التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صورة يوسف في سورته .. جزء 5

 

فصوص معراجية في رءيا يوسفية

الوحدة الموضوعية في سور القرءان مرتبطة بعنوانها الدال على سريان الحياة في ءاياتها لتصنع هذه الوحدة كائنا حيّا و صورة حيّة متحركة عمقا في الزمان و المكان دون إعاقة و خطى البحث القرءاني له عمقان ، عمق متصل بالإحكام داخل كل ءاية بتجميع جيمع علامات الأية و هذا ما نستطيع تسميته بالشق المتناهي الصغر الذي يمثل أجزاء السورة و شق يهتم ببناء السورة كاملة عبر تفصيل ءاياتها و هذا ما نستطيع تسميته بالجانب المتناهي العِظم في صنع مجرّة السورة و رسم الصورة بتجميع ما يظهر أنّه أشتات فيها.

 

لن نحاول في سورة يوسف في هذا الجزء الأخير من البحث الحديث عن إحكام الأيات و لو أنّنا نشير في بعض الأحيان لبعض التفاصيل و لكنّنا سنحاول رسم الصورة الكليّة . إنّ قراءتنا التأويلية لسورة يوسف هي أوّلا تفاعل بما فتحته الكشوف الأخيرة في عالم نشأة كوكب يوسف "الأرض بتعبيرنا" و نشأة المجموعة الشمسية التي ينتمي لها و هذه القراءة ليست إلا محاولة لصعود معراج أوّل في معارج السورة بل خطأ هذه القراءة أكثر من وارد و يكفي أنّها تفتح طريقا مُغلقا طالما حاولته "المدرسة الباطنية" دون منهج و طالما رفضته "المدرسة الظاهرية" لبعدها عن القرءاة الكونية . فنحن لن نستطيع أبدا فهم التنزيل إلاّ بجدلية فهم موضوعه و هو الكون فهذا يرسلنا لذاك في عملية صفا و مروة لا تفتر لنصعد في المعارج دون توقف .

 

قلنا سابقا أنّ بنية سورة يوسف نفسها هي بنية رءيا و تحتاج كل محطة فيها لتأويل حديثها لنصل في النهاية إلى معرفة المقصد من الحق الظاهر في تأويل رءيا الكواكب الساجدة :

"وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ " يوسف :100

 

فالحق متعلق بتطابق كلام مع موضوعه و موضوع سورة يوسف هو يوسف تحديدا في علاقته مع من حوله و السورة قصص أي تتبع للحدث . و نرى كيف ارتدت السورة لباس يوسف التاريخي لتقصص علينا يوسف الكوكب في نشأته وصولا إلى إخضاعه لكل إخوته و لأبويه و نرى في هذه القراءة إرهاص لقراءات مستقبلية سترى أعمق في كل لفظ من ألفاظ السورة لترسم به قصص يوسف الكوكب بل و قصص كل يوسف في كوننا هذا. و الأمر لا يستطيع حمله شخص وحيد و لا مجموعة أشخاص بل لا بدّ أن تتعاضد جهود باحثين كُثر لفتح مثل هاته الأفاق بمنهج واضح ينأى عن التبرير و يرافق البحث العلمي أخذا و عطاءا.

 

ستضطرنّا قراءتنا الكونية لتحديد تأويل الكثير من الألفاظ في السورة و سنكتفي بالإشارة إليها تاركين الأمر للتفاعل ليأخذ مساره ، فإسم يعقوب و الأخ الأكبر لأبناء يعقوب و غيابات الجب و أخ إخوة يوسف من أبيهم و العزيز و إمرأته .زالخ ، كل هؤلاء يحتاجون تأويلا يضعهم في الحدث الكوني كي ترتسم نشأة يوسف من بدايتها إلى بلوغها الأوج لسيرورتها المستقبلية. و لن أغفل هنا أن أشير إلى القاعدة المنهجية في إعتبار ألفاظ القرءان مفاهيم تتلبس بالمعاني وفق السياق خاصة و أنّنا في بنية رءيا.

كما سبق الإشارة إليه في الأجزاء السابقة للبحث فالقراءة الكونية لسورة يوسف لم تأت من مخيلّة دون الإستناد إلى مرتكزات في السورة نفسها تدفعنا بنا دفعا نحو هذه القراءة و هذه بعض بلاغات السورة :

" وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ " يوسف :105

" لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " يوسف :11

 

كل هذه الأحداث و المحطات ينبغي أن تجد تأويلها داخل الحدث الكوني الذي تتحدث عنه سورة يوسف و نرى إختيار القرءان لمحطات دون أخرى و لأحداث دون أخرى رسما للحدث الكوني أولا بلباس الحدث التاريخي و كأنّ الحدث التاريخي قشرة يتم من خلالها العبور إلى العمق ثم إلى العمق. و هذا الحدث التاريخي بناء لحدث كوني سيستقر نبأه عندما نصل إلى تأويل السورة معاينة و تصبح حقّا و هذا ما يحدث ليقول يوسف بإسمه القرءاني و كل يوسف في مسيرة الإنسانية :

"وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا"

لا بدّ أن نعود للمحطات محطة محطة لنرى معاينة نشأة يوسف في المجموعة الشمسية سائرين بالقلم لما لم تصل إليه كشوف الفلك الفيزيائية بعد ، فالقرءان ليس فقط شاهدا بل هدى لمستقبل البحث العلمي .

 

1 ـ رءيا يوسف و رأي يعقوب

" إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَآ أَبتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَىَّ لاَ تَقْصُصْ رءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا ، إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5) "

يوسف يبوح بالرءيا لأبيه دون أن تذكر الأية إسم هذا الأب. و في الرءيا أحد عشرا كوكبا و الشمس و القمر و نرى بحكم ظاهر القول أنّ الحديث هنا عن المجموعة الشمسية و نحن ملزمين بتبنّي تعريفا كونيا للفظ الكوكب إن أردنا معرفة مقصد الأية. فالكوكب في التعريف المعاصر مرتبط بكل جرم يدور حول نجم في فلك شبه ثابت . و لكن هذا التعريف يبقى ناقصا إذ المذنبات و الكويكبات و النيازك و الأقمار لا تُصنّف ضمن الكواكب مع أنّ بعضها يدور حول نجمه في فلك شبه ثابت . البحث عن تعريف كوني للكوكب لم يتم إلى الأن و اكتفى الباحثون إلى الأن بمتابعة كشف الأسبقين في تسميتهم للكواكب . فالأسبقون حسب بطليموس و أرسطو سموا خمسة كواكب مرئية بالعين :

عطارد ـ الزهرة ـ المريخ ـ زحل ـ المشتر

و جعلوا الأرض مركز الكون تدور حولها جميع هذه الكواكب بل يدور حولها الكون برمته. و بعد الثورة الكوبرنيكية في حدود القرن السادس عشر الميلادي في جعل الشمس محور مجموعتنا الشمسية تابع الباحثون كشف كواكب المجموعة الشمسية بمقارنة أبعادها الهندسية بالكواكب السابقة. و قد تمّ بهذا إبعاد المذنبات و النيازك و الكويكبات من الإنتماء لعائلة الكواكب و لعل مثال كويكب سيريس الواقع بين المريخ و المشتري المكتشف في القرن التاسع عشر يُظهر إشكالية تعريفنا للكواكب فهذا الكويكب يبلغ قطره ألف كيلومتر و مع ذلك تمّ إبعاده. إنّ التعريف المعاصر ليس إلاّ تعريفا دوريا إصطلاحيا و يمكن تلخيصه بالقول أنّ كل جرم يدور حول الشمس في مجموعتنا الشمسية يفوق قطره قطر بلوتو (2200 كم ) يعد كوكبا و هذا رابط يعرّف بأبعاد الكواكب المعروفة وفق هذا التعريف :

http://www.neufplanetes.org/systeme_solaire/

 

ليس من السهل القول أنّ النبي الكريم محمد أو معاصريه صاغوا صحيفة القرءان إذ عدد الكواكب المتداول إسمها في ذاك التاريخ لم تتجاوز الخمسة و حديث سورة يوسف عن إحدى عشر كوكبا يترك القارئ في حيرة كبرى . فمغامرة من صاغ القرءان في هذه الجزئية كبيرة جدّا . و لا شك أنّ الأسلاف تذرعوا بأنّ المعلومة القرءانية ليست إلاّ في سياق رءيا للتعبير عن عدد إخوة يوسف و لو عدنا إلى السورة لما استطعنا القول أنّ عدد إخوة يوسف إحد عشر، و غاب أنّ لرمز الذي أتى في السورة يمكن أن يشير على الأقل إلى معلومة معروفة لدى من رأى. إنّ هذه المعضلة تجد حلّها إن نحن أدركنا أنّ القرءان هو من يصيغ الحدث رءيا و ليس شخص يوسف التاريخي .

إلى الأن لم نكشف بعد إحد عشر كوكبا بالتعريف الذي اعتمدناه تاريخيا بل إنّ كوكب بلوتو تمّ إلغاءه من القائمة مؤخرا و ما كشفناه بداية من إختراع منظار غاليليو ثلاث كوكاب أخرى و القائمة الكاملة الحالية هي :

عطارد ـ الزهرة ـ المريخ ـ زحل ـ المشتري ـ أورانوس ـ نبتون ـ بلوتو

 

إضافة إلى كوكبنا الأزرق يوسف. و القرءان هنا يدفعنا إلى إتخاذ تعريف أنسب للفظ كوكب يجعله تعريفا كونيا في مقابل الشمس و القمر. فتعريف الشمس الكوني بلغناه لحسن الحظ و اقتربنا من تعريف القمر تعريفا كونيا . لكن يبقى تعريف الكوكب إلى اليوم هلاميا. و ما يهمنا في الحديث هنا هو الحذر الشديد في إتباع تعريفات الأسلاف و النّاس للألفاظ القرءان و قد نجد من دعاة "الإعجاز" من يسعى بكل جهده كي يصل بعدد كواكب المجموعة الشمسية إلى إثنا عشر كوكبا ( 11 + الأرض) و يهلل بالإعجاز القرءاني حسب زعمه ليقهر "الكافرين" بل و قد يتهم الباحثين في الفلك في تعمية الحق القرءاني إراديل لعدائهم للإسلام !!! إنّ صاحبنا تناسى أنّ لفظ كوكب القرءاني يحتاج إلى تعريف كوني إذ ألفاظ القرءان ليست إصطلاحية .

لندخل الأن الأية 4 من سورة يوسف لنبحر في ألفاظها.

"يآ أبت" إشارة إلى أنّ الأب ولّد ابنه ، فمن ولّد يوسف الكوكب ؟؟

إنّ المجموعة الشمسية تنتمي لنفس المعين فكل جرم داخل هذه المجموعة عمره في حدود الأربعة مليارات و نصف سنّة و توليد هذه المحموعة أتى من إنفجار نجم كبير و تحوله إلى عملاق أحمر بفقده لوقوده النووي

Geante rouge

و غباره الدخاني المتناثر هو من تجمّع ثانية لتكوين الشمس و بقية الأجرام في إنفجار ثاني نحو المركز هذه المرّة و بقي الغبار الذي لم يتم إبتلاعه متناثرا بين :

حزام كويبر

Kuiper

و سحاب أورث

Oort

حزام كويبر نسبة إلى مكتشفه سنّة 1951 بدراسة توازن المجرّة الديناميكي نظريا و أتى التدليل على حساباته كشفا سنّة 1991 بإكتشتاف أول جسيم من هذا الحزام

QB1

هذا الحزام يمثل حدود مجموعتنا الشمسية و هو مكوّن من 35000 جسيم داخل صحن دائري يصل قطر الواحد منها إلى 100 كم و تمثل هذه مضخة كبيرة للنيازك التي تأتي إلينا أمّا سحاب أوروث يحيط بكل من مجموعتنا و بحزام كويبرممثلا حاجزا و سدا ووقاية أمام الأجرام التي يمكنها أن تقترب منّا و في نفس الوقت يمثل مضخة للمذنبات التي تزورنا من حين لأخر مثل مذنب هالي و التي يمثل خطرها أضعاف ما تمثله النيازك. إسم هذا السحاب منسوب لمكتشفه رياضيا سنّة 1950 بطرح فرضية مجيء النيازك من وجود هذا السحاب و بحل مجموعات من الإشكالات التي لا يمكن تفسيرها دون إفتراض وجود هذا السحاب و في نهاية الثمانينات تم تأكيد وجوده بصورة نهائية وعلى عكس حزان كويبر فإنّ سحاب أورث يحوي ملايير الملايير من الجسيمات الصخرية الكبيرة و وجوده دليل على تكوين مجموعتنا الشمسية من غبار متجمع بقي هذا السحاب شاهد على إنجرافه نحو المركز دون أن تؤثر قوى الجذب على هذه الجسيمات الموجودة في حافة الغبار . هذه الصورة ليست إلاّ تبسيطا شديدا جدّا و أنشير هنا أنّ الدراسة الرياضية لتوازن مجموعتنا الشمسية لا حل لها و تسمّى نظرية ( ن جسم)

La théorie des N corps

و لعّل المدرسة الرسوفياتية قدّمت الكثير لمحاولة إيجاد نظرية رياضية متكاملة إنطلاقا من ديناميكا نيوتن و نظرية بلاتانوف في التوازن لكن دون جدوى فكلّها تصر على أنّ مجموعتنا غير متوازنة و يستحيل إستقرارها مع أنّها أمامنا . إن سورة يوسف رءيا بحق ، فالأمر المشاهد أمامنا حقيقة تشهد عليه حواسنا لكنّنا عاجزون عن فك شفراته . و لن أطرح هنا النظريات و تاريخها في نشأة المجموعة الشمسية و إستقرارها بقدر ما أحاول لفت النظر إلى قضية طالما كررتها و هي إستحالة فهم النص القرءاني في عمقه دون الغوص في البحث الكوني عمليا ، فعبثا نحاول القراءة دون الرجوع إلى المخبر الكوني.

سنتعتبر حد مجموعتنا الشمسية حزام كويبر و سحاب أورث و سنعتبر مجموعتنا الشمسية مكونّة من :

ـ شمس

ـ كواكب

ـ قمر ( أي كل الأقمار الموجودة الملتصقة بالكواكب و قمرنا ليس إلاّ واحد منها )

ـ كويكبات مكوّنة من أجرام صخرية صغيرة الحجم مقارنة ببلوتو

 

إنّ يوسف رأى سجود أحد عشر كوكب و الشمس و القمر له و غاب عن هذا السجود الأجرام الصخرية الأخرى خاصة منها حزام الصخور الموجود بين المريخ و زحل و أحزمة الصخور في زحل و أورانوس و هؤلاء جميعا من صلب المجموعة الشمسية و من بقاياها ممن لم يتجمع في كوكب و بقي شاهدا على نشأة مجموعتنا. و هذا الغياب له أسبابه الفيزيائية في إمتناع السجود ، فهاته الأجرام الصخرية تنتمي في حركتها إلى ما يسمى "فيزياء الفوضى" و هي ليست ساجدة تخضع لقوانين حتمية . و أب يوسف يرفع عنّا الغطاء ليكشف لنا أنّ كل ما في المجموعة الشمسية هو منه :

"لا تقصص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا"

 

الشمس و الكواكب و القمر (الأقمار) و الكويكبات و الأجرام الصخرية كلها من إخوة يوسف و أكاد أخطها بالتاء المفتوحة لأوضح هذا التوّلد "إخوت" ، و قول القرءان عن كيد هؤلاء الإخوة على لسان يعقوب هو توضيح لصعوبة نشأة الأرض و أخذها موقعها و حجم ما أعاق سيرها . و مهما ظهر من إستحالة هذا الكوني الفريد و ظهور الحياة على يوسف بأخذها لموقعها فإنّ الحدث قد وقع راسما إرادة و مشيئة الذي خطط و نفذ و ما يلبث الوهم يرتفع عن كل من يشك في إعاقة إرادة الرّب "إنّ الشيطان للإنسان عدو مبين" ، فلفظ الشيطان في القرءان دال على ما نطلق عليه اليوم في تعبيرنا الأعجمي وهما.

 

إنّ هذه الخطوات التأويلية ستقودنا إلى إعتبار يعقوب هو كل هذه المجموعة الشمسية من أبسط مكوناتها الصخرية إلى أكبر جرم فيها و في إسم يعوقب "عقب" الدال على الخلفة ، فيوسف الكوكب يتحدث مع هذا الكل التجريدي ليطالبه بشرح نشأته في كل جزئية فيه و هذا الكل التجريدي "يعقوب" يطالبه أن لا ينسى جزءا من هذه المجموعة في إستنطاقه للحدث الكوني لمعرفة ملابسات نشأته في كل تفاصيلها "تفصيل طل شيء".

 

إن يوسف بحكم تفضيله يجعلنا لا نخطئ في تعيينه فهو كوكبنا الأزرق بحكم بث الحياة فيه و إستقرارها هذه المدّة البسيطة منذ تجمد براكينها منذ ما يقارب مليار سنّة و بداية ظهور الحياة فيها و ظهور الإنسان فيها منذ ما يقارب 4 ملايين سنة فنشأتنا في هذا الكوكب تكاد تكون لحظة في عمر يوسف و لهذا يطالبنا يعوقب و سيبقى يحن إلى هذه المطالبة للحفاظ على هذا الكوكب من إخوة يوسف ، فأساس خلافتنا هو الحفاظ على كوكبنا لتمكيننا من الإنطلاق نحو الكون الفسيح. و هذا ما يؤكده الرب في تأويل إسم يوسف :

" وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمـُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى ءالِ يَعْقُوبَ كَمآ أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ ؛ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمـٌ حَكِيمـٌ " يوسف :5

إتمام النعمة على يوسف هو وضعه في مكانه كما سيوضع ءال يعقوب من المقربين منه ، و هنا يحتاج الأمر منّا وقفة. فالأية أغفلت إسم يعقوب و ذكرت ءاله لتزيدنا قناعة بفهمنا الأول و تقودنا إليه و هو أن يعقوب هو الأب و الموّلد لكل هذه المجموعة ، فهو إسمها التجريدي . ثم الحديث عن ءال يعقوب و الحديث عن يوسف هو حديث عن أجرام مؤهلة لظهور الحياة فيها فوضع إسم الأنبياء على أسماء هاته الأجرام هو وضع للحياة فيها فمثل هاته الأسماء خالدة حيّة حياة القرءان . و نرى في إسم إبراهيم و إسحاق الكوكبين الّذان حُضرّا قبل الأرض و هيئّا لظهور الحياة فيهما قبل الأرض و الأسماء في نظري لا تعدو عطارد و الزهرة و المريخ و إن كنت أميل إلى عطارد و الزهرة لقربهما من الشمس، و تبقى أمامنا إشكالية في التأويل ، إذ كيف يكون يعقوب شاملا لكل المجموعة و يكون أبواه إبراهيم و إسحاق جزءا من المجموعة.

إنّ يوسف مجتبى و ليس مصطفى ، فهو ليس إلاّ بداية للإصطفاء إذ كثير من الأجرام في مجموعتنا الشمسية يمكنها إستقبال الجياة و رعايتها و عبارة "يعلّمك من تأويا الأحاديث" تجعلنا نقف عند هذا الحد في حل معضلة إيراد أسماء و إبراهيم في الأية.

 

2 ـ كيد إخوة يوسف له.

و تبدأ قصة نشأة يوسف منذ تصلبه جسدا و ذاتا مستقلة إذ سرعان ما بدأ كيد الإخوة و بدأت العوائق تكبح سيره و إرتقاءه بمحاولات لم تفتر :

" لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ ءايَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (😎 اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)" يوسف

 

القتل إنهاء للحياة و هؤلاء الإخوة يريدون قتل يوسف أي إنهاء وجوده و هنا حديث عن الصعوبات الجمّة في تأقلم يوسف مع المحيط لتبدأمرحلة الظهور ثم السير ثم البقاء و لكن عبارة "اطرحوه أرضا" عبارة توحي بمحاولة إخراجه نهائيا من الساحة إلى مكان بعيد . لنقف مع هذه العبارات لحظات :

لم يرد الجذر العربي "ط ر ح " في القرءان إلاّ مرّة واحدة في هذه الأية تحديدا و هنا أؤكد ما قلته مرارا أنّ جهل البنية اللفظية في القرءان سيُبقي إجتهاداتنا في تحديد مفاهيم ألفاظه بالمشترك اللفظي حبيس التخمين فورود بعض الجذور القرءانية مرّة واحدة هو إرغام لنا على بحث البنية اللفظية و دفع بالقوّة لدراستها رغم كثرة إيراد المشترك اللفظي في القرءان إلاّ أنّه طور و مرحلة فقط. عبارة "اطرحوه أرضا" تشير إلى بعثرة يوسف في الأرض لتغيير مساره و فلكه و إخراجه نهائيا من الإمتياز الذي يحظى به عند أبيه . فإما محوه و بعثرته غبارا و صخرا "اقتلوه" و إمّا إبعاده عن نظر أبيه "اطرحوه أرضا" في أرض لا يقوى بعدها على العودة إلى وطنه الأم و جعله عبدا لمن يتلقفه . كل هذا حدث للأرض بما شهد به تاريخها من مذنبات سقطت و من نيازك سقطت و دمّرت و أكبرها النيزك الذي اقتلع طرفا كبيرا هو ما نراه الأن صاحبا ليوسف و هو قمرنا المنير ، كان هذا في بداية نشأتها . و نرى كيف تصوّر هذه العبارة "اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا" صعوبة إستقرار كوكبنا الأزرق في مداره و في فلكه المصطفى و كأنّ عملية الإستقرار كادت أن تعصف بالأرض و تخرجها نهائيا من المجموعة الشمسية لتبقى الكواكب الأخرى وحدها في مقابلة الشمس . و ترسم عبارة "يخلو لكم وجه أبيكم" لوحة كونية خاصة فهي تشير إلى أنّ بعض إخوة يوسف ظهرت فيه الحياة قبل يوسف و لكنّها لم تستمر و عدم إستمرارها و إستقرارها راجع أولاّ لموقعها ، فكل منها يحاول الأن أن يفوز بالموقع المميز "و تكونوا من بعده قوما صالحين" .

 

3 ـ يوسف بين غيابات الجب و مهانة السيّارة

إخوة يوسف بدأوا في التآمر بدعوة الأب لتسليمهم يوسف و نرى هنا كيف أصبحت كل الضربات ممكنة من حيث أن يعقوب يصوّر هذا الكل التجريدي الذي منه يُستخرج الكيد و منه فقط فالمجرات الأخرى بعيدة جدّا و تأثيرها الجاذبي قليل بل إنّ الإستجداء بها معناه تحطم الكل خاصة و أنّ الكيد ليوسف تكفي معه القليل من الحيلة و لا داعي للكيد العظيم . و يفاجئنا أحدهم ينطق قولا بعبارات الرحمة :

"قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمـْ فَاعِلِينَ" يوسف:10

 

هل قتل يوسف سيأتي بالأمن و المحبّة أم أنّه سيجعل هؤلاء مصابين بعقدة الجريمة بل قد يفتح هذا القتل الطريق المستقيم لهدم العلاقة بينهم جميعا ؟؟ . إنّ هذه العبارة لها وزنها في التأويل الكوني ، فبدء الإصدامات النيزكية جاء مبكر جدّا بعد تكوين كوكب يوسف و بداية تصلب قشرته الخارجية ، و هذه الضربات أفلحت في إنتزاع جزء كبير منه "يلتقطه بعض السيارة " أي بفقدان بعضا من كتلته يصبح أكلة سائغة للكواكب الأكبر منه و يمكن إبتلاعه بسهولة إن هو خرج عن مداره و الذي حدث ليس إبتلاع يوسف بل إدخاله في علم ظلمة بفعل الإصدامات النيزكية و تغطيته بالدخان الصاعد ، و نرى رسم الصورة رسما يكاد يكون مبصرا "غيابات الجب" . و تصور بقية الأيات هذا الصراع اليوسفي مع إخوته على البقاء . بين ذئب يهوى الدم و لكن الدم الذي قدّم ليعقوب كذب . و هنا نرى في لون الدم لون البركان المتصاعد و في الدم تصدع الأرض تصدعا كليا و خروج الماغما من جوفها بفعل الإصدامات النيزكية و لكن هذا لم يحدث و أنّ ما فعلوه سيُكشف :

"فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ " يوسف :15

 

ها نحن الأن بدأنا كشف الأمر بوحي باق بما أُودع في مجموعتنا الشمسية من أدلّة تشهد على ما حدث و تكفي الفيزياء شاهدة و مستقية لهذا الوحي المبثوت . و نرى في إسم الذئب جمع و ليس فردا إذ يأتي الجمع و كأنّه فردا هاجما على فريسته ليقضي عليها و كذلك جمع النيازك عندما تأتي من كل صوب . و لكن القميص "الغلاف الجوّي بتعبيرنا" لم يشهد على القتل بل هذه شهادة كذب و هنا هدي قرءاني لبحث نشأة الكون من مكوّنات قميصه

Atmosphere

إنّ السيارة أتت كما كان متوقعا بعد أن ألقى إخوة يوسف به في غيابات الجبّ و هذه السيارة بدل أن تأخذه قايضته بثمن بخس و لم تعرف قيمته . إنّ هذا شهادة على أنّ كوكبنا يوسف أزاحته عن مداره الأول أجرام أخرى مرّت في موقع تأثيرها الجاذبي به و ألقته في مدار أخر أكثر تهييئا له لإستقبال الحياة ، لقد ألقته في بيت العزيز .

 

يمكننا تأويل "غيابات الجب" بالنيزك الذي ضرب الأرض في نشأتها و افتض منها القمر و أدخلها في ظلمة شديدة و غيّر مدارها نحو مدار أفضل للمهمة الآتية و بدل أن يتحقق كيد الإخوة تحقق ما لم يكن في ظنّهم مطلقا و بدل الطرح أرضا ها هو يوسف يدخل لسيره المرسوم بفعل نفس هذا الكيد :

"....وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ؛ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" يوسف :21

 

إن في كوكب يوسف تأويل للأحاديث المتعلقة بنشأة مجموعتنا الشمسية بل في السورة تفصيل لكل شيء متعلق بمجيئنا و نشأة أرضنا و تفصيل لمهمتنا بعد هذا العناء الرّباني لتمكين السنن من إنشاء الحياة في مكان ليس له إمتياز معين في حافة مجرّتنا . كل هذا قراءة في معراج كوني ، يكفي أن نفتحه ليصلح طرحه الداخلون بتتبعهم و تدقيقهم في الحدث الكوني الكبير :

"لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ " يوسف :7

و للحديث بقية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...