التخطي إلى المحتوى الرئيسي

زيد

 نواصل حديثنا عن كلام القرءان في علاقة المؤمنين و دولتهم و مسئولهم الأول مع من حولهم و كيفية التعامل مع فرقاء الخارج و البُعد عن تكسير بني المجتمعات الأخرى دون بلوغها مستوى فهم المشروع و السير فيه قناعة و متى ما بلغت هذا المستوى فليس لأحد من أزواجها أي ممن اقترنت بهم مسبقا أن يقف حجر عثرة في دخولها في مشروع الإيمان و إن وقفت حقّ للمؤمنين مواجهتهم أي كانوا مهما بلغت قوّتهم و شأوتهم.

كان هذا ملخص قضية "زيد" التي أمعن الأسلاف في قراءتها قراءة جنسية بحتة و قراءة شخصية تهم أمر النبي محمد التاريخي خاصة و لا شك أنّ لهذه القراءة الجنسية أسسها النفسية و الإجتماعية المنبعثة من جو "الفتوحات" و السبي و كثرة "العبيد" من الذكور و الإناث ، و يظهر أنّ هذه النشوة بالنصر المؤقت دفعت هؤلاء المفسرّين إلى إسقاط محيطهم على هدي القرءان و إلى إعتبار إنتشار الجنس بينهم هو نفس الجوّ الروحاني الذي عاشه النبي و ناضل فيه.

ثم ينتقل بنا القرءان بعد الحديث عن واجبات رئيس الدولة مع فرقاء الخارج إلى واجباته في الداخل و كيفية تعامله مع فئاته الداخلية و لنبدأ بوظائفه المباشرة :

"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا (47) وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (ج) وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (48)" الأحزاب

الرئيس و المسئول الأول في دولة المؤمنين "النبي" يتعامل مع واقع فهو "شاهد" و من واجبه أن لا يحاول القفز على هذا الواقع و تعقيداته و يُغامر في مشروع غير مدروس يهدم البنيان كلّه ، فواقعية المؤمنين ليست مرادفا للإستسلام لواقع و لا للرضا به بل واقعيتهم نابعة من معرفتهم للواقع "و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا" ، فالنبي يدعو إلى معالجة الواقع معالجة سننية و ليس بالعنتريات أو بالصخب و المجازفة و حتّى حربه النفسية و خطابه العاطفي مدروس التوّجه و الهدف و الغايات.

النبي ليس وظيفته تيئيس الناس بخطاب يأس و إحباط بل مهمته أن يكون إيجابيا حتّى في أحلك الظروف "مبشرا" يبشر و يعطي الأمل للناس و يُعلي من معنوياتهم ، هذه وظيفته ، ووظيفته إعلام الناس بالأخطار المحدقة الآتية حتى لا ينام الناس في الأحلام الوردية "و نذيرا".

خطاب الآيات ليست لشخص نبي تاريخي لقبه محمد بل خطابها لكل من تحمل مسؤولية القيادة العليا و لتعريف المؤمنين بوظيفة هذا المسؤول كي لا تختلط عليهم الأمور فيحسبون كل صيحة عليهم أو يغيب عنهم "الوعي السياسي" فينقلب النبي كاهنا و الكاهن نبيّا. فمن لا يملك وسيلة دراسة الواقع دراسة سننية إحصاء و معرفة بدقائق المجتمع الذي هو فيه و ميزان القوى فيه و نقاط ضعفه و قوّته و لا يملك روح الأمل و الإيجابية و لا يملك شجاعة مواجهة التحديات لا يستحق منصب النبوّة أي موقع المسؤولية الأول في دولة المؤمنين و مثل هذا الموقع لا يستحقه من لا تاريخ له و لا دليل على تجربته و رباطة جأشه و قوّة تحليله و تنبؤاته المحقة.

القيادة الإيمانية ليس سبيلها الكفر و لا النفاق و ليس سبيلها طاعة مشاريع تقود للكفر و النفاق بل سبيلها الصدق مع مواطنيها و التعامل بكل شفافية ليقتنع الناس ببرنامج السير في قضية معينة أو يعدّلوه أو ينقضوه و يجدوا ما هو أفضل منه.

المسؤول الأوّل واجبه بعث الأمل في المؤمنين و تيئيس أصوات الكفر و النفاق في المجتمع و عدم السماح لهم بالتأثير عليه، فمهما كانت المشاكل و التحديات فلا رضوخ لسياسة الكفر من إكراه و ديكتاتورية و قمع و إرهاب للمعارضين و تعمية للحقائق و تغطيتها و عدم كشفها و لا رضوخ لسياسة نفاق من تلاعب بالإحصائيات و الحقائق و تصوير الخراب عمرانا، هذا ما توّضحه الآية 47 و 48.

مجتمع المؤمنين ليس مُغلقا فكل من قصده يُقابل بالترحيب و كل من أراد أن يتحالف معه سياسيا أو في مشروع محدد فالأيادي مفتوحة لإستقباله و أول من يرحب به و يُلحق بمجتمع المؤمنين هو كل فرد يريد أن يدخل في مجتمع المؤمنين بعقد نكاح أي بنية القران :

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمـُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمـَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا (صلى) فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا " الأحزاب :49

المؤمنات لسن جمع مؤنث كما دئب الأسلاف و من تبعهم ، فحديث القرءان للذكر و الأنثى و المؤمنات هم كل من ولد جديدا و دخل أجواء الإيمان بعد رحلة قادته للقناعة الإيمانية ، فالذكر الآتي للمؤمنين يُطالب المناكحة مفتوح له الأبواب كالأنثى و لكنّها فترة نكاح و ليس عقد زواج ، فالنكاح فترة تعارف بين فردين تحت سلطة دولة المؤمنين بحثا عن هوية هذا القادم أو القادمة قبل قبول عقد زواجه و لذلك توّجه الخطاب للمؤسسات الكلفة بقضية متابعة بعد النكاح "يأيها الذين ءامنوا" و يمكن لهذا النكاح أن ينته بطلاق أي بفترة تفكير قبل أن يتم التحكم فيهم ، أي قبل أن يتم التأكد من إيمان هؤلاء "المؤمنات" ذكورا أو إناثا ، فما لم يثبت إيمانهن بعد فهناك فترة طلاق مفضية إلى التسريح ، فما لم يتم قبول هذا القران يجب أن يُعامل هذا الآتي معاملة تليق به و يسرّح من حيث أتى تسريحا جميلا ، فالجمل من معانيه الإبعاد و ليس أناقة المظهر كما يُظن. و ليراجع هنا مشتقات الجذر العربي ( ج م ل) في القرءان.

يمكن للقارئ أن ير في المس علاقة جنسية بين ذكر و أنثى و حتّى هذا لا يمكن أن يحدث دون موافقة على عقد الزواج من مؤسسات المؤمنين ، فالغاية أنّ قبول المؤمنين لمن يأت مضبوط بإيمان هذا الآتي و خلّو سجلّه من إجرام أو من تلبس مع ظالمين أو مجرمين و تأكد من إيمان هذا الفرد بمستواه المعرفي و تاريخه السابق لا علاقة لقبوله بمستواه الإجتماعي من فقر أو غنى ، بحديثه بلغته أو بلغة المجتمع الذي حلّ فيه ، و لا علاقة للون بشرته و لا لهيئته بالأمر فالقضية كلّها في إيمان الآتي.

و لنكرر أنّ الإيمان ليس حالة عقائدية بل هو إستعداد الإنسان لتأمين غيره في فكره و ذاته و معتقده و طقوسه و لدولة المؤمنين و مؤسساتها أن تجري ما تراه مناسبا للتأكد من هذا الأمر كما تفعل كل دولة تحترم الإيمان أو بعضا منه في عصرنا هذا. و عند التسريح تركت الآية الأمر مفتوحا لبقائه بين المؤمنين لعلّ الزمن يكفل ترسيخ الإيمان فيه.

إنّ الآية 49 تمهّد الحديث عمن يمكن للنبي و المؤمنين فتح ملفاته و البحث عن خصوصياته، فأمر الغريب الآتي و المريد الإستقرار مع المؤمنين لا حرج علينا في فتح ملفاته و بحث خصوصياته دون التعريض به و لكن هناك فئات أخرى يمكن فتح ملفاتها لخطورة وظائفها و لقربها من موقع النبوّة لأي من موقع القيادة ، لنقرأ:

"يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الَّلاتِي ءاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفآء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ الَّلاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (قلى) قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ (قلى) وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (50) تُرْجِي مَن تَشَآء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآء (صلى) وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ (ج) ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ (ج) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ (ج) وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51) لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ (قلى) وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا (52)"الأحزاب

كلّما أتى لفظ "الأزواج" إلاّ و ذهب فكر المفسرين إلى الجنس كأنّه عادة مستعصية النزع عندهم و لم يفكروا لحظة أنّ عبارة "أحللنا لك أزواجك" متناقضة إذ كيف يحلل ما هو حلالا في الأصل !!! هنا تتفتق العبقرية ، فالعبارة عند البعض معناه توضيح لخصوصية النبي في إمكان زواجه بأكثر من أربع !!! فالقرءان يقول له هنا حافظ على "الحريم" العشر أو الإحدى عشر أو الثلاثين و لا تسرحهن و هذه حالة خاصة لك سمح لك بها الوحي الإلهي !!!.

الآن أصبح القرءان عند هؤلاء كتاب تبرير جنسي للنبي و سنرى كيف سيتعمق تناقض هذه القراءة فيما سيأتي.

لو انتبه القارئ لرأى أنّ في الآية 51 إشكال كبير حسب مفاهيم الأسلاف و موروثهم اللغوي ، فإرجاء زوجة هناك و إيواء أخرى بحسب مشيئة الزوج الممثل في شخص النبي محمد لا يجعلهّن بحال في جوّ فرح و غبطة فبعضهن ستتأذى حتما من و الإرجاء و رغم أنّ الآية قالت "كلّهن" لكن يظهر أنّ عمى البصر عادة لمن يساير عقيدته :

"ذلك أدنى أن تقرّ أعينهن و لا يحزنّ و يرضين بما ءاتيتهن كلّهن"

كيف ترضى من أحيلت على التقاعد حسب مشيئة الزوج ؟؟ لا هو يقربها جنسيا كأنّها متاع تجاوز حدود الصلاحية ؟

ثم تأتي الآية حسب مفهوم الأسلاف لتحرّم على النبي الزواج و الإكتفاء بما لديه و تُلزمه حدّه فقد طفح الكيل . وحتى إن أُعجب النبي بواحدة أكثر أناقة و جاذبية فعليه أن يلتزم ما عنده فعنده عشرات "الحريم" ، اللهم إلاّ أن يلتقي بـ "ملك يمين" و حينها فلا حرج !!!.

هذا التفسير يوّضح أن أساس إختيار النبي الكريم لزوجه هو "المظهر" و كان حري بهؤلاء أن لا يحتقروا نبيّهم هكذا و لكن لا بأس فهذه عادة الناس أن تقتل الأنبياء و تكذب عليهم و تزّور تاريخهم .

مشكلة هذه القراءة أنّها حكمت على القرءان بسجن أبدي في حدود قريش و جعلت من لفظ النساء مرادفا للأنثى و الأزواج مرادفا للأنثى الحرة ـ حسب معيار قريش للحر و العبد ـ .

لنغص قليلا ، فالموضوع يحتاج أن نقف عنده .

الحسن في القرءان لا يعني "الجمال" الظاهري و لا الأناقة و لا غيره من عرض مفاتن الجسد . فلو تتبعنا الجذر العربي ( ح س ن) في القرءان لوجدنا :

حسن / أحسن / أحسنتم / يحسنون

حسن / حسنة / حسنات

الحسنى

حسان

إحسان

محسنون / محسنات

كل هذه المشتقات تدل على معنى الإتقان، فعبارة " و لو أعجبك حسنهن" تشير إلى إتقان هؤلاء لما يقومون به و بهذا المعنى تتفتح مغاليق الآيات السابقة.

لنبدأ القراءة من النهاية :

" لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ (قلى) وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا "الأحزاب :52

النساء مفهوم متعلق بالتأخر في شيء ما مقارنة بأخر ، فمن هم هؤلاء النساء التي تتحدث عنهم الآية ؟؟

النساء التي تتحدث عنهم الآية هم من أتى ذكرهم في الآية 51 و هم :

ـ أزواجك التي ءاتيت أجورهن

ـ ما ملكت يمينك ممّا أفاء الله عليك

ـ بنات عمّك و بنات عمّاتك و بنات خالك و بنات خالاتك اللاتي هاجرن معك

ـ امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها

و سنأتي لتفصيل ماهية كل واحدة من هذه الفئات .

" تُرْجِي مَن تَشَآء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآء (صلى) وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ (ج) ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ (ج) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ (ج) وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا"

للنبي الحق في إرجاء من يشاء و جعله في المؤخرة ه أو أن يأويه و يقرّبه بحسب ما يريد النبي تجسيده في مرحلة ما ، فالمشيئة ليست رغبة بل هي تشييئ الأمر أي تجسيده بتعبيرنا و في حين تطلبت الظروف تقديم من عُزل في ظرف ما فلا جناح في تقديمه ، و على الجميع أن يع ظروف كل مرحلة و لا يحزن لتقديمه أو تأخيره فليس القصد من المسؤولية نفعا ماديا و سلطة بل خدمة الصالح العام و كل هذا يتطلب مرونة من المسؤول الأول في البلد في التعامل مع النساء السابقي الذكر "و الله يعلم ما في قلوبكم".

لنبدأ في التعرف على فئات النساء هؤلاء فقد سبق أن تعرفنا على داخل يريد مكانا بين المؤمنين بنكاح و الآن سندخل في المجتمع ذاته في تقاسيمه.

الأجر في القرءان ليس مهرا كما يقول من ظنّ أن الأنثى سلعة ، فالأجر في القرءان هو مقابل لعمل ، و للأسلاف أن يعتبروا أجر "الزوجة" مقابل لخدمتها الجنسية و لكن لو عدنا للفظ "أجر" في القرءان و شجرته لوجدنا :

"ما أسألكم عليه من أجر"

"و جاء السحرة فرعون قالوا إنّ لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين"

"أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون"

.....

الآية 50 تحدد من يمكن لرئيس الدولة أن يفتح سجّالاتهم الخاصة ليدقق فيها إستخابراتيا فعبارة "إنّا أحللنا لك" أتت بعد سياق الآتي الجديد الخارجي لدولة المؤمنين ، ففتح ملّفه كما سبق بديهي و أشارت إليه الآيات و هنا تشير الآيات إلى مساحة دخول "إنّا أحللنا" إذ غيرها من المساحات غير مسموح به ، فلا تجسس على الناس و لا بحث عن خصوصياتهم ، لنفصل الآن في هذه الفئات :

1ـ "أزواجك" : فهم بحكم قربهم من موقع المسؤولية الأول في أخذ القرار مجبرين أن يكونوا من الصفوة علميا و أخلاقيا و لا جنح عليهم تخدش في إيمانهم ، و هؤلاء يُدفع ثمن مشاركتهم في الخدمة العامة فيئ الدولة أي من إيراداتها الضريبية و غيرها. كأنّ الآية تقول أنّ الأزواج الذين لا تدفع الدولة أجورهم لا يحق لها أن تبحث في خصوصياتهم و هو أمر يحتاج غوصا أعمق في الآيات نرجئه للنقاش.

2 ـ "ما ملكت يمينك" : فيمن ليس لهم إستقلال في إعطاء رأيهم ممن يستعملهم النبي في قضايا مختلفة في الدولة كالمخابرات و الوظائف العامة و غيرها ، فهؤلاء ضمنيا يحتاج النبي ومؤسسات الدولة في الإحتراز من إختيارهم و تُصرف لهوءلا أجورهم كذلك من فيئ الدولة.

3 ـ "بنات عمّك و بنات عماتك و بنات خالك و بنات خالاتك التي هاجرن معك" :

الخال في القرءان يشير إلى من له أصل قريب في مجموعة ، و من مشتقات الخال في القرءان :

خليل

خلّة

خلال

الأخلاء

إن عبارة "التي هاجرن معك" هي من تعطينا الحل ، فبنات الخال م من تولدّوا ممن شارك في صناعة النواة الأولى لدولة المؤمنين ، فالهجرة ليست سفرا بل تحولا و تغييرا . من شارك بجهده و جهاده و نضاله من أجل قيام دولة المؤمنين قدّم عربون إيمانه و هو الخال لكن للأسف يأتي من أبناءه من يستغل إسمه و هو أبعد الناس عن الإيمان ليصل بهذا الإسم إلى مناصب السلطة العُليا. هنا القرءان يحدد أنّ النسب و التربية في بيت إيمان لا يكفي بل لا بد من فتح الملّف كله ليُقبل هذا الفرد في تصنيف الإيمان أو لا ، و هذا القبول ليس قضية إدارية بل هو تحصين للمسؤولية في دولة المؤمنين فلا يقربها إلاّ من أهلّه عمله و نضاله و تاريخه.

لعّل القارئ يستشكل إيراد "بنات خالك" و "بنات خالاتك" ، فإن اتفقنا أنّ التاء المفتوحة للتوّلد يمكننا أن نقول أنّ الخال هو المعاصر للتحول و بناء دولة المؤمنين و الخالات هم من توّلدوا من هذا الخال فهم أشبه بالعائلات التي توارثت هذا الإسم فهم غالبا من يتقدّمون المناصب العليا في الدولة بحكم تحضيرهم النفسي و المعرفي. فالأمر ليس إرثا ملكيا بل إرث مسؤوليات.

أمّا العم و العمات فهو إشارة لعموم أفراد المؤمنين ممن عاصروا الهجرة أو عاصروا ما بعدها و عملوا لها في الإطار العام، و لو رجعنا لمشتقات ( ع م) في القرءان لوجدنا :

عام

عامة

4 ـ "وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين"

كم من أنثى توّد أن يقترن بها المسؤول الأول في الدولة فموقع السلطة يفتح مغاليق الأبواب ، لكن نكاح النبي و هو المسؤول الأول في الدولة يخضع لضوابط سياسية و قيود ، فالأمر يخص الدولة بأكملها و بهرمها الأعلى ، فللنبي بمؤسسات الدولة أن يُباشر في التعرف على خصوصيات زوجه فإن كان في الأمر إمكان و كان هذا الفرد ذكرا أو أنثى ـ إذ يمكن للنبي أن يكون ذكرا أو أنثى في دولة المؤمنين ـ في مستوى الإيمان و تحقيق المسؤولية يمكن للنبي حينذاك أن يباشر في النطاح أي في التعرف على من يريد الإقتران به معرفة شخصية ، و لذلك أتت العبارة " يستنكحها" أي يطلب النكاح غذ لا يجوز له النكاح قبل التحقق من هوّية الفرد تحقيقا دقيقا و هذا الأمر لا يجوز لغيره من الناس "خالصة لك من دون المؤمنين" أي لا يجوز فتح ملّفات خاصة عن النّاس في ماضيهم و تاريخهم تحقيقا إستخباراتيا لمجرّد الرغبة في النكاح ، بل عندهم فترة نكاح يمكنهم حينها أن يتعرفوا على ما يريدون قبل الإرتباط.

إنّ هذه الآيات تصوّر ميثاق الزواج تصويرا ثقيلا و تصوّر حجم الشعور بالمسؤولية في دولة المؤمنين و تحرّم و لو بطريق مباشر البحث عن خصوصيات الناس دون داع حقيقي :

" قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ (قلى) وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" الأحزاب :50

فكما أنّ الإنسان لا يريد فضح أسرار زوجه و من هم تحت تصرّفه و كما لا يريد الإنسان أن تُكشف أسراره من غير داع كذلك يجب المحافظة على أسرار الغير أيّا كانت الدواعي "قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم و ما ملكت أيمانهم" و إنّما مقتضيات بعض الأمور تقتضي معرفة خصوصيات الإنسان لحساسية موقع مسؤولياته أو لطلبه الشخصي كما سبق و هذا التعرف لا يعني فضح الأسرار بل كتمها فالقصد ليس تشويه سمعة الناس إنّما الحفاظ على كيان المؤمنين و ووجدهم و هذه الآيات ترفع الحرج على المسؤول الأول في الدولة و مؤسساتها من هكذا عمل لا يريدونه "لكيلا يكون عليك حرج" و إن حدث خطأ غير مقصود في بحث خصوصية شخص ما كانت له ضرورة و ثبت أنّه خطأ فيجب التجاوز عن هكذا خطأ "و كان الله غفورا رحيما".

إنّ هذا الحل الخاص جدا لبحث خصوصيات بعض الفئات في المجتمع أردفته الآيات بإغلاق الباب نهائيا عمّا سوى ذلك :

" لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا " الأحزاب :52

فالتعرف على خصوصيات الناس محددة فئاته في دولة المؤمنين و محدد بضروريات حددتها الآيات و سمت الآيات هاته الفئات نساءا إذ هي متأخرة دوما عن الدولة و مؤسساتها فلا يمكن لفرد أن يستخبر عن أجهزة الدولة لعدم توازن الطرفين قوّة و أجهزة و مؤسسات ، فمهما بلغت هيئة من قوّة فهي نساءا مقارنة بالدولة و أجهزتها و إن حدث العكس فلا يمكن أن نُطلق إسم دولة على خرابة كهذه ، و في هذا إشارة للدولة و مسؤولها الأول و أجهزتها أن لا تستغل هذا الموقع لظلم باقي النساء و أن تقف عند الحدود و تترك الناس و خصوصياتهم و تهتم بوظائفها الأساسية.

"و لا أن تبدّل بهن من أزواج و لو أعجبك حسنهن إلاّ ما ملكت يمينك"

عبارة "إلاّ ما ملكت يمينك" تعني التحكم في من لا إستقلال له ، أي ما يمكن للمسؤول الأول في الدولة أن يتحكم فيه مباشرة أو غبر وسائط فاليمين هي الخيط المؤدي إلى التحكم و ليس شرطا أن يكون مباشرا .

إنّ الآية تحدد من يحل البحث في خصوصياتهم و أمّا باقي المجتمع فمساحة غير محللة و لا يُمكن أن يُبدّل الأزواج ممن يساند الرئيس في مهمته بعوام أبناء المجتمع إلاّ بعد بحث خصوصية من يُراد إبداله في مهمة زوج فقد مكانه لظرف ما " و لا أن تبدل بهنّ من أزواج" حتىّ و إن كان هؤلاء ممن يتقنون عملهم ، فالإتقان و الكفاءة ضروري لكن هذا ليس كافيا وحده فالمسؤوليات العليا في الدولة لا تُعطى لمن لم يشهد تاريخه و عمله في الظروف الصعبة و لم يُطمأن له اللهم في تقريبه في مسؤولية يُمكن التحكم فيه بسهولة إن حدث منه إخلال و لا يرقى إلى المستوى المناصب العصبية في دولة المؤمنين . و على الجميع واجب المراقبة سننيا لكل هذه المفاصل "و كان الله على كل شيء رقيبا"

للحديث بقية

بن نبي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...