كما رأينا فعبارة "تصديق الذي بين يديه"
حديث عن مستقبل و ليس عن ماضي ، مستقبل سيجعل بينات الكون تصادق على بينات القرءان
و هدي القرءان يقود إلى بينات الكون في جدلية متصاعدة .
ترتيب السورة يتبع في قصصه ـ أي في تتبعه للحلقات
ـ ترتيب الحدث الكوني المستقبلي وصولا لإسجاد الكواكب و الشمس و القمر، و السورة
بهذا أحسن القصص لأنّها اخترات حدثا تاريخيا مناسبا لموضوعها الكوني و اختارت منها
الحلقات لتلبسها في باطنها حقيقة ما ترمي إليه و السورة هدى و إشارات و رحمة
"لقوم مؤمنين" ممن تعاضدت أياديهم في البحث في نفس الوعاء
"مؤمنين" بالياء اليد و النون و الوعاء ، وعاء يبحث عن آلية ظهور كوكبنا
يوسف و ظهور الحياة فيه و السورة دفع ربّاني لتحويل رؤيتنا حقيقة لأننا في عالمنا
نعيش رءيا حقيقة كما سنفصل الحديث عنها في باقي البحث ، فيقظتنا رءيا بحق لن
نستفيق منها إلاّ بالتأويل المستقبلي كحال من يرى رءيا في منامه و يحتاج جهد
تأويلي لفك طلاسمه و كذلك حياتنا اليومية و حركتنا الفردية و الجماعية تحتاج لجهد
تأويلي لكشف الهدف و الغاية و الوسيلة.
سورة يوسف كباقي سور القراءن قول ثقيل و عمل بحثي
تأويلي يصاحبنا إلى نهاية هذا الكون فتحت السطح باطن و تحت الباطن بواطن تعرج بنا
لنصل إلى أحدية الله الواحد الأحد و نهاية سورة يوسف تعيدنا إلى بدايتها ، و هي
حالة مع أي نص متشابه حتّى و إن كان إنسانيا بشريا و لكن الفرق أن مع كل إنهاء
لقراءة السورة نجد أنفسنا في البداية و مع النص البشري سرعان ما تكشف لنا العودات
ما يحمل في كل تجلياته :
"الر تِلْكَ ءايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ
(1) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرءانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ
نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ
وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)" يوسف
ما معنى أن تبدأ السورة بفاتح طلسمي ؟
عكس ما يتصور القارئ ، فمن صاغ القرءان يريد
مشاركة القارئ و قد أرسل له كلاما يحتاج إتمام و عليه إتمام الفراغات الباقية و لن
يستطيع هذا القارئ الإتمام ما لم يعرف ما هو موضوع الرسالة و ما هي بنيتها ، فجواب
الفاتح موجود في القرءان لكن هذا الجواب يحتاج منّا قراءة في الكون أوّلا، إنّه
أشبه بمن يكتب لك معادلة كيميائية :
غاز الهيدروجين + غاز الأوكسجين ---- > ماء
H2 + O2 H2O
كيف ستفهم الشفرات ؟
تحتاج لفهم تكوين الذرات ثم طرق إلتقاءها و هذا لا
يكفي فأنت تحتاج لفهم بنية النص لتفهم أن
H2O
يُقصد به الماء.
هذه السورة من بين 29 سورة يمكن أن تعطينا مفاتيحا
لفهم البنية الداخلية للقرءان و إيجاد الجسور بين الكتاب القرءاني و الكتاب الكوني
و طبيعي أن موضوعا كهذا يحتاج لجهود جماعية مضنية لدخوله . فالفاتح ينتظر الإتمام
و إتمامه لا يعني دخولا في عالم التخيلات و الفرضيات التي لا تُبنى على أسس بل هو
دخول يحتاج منّا الإنتقال من عالم السحر إلى عالم الكيمياء العلمية.
يمكن للقارئ أن يرى في الفاتح "الر"
إختصارا لـ "الرءيا" إعتمادا على الجانب الشهودي الأيمن منها و ترك
الجانب الغيبي "ءيا" ، إذ القرءان موسوم السير من اليمين إلى اليسار أي
من الشهادة إلى الغيب في صعود متسلسل و هذا مجرد قلم لا يمكننا بحال الإعتماد عليه
الأن و الذي يهمن أن الفاتح "الر" ءايات للكتاب المبين ، فهو جسر ينقلنا
للكتاب الكوني و القرءاني في آن واحد و علينا إن أردنا فك شفرته أن نعقل القرءان
العربي أي أن نغوص في بنيته الجذرية فالعربي ليس وصفا لقومية بل وصف لجذرية الكتاب
و إلى الأن لا زال بحثها يحبو و لا زال متبعي الخرافة يبحثون عن الأحكام الفقهية
في كتاب الهدى الربّاني القائد إلى الخلافة في الكون كلّه.
هنا المفصل ، فمن لم يعرف هذه الحقائق البدائية في
قراءته للقرءان لا يزال غافلا " و إن كنت من قبله لمن الغافلين" ، فهذا
المقطع يهدينا إلى منهج قراءة القرءان و دخول جدليته و حقيقة لا زلنا غافلين
لأنّنا لم نصل بعد إلى شيء في ربط البحوث الكونية بالقرءان لنكشف شيئل من بنيته
اللفظية رغم التطور الهائل في ميدان الإعلام الآلي و البرمجة وصولا اليوم إلى
الكمبيوتر الكمّي
Quantic computer
البحث في القرءان لا يُراد به التبرير لمعاجز أو
عقائد فمن يدخله بهذه الطريقة مريض يحتاج لشفاء، إذ كيف لإنسان أن يبرر لرّبه !!!!
البحث الجدي في القرءان يبدأ من التساؤل الحقيقي عمّا يحمله من إشكالات مطروحة و
أغلب من ينتقد القرءان يقدّم بنقده هذا خدمة لا يتصوّر الناس حجم فائدتها على
الناس مستقبلا فمنها يبدأ البحث الحقيقي.
إنّ سورة يوسف تضع الإنسانية كلّها أمام مصيرها
كوحدة في مشروع كبير إسمه الإنفتاح على على خيرات العالم الفسيح بدل الصراع
المستديم على خيرات محصورة في كوكبها فهي تدعونا للإنتقال من أرض يعقوب إلى يوسف ،
من حال الأزمة إلى حال الرخاء فكلّما حلّت الأزوة في مكان و تراكمت علينا توسيع
دائرة الإمتداد ، من منطقة إلى قارة و من قارة إلى كوكب و من كوكب إلى مجموعة
شمسية خروجا إلى العالم الفسيح، و مثل هذا المشروع ـ كما فعل يوسف مع رءيا السبع
بقرات ـ هو الذي سيقلل من حقدنا على بعضنا بأن يؤمن الحد الأدنى لكل فرد و مثل هذا
المشروع هو من سيفتح لنا الأفاق لنصرف طاقتنا في البحث لنفع الأخر من خيرات الكون
الفسيح بدل صرفه في صناعة أدوات الموت و الخراب و الدمار و إبادة الأخر و تهجيره و
إستعباده و الهيمنة عليه ، أليس من يتلو القرءان هو الألولى بمشروع البحوث
الفضائية !!
مشروع الخلافة أي مشروع نشر الحياة في الكون
الفسيح هو المشروع الوحيد القادر على إمتصاص البطالة و العطالة و هو وحده القادر
على إطفاء السلوك الهمجي الذي تميزنا به خلال رحلتنا المؤسفة في كوكبنا يوسف
الأزرق.
و الأن بعد ختام هذه التوطئة سندخل في الموضوع.
للحديث بقية.
-------------------
كنّا فيما سبق جعلنا يوسف ممثلا لسكان الكوكب الأزرق و جعلناه من عقب
يعقوب "المريخ" الذي ظهرت فيه الحياة قبل ظهورها في كوكب الأرض و أنّ
يوسف سيرسل منه من يفعّل في يعقوب قميصه غلافا جوّيا ليبصر من جديد و يعود حاويا
للحياة كما كان . ذلك هو التأويل العام لسورة يوسف فقد اعتبرنا السورة في بناءها
رءيا تحتاج إلى فك رموزها .و قبل أن نغوص في تفاصيل هذه الرءيا في ثنايا خطّها
العام نحاول أن نتعلم من السورة نفسها آليات تأويل الأحاديث .
بداية نرى في تكرار السورة لعبارة "تأويل الأحاديث" بدل
"تأويل الرءيا" هديا للقارئ لينتبه إلى أنّ الرءيا إسقاط لحديث و ليست
أضغاث أحلام و نقرأ :
" وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ
الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا
أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ "يوسف:6
" وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ
أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ
مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ
وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ
يَعْلَمُونَ" يوسف :21
" رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن
تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي
الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
" يوسف :101
وصول المرء إلى المعنى الأول المراد للحديث هو تأويل الحديث و إخراج
لغزه حقيقة هو التأويل و الحديث متعلق بمفهوم الشيء الذي يخرج و يتسع ظهوره بعد
خفاء و ستر فالثاء في أخر لفظ "أحاديث " تدل على البث و الإنتشار. فما
يخرجه الدماغ في منامنا هو نقل مشفر للأحداث التي أبصرناها في يقظتنا ، فإن كانت
صورة الحلم كاملة نستطيع أن نخرج تأويل الحديث كان مسمّاها رءيا أمّا إن كان ما
أبصرناه لا يكفي لإخراج صورة متكاملة كان مسمّاه أضغاث أحلام . فالرءيا ربط بين
عالمين بهمزة تتوسط اللفظ في الفضاء
ر ء يا
و كأنّنا بين عالمين منفصلين ينتظران حلقة الوصل و حلقة الوصل ليست
إلاّ تأويلا يربط بين طلاسم الرءيا و حقائق الأحداث . فيوسف بلغ مستوى ربط
العالمين وفق تربص طويل صورته سورة يوسف بعجزه عن فهم رءياه الأولى للكواكب
الساجدة و معرفته التأويلية لرءيا صاحبيه في السجن و رءيا الملك. و هذا ما سنفصل
الحديث فيه الأن قبل تطرقنا للرءيا السورية التي تنتظر التأويل و التي سنرجئها
لفصل لاحق.
1 ـ "يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي
رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ
قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ " يوسف :41
نرى في تسمية السورة لتأويل هذه الرءيا في رمزها الطعامي بالفتوى دليل
على إرتباط تأويلها بعملية رياضية عسيرة الحل بتشابك علاقاتها الكثيرة فلفظ الفتوى
في القرءان متعلق بإيجاد الحل الأمثل في قضية مطروحة و هو ما يسميه الرياضيون بـ optimisation إنّ هذه الفتوى ليست
نبوّة لحدث مستقبلي لم يحصل بعد بل هي تقرير قد وقع فعبارة " قُضي الأمر الذي
فيه تستفتيان" تشير بوضوح أنّ السجينين و يوسف يدركان أنّ الحكم قد أصدر
فيوسف لم يفعل إلاّ تقرير الأمر بفك طلاسم الرءيا و ما فعله هو فتوى للأحداث جاءت
إشارتها في محيط السجينيين ، فهما و لا شك أبصرا تغيرات في محيطهما من إشارة من
حارس ربّما أو تغير في شكل سجنهما أو غيرها من التغييرات التي يوصل عقل أجزاءها
إلى معرفة الحكم النافذ فيهما و لكن ما أبصراه لم يعقلاه و دماغهما هو من أخرج
الحدث في شكل رءيا فالأية 41 من سورة يوسف تجعلنا نرى الرءيا مرتبطة بالمحيط فما
يراه الإنسان في نومه ليس إلاّ خروجا لربط الأجزاء التي تفاعل معها و هو مستيقظ و
خروجها في شكل لغز ينتظر الحل و لا شك أنّ مثل الحل فتوى لا يمكن لمن لم يعاصر
الرائي أن يحل خيوطه فيوسف صاحب السجنيين و ربّما غاب عنه الحكم الذي أُصدر فيهما
و لكن الرءيا التي رءياها أعطته الخيط الناقص. و يظهر أنّ الملك قد سجن الفردين
لشك في إخلاص أحدهما و يظهر أنّهما يعملان في حاشية الملك و اللجنة التي قامت
بالتحقيق توّصلت إلى خيانة أحدهما و براءة الأخر بدليل :
"و قال للّذي ظنّ أنّه ناج منهما اذكرنى عند ربّك"
إشارة أخرى أنّ فتوى يوسف تحمل الحل الكلي و لكنّها تجهل التفاصيل
فيوسف لا يعرف بوجه التحديد من هو الناجي من صاحبيه في السجن و من هو الذي تمت
إدانته فعبارة "أمّا أحدكما" و لفظ "ظنّ" تشير إلى هذا الجهل
بالتفاصيل مع العلم بالحل النهائي و هو أمر غريب جدّا أن يعلم يوسف أنّ الرءيا تدل
على أنّ هناك فرد ناج سيعود إلى عمله و فرد سيُدان و لكن يوسف يجهل هوية الناجي.
فكيف سنحل هذه المعضلة ؟
رءيا تعطيك نهاية الحدث دون توصيف لتفاصيله الداخلية !!!
لحل هذا الإشكال ، علينا أن نعود إلى الأية 36 من السورة :
" وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ ، قَالَ أَحَدُهُمَآ
إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ، وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ
فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ، نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ،
إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" يوسف :36
لفظ "تأويله" يشير إلى حدث مفرد و ليس إلى حدثين و كأنّ
إجتماع الرءيين هو من يصنع الحدث الذي يقود إلى التأويل فليست كل رءيا منفردة
قادرة بإعطاء تأويلها بل إجتماع رؤى أصحاب القضية هو من يعطي للحدث بعده التأويلي
و هذا ما يجعلنا نرى في عملية الدماغ الفردي في ترتيب معلوماته ليليا عملا
إنفراديا قد يكون في غالب الأحيان قاصرا عاجزا عن إعطاء تشفير لما يحدث حولنا في
المحيط. و هذا يجعلنا نتساءل عن حدود الحلم الذي يرتفع إلى مستوى الرءيا فليس كل
حلم رءيا . فهل في الأيات ما يميز هذه الحدود ؟
و قبل أن نجيب على هذا السؤال سنحاول معرفة السجين الذي ظنّ يوسف أنّه
ناج إذ ظنّه لم يكذب بدليل أنّه تذكر يوسف بعد سنين . هل الناجي هو من يعصر الخمر
أم من تأكل الطير من الخبز فوق رأسه ؟؟؟؟
ما هو رمز الخمر و ما هو رمز الخبز بل و ما هو دليل كل منهما ؟
إنّ عبارة "إنّي أعصر خمرا" لا تدل على أن الرجل يعصر عنبا
ليخرج منه خمرا إذ هندسة العبارة تمنع هذا المعنى إذ كيف يعصر الإنسان خمرا و هو
أساسا خمر و الأسلاف ذهبوا إلى هذا المعنى لقناعتهم بنظرية المجاز و لكن منهجنا
المتبع أن لا مجاز في القرءان بل ألفاظه حق . و بهذا نرى أنّ العبارة تدل على أن
ما يخرج من هذا الإنسان من جلده و جسمه ليس عرقا بل خمرا فـ "إنّي أعصر
خمرا" تشير أنّ العصر ذاتي من نفس هذا الفرد كقول القائل "إنّي أعصر
عرقا" و يضعنا هذا المعنى على بداية تأويل الرءيا إذ من يعصر خمرا يعصره
لموته بتخمر محتويات جسده الميت أو هو الحي الذي وضع على جسمه طيبا تحوّل بفعل
بقاءه على الجسم خمرا أو ربّما تناول خمرا فأصبح عرقه المتصبب يفوح خمرا. و إذا
أضفنا إلى هذه الشق رءيا السجين الثاني لتكتمل الصورة لرأينا أنّ من يحمل الخبز
فوق رأسه حامل نعمة لمن حوله فقد يكون حمّالا يعمل في نقل البضائع و الأرزاق تأتي
الطيور الأليفة لتلتقط حبات قزتها من فوق رأسه أو قد يكون قتيلا أدخل جسمه كلّه في
الأرض و أُبقي على رأسه ظاهرا و هذا من معاني الصلب و تُرك هكذا إلى أن مات تزوره
أكلة الجيف من الطيور لتأكل من رأسه فعبارة "إنّي أحمل " لا تشير إلى
حركة و لا تشير إلى عدمها و كذا لفظ "الخبز" لا يمكننا فهم دليله إلاّ
بفهم البنية اللفظية في القرءان إذ لم يرد في القرءان إلاّ مرّة واحدة و سنكتفي
هنا بالقول أنّه يمثل رزقا ظاهرا لا يحتاج إلى عناية و إستخراج لتناوله . و نرى
أنّ الإحتمالات كلّها واردة في هذه الأية :
"يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ
خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ
الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ " يوسف :41
يوسف بلسان القرءان العربي الحق لم يقل "تأكل الطير من خبز
رأسه" بل قال "تأكل الطير من رأسه" ليدخلنا في مأزق أخر أكثر
تعقيدا بتأويله و علينا فك ما تقوله هذه الأيات بالدخول في هندسة عباراتها و
التركيز في كل جزئية فيها إن أردنا فهم جدلية تأويل الحديث.
لنوّحد الرءيتين فهما رءيا واحدة ترسم الحدث الواقعي بشفرة دماغية إذ
الأية 36 جعلت رءيا كل سجين داخل نفس الأية لتشير لنا أنّهما ضمن نفس الجدث فلم
تفصل كل رءيا في ءاية مستقلة بل جعلتهما في نفس الأية:
أحد السجينين و لنسميه "س" يرى نفسه "يعصر خمرا"
و الأخر "ع" يرى نفسه " أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه" و
توحيد ما راياه يجعلنا نرى إحتمالات أربعة للرءيا الموّحدة و ليسمح لي القارئ أن
أوضحها برسوم مثالية ليست إلاّ طريقة لوضع القارئ في الحدث :
أ ـ "س" ناج يضع طيبا ليقابل وظيفته عند الملك أو ينادم هذا
الملك بعد الإفراج عنه و "ع" ناج كذلك سيفرج عنه و لكنّه لن يعود إلى
منصبه بل سيُترك لمصيره ليُدبر أمر قوته و سيُضطر إلى التقهقر و النزول إلى
الوضائف الدنيا ليؤمن رزقه.
ب ـ "س" ناج و "ع" مدان و سيصلب في التراب و
يُترك ليموت تحت الجوع و العطش لتأتي الطير و تأكل من رأسه.
ج ـ "س" مدان يُقتل و يُدفن و يتخمر جسده بفعل الموت و
"ع" ناج يعمل في صناعة الخمر الملكية ناقلا للخبز
د ـ "س" مدان" يُدفن و "ع" مدان يُصلب
إنّ يوسف انتهى في فتواه إلى أنّ أحدهما ناج من غير أن توضح الأيات هل
هذا الناجي بريء و إلى أخر مدان من غير أن توضح الأيات هل هو حقا صاحب فعلة
الخيانة . و لم تتهم الأيات يوسف بالكذب عندما لم يرد توضيح ماهية الناجي بل جعلت
توصيفه لهذا الناجي ظنّا "وقال للّذي ظنّ أنّه ناج". فالإحتمال
"أ" و "د" أخرجهما يوسف من الفتوى و أكد أنّهما غير واردين .
فيوسف لم يتحدث بهذه العبارات :
"أمّا أحدكما فيسقى ربّه خمرا"
"و أمّا الأخر فيُصلب فتأكل الطير من رأسه"
بل هذا قول القرءان في رسم صورة الحدث الحق بلسانه العربي الحق ،
فالقرءان يخبرنا بطريقة الفتل في هذا المكان الجغرافي للمتهم بالخيانة و يضعنا مثل
هذا التفصيل الباحث على المكان التاريخي و الجغرافي الذي تواجدت فيه أحداث النبي
الكريم يوسف التاريخي. و لنا أن نسأل ما الذي جعل يوسف يخرج الإحتمالين
"أ" و "د" من فتواه؟
نرى أنّ الإحتمال "د" غير وارد إذ الحكم الذي سيصدر هو حكم
على الخيانة فإدانة الخائن بدفنه في هذا الوضع التاريخي الجغرافي غير واردة و أمّا
الإحتمال "أ" فإبعاده يرجع إلى معرفة يوسف بعدل القضاء في هذه المدينة و
أنّ البريء تُرجع إليه حقوقه غير منقوصة و الدال على عدل هذه المدينة سياقات
الأيات في كل السورة. لكن ما الذي جعل المدان يأمل في البراءة و ما الذي جعل
البريء يخاف من العقوبة. فما في الأيات من رءيا كل واحد منهما تجعل كل واحد منهما
يأمل و يخاف في آن واحد و ما هي الإشارات التي أبصراها في محيطهما التي جعلتهما في
حالة أمل و خوف ؟؟؟ و ما الذي حوّل بصائر أحدهما إلى عصر الخمر و الأخر إلى حمل
الخبز الذي تأكل الطير منه و كيف نستطيع من هذه الشفرات الوصول إلى التغييرات التي
أبصراها في محيطهما ؟ بل السؤال الجوهري هو :
كيف استطاع يوسف أن يميز هذين الحلمين ليجعلهما رءيا و ما هي المعايير
التي جعلته يتأكد أنّ ما رءاه السجينين رءيا تستحق تأويل الحديث. أسئلة نتركها
للقارئ لنقف هنا و نواصل رءيانا لاحقا
سورة يوسف رءيا تحتاج إلى فك رموزها و في ثناياها تطبيقين عمليين
لتدريب القارئ على تأويل الأحاديث و فيما سبق حاولنا ولوج رءيا السجينين . و
انتهينا إلى سؤال جوهري مفاده أنّ ليس كل حلم رءيا و أنّ للرءيا حدود و أنّ الرءيا
ذاتها ليست إلاّ تشفير من دماغنا حال النوم لما نبصره حال اليقظة.
ما نبصره في يقظتنا من تفاصيل في محيطنا و من تغييرات في هذا المحيط
لا يعبّر طبيعة عن وجود حدث سيقع لم نصل إلى معرفته من خلال ما أبصرناه و عجزنا عن
تحليل ما يحوي من إشارات. لا بدّ أن نحدد أولاّ أنّ ما نراه في واقعنا يحوي الحد
الأدنى من المعلومات الكافية لجعلنا نتنبأ بوجود حدث و هذا نفسه ما يحاول الدماغ
فعله في حال نومنا. ففؤادنا يحاول تنظيم ما أبصرناه في يقظتنا و يرسل لنا شفرات
علينا فكّها لمعرفة هل ما قدّمه لنا هو حلم أم رءيا و سنرى في تفاصيل المقال بعضا
من حدود الرءيا.
إنّ يوسف متأكد أن رءيا السجينين بتجميع جزءيها توصل إلى حدث يجعل من
أحد صاحبيه مدانا و من الأخر ناج ، فالسجينين لم يريا الرءيا مرّة واحدة بل تكررت
و هنا لا بدّ أن نشير إلى قضية ذات أهمية قصوى حاول الأسلاف علاجها و هي مشكلة
الزمن في القرءان . فقد جعلوا صيغة "أفعلُ" للحاضر المسمى بإصطلاحهم
مضارع و صيغة "فعلتُ" للتعبير عن الماضي و نرى أنّ ما أورده القرءان
يعارض هذه القاعدة و ءاية 36 من سورة يوسف بالتحديد تعارض هذه القاعدة :
"وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ ، قَالَ أَحَدُهُمَآ
إِنِّى أَرَانِى (ا) أَعْصِرُ خَمْرًا ، وَقَالَ الآخَرُ إِنِّى أَرَانِى (ا)
أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ، نَبِّئْنَا
بِتَأْوِيلِهِ ، إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ " يوسف : 36
لننطلق من فرضية منهجية و هي أنّ من صاغ القرءان يدرك جيّدا أهمية كل
جزئية فيه ، مثل هذه الفرضية صعبة التطبيق مع نص بشري بعينه خاصة إن كان هذا النص
شبكي تتصل أجزاءه "سوره" ببعضها في شبكة معقدة و لكنّنا مضطرين لتصديق
صائغ القرءان الذي قال و كرّر في صحيفته أنّ كل جزئية في كتابه محكمة و بإعتمادنا
هذه الفرضية سنرى صلابتها أو هشاشتها .
"إنّى أرانى" تعني بحكم القواعد اللغوية السلفية :
1 ـ أنا الأن أرى و أنتم معي ترون أو لا ترون
2 ـ أنا سأرى مستقبلا
بطبيعة الحال يلجأ اللغويون إلى قواعد تهدم ما قرروه ليخرجوا من
التناقضات التي يرغمهم فيها القرءان فيقولون مثلا أنّ الفعل الماضي يمكن أن يدل
على الحاضر و المستقبل ليدل على التحقيق و تأكيد تحقق الفعل و مثل هذا الكلام لو
كان صحيحا في القرءان لكانت كل أفعاله بصيغة الماضي . و يقولون أن الفعل المضارع
يمكن أن يدل على الماضي ليجعل القارئ يعيش الحدث في سريانه . و مع أنّ هذه الإشارة
جميلة و بلاغية إلاّ أنّ تركيب القرءان في الحديث عن الحق لا يجيزه إذ القرءان ليس
حديثا عن الماضي ليحصر القارئ في صورة ماضية بل حديثه كوني دائما أي غير منقطع
حدثه و مهما تصورنا بعض ما جاء في القرءان مصاغا للحديث عن ماض فنحن نعيش وهما
بصريا سرعان ما ينقشع بتعميق الرؤية في صياغته حتّى و إن لم نصل إلى إستقرار نبأ
ما نقرأ ، فهندسة الأيات تجعلنا نعيش الحديث الكوني و تركننا إلى الإشكالات التي
لا حلّ لها إلاّ عند إنكشاف الأمر بالبحث العلمي و خروج قروء الأمر دليلا موضوعيا.
و لنعد لموضوعنا.
"إنّى أرــ ا ــنى " هكذا هو رسمها في صحيفة القرءان و ليعد
القارئ إلى صحيفة القرءان المسماة "عثمانية". إمّا أنّني أرى أو أنّني
سأرى و لكن هذا التفسير محال . إذ كيف يطالب السجينان بتأويل رءياهما و هما
يريانها الأن و لم تكتمل بعد أو أنّهما لم يرياها بعد !!!
إنّ هناك حل قلناه سابقا و إن لم نركز عليه و هو أن رءيا السجينين
تكررت و أنّ كلا السجينين يرى نفسه داخل مسرح الأحداث و نجد مصداق هذا التكرر و
تفرق أوقات الرءيا بوجود الألف الوتدية في لفظ " أر ــ ا ــنى " و نجد
في القرءان في رسم فعل "رأى" رسمين :
أ ـ "أرى " النمل :20
ب ـ "أرىا " (بالألف الوتدية على الألف المقصورة) الأنفال
:48 ـ يوسف : 43 ـ طه :46 ـ الصافات :102 ـ غافر :29
و سيجد القارئ أن الفارق بين الرسمين هو فارق بين تكرار الرؤية و
إفرادها مرّة واحدة في ءاية النمل 20 . فالألف الوتدية تشير إلى بوابة ترتفع ثمّ
تنخفض لتترك الحدث يمر ثم يقف ثم يمر ثم يقف و هذه الألف تعمل كذلك كرمح مفرق
للجمع ينزل على أفراد من أعلى ليفرقهم هاربين فوظيفتها الدلالة على الجمع في
القرءان كذلك . و هذا ما يجعلنا نؤكد أنّ قول القرءان "إنّى أر ــ ا
ـنى" تحمل دليل التكرار في طيّاتها .
التكرار هدفه التأكيد و هذا التأكيد نابع من أنّ الرءيا ليست حلما بل
وصفا لحدث أتى جراء تأكيده فيما نبصره في محيطنا كل يوم من تغييرات يؤكد وقوع هذا
الحدث و كأنّ الدماغ يشفر التغييرات المختلفة المبصرة بنفس الشفرة فأنت تلاحظ مثلا
في اليوم الأول س1 و س2 و س3 من أحداث و ترى في منامك في اليوم الثالث أنّك تشرب
خمرا و تلاحظ في يومك السابع " الأحداث ع1 و ع2 و ع3 و ع4 و ع5 و ترى في
منامك في اليوم العاشر أنّك تشرب خمرا بنفس الهيئة و يتكرر معك هذا التشفير في
أيام أخرى ، مثل هذا التكرار يعبر عن سنّة أي عن قانون جامع و حتّى مع عجزنا عن
فهم آلية طريقة تشفير الدماغ للأحداث فإنّ هذا التكرار يجعلنا نتأكد من وجود الحدث
و على عكس ما يتصور مفسري "الأحلام" فإنّ الحلم المنفرد لا يعبر
بالضرورة عن حدث بل هو في الغالب أضغاث أحلام .
رءيا السجينين رءيا متكررة للفردين بنفس الهيئة و هو أمر محير جدّا و
أكثر من ذلك فإنّ ما يرياه ليس رءيا إلاّ بتجميع ما يريانه !!!! مسألة تضعنا في
عمق ما يطرحه القرءان من إشكال علينا لنصل إلى مرحلة النبوّة من حيث أنها تنبيئ
بالمستقبل فلا نبوّة دون إستشراف للمستقبل ضمن هداية ربّانية سننية و أعرف أنّ
بعضهم ربّما يتهمني بإدعاء النبوّة و لأقل من الأن أنّ كل فرد يستطيع أن يكون
نبيّا و أولى الناس بالنبوّة هم من يتحكم في البلد سياسيا إذ لا حكم دون نبوّة و
إستشراف للمستقبل في أبعاده الإقتصادية و الإجتماعية و الفكرية. فعبارة "نبئنا
بتأويله " تشير إلى طلب ملّح لنبوة الحدث المشفر في الرءيا. و نرى أنّ يوسف
متقن لما يفعله ،متقن لما يتنبأ به بشهادة صاحبيه " إنّا نرــ ا ــك من
المحسنين " بتكرار إتقانه لما يفعله.
إنّ الحكم الصادر في حق السجينين حمله تغيير بسيط لكنّه حاسم ، هذا
التغيير أوردته الأية 37 من سورة يوسف :
"قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ
نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ؛ ذَلِكُمَا مِمَّا
عَلَّمَنِى رَبِّى ؛ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍـ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ
وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ " يوسف :37
أجزاء الأية تظهر و كأنّها متنافرة إذ كيف ينبأ يوسف السجينين بالطعام
الذي يأتيهما قبل أن يأتيهما ؟؟؟
إنّ الأية لا تقول هذا بل تقول أنّ الطعام المقدّم للسجناء في هذا
السجن له تأويل "إلاّ نبأتكما بتأويله" و يظهر أنّ تغيير الطعام المقدم
هو الذي دفع الدماغ لتشفير الحدث رءيا. و قد يكون تحسين هذا الطعام إرهاص قبل
تنفيذ حكم الإعدام في حق أحد السجينين دل عليه لفظ "ترزقانه" ، فالرزق
لا يدل على فساد الطعام و سوءه بل يدل على ما ينفع جسم الإنسان.
إنّ السجينين تلقوا تحسينا في طعامهما و ليس من العادة أن يعطى
السجناء طعاما رزقا و هذا التحسين لم يكن لأحدهما دون الأخر بل التحسين طال
السجينين و هذا ما جعل رءيا كل منهما تحمل تشفيرا إحتماليا يحمل الإدانة و البراءة
في الأن نفسه . إنّ تحسين طعام السجينين سببه أن من أصدر الحكم يريد أن يتأكد من
ردود فعل السجينين أنّ حكمه صائب و هذا ما تعبر عنه العبارة "ذلك ممّا علّمنى
ربّى" على لسان يوسف قولا بل هذه العبارة تشير إلى رؤية يوسف لتفاصيل تغيير
طعام السجينين لم يرياها و هذا ما جعله يخمن الناجي من المدان .
إلى هنا نختم رءيا السجينين لندخل في رءيا الملك كي نخرج بعد تربصنا بوسائل
تشفير للسورة بأكملها.
نظرة موضوعية للنوم
ما الذي يفصل عالم اليقظة بصوره عن عالم المنام بتصوراته ؟
لماذا تأتي الأحلام و الرءى مشفرّة ؟
من أي عالم يستمد الإنسان صوره التي يراها في منامه ؟
كيف يعلم أنّه في كوريا الشمالية و هو لم يُسافر إليها قط ؟
لماذا يحلم الإنسان و هل يحلم أساسا ؟
أسئلة يمكن أن تطول و تكفي منها هذه العينة لتضعنا أمام الإشكالية. و
لعلّ أكبر أخطار العقلانية المنطقية Rationalisme رفضها لدراسة الرءيا
دراسة علمية و طرحها لها على الهامش ما دامت لا تخضع لمقاييس التحليل الكمّي أو
الإستقرائي المباشر ولكن هذا لم يستمر طويلا فلقد دخلت الرءى و الأحلام عالم البحث
العلمي من أوسع أبوابه بعد كشف آليات المنام البيولوجية و فتراته و سنرى في هذا
البحث البسيط شيئا من الأدلة الموضوعية و نفسح المجال في الأجزاء اللاحقة للفرضيات
التفسيرية لظاهرة الرءيا في مدراسه المعروفة و أشهرها مدرستي فرويد و جانغ إذ لا
يمكن دراسة ظاهرة كونية موضوعية دون تأسيس فرضية تسمح لنا بالتقدّم نحو تأسيس الحل
بنقضها أو تأكيدها أو تعديلها.
الحلم يضعنا أمام سؤال وجودي عميق :
"ما هي الحقيقة ؟"
هل عالم حلمنا هو الحقيقة أم يقظتنا هي الحقيقة أم كل هذا هو الحقيقة؟
إذ كيف اختلف العالمان كل هذا الإختلاف.
إنّ الحلم يضع نقطة إستفهام على قناعتنا المطلقة في عالم اليقظة إذ
نشعر في العالمين بالألم و الفرح و نشعر في الإثنين بالزمن و تدعياته و إن اختلفت
جوهريا علاقات كل عالم عن الأخر.
لعلّ الإنسانية فهمت منذ زمن غائر في القدم أنّ الحلم عالم قائم بذاته
و حاولت دخوله بتأويل رموزه و شفراته و لعل نشر فرويد لكتابه "تأويل
الرءى" سنة 1900 يمثل مفصلا حقيقيا و منعرجا في إعادة الحلم إلى واجهة
الدراسة العلمية بعد أن أخرجته المدرسة "العقلانية المنطقية" Rationalism من الوجود و أصبغت عليه
صبغة اللاعلمية و نفت عنه أي عمق أو بنية. و نتذكر عباراة دانت التي جعلها فرويد
شعار كتابه و هو يحاول ربط الحلم بذات الرائي و عالم شعوره "يقظته" :
"إن لم أستطيع ثني الألهة فسأسعي لتفادي جهنّم"
عبارة عميقة لمحاولة شرح العلاقة بين يقظتنا و ما نراه في المنام.
فالحلم بهذه العبارة تخفيف لما نعيشه في عالم يقظتنا و لا نستطيع تغيير أو لم نجد
بعد وسائل تغييره. خطوة أولى و فرضية مهمة في محاولة لفهم عمل دماغنا في النوم و
لكنّها خطوة لا تقدّم الكثير لتفسير سبب مجيء الحلم مشفرا و طلسميا. ففرويد اتخذ
من علم النفس الحديث وسيلة جديدة لإخراج "الجن و الشياطين" من جسد
الإنسان كما راج هذا في الثقافة "المسيحية" القرسطية و لم يلجأ فرويد
لإستعمال الحلم كوسيلة للعلاج فقط بل اتخذه كتعريف بنفسية المريض بل بتجلي شخصية
الإنسان العميقة في حلمه و بيان عقدته الأساسية التي حصرها فرويد في العقد
الجنسية.
إنّ تلميذه Jung الذي فارقه بعد خلاف حول هذه النقطة بالذات يرى أنّه لا يمكن حصر
الوجود الإنساني في العملية الجنسية و يرى أنّ الجنس ليس محور دوران تصرفات الإنسان
فالفرد عنده لا تنحصر حياته في الفائدة المادية اللحظية و لا في الجنس و لا في
الرهبة من الموت، بل إنّ الإنسانية تحاول التخلص من هذا كلّه في مسيرتها نحو قيم
تدافع عنها و إن لم تمثلها واقعيا.
كل هذا حديث فلسفي في غائية العمل العلمي، فلا بحث علمي دون غائية و
مهما حاول الباحث إخفاء تصوراته الغائية فهي ستظهر إلى السطح و يُظهر لنا خلاف
فرويد و جانغ ضرورة وعي الباحث بنسبية غائيته و لكن فرويد لم يستطع هذا مع تلميذه
و انتهى الأمر به إلى طرده من مختبره و انتهت علاقتهما.
إنّ فرويد يقسّم عالم الإنسان إلى عالم الشعور و اللاشعور و مثل هذا
التقسيم يحاول به إيجاد تفسير للفارق بين يقظتنا و منامنا و الجهات المتباينة التي
تتحكم فيه بل يذهب فرويد أبعد من هذا إذ يجعل االاشعور متحكما كذلك في المحيط
الخلفي في عالم شعورنا. أمّا جانغ فيوسع الدائرة ليجعل من وجود "ما فوق الشعور"
عالم يمكن بلوغه بالتدريب المتصل.
و هنا نرى الخلفية الأخلاقية للباحثين ففرويد يرى في الإنسان كائنا
شريرا سرعان ما يعود إلى طبيعته السيئة ففرويد جعل عالم "اللاشعور" عالم
شيطانيا إن صح هذا التعبير تتركز فيه قوى الظلام و الأنانية و التسلط أمّا جانغ
فيرى إمكان خيرية الفرد بتعاليه لمستوى المثل العليا و لن نذهب بعيدا في فقراءة
الخلفية العقائدية لكلا الباحثين فإشارتنا هنا تكفي.
سنحاول قدر الإمكان أن نتجاوز في بحثنا هذا التنظير لنعمق النظر في
الأدلة الموضوعية و إن كنّا لا نستطيع التذرع بالعلمية المطلقة فالتفسير الفلسفي
ضروري في موضوع كهذا كما سنرى.
لا شك أنّ عصرنا هذا جعل من الحلم و الرءيا موضوعا علميا يُبحث بكل
الدقة و الأهلية الذي يتطلبها أي بحث علمي و لا شك أنّ تطور تقنياتنا في كشف مناطق
الدماغ المسؤولة عن حركتنا في حال المنام و اليقظة جعل نظرية العقلانيين من مدرسة
برجسون في تهافت و لا جدوى دراسة الأحلام و الرءى نظرية خاطئة و إلى الأبد فالبحث
أثبت و بصفة قطعية كما سنرى أنّ كل فرد يحلم في اليوم أربع مرّات على الأقل سواء
تذكرها أو نسيها و أثبثت البحوث أنّ للحلم وظيفة عضوية أساسية و أنّه يملك أعضاءه
الدماغية الخاصة و نواقله الكيميائية المحددة، فالنوم كاليقظة أشكال أساسية للحياة
.
لنبدأ في توضيح الأمر.
تبدأ القصّة بأعمال Bremer سنّة 1935 التي انتهت بإكتشاف المركز العصبي للنوم في الدماغ من
طرف الباحثان Maruzzi
و Magoun
سنّة 1949 ، هذا المركز موجود بين متوسط طرفي الدماغ و البصلة السيسائية Entre la diencéphale et le bulbe dans le F.R.A و تظهر التجارب أنّ أي تخريب لهذه المنطقة "المركز العصبي
للنوم" يجعل الفرد في نوم مستمر تقريبا كل يومه و أنّ أي تهييج لهذا المركز
يجعل الفرد دائم الحركة قليل النوم و بالتحديد فإنّ علم طرق توزيع المواد
الكيمياوية في الخلايا histochimie أثبت أنّ النوم العميق تسببه الأعمدة العصبية في هذا المركز
بإفراز مادة SEROTONINE
تطوّر آليات البحث جعلتنا نفهم أكثر الإختلاف البيولوجي بين النوم و اليقظة فنسبة
بتدخل أربعة معدلات في الجهاز العصبي تمثلها أربع أجهزة ، فمعدل SEROTONINE / NORADRENALINE
ينخفض في النوم و يرتفع في اليقظة و أمّا الجهاز المختص في إفراز مادة
DOPAMINE
هو المسؤول عن العبور من حالة النوم إلى حالة اليقظة. إنّنا هنا نتحدث عن المقاييس
الموضوعية للتفريق بين حالتين، حالة اليقظة و حالة النوم و البحوث في كيمياء
الدماغ و التفاعلات الحاصلة فيه أكبر من يوّضحها هذا البحث و لكن هذه إشارة لمن
أراد الإستفاضة بعدها. و لكنّنا مضطرين لتفصيل أطوار النوم لتعلّقها بموضوعنا. إذ
النوم ليس هيئة واحدة من سِنّة الإنسان إلى يقظته المفاجئة بل زمن النوم أطوار و
هذا ما بدأنا فهمه منذ بدايات القرن العشرين و لعلّ أوّل باحث أوحى بوجود هذه
الأطوار هو Loomis
سنّة 1938 و قد أشار في دراسته إلى وجود أربعة مراحل في نوم الإنسان من نوم خفيف
إلى نوم عميق صعدا و جاءت أبحاث Demont سنّة 1953 لتبين وجود طور خامس في النوم يحمل نفس البصمة العصبية
لليقظة TRACE ELECTRO – ENCEPHALOGRAPHE
إنّه إكتشاف مذهل أن نبق في النوم و كل الدلائل الكيميائية و العصبية
تبين أنّنا في الحقيقة مستيقظين و لذلك سمّيت هذه الحالة بالنوم المفارقي PHASE PARADOXALE . و التفسير الطبيعي لهذه
الحالة أنّ دون تأثير خارجي صوتي أو كهربائي يبق الإنسان نائما ـ مستيقضا إن صحّ
هذا التعبير. و ها هي الأطوار الخمسة إلى لحظتنا هذه و لم تزد الأيام إلاّ تثبيثا
لهذه الأطوار منذ الخمسينات :
0 ـ طور اليقظة TAEB EEG
مخططه العصبي مخطط يقظة، عينان مفتوحتان، أمواج كهروعصبية قصيرة و
سريعة وقوّتها ضعيفة.
1 ـ طور HALPA EEG
أو طور الثقالة، أمواجه الكهروعصبية طويلة ضعيفة القوة غير متراقصة و
في هذه المرحلة يبدأ الفصل الكميائي بين حالة النوم و اليقظة بالتقليل من إفراز
السيروتين و الإكثار من إفراز النوردريلانين و بداية تمركز حركة الجهاز العصبي في
مراكز محددة.
2 ـ النوم الخفيف و يبدأ بظهور موجات كهرومغنطيسية مغايرة للطور 1
متراقصة و ضعيفة القوّة ذات ترديد يتراوح بين 3 و 6 هرتز.
3 ـ طور DELTA
و هو طور إنتقالي تبدأ فيه الأمواج الكهرو مغنطيسية تتقوى لتصل إلى
علو 200 ميلي فولت مع بقاء تردادها ضعيف
4 ـ نوم ثقيل و في هذه المرحلة تطغى أمواج دالتا و تصل إلى نصف
التسجيل تقريبا في كل دورة.
5 ـ الطور المفارقي I.
REM RAPID EYE MOVEMENT
أو طور النوم السريع وفيه يعود النائم إلى حالة اليقظة إذ تبدأ
الأمواج بيتا و لكنّها أمواج متجانسة مسبوقة بأمواج مسنّنة.
ز هذه بعض الصور التي توضح تقنية إستقطاب الأمواج الكهروعصبية و بعضا
من هيئات الأمواج للأطوار أعلاه:
http://interstices.info/upload/classificateur/eeg.jpg
هذه نقاط وُضعت و يمكن لأعضاء المنتدى المشاركة في تقديم بحث علمي
مفصّل عن هذا الموضوع و الذي يهمنّي أنّ الأبحاث أثبث أنّ الحلم ينشأ في الطور
الخامس و في هذا الطور حصرا. أي أنّ الفرد في حالة يقظة لكنّه نائم و مثل هذه
النقطة الكبيرة الأهمية سُجلّ تخمينها حتّى قبل إمتلاكنا لتقنيات قياس الموجات
الكهروعصبية ففي سنة 1892 لاحظ LADD أن العينين تبدءان في حركة سريعة أثناء الحلم و هذا ما أثبته JACOBSON علميا سنّة 1938 و لا شك
أنّ الأعمال البحثية الجبّارة التي قام بها العالمان
KLEITMANN و ASERINSKY في كشف الميكانزيمات
الكيمايئية و موجات النوم المفارقي الكهروعصبية أكدّا بصورة نهائية تعلق الحلم
بالطور الخامس للمنام. و يجدر بنا الإشارة هنا أن نرى إيراد القرءان للفظ رءا سوءا
تعلّق باليقظة أو المنام و مثل هذا الإيراد يضعنا أمام إرتباط القرءان بالكون و
أنّه يستحيل ولوج الحق القرءاني و هندسته اللفظية دون البحث الكوني إذ كلا الموجات
الكهروعصبية لليقظة و طور الحلم هي نفسها إضافة إلى حركة العين في الطور الخامس.
سنفرق في باقي البحث بين لفظين و سنصطلح عليهما دون أن نخلطهما باللفظ
القرءاني. فنعبر بلفظ النوم عن نوم دون حلم أي دون الطور الخامس و نعبر عن الحلم
عن النوم المفارقي و هذه نتائج البحث الطويل الذي قام به
KLEITMANN و DEMENT لما يحدث في النوم عند
الإنسان :
1 ـ 90 دقيقة نوم + 10 دقائق حلم
2 ـ 90 دقيقة نوم + 20 دقيقة حلم
3 ـ 90 دقيقة نوم + 24 دقيقة حلم
4 ـ 90 دقيقة نوم + 36 دقيقة حلم
ففي كل 90 دقيقة يمر النائم بالأطور الأربعة أي من الطور 1 إلى الطور
4 و كل طور توضحه أمواجه الكهروعصبية و في نوم متوسطه ثماني ساعات فإنّ الشكل
الهندسي للأمواج هو تكرار لأربعة مقاطع متشابهة و لا يمكننا إلاّ إستخلاص النتيجة
المنطقية و هو أنّ الإنسان يحلم في نومه بأربع أحلام على الأقل بمدّة حلم كلية
أقصاها 100 دقيقة إن هو استهلك كل نومه المفارقي في الحلم. و من نتائج البحث أن
مدّة النوم المفارقي يقل بكبر الإنسان إذ يمثل هذا النوم المفارقي 80 بالمائة من
نوم الوليد و 50 بالمائة للطفل ليصل إلى 12 بالمائة للشيخ الهرم.
و لعلّ بحوث VAN BOGAERT قدّمت بعضا من الأدلة على إمكان وجود الحلم في كل الأطوار الأربعة
و لكنّه يعتبرها هوس حلمي غير مضبوط لا ينشأ في عمق الشبكية بل ينشأ في الروابط
العصبية أين تُوجد صور الحلم. مثل هذا يعني أساسا أنّ الحلم يتهاوى و لا تسجله
الذاكرة بتفاصيله أو هو كما يسميه القرءان "أضغاث أحلام".
و الذين يهمنّا في ختام هذا الجزء المبسط أنّ كل إنسان يحلم في نومه
تذكر هذا الحلم أم نسيه و سنقترب شيئا في الأجزاء اللاحقة من التفريق بين الحلم و
الرءيا و المنام تفريقا موضوعيا.
يتبع..
------------------
لم يصل يوسف في سورته إلى تأويل رءياه هذه المتعلقة بسجود الكواكب و
الشمس و القمر إلا في نهاية السورة بأحداثها عكس الرءى التي أولّها فوصل إلى
معناها الأول مباشرة لتعلّمه تأويل الأحاديث و هما رءيتان.
1 ـ رءيا صاحبيه في السجن
"وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ (صلى) قَالَ أَحَدُهُمآ
إِنِّى~ أَرَانِى~ أَعْصِرُ خَمْرًا (صلى) وَقَالَ الأخَرُ إِنِّى~ أَرَانى~
أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ (صلى) نَبِّئْنَا
بِتَأْوِيلِهِ (صلى) إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لاَ
يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ
أَن يَأْتِيَكُمَا (ج) ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّى~ إِنِّى تَرَكْتُ
مِلَّةَ قَوْمٍـ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالأخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
(37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءابآءى~ إِبْرَاهِيمَـ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ (ج) مَا
كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ (ج) ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ
عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (38) يَا
صَاحِبَىِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمـِ اللَّهُ الْوَاحِدُ
الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآء سَمَّيْتُمُوهَا
أَنتُمـْ وءابَاؤُكُم مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ (ج) إِنِ
الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ (ج) أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ (ج)
ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (40) يَا
صَاحِبَىِ السِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا (صلى) وَأَمَّا
الأخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ (ج) قُضِيَ الأَمْرُ
الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)" يوسف
2 ـ رءيا الملك
"يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ
سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ
يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ
تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ
إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ
شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ
(48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ
يَعْصِرُونَ (49)" يوسف
القرءان هدي الباحثين و لا يمكن لقراءة تنطلق من مستوى بلاغي لفظي أن
ترق إلى مستوى الحقيقة فيه و أن تعرج في مستويات ما تتركز فيه من معرفة، فعالم
الرءيا كغيره يحتاج لقراءة ما تشابه على الباحثين فيه ووفق هذا السقف نستطيع أن
نعرج خطوة في القرءاة و دونه ستمر هندسة الأيات دون أدنى ملاحظة و تركيز.
نرى في الرءيتين السابقتين إستشراف لأحداث مستقبلية يراهن فيها يوسف
بصدقيته أمام الناس خاصة أمام ملك ضجر من تأويلات من حوله ، و لأول وهلة يظهر
منطقيا إستحالة إستشراف ما لم يحدث ، إذ كيف يمكن لبشر أن يتكهن بمثل هكذا أمر
إلاّ إن كان عالما بكل الأسباب و محيط بها و يمكن لقارئ القرءان أن يؤكد هذا
الإخبار اليوسفي بفرضية تلّقي وحي ربّاني لا يُخطأ ، و مثل هذه الفرضية تنفي أن
يكون القرءان هاديا بل تصفه بالإعجاز و حمله لحقائق يعجز عن فهمها الناس و لا
يمكنهم بأي حال معرفة شبكتها السبببية.
من الناحية المنهجية فالقرءان لم يقل أبدا أنّه مُعجز بل قال وصف
صحيفته بالهدى أي من يقود إلى الحل ، فليس في القرءان حق لا يُمكن معرفته بل كل ما
فيه من حقائق سيستقر و سيبقى في نهاية المطاف سؤال حول كيفية صياغته و مثل هذا
الأمر سيظّل في رأيي مُغلق إلى ما بعد الفجر الجديد.
من هنا نبدأ، من نقطة الهداية و بها نقرأ القرءان ، فما يقوله يوسف لا
بدّ و أنّه يفتح نوافذ للبحث في عالم الرءيا و ليس قصده إذهالنا بأساطير يستحيل
فكّ طلاسمها.
إن اعتبرنا الرءيا سنّة كونية كلامية تأتي من محيطنا نفسه
Informational state
فستصبح الرءيا أرشيف ضخم بين المحيط و عمل الفؤاد "المخ" و
تصبح الرءيا محلاّ لبحث علمي كبير ينطلق ليبحث في السؤال التالي :
كيف يعبّر الفؤاد عن محيطه و ما هي أبجديته التعبيرية؟
لا شك أن الناس يعرفون شيئا من عمل الفؤاد في حال اليقظة و كيفية
تعامله مع محيطه لكن معرفتهم بعمل الفؤاد في حال النوم تأخر إلى حين خروج نظرية
فرويد للوجود و الأعمال الهائلة الحالية في ميدان
Cyberneutic
يوسف يُعلن قولا "إن الحكم إلاّ لله" ليخبرنا قرءانيا أنّ
لا شيء يخرج عن السنن ، فلا طلاسم و لا أحاجي بل كشف لسنن جارية في كل حال ، حال
النوم و حال اليقظة ، في المتناهي الصغر و المتناهي العظم ضمن بنى متصاعدة و أكبر
من هذا ، فكل السنن تعود لأحدية أعلنتها سورة الصمد .
الجهل بالسنن عنوان جهلنا و حدود سقفنا المعرفي و ليس هذا الجهل دليلا
على عدمية السنن و عشوائية المسار. فعجزنا عن تأويل شفرات الفؤاد في عالم الرءيا
هو دفع لنا لبحثها و لكن من تشرّب العجز و سمفونية المعاجز و المعجزات لا يمكنه
البحث إذ البحث يبدأ بشروط نفسية أوّلا.
رءيا صاحبا السجن هي رءيا من يرى ذاته أي أنّه الفرد ينفصل من ذاته
ليصبح مشاهدا لها في الرءيا و كلاهما يقول :
"إنّى~ أرانى"
و أمّا رءيا الملك فهو نفس الذات ترى محيطها.
رءى صاحبا السجن و رءيا الملك متكررة فعبارة "إنى أرى " و
"إنى أرانى" تدل على هذا التكرار إذ أن الفرق بين "أرى" و
"رأيت" فرق بين إبتداء رؤية و توليد رؤية ، و كأنّ القرءان يريد أن يرسم
بقوله إستقرار هذه الرءى عبر مراحل لتكوّن وحدة لحدث كلّه في رءى متفرقة . فقول
القرءان ليس رسما للرءى و الأحداث في تفاصيلها بل رسم لإسم الأحداث و حدودها و
ماهيتها و للقارئ بعدها أن يشكل الصور و الأحداث و التاريخ بريشته حسب سقفه
المعرفي .
رءيا الملك تدل على قضية مهمة جدا و هي أنّ الجفاف و المطر سنّة يمكن
التنبؤ بها بدقّة كبيرة و هذا ما نحاول فعله اليوم و إنّ كانت دقّة تنبؤاتنا اليوم
لا تتجاوز الأسبوع ، فرءيا الملك أملى كلماتها المحيط و سنفصل الحديث عن هذه
النقطة فيما يُستقبل من البحث. و ما يهمنا الأن هو التأويل اليوسفي و قيمته
الإنسانية النبوية. فما قدّمه يوسف في تأويله للرءيا ليس إرهاقا للمجتمع بل تنظيم
لإقتصاده و إستهلاكه و حتّى إن لم يتحقق ما قاله في تأويله فيوسف قدّم مشاريع
إنمائية ضخمة خدمة للمجتمع من بناء للمحاصن الغذائية و تقليل الإستهلاك و توعية
الناس بصيام الرزق و كل هذا بناء للمجتمع دون أن يدر أفراده فالنبي الحقيقي هو من
يغيرّ محيطه دون أن يُربَك هذا المحيط رغم حجم التغييرات الجوهرية و العميقة. و ملك
في مستوى هذا الملك ـ اقتنع أو لم يقتنع بالتأويل ـ لا يملك إلاّ الإستفادة
القُصوى بمثل هذا التأويل لتوظيفه، فيوسف لم يأمر بنصفية فقراء المجتمع و مرضاه
ليتمكن الأصحاء و الأغنياء من مواصلة عيشهم الرغيد رغم المجاعة بل ما فعله يوسف هو
إشاعة للرحمة بين كل أطراف المجتمع كلّه و تُعلي من أخلاقه ووعيه الحضاري.
إنّ الإنسانية اليوم تتلقى رءى بطرق أخرى لا تنتبه لها و تكفي إشارة
السورة لوجود نظام سنني في عالم الرءى عند نومنا و تسمية ما يأتينا من كلام في حال
النوم رءيا ليس عبثيا في القرءان، فالرءيا ليست إبصارا بل هي مفهوم تتجاوز الإبصار
و البصر إلى إستشراف ما بعد البصر ، فما تحمله الرءيا عبر الفؤاد يأتي في لباس
كلامي غير معتاد في حل اليقظة و هذا الموضوع جديد على الإنسانية بحثه و قد بدأ
البحث فيه يحبو منذ أن وضع فرويد بعضا من فرضيات إنطلاقه.
سنعود لكل هاته التفاصيل في باقي البحث و لنعد الأن لموضوعنا الأساسي
.
إعتبار يوسف رمزا لكوكبنا الأزرق ، مركز إنطلاق الإنسانية للتحكم فيما
حولها من كواكب و هي من ستنقل إبتداءا الحياة لأقرب كوكب منه لتعود إليه الحياة
ثانية ، هذا الإسم اليوسفي و من يحمله يسير وفق منهج أخلاقي يحتاج منّا الأن أن
نقف مع مفاصل السورة في بعض ءاياتها كي نقتنع بحيثيات هذه القراءة و ندرك آليات
التوصل إليها.
إنّ نهاية السورة هي من تهدينا إلى هذه القراءة اليوسفية فهي تضعنا
بإحكامها على طريق مسطور :
"لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِى الأَلْبَابِ
(قلى) مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ
وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمـٍ يُؤْمِنُونَ "يوسف
:111
هذا الحديث القرءاني لم يُخترع من فراغ "ما كان حديثا
يُفترى" ، هو ليس قصة خيالية لا إسقاط لممثيلها في الواقع ، فلهذا الحديث
ملابساته التاريخيةالمعروفة عند الناس بـ "قصة يوسف" و علاقته بإخوته و
أخيه بنيامين و أبيه يعقوب و محاولة قتله من أقرب الناس إليه ، إخوته ، ثم رميه في
الجب ثم مسار طويل جعله يرتفع في بيت العزيز الذي تبنّاه ثم عودة للسقوط إجتماعيا
بتهم ملفقة أودعته السجن ثم تبرئة واضحة و إعادة إعتبار و وصول للقمّة في المرتبة
الإجتماعية و توّلي مناصب عليا و تعاليه أخلاقيا بالعفو و الحب و رأفة الأنبياء.
كل هذا حدث تاريخي وقع من دون ريب "ما كان حديثا يُفترى" ، فالإفتراء
ليس شيئا مذموما في القرءان بل هو مرادف لمّا نسميه إبداعا اليوم ، فالسورة رغم
جمالها الفيّاض و هندستها التي تقطع الأنفاس لم تنطلق من فراغ لتسيح كما تشاء بل
إكراهات الحدث التاريخي لم تكن لتثنيها عن إحكام الصياغة و لكن الأية تنقلنا لجوّ
أخر تماما بمقطعها الأخير :
"و لكن تصديق الذي بين يديه"
عبارة "بين يديه" في القرءان تدّل على ما يُستقبل دائما و
أبدا و ليس على حدث ماضي فالعبارة تقول لنا أنّ الحدث التاريخي ليس إلاّ لباسا
لهذا المستقبل الذي تشير إليه السورة ، كأن الحدث التاريخي رمز لحدث كوني مستقبلي
ينتظر تصديق هذا الأيات له في تفاصيله كلّها ، هذا المقطع هو ما يجعل للقراءة
الكونية لسورة يوسف أساس منهجيا من السورة نفسها و ليس وحيا أملته ضرورات أخرى .
هذا المقطع الأخير يعود بنا إلى بداية السورة لنعيد قراءتها من جديد علّنا نصل إلى
بعض من :
"و تفصيل كل شيء"
و للحديث بقيّة.
تعليقات
إرسال تعليق