يكاد الفؤاد يتفجر من هول التساؤلات في اسم محمد.
رجل أتى في
أدنى الأرض و فجأة أخرج لنا من العدم كتابا بأبجدية جديدة.
غريب جدّا هذا
الكتاب. ليس ورقة أو ورقتين خطّهما الرجل ثمّ فجأة سجى من غير رجعة تاركا لنا
ورقتين نلتف بين خطوطهما لنقرأ المستور بين العلامات.
كتاب ضخم في
صفحات غريبة يحمل عناوين غريبة يتحدث عمّا لم يتعوّده الناس.
كتاب يشبه
السائل أين حاولت الإمساك به خانتك أصابعك.
يتحدث عن
العظماء فإذا به يجمع بين داوود و عيسى ، واحد من جنس الملوك و أخر من جنس
الصعاليك.
يتحدث عن سلسلة
من الناس دون أي تحديد لجغرافية أو تاريخ و لا حتى لتاريخ ميلاد أو لون أو حتى
ألقاب الوالدين.
يتحدث عن
الحساب و العقاب و الساعة ، يوعد و يزمجر، يتحدث عن القتل و القتال ، عن العفو و
المغفرة و الرحمة و البر.
من أي الخيوط
نمسك محمد !!!
أي رجل هذا
الرجل.
ثم استدرنا إلى
ما نقله الناس.
قالوا عنه أنّ
حياته المسطورة غزاوت لا يخفض سيفا إلاّ ليرفع أخر لكنّني قلت كيف إذن تحدث هذا
الرجل في كتابه عن عيسى و أيوب !!!
قالوا عنه أنه
يهوى "النساء" كعادة من يكثر الغزو. شيء غريب أن يورد في كتابه حديث ما
ألطفه عن يحي الحصور !!
ندخل إسم محمد
القرءاني لنرى المستور من ءايات سورة الفتح :
هُوَ
الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى? وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
الدِّينِ كُلِّهِ ? وَكَفَى? بِاللَّهِ شَهِيدًا(28)
مُّحَمَّدٌ
رَّسُولُ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ
بَيْنَهُمْ ? تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانًا ? سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ? ذَ?لِكَ
مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ? وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ
شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى? عَلَى? سُوقِهِ يُعْجِبُ
الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ? وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا(29)"
لا أدري سبب
شغف الناس بالبحث عن محمد في غير هذا المصدر. إذ في هذا المقطع القرءاني دقّة
كبيرة.
محمد يتحدث عن
محمد بصفة "الغائب" و كأنّ من نزل عليه القرءان ليس هو من بلّغ هذا
النص.
تصوّر أن أحد
ملك "البيانغو الشمالي " ، عظيم السلطة و المال أرسل للأخ معروف رسالة
شفوية قبل موته مفادها :
"معروف
رسولي أرسلته ليبلغ عنّي و أضع بين تصرفه البيانغو الجنوبي"
رسالة غير
خطيّة و لا يمكن لأحد أن يبرهن صحّة مصدرها و خطّها معروف للناس، فما حكم الناس
على معروف !!!
معروف رجل
مخادع يريد الضحك علينا، أين الدليل على مصدر الرسالة .
"هو الذي
أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كلّه، و كفى بالله شهيدا"
أي جرأة هذه و
أي هندسة للخطاب.
الناس في
الغالب لا تقرأ إلا نفسيتها فيما تقرأ. و قليلا ما يريد القارئ أن يقرأ ما يٌقال
له، عادة الزوج عندما يحدث زوجه.
"هو"
ضمير للغائب في مقال الأسلاف. و "هو" القرءاني ليس للغائب بل هو الغيب
عينه. و الغيب يحتاج جهد لإدخاله عالم الشهادة و لقد كان الإلكترون غيبا و أدخلناه
عالم الشهادة بجهد العلماء و حينا يقول القرءان "هو" فالغيب هنا لا يدخل
إلى الشهادة بل فقرات منه و لن يدخل كلّه إلى عالم الشهادة رؤية و رؤيا و ذلك مبحث
قد نأتي إلى تفاصيله يوما.
"هو"
الذي نبحث عنه سيبقى موضع بحثنا عكس ما يقوله العقائديون أنّ "هو" تابع
لهم يعرفونه و قد اكتشفوه، هذا ما لم يقله القرءان. القرءان قال "هو" و
سيبقى هذا الـ "هو" غيبا.
"هو"
أرسل رسوله .
عبارة دقيقة
تحمل معنى الأمانة في النقل و الشهادة للناقل على دقّة و صرامة تبليغه.
الرسول هو
الصحيفة التي نقرأ ، هو القرءان تحديدا و لذلك أتى الخطاب حديثا شاملا و ليس حديثا
للحاضر بصيغة الغائب كما تفنّن الأسلاف في الإلتفاف عن دراسة الخطاب القرءاني.
الرسول
"رسوله" و نجد هاء الغيب حاضرة هنا ، و كأن الرسول غيب. و ما في القرءان
شهادة لما يحمل من ثقل و شهادة بصدق الأية لمن دخلها قارئا.
تحمل الهاء
مفهوم الغيب في القرءان و "هو" تتابع للغيب كأنّك كلّما فتحت نافذة
فاجأتك نوافذ، أليس متعة الحياة تكاثر المفاجآت و أليس الموت عنوان الروتين. عندما
تتوقف المفاجأت تقف الحياة.
الهدى هو معالم
توصلك للغاية.
و دين الحق هي
الشروط المعقودة بين الأطراف المطابقة لموضوعها. كأنّ الشروط كتبت أن تضيف على
موضوعها شيء و دون أن تنقص منه شيء. غريبة هي جرأة القرءان و هو يتحدث عن نصّه
بهذا التعالي.
ثم يواصل في
تعاليه :
"ليظهره
على الدين كلّه"
لكن الناس لا
تقرأ.
الجذر "ظـ
ـ هـ ـ ر" في القرءان لا يعني الغلبة و القهر بل يعني التعاضد و المساندة.
القرءان هنا
يقول لأصحاب الشروط العقائدية و الفكرية كلّها :
أنا سندكم و
عضدكم و كل طموحاتكم أحملها و أنا بهذا الحكم في معراج "على" إذ كل
خيوطكم مرتبطة برسولي.
و إن لم
تقتنعوا فالكون و سننه هي الحاكم بيننا و ستعرفون :
"و كفى
بالله شهيدا"
لنجعل الكون
فيصل حديثنا و نقاشنا.
ثم إنتقال
مفاجئ :
"محمد
رسول الله"
هل تتحدث الأية
عن شخص لقبه محمد ؟
عندما يأتيك
أحد و يخبرك أنّه مرسل من أحد أجدادك السالفين الذين ماتوا و الذي لم تره في حياتك
بل لم تر صورته ، فكيف يمكنك تصديقه ؟؟
لندع جانبا
قضية عمره و لنفترض إمكان لقاء هذا الشخص الرسول بجدّك ، كيف لك تصديقه ؟؟
محمد التاريخي
أتى برسالة ، هو أصلا لا يمكنه تحديد مصدرها و لا يعرف كيف تأتي و ممن ، هو أصلا
عاش الحيرة كما نعيشها نحن اليوم في محاولة فهمنا لماهية الرسالة و كيفية وصولها
له. إنّه رسول من حيث هذا المعنى.
محمد التاريخي
رسول من حيث هو ذاته رسالة يجب فكّها. لماذا هو تحديدا المختار الذي وصلته الموجات
، هل فؤاده مفبرك بطريقة يسمح بإلتقاط الأمواج دون غيره في زمنه و زمننا.
ما معنى إختيار
جغرافية المكان الذي فيه و لما إختيار زمان غير متفوّق تقنيا و علميا. أسئلة تحتاج
دراسة و قراءة و بحث. كل هذا يجعل من محمد التاريخي نفسه رسول أس رسالة بتعبيرنا
تحتاج قراءة.
الرسول ليس
حامل رسالة بل الرسول في معناه القرءاني رسالة بحد ذاتها. و أمّا الرسول القرءان
فهو مستغني عن حامله بل حامله مثلنا يحتاج بذل جهد بل نحن نمتلك من إمكانات
القراءة ما لا يملكه الحامل الأول . ما ينقصنا صفاء الروح أي الصدق الذي يحمله من
أنزل عليه الرسول.
لو عدت للموضوع
أخي ابن العربي لن تجد فقرة فيها نفي الرسول عن محمد التاريخي. و سندخل الموضوع
بشيء من التفصيل فيما عرضته أنت من بلاغات القرءان لكن سنبقى الأن في ءايات سورة
الفتح التفجيرية لأنّها تنبه الإنسانية جمعاء من يستحق صفة "و الذين
معه".
من هو محمد ؟
سؤال لا علاقة
له بالتاريخ حصرا إذ كل ما يخطّه القرءان أبدي متعلق بالله ، لا يزول إلاّ بزوال
موضوعه و هو كوننا الذي نحن فيه :
"كتاب
مكنون"
محاط به محارة
تستر جوهرته. محارة تحمل "الكن" مسوّرة لا يمكن فضّها بالعنف و لا
بالقوّة بل لطفا و جهدا متصلا لفك الطلاسم المتدفقّة أمواجا. و ليس غريبا أن يقرأ
المتصوّفة القدامى القرءان بباطنية، و إن كانت قراءتهم دون منهج، فهي تحاول فك
الطلاسم المتدفقّة أمواجا. و إيجاد مفاتيح الكن.
كل محمد في
القرءان يجري في حمل معانيه مع جذره العربي " ح م د". هذا الجذر يدل على
الإعتراف. فكل من تحمده تعترف له بالتفوّق، تعترف له بخطئك تجاهه إن كنت انتقدته
سابقا دون علم بالمستور الذي يحمله و الذي غاب عنك.
"الحمد
لله"
إعتراف
بالسننية و علّوها و أنّنا مهما اتهمنا السنن بالقصور في تحقيق مطالبنا فإنّ
الأجيال القادمة ستحمد الله حمدا من حيث إستحالة تصوّر تطور للكون خارج هذه السنن
، و سنترك التحدي لمن يأتي فقد نكون مخطئين و قد تكون السنن عاجزة حقّا و ربّما
سنصدق القرءان في دعواه أنّ هذه السنن هنا تسير في مجرى الحياة الدنيا و نا الحياة
الدنيا إلاّ متاع الغرور.
"محمد
رسول الله"
وصف للرسول بصفة
الحمد بل بصفة الحمد الذي يحمل حياة "مـ ـحمد". كأنّ الرسول لا يكتفي
بجعلنا معترفين يوما بأنّه رسول بل إنّ إعترافنا يحمل إعترافا بحياة الرسول.
أنّ هذا
الإعتراف لا ينهي فاعلية الرسول بل هو إعتراف بحياته المستمرة و حاجتنا إليه.
هذه يجعل عبارة
"و الذين معه" ضرورية ، إذ من سيجعل الرسول محمد ؟؟
حتما من يدرسه
و يقرأه ، لنقرأ :
"مُّحَمَّدٌ
رَّسُولُ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ
بَيْنَهُمْ ? تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانًا ? سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ? ذَ?لِكَ
مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ? وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ
شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى? عَلَى? سُوقِهِ يُعْجِبُ
الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ? وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا"
الفتح :29
"الذين
معه"
هذه الأية
كبقية ءايات القرءان قراءتها معراجية. و يمكن رؤية الرسول على أنّه النبي التاريخي
"محمد" حامل الرسول ، و معه جماعة ممن قاسموه مشروعه السياسي ، أشداء
على الكفار رحماء بينهم. و قد يكون هذا الكلام صوابا خاصة و أنّ الأية أوردت لفظ
"تراهم"، أنت ترى الغيب أيّها القارئ ، لكن هذه القرءاة قاصرة من حيث
الربط بينها و بين التوراة و الإنجيل و الصالحات.
النبي عاش
الحيرة و سعادة الحيرة لكنّه سيحمل إسم محمد في المستقبل البعيد إذ ستعترف له
الإنسانية العالمة أنّه بلّغ الرسول. و في كل ءاية في القرءان دليل أنّ الرسول
يتجاوز من يحمله.
و النبي الكريم
لم يبلّغ الرسالة فقط بل بادر بقراءتها و كل هذا مفصل في القرءان.
تحياتى
ردحذفممتاز
كل العادة
فى كل مرة تدهشنا
كانك تحمل الرسول فى دواخلك