
كأجنبي في المدينة من بعض سكانها الأصليين، و الناس يتهمونه بالكذب و سوء السيرة و
أنّ تصرفه هو و أتباعه هو الذي قاد قومه إلى إخراجه من وطنه و مسقط رأسه، فهم
يتهمون إخلاص
النبي و أصحابه من المهاجرين و
صدقهم و يدافعون عن مخرجيه:
"مّا ولاّهم عن قِبلتهم التي
كانوا عليها؟"
متهمين النبي و أصحابه في سيرتهم
مع قومهم في مكة بصيغة الإستفهام.
و يجيب القرآن أنّ المكان كله و
الكون كلّه ملك لله و أنّ الرسالة مبادئ و
ليست حبيسة مكان بل تسير إلى كل
مكان:
"و ما جعلنا القبلة التي كنت
عليها إلاّ لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه؛ وإن كانت لكبيرة إلاّ على
الذين هدى الله، وما كان الله ليضيع إيمانكم؛ إنّ الله بالناس لرؤوف رحيمـ "
فمكة هي موطن ابتلاء صدق التابعين
للرسالة و اختيار أفضلهم لحمل أعباء القول الثقيل، و لتصفية صفوفهم ممّن لا يقوى
على حمل أعباء الرسالة فحملها
ثقيل يتحرج من حملها أغلب الناس:
"و إن كانت لكبيرة إلاّ على
الذين هدى الله"
و المولى جلّ ذكره لا يضيع عمل من
آوى و نصر و حمى
"و ما كان الله ليضيع
إيمانكم"
فلا ينبغي لمن نصر و آوى أن يكون
من السفهاء و يشك في صدق النبي و دعوته.
و يواصل البلاغ المبين وصف حال ذات
النبي "وجهك" في محاولاته البحث عن موطن ثاني بعيدا عن هذا الضغط الذي
لا يُحتمل و الإتهام الباطل حال الغريب عن وطنه الذي يحتقره أصحاب الوطن المُضيف،
ولكن القرآن يطمئنه ويبلغه أنّه سيلي ما يرتضيه و أنّ العد التنازلي لخصوم الرسالة
بدأ بفعل تصرفاتهم المشينة و تآمرهم المفضوح ويخبره البلاغ المبين أنّه سيتحكم في
هذا البلد الطيب و هذا ما حدث شيئا فشيئا بقبول أهل المدينة بحكم النبي و اضطرار
خصوهم للخروج، و لقد تحكم النبي في مقدرات المدينة و استتباب الأمر له فيها كما
وعده عالم كل شيء. و يأمر البلاغ المبين النبي أن يتجه بذاته لكل الأرض
"المسجد الحرامـ " بالميم الناقصة المعبرة عن الإستمرار و ليس عن مكان
بعينه و سمّاها القرآن بالمسجد الحرامـ لحرمة سفك الدماء فيها فهي الكوكب الذي منه
بدأ نفخ الروح في الهمج لرفعهم لطور الإنسان و كذلك توجه الأمر إلى أتباع الرسالة
لتكون قبلتهم الأرض برمتها. والذين يهاجمون النبي من معاصريه يدركون بعلم أنّ ما
جاء به النبي حق بما يبصرونه من خلقه و صدقه و علو أخلاقه و إن لم يدركوا معاني
الرسالة العميقة.
و على أية حال و مهما كذبّ الناس
الرسالة فلكل قبلته ووجهته، و يدل فعل المتابعة أنّ القبلة ليست هي مصلّى إبراهيم
إذ لو كان الأمر كذلك لما أورد القرآن فعل "تًَبِع" و لو كانت القِبلة
هي الكعبة لجاءت أداة "أينما" بدل أداة
"حيث ما" و لنقرأ البلاغ
التالي لنطمئن:
"ولله المشرق و المغرب؛
فأينما تولّوا فثمّ وجه الله؛ إنّ الله واسع عليمـ " البقرة 115
فأينما اتجه الإنسان و فرّ فإنّه
لا يمكنه الخروج من القوانين و السنن الكونية، فأين المفر؟
. فقبلة النبي الكون برمته و قبلة
هؤلاء محصورة في حدود التاريخ مكانا و زمانا. و تواصل الآيات راسمة غاية الإدعاءات
عند الله فالعبرة بالعمل
الصالح و التسابق في الخيرات أيّا
كان دعوة المدّعين:
"و لكلّ وجهة هو مولّيها،
فاستبقوا الخيرات؛ أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا؛ إنّ الله على كل شيء
قدير"
البقرة :148
و بعد هذا العرض نرى أنّ اختلاق
الأخبار و الأثار خضع في معظمه لمحاولات فهم آيات البلاغ المبين أو محاولة مغرضة
لتحريف مفاهيمه، ولمّا كان إبداء الرأي في الأجيال الأولى بعد وفاة النبي الكريم
لا مكان له إلاّ باختلاق المقدس لإضفاء الشرعية عليها، كانت الآراء تعضد بنسبتها
لنبي الهدى أو لبعض أصحابه. و كان أحرى بالناس أن يتحدثوا بآرائهم و يمتنعوا عن
اختلاق هذا الكم الهائل من الأخبار المتناقضة المسيئة للرسالة و لكنّ الكذب مطية
العبيد في مجتمع القهر.
إنّ وجود النسك أمر لا شك فيه في
القرآن على أنّ تحديد هيئة هذا النسك و توقيته
يخضع للأمة و ظروفها الإقتصادية و
الإجتماعية و لفصائلها العقائدية:
"ربّنا واجعلنا مسلمين لك و
من ذريتنا أمة مسلمة لك و أرنا مناسكنا و تب علينا، إنّك أنت التّوّاب الرحيمـ
"
البقرة 128
تحديد هذا النسك متروك للإنسان إن
كان يريد النسك فرديا و للمجتمع إن كان يريد النسك جماعيا في فعله بالهيئة التي
يراها و بالتوقيت الذي يراه. و لا حرج أن يجتمع الناس لأداءها و يحددوا لها
أوقاتها وهذا ما تفعله اليوم كل أمة بطريقتها وهذا ما فعله النبي الكريم ونفعله
نحن اليوم لكن لا يجرؤ أحد لتغييره
بتغير الظروف الإقتصادية و
الإجتماعية ظنّا أنّ هذا النسك ثابت مطلق:
"و لكلّ أمة جعلنا منسكا
ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعامـ ، فإلهكمـ إله واحد فله أسلموا،
و بشر المخبتين"
الحج :34
"لكلّ أمة جعلنا منسكا هم
ناسكوه ، فلا ينازعنّك في الأمر؛ وادع إلى ربّك، إنّك لعلى هدى مستقيمـ (67) و إن
جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون(68) الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتمـ فيه
تختلفون69"
الحج
إنّ حياة الإنسان ليست إلاّ جسرا
لعالم أرحب منه و أوسع و هذا الإنتقال يشبهه خروج الوليد من رحم أمه إلى عالم
أوسع،
و لذلك فتحضير النفس للدخول في هذا
العالم الفسيح هو بالإرتفاع الخلقي و العلمي و إخلاص العمل والأمر بالمعروف و
النهي عن المنكر أمام الظالمين و المشاركة في الدفاع عن المستضعفين بالبحث العلمي
و العمل السياسي الجاد دون انتظار مقابل و ليس الإسلام شعآئر فقط لا روح فيها و لا
وعي، فالمولى لا يحتاج لنسكنا و لا يشك في عظمته و لا في علمه منتظرا أن نشهد له
بهما بل النسك حسن أدب معه لشكره على نعمه وصمام أمان لكل تعد لمخلوق و اعتبار
نفسه ربّا من دون الله و النسك فرصة العبد للطلب من ربّه ما أعجزته الأحداث من
حلّه و ليس غريبا أن نجد في كتب التراث الحديثي مصطلحات لصلوات المطالب من كل نوع
من صلاة
للإستسقاء و صلاة للجنازة وصلاة
للكسوف و الخسوف !!.
و لا شك أنّ الصلاة فرديا أو
جماعيا لها قيمة كبيرة ينبغي الحفاظ عليها لكن بوعي عميق أنّ الإسلام أكبر من
الشعائر و أنّها ليست بحال من الأحوال أركانه، فأركانه الإيمان بالله و اليوم
الأخر و العمل الصالح.
إنّنا على ملة إبراهيم نحنف عن
آراءنا بظهور بينات و براهين أعلى منها و أوضح و لا نشرك في أحكامنا غيرنا بتقليد
أو إتباع أعمى، و علاقاتنا مع الكون كله هي علاقات إلتزام الحدود في التفاعل مع
الكائنات "صلاتي" و قيامنا خاضعين متضرعين لله اعتراف منّا بحد الألوهية
"نسكي" و هذا الشطر من الآية يوضح حدود فعلنا و عملنا، و الشطر الآخر
يوضح جانب الحركة و السكون "محياي و مماتي"، و آيات الأنعام تجعل من
يريد تفريق الدين و شروط الديّان بتفريق رسالات الأنبياء محكوما بفعله لا بدعواه و
العبرة بما حقق الإنسان من شروط
الإستخلاف في الأرض
تعليقات
إرسال تعليق