التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سورة القلم و وعاء الأساطير

 

عندما يتلو الإنسان عناوين السور لا يكاد يجد لها رابطا كأنّها جزرا مستقلّة عن بعضها لا رابط بينها، من هنا البقرة و من هناك الإنسان و هنا القلم و التين و الزلزلة و رغم أنّ صاحب القرءان ينبّه أنّها وحدة متكاملة لا ثغرة فيها و أنّها متشابكة شأن تشابك أطراف الكون.

 

لنترك هذه النقطة جانبا رغم أهميتّها القصوى فموضوعنا اليوم سورة القلم ووحدتها الموضوعية ، فما هو موضوع السورة؟

 

سورة القلم تتحدث عن أهمية الفرضية في حياة الإنسان و هي تتحدث عن تاريخ علمي فكري عقائدي للإنسان يظنّ الناس فيه أنّ كل محطة فيه هي النهاية فما هي حتى تنفتح عليهم أبواب هدم فرضياتهم من جديد.

لنبدأ :

 

"ن (ج) وَالْقَلَمِـ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍـ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)" القلم

 

بداية لا يخشى صائغ القرءان على الحق المبثوث فيه أن تبطله أساطير الناس مهما طال الزمن ، فالقرءان لم ينتقد مطلقا الأساطير بل هي ميراث إنساني ينبغي أن يُحفظ فكل ما يسطره الناس قلم أي فرضية و لا يعدو الفرضية ، فالفاتح "ن" يشير للوعاء الذي يحوي كل ما يُسطر فهي تقول :

"اسمع أيّها القرءان و اسمع يا قارئه مهما طال الزمن و اتسع المكان و ربت المعارف و نمت و تكاثرت فسيبقى القرءان هذا نعمة و سيبقى عظيم الخلق فلن يستطيع معاندته أحد أو إبطاله و أنّ الكشوف و الأبصار المختلفة ستبرهن هي على عظمته.

 

أسلوب الخطاب يضعنا أمام تساؤلات أين يُخاطب صائغ القرءان قرءانه و يؤكد أنّه ليس بمجنون و لا بمفتون و أنّ عكس ذلك حامل للهدى و قد يرى القارئ أنّ الآيات تخاطب النبي الكريم محمد حصرا و تخصه بالحديث و رغم أنّ القرءان لا يخاطب ألقابا بل أسماء فما في الآية لا يدل على هذا مطلقا عندما يخرج القارئ من معمعة الأسلاف و من الخلط بين الرسول و حامله و هي كارثة منهجية اتسعت حتّى أصبحت أم الحقائق في قراءة القرءان و هي لا تعدو مزايدة على إسم النبي الكريم محمد.

 

إنّ الخطر على الرسالة ليس من إهمالها و لا من محاولة إبطالها و لا بمن ضل السبيل في دراستها عبر مناهج خاطئة فالقرءان في مثل هذه القضايا منفتح أشد الإنفتاح فليلقي الناس أقلامهم و ليحاولوا إبطال حقائقه و ليُبدعوا في إختراع مناهج دراسته، كل هذا طبيعي و ضروري ، فليسطر الناس في فيزيائهم و في نقلهم التاريخي و في بيولوجيتاهم و في كل ما يسطرون فالنهاية :

 

"فستبصر و يبصرون (5) بأييكم المفتون (6)"

 

من يتلظى في البحث ليبرهن عن صحة نظريته و من يعلم بداية أنّ ما يقوله حق ، فمن من الإثنين مفتون ؟؟

 

الخطر ليس هذا ، الخطر يأتي ممن ينقل الأكاذيب و يرّوجها و يدعمّها و يدّعي زورا أنّها هي الرسالة و هو يعلم أنّ ما يرّوجه كذب :

 

"فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (😎 وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)" القلم

 

الشدّة " ّ" في ذال "المكذّبين" تدل على الجرّافة و من يقودها "ذ" لمحاولة تثبيت ما تحاول إثباته بالقوة و العنف و بكل الوسائل الممكنة فالفرق بين الكاذبين و المكذّبين أن الكاذب يحاول تسلق الحائط ليخرج بكذبه من الأزمة أم المكذّب فهو من يريد أن يبث الحياة في كذبه و يسعى لتثبيته، فالأول يريد الخروج من الأزمة و الثاني يريد خلق واقع جديد من موقع قوّة و منطق عنف.

 

ما ليس من الرسالة ليس منها و لو أتوا بكل جرّافاتهم و لو أتوا بكل مدحهم و بدهنهم العسلي في وسائل إعلامهم و توالى منهم المدح ، فإياك أن تطيعهم. هذا الحديث موّجه للقرءان من صاحب القرءان ، و ليس للقارئ إلاّ من باب تعالي القارئ لمستوى الخطاب.

 

ما في القرءان لا و لن يطيع "المكذّبين" فما فيه يستحيل أن يُستعمل بمنطق و عقل لإثبات شيء خارج الروح ، فكلّما حاولوا أخرج لهم ما به ينسف سيوفهم و جرّافاتهم و قنابلهم و تقنياتهم و عبثا يحاولون.

 

أترك للقارئ بقية السورة للغوص فيها و للحديث بقية أو لنقل للحوار بقية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...