التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تلقاء الجنّة و النّار

يُولد الإنسان في كوكبنا و يُوضع في حلبة صراع و سرعة لم يختار شروطها و لا اختار التواجد فيها، حلبة أعضاؤها مختلفو الإرادة و القدرة في مستويات القوّة و الفكر و إدارة المواجهة و في هذا العالم تنتاب هذا الإنسان الهواجس و التساؤلات ، من سبب وجوده هنا و في هذا التوقيت بالذات و من هذه العائلة بالذات . تساؤلات حول ماهية الوجود ، كيف بدأ هذا الكون و إلى أي مسار سينتهي ، و بين الهواجس و التساؤلات جري لتوفير لقمة العيش و إصرار على إستمرار النوع بالتزاوج و التوالد رغم الألم و صعوبة القيام بالأعباء ، هذا الجري يُسكت التساؤلات حينا و لكنّه سرعان ما يطفو كلّما سنحت الفرصة في اليقظة و النوم . 


هدف الجري و التساؤل هو بحث عن الإستقرار النفسي لا غير و عن الإطمئنان إمّا إجابة عن التساؤلات و الهواجس و إمّا قبرا لها في التخدير و الكحول و الإجرام و إتباع "الجنس" . هو جواب مختلف لنفس السؤال الوجودي . 


و لمن اختار أن يقبر تساؤلاته فحديثنا معه هو في إعادته إلى إنسانيته إذ لا وجود للأنسنة دون التساؤل و البحث و لمن تساءل فالقضية معه هي : كيف نسأل و عمّا نبحث ؟ 
هذا هو هدي الرسالة في توصيف كيف السؤال و ماهيته و في رسم خارطة السير نحو معرفة ماهيتنا الحقيقية ككائنات عالمة ، و ليست الرسالة مخدّرا يبتلعه من يريد الخضوع ليقايض به أجرا من غير عمل و جهد و ليست سجّلا لإختراعات تفاصيل الخلافة ، بل هذا عمل الخليفة نفسه حين يقتنع بأن لا سبب لوجوده هنا في هذا الكون غير ممارسة خلافته. 
و لكن الناس ليسوا جميعا على مسافة واحدة من الرسالة فمنهم من يرفض نصّها و خطابها و يراها أسطورة تصلح لمن اخترعها من البشر ، باطل مفعولها مُتجاوز خطابها ، و منهم من يراها ذريعة تستعملها السلطة لتطويع المستضعفين و إستغفالهم و قهرهم و إخفاء الصراع الحقيقي عليهم و هو الصراع على المكانة الإجتماعية و السبق المالي و السلطة ، و منهم من يرى الرسالة تشريعات أتت لتعلّمنا كيف نفتح صندوق باندور ليستحيب لنا الرّب بتمتمات و عبارات نرددها في روتين منضبط و منهم و منهم. 
ليس الأمر فيما يراه الناس في الرسالة بل الأمر كذلك فيما تراه هي في هاته الأطياف ؟ 


من الصدف الغريبة أن تتحدث الرسالة عن كل هاته الرؤى في خطابها و تُعطي جوابا لكل منها ، كأنّ من صاغ القرءان يُدرك حجم الإرباك الذي يحويه نصّه . إرباكا في النص ذاته قبل بدء الحديث في مفاهيمه . حول كيفية نزول النص و ممن و عن سبب إختيار شخص بعينه و أسباب إختيار صحيفة منسوخة لفحوى الرسالة . 
هذه الأسئلة مربكة حقّا و كل من يحاول إيجاد المصوّغات لا يعبّر عن إنسانيته في بحث الأمر بل عن مقدار عقدته تُجاه ما يدرسه و تُجاه عقيدة مجتمعه . و لن نحاول في هذا الموضوع الإجابة عن شيء من هذه الأسئلة و لكن سنحاول نظرة القرءان للأطياف المتسائلة و هديه في بيان كيفية تعامل الرسالي مع كل طيف، و اخترنا لهذا سورة الأعراف . 
الجذر القرءاني للأعراف ( ع ر ف ) و قد ورد في القرءان بهذه المشتقات : 
عرف (و مشتقاته) 

العُرف 
عُرْفا 
المعروف 
الأعراف 
عرفات 
يدل لفظ "معروف" في القرءان على الأمر الذي اتفقت على ضبطه مجموعة برضا منها و دون إكراه لفرد منها لسير مصالحها الجماعية ، و مقابل المعروف المنكر الذي ينكره و يستنكره الذي يقع عليه يبين أنّه لم يوافق عليه مبدئيا أو لم يتقّي عواقب ما وافق عليه إبتداءا ، و معرفة الشيء في القرءان هي تأكيد هوّية الشيء الذاتية : 

"وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُون" يوسف :58َ 
و سبق في موضوع "الحج بين طغيان الطقوس و غياب المصالح" أن قلت أنّ عرفات هي "ورش العمل" فالحج إتفاق بين المتحاججين على ورقة عمل يمكن الإضافة فيها أو التعديل بمقتضى سير النقاش و لذلك أتت التاء المفتوحة في أخر "عرفات" للدلالة على التوليد، فعرفات هي ما اتفق عليه المتحاججون دون إكراه و لا إنكار لدراسته و البحث عن سبل الحل و إمكانها. و يورد الناس اليوم عبارات من مثل "الأعراف الإجتماعية" و "ما اقتضت عليه الأعراف" كأنّهم يقصدون بهذا ما أسماه القرءان معروفا. فما هي دلالة الأعراف و مفهومها، هذا ما سنبحثه في هذه السياحة في وسرة الأعراف. 
السورة وحدة موضوعية في القرءان فموضوعها واحد و إن تعددت خلاياه "ءاياته" فهي في النهاية تُنشأ كائنا عضويا يجب على الدارس دخول سوره ليصل إلى لبّه و يصل إلى فهم ضرورة وجود كل علامة في موضعها التي هي فيه. 


بداية السورة حديث عن كتاب يحمل إحراج للقارئ الذي يفهم ماهية هذا الكتاب فهي تخبره أن يتجاوز الحرج و ينذر به. هذا الكتاب هو "المص" : 

"المص (1) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)" 
و لن نُحاول فهم ماهية هذا الكتاب الأن و نكتفي بالإشارة العابرة إليه . 

حديث السورة عن الحساب و قولها أنّ من خسر الحساب هو من ظلم بأيات الله ، أي من استخدم ما ظهر لها من سنن في ظلم الأخر. 


حديث عن مهمة ءادم و أنّه سيصل إلى إسجاد الملائكة و هو حديث يعبّر عن رهان الرّب أنّ ءادم سيصل إلى إسجاد كل لبنات الكون "الملائكة" و لكنّه سيعجز عن إسجاد إبليس مهما تطوّر علمه و تقنياته فإسجاده مسألة متعلقة بما بعد الفجر الجديد، و في ثنايا الأيات غواية ءادم عن مهمته الخلافية و ذوقه الشجرة . فالشجرة هي شجرة الهمج في بداية تأنسن البشر و همج في تكوين فؤاده الحالي و المستقبل و من علامات الشجرة فينا هذا الإنغماس في اللذة الجنسية و سفك الدماء و الإفساد و الحروب، فكل هاته المعاني داخلة في مفهوم الشجرة . فالقرءان يرسم بالمفهوم معاني غوايتنا في تتبعنا للشجرة بتعريفها "ال" دون حصر. 


إنّ الإنسانية تتذرع في كل مرحلة أنّ هذا "قدرها" و أنّ هذه هي طبيعة الأشياء و الأمر ليس كذلك في القرءان : 

"يَا بَنِى ءادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ? إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ? إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا? قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآء? أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِالْقِسْطِ ? وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ? كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)" 


ثم بيان للأسف الذي دخلته أممـ في تاريخها و سيرها و أنّ السابق لم يقدّم شيئا للاحق بل إن الخلف لعن السلف : 

"فَمَنْ أَظْلَمـُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بأيَاتِه?ِ أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ? حَتَّى إِذَا جَآءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمـْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ? قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (37) قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمـٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّار?ِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا? حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْـ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ? قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمـْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْـ تَكْسِبُونَ (39)" 


لعنة يرسمها الخلف في ما استفاده من السلف و ليس الأمر عبارات شفوية ، فاللعن في القرءان مفهوم متعلق بما نسميه فضح ، و لا شك أنّ السلف الذي لا يقدّم شيئا يُفضح بمرور الزمن و مثال عصرنا واضح . و في مقابل المتلاعنين من ساروا بحثا و تأمينا لغيرهم و إخراج لمن ينفع الناس في عصرهم بل و ينفع من يأتي بعدهم "الصالحات" : 

"وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَار?ُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ ? لَقَدْ جَآءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ? وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمـْ تَعْمَلُونَ (43)" 


عبارات تضع من يقرأ الرسالة أمام مسؤوليات جسام . في تأمين الأخر في بحثه و في إجهاد نفسه هو في عمل الصالحات مما ينفع الأجيال و الناس بقدر وسعه ليصل يوم إنكشاف الأمر إلى الإقتناع أن الرسالة ليست خرافة بل هي حقيقة موضوعية مطابقة لموضوعها الكوني "لقد جآءت رسل ربّنا بالحق" و أنّ الهدى لا يأتي بالأماني بل بالجهد المتصل "و ما كنّا لنهتدي لولآ أن هدانا الله" فتتابع البحث هو من يرسم الهداية . 

و الجنّة الموعودة ليست إلاّ عملنا الذي نرسمه هنا ، فالجنّة هي الصورة التي نريدها نحن و كثير من البشر يتصور جنّته فإذا هي الجحيم بعينه و هنا المصيدة المنصوبة. 


الجنّة لا تبدأ كاملة بل في جذرها (ج ن) خفاء يُظهره من يسكنها بما حُمّل من ماهية جديدة ، فكل ما نعمله هنا في هذه الحياة يُنشأ ماهيتنا يوم الحساب فلا نهاية بل موت ووفاة كحال الجهاز الذي يصنع آلة فكل أمر منه يُنشأ جزءا من الألة ، كأننا نصنع عالمنا الذي يأتي فرديا و كل فئة ستعيش عالمها و كونها بالقدر الذي تهيأت به في هذه الحياة الدنيا. 


إن هذا سيدخلنا في بحث قرءاني عميق و هو أنّ العالم الأخروي فصل في الماهيات و كل ماهية تعيش في عالمها فصلا نهائيا عن غيرها ، شأن من يُخلّق بهيمة جراء عمله المخزي في حياته الدنيا أو كائنا عالما مرتقيا يواصل رحلته بما قدّمه في حياته هنا. 


هذا الفصل هو ما تتحدث عنه ءايات الأعراف : 

"وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ? قَالُواْ نَعَمـْ ? فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ? وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ ? وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ? لَمـْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِـ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمـْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْـ لاَ يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ ? ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمـْ وَلاَ أَنتُمـْ تَحْزَنُونَ (49) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ ? قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ? فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْـ كَمَا نَسُواْ لِقآء يَوْمِهِمْـ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)" 


ثلاث أطياف : 
1 ـ أصحاب الجنّة 

2 ـ أصحاب النّار 
3 أصحاب الأعراف 
في حوار قولي بين فئات ثلاث بين الأية 38 و الأية 43 من سورة الأعراف. 

فأصحاب الجنّة هم من يبقى في مسيرته في الجنّة إلى النهاية و أصحاب النّار هم من يبقى في مسيرته في النّار، فمن هم أصحاب الأعراف ؟ 
لأصحاب الجنّة رب و لأصحاب النّار رب و كل منهما ربت به معرفته إلى مبتغاه و نرى في الأيات بيان لمن يصاحب النار : 
"فأذنّ مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين 

الذين يصدون عن سبيل الله 
و يبغونها عوجا 
و هم بالأخرة هم كافرون" 
فليست القضية قناعة عقائدية أو فكرية بل ممارسة بين النّاس تجعل مأوى الظالمين النار بما تعاضدت به أيديهم للممارسة الظلم ، و بما مارسوه من إكراه و حجر على حرية الأخر و قمع له و هذا هو الصد عن سبيل الله و بطرق الإلتواء المعتمدة "و يبغونها عوجا" و بغفلتهم عن تقلّب الأحوال و أنّ سنن الله السارية تمنع مواصلة الظلم دون عقاب. 


بين أصحاب النّار و أصحاب الجنّة حجاب "و بينهما حجاب" ، و ليس القصد منه ستار حسّي يمنع الإلتقاء و هذا حديث القرءان عن الحجاب بينه و بين من لم يعرف سبيل الدخول إليه : 

"وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِي ءاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ " فصلت :5 
فالحجاب ليس سترا ماديا مُبصرا ماديا بل كل حاجز حجاب ، فإختلاف جيناتنا في ترتيبها عن جينات البهائم تجعل بيننا و بينها حجابا لا يُخترق إلاّ بالوصول إلى آلية إختراقه و يظهر من ءايات القرءان أنّ الفرق بين أصحاب الجنّة و النار في القرءان فرقا في الماهية و ليس في المكان و نرى اليوم في عالمنا صورة لهذا . ففي نفس كوكبنا يعيش ناس في جنّة و ناس في نار ، ناس يبحثون عن الماء و الدواء و الطعام و ناس يُلقون منه . ناس يسافرون و يرتاحون و يعيشون و ناس يُقتلون و يُغتصبون ، كل هذا في كوكب واحد بين كائنات من نفس الجينات . هذه الصورة تقريب لفرق الماهية بين أصحاب الجنّة المؤهلين للإرتقاء و للوراثة و بين أصحاب النار المرغمين في العذاب لا يستطيعون رفع عذاب المحيط حولهم و ليسوا مؤهلين ماهية لمواصلة رحلة البحث الخلافي الوجودي . فالفصل ماهوي. 


بين الفريقين حجاب . و فجأة تنتقل الصورة : 
"و على الأعراف رجال يعرفون كلاّ بسيماهم" 
من على الأعراف رجال أي متقدمون يسعون و سعيهم واضح هدفه هو دخول الجنّة "لمـ يدخلوها و هم يطمعون" 


و هؤلاء الرجال ـ و ليس الذكور ـ يعرفون ماهية أصحاب الجنة و ماهية أصحاب النّار "يعرفون كلا بسيماهم" و يزيدنا هذا قناعة أنّ المقصد من الحجاب ليس ساترا ماديا أن "سيماهم" تعني ما يميز كلا الفريقين و يحدده ، فسيماهم من الإسم و هؤلاء يجعلون إسم كل فرد من الجنّة أو النار إذ الإسم هو ما يحدد صاحبه و لكنّهم يعرفو السيم أي التحديد الإجمالي لجنس أصحاب الجنّة و أصحاب النّار. 
إنّ الأية 46 تحدثت عن رجال "على الأعراف" أمّا الأية 48 فهي تتحدث عن مناداة "أصحاب الأعراف" أي من يصاحب الأعراف لنهاية السير ، و هنا نرى الدقة التعبيرية ، فهذه العبارة تصوّر الأعراف كأنها ماهية إنتقال ، يمكن لأصحابه أن ينحدورا إلى درك أهل النار أو أن يرتفعوا إلى مستوى أهل الجنّة ، شأن من يسعى من دول الجنوب اليوم للفرار إلى الشمال ظنّا منه أنّ فيه جنتّه. و نرى في الأيات كيف يتوّجه أصحاب الأعراف بالحديث قولا إلى الجمع و المستكبرين و ليس إلى الأتباع : 


" وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمـْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْـ لاَ يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ ? ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمـْ وَلاَ أَنتُمـْ تَحْزَنُونَ (49(" 
نرى هنا ماهية أصحاب الأعراف بين من يستطيع منهم دخول الجنّة "ادخلوا الجنّة لا خوف عليكمـ و لا أنتمـ تحزنون"، و بين رجال يسعون لا إمكان لدخولهم "ما أغنى عنكم جمعكم و ما كنتم تستكبرون" ، فالأعراف هي مستوى الفرد المتعارف عليه في محيطه ، فما فوق المتعارف عليه أصحاب الجنّة و ما تحت المتعارف عليه أصحاب النّار ، و هنا ندرك أن الجنّة ليس معطاة إبتداءا بل هي كذلك محطة إنطلاق بين طيف متخلف جينيا و هم أصحاب النار بما ظلم و صد و كفر في دنياه و بين متفوق جينيا بما قدم في حياته من صالحات و بالإيمان الذي وفرّه لنفسه و للأخرين و بين متعارف عليه متوسط لا مع هؤلاء و لا مع هؤلاء و كل من هؤلاء يتحرك و يحاول دخول الجنّة و الإرتقاء فيها. 


للأسف فإن هذا السعي سينتهي على مجموعات كبيرة و كثيرة دون وصول : 
" وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ ? قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا? فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمـْ كَمَا نَسُواْ لِقَآء يَوْمِهِمْـ هَـذَا وَمَا كَانُواْ بِأيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51(" 
الجنة ليست ثبات يملأ الفرد فيه بطنه بل محطة لمحطات كبرى أخرى متتالية ، و فيها يزيل أصحاب الجنّة بفعل جيناتهم الجديدة الفقر و الظلم و الكفر و يقضون على مشاكل الغذاء و المشاكل التفسية. فالأرض التي تُورث في هذا العالم الجديد تحتاج لخليفة كي يجعلها جنّة و أمّا من كانت ماهيته للبهائم أقرب بفعل الكفر و التعاون عليه و من جعل حياته عنوانا للهو و اللعب و ظن أن دنياه نهاية رحلته فانغمس في الموبقات التي أنسته تقلّب الوضع و استعمل الأيات ـ التقنية و غيرها ـ في الجحود، مثل هذا تنتهي رحلته في عالمه هذا. 
و تأتي باقة الأيات لتنبهنا إلى الحذر في قراءة هذه الأيات : 

" وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمـٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمـٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ ? يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جآءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآء فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ? قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (53(" 
ــــــــــــــــــــــ
الوهم دائما مجسد في شيء ، فالوهم يُنشأه المحيط بتقبل مرآتنا الداخلية له دون قناعة موضوعية منّا بل يستمد الوهم وجوده من هامش حريتنا الداخلية. 

إن القرءان تحدث عن الشيطان الذي أخرج أبوينا من الجنّة و لنا تساؤلات عميقة هنا على هذا الوصف : 
الأبوين من هما ؟؟ 

هل الأبوين يعني تزواج ذكر و أنثى و بنآء اجنس الإنساني من كائنين أم أنّ الأبوين منهج تعاضد عليه فردين . 
من أي جنّة خرج الأبوين و هما أصلا كانا و لا يزالا يعيشان الجنّة ، لنقرأ : 
"يَا بَنِى ءادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ? إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ? إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا? قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآء? أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِالْقِسْطِ ? وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ? كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)" 
عن أي لباس تتحدث الأيات و كيف يُنزع ؟ 


الأيات تتحدث عن صراع مرير بين منهجين "أبوين" ترسم ياءه تعاضد في هذا الصراع المرير ، و بدل أن يسير هذا الصراع إلى حل سلمي و حل وسطي تسبب في نزع اللباس لتظهر سوأة كل أب ، هما منهاجين متناطحان وُرثا للإنسانية ، و كل يدعي تفوق منهجه و أتى الخلف ليسير على نفس الخطى ، أي كل على ما وجد عليه أباءه . 
وهم القضاء على الأخر هو الوهم "الشيطان" و هو يرى أنّه يسمح للأخر بالتوهم أنّ بإستطاعته إستئصال الأخر ، و لا يتصور أنّ الأخر يمكنه القضاء عليه ، شأن من يركز على نقاط ضعف الأخر فقط : 
"إنّا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون" 

ربطت الاية الأمر بالإيمان لتدلنا علينا تأمين الأخر مهما اختلف منهجه عن منهجنا ، و القسط أن تسمح للأخر بالوجود و التعبير و الحياة كما تُريد أن يسمح لك. 


الجنّة كمون و ليس ظهور ، فمن يسكن الأرض هو من يحوّلها إلى جنّة ، و قلت في مفهوم الجذر ( ج ن) أنّه يدل على الخفاء. 
إنّك عندما تتحدث و يُسجل صوتك في شريط فأنت تصنع الشريط و كذلك الجنّة فهي لا وجود لها إلاّ بما يعمله من يسكنها. 


نعم البقرة لها صورة عن جنتها و كذا الغارق في الجنس ، فهو يرى الجنّة مكانا للذعارة و سيكون له ذلك لأن ماهيته الأخروية ستكون بهيمة تباشر الجنس بلا فصول و من الناس من يرى الجنّة مكانا للأكل و ستكون ماهيته من الدواجن أو الثدييات المجترة و سيكون له ما يشاء من الحشيش. 

في القرءان مرآة لكل فرد ، فبقدر ظلامية مرآة القارئ الداخلية بقدر ما سيرى القرءان عاكسا لمرآته . 
النار موضع الفتنة ، و ما نسميه نارا في تعبيرنا ليس إلا معنى من معاني مفهوم النار ، فالمشكلة النفسية نار و الضغط الإجتماعي نار و في سياق القرءان يمكن أن نضع معنى للنار و هذا موضوع منهجي. 
جهنم ليست النار و الجحيم ليست جهنم و إختلاف المبنى الجذري في القرءان يعني إختلاف المفهوم إذ القرءان عربي أن مبني بناءا جذريا و هذا كذلك أمر منهجي 
"جحد الأيات" ليس مرادفا لـ "جحد بالأيات" ، فالذي يحجد بالايات هو من يجحد بسسب معرفته و إمتلاكه الأيات إذ الباء متعلقة بمفهوم السبب. 


عندما تمتلك قوّ' و سلاح "ءايات" و تستعملها للجحد فأنت تجحد بأيات الله؟ 

أرجو أن يكون كلامي واضحا و قد طرحت في موضوع "الشرك و أنشودة الحرية في القرءان" تفصيل في مفهوم حرف الباء. 
الخلافة متعلقة بخلافة الرّب في نشر الحياة في هذا الكون الفسيح و العبادة متعلقة بالبقاء في طريق البحث وصولا إلى معرفة ماهية الرّب الخالق، فالعبادة ليست طقوسا و حركات رياضية بل هي متعلق بالبقاء تحت سلطة معينّة قاهرة لا يمكنك مفارقتها : 
"أن عبّدت بني إسراءيل" 
"وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ " الشعراء :22 
فرعون إختصاص في قهر من يأتيه مهاجرا للإقامة عنده و إختصاص لا يمتد إلى الجيل الأول من "النهاجرين" بل يتتبع أولادهم و أحفادهم و أحفاد أحفادهم ، يظلمهم و يمنعهم حقوقهم الإنسانية المشروعة و يهينهم و لا يسمح لهم بتعبير سياسي أو تواجد إعلامي أو حتى إمكان شرح معاناتهم ، هذا هو فرعون في بعض تفاصيل إسمه القرءاني. 


بني إسراءيل في القرءان عنوان لمن يغادر بلد للإقامة في بلد أخر ، و القرءان ينسصح من يدخل بلدا أن لا يسع للتآمر على أهله ممن استقبلوه و أحسنوا معاملته و ينصحه أن يكون "دولة" ضمن الدولة يهدد إستقرارها و يمعن في إضعافها ، هذه واجبات بني إسراءيل وواجبات سلطة البلد المضيفة أن ترع من يأتي و يجعله واحدا من أبناءها بكل ما تملكه من وسائل و أن لا تكون هذه السلطة صورة لما رسمه القرءان عن فرعون. 
فرعون عبّد بني إسراءيل أي لم يسمح لهم أن يخرجوا من وعاءه ، فالعبادة بقاء و إستمرار في خط لا يمكن فراقه ، و للإنسان حق الإختيار أن يبق معك أو أن يفارقك توّجهك إن شعر بظلم و إهانة ، ففرعون يحيط بك و لا يتركك تتنفس و يكتم عن أي وسيلة للتنصل من تحكمه فيك ، فهو سلطة إرغام ، يظلم و يطالبك بالتصفيق ، يقتل و يطالبك بالسكوت. 


القرءان ينصحنا بعبادة الله أي البقاء في خط معرفة السنن الكونية و الغوص في معرفة ماهيتها و علاقاتها ، هذا إن أردنا أن نكون في مستوى الخلافة أم إن أردنا أن ننحدر لمستوى البهيمية فيمكننا التوّجه لعبادة بشر 
الألفاظ في القرءان مفاهيم و القارئ هو من يحدد المعاني ، فلفظ شجرة يعبر عن كل من تفرع من أصل ، و للقارئ أن يرى تعدد المعاني في هذا الفهوم ضمن سياق الأية ، فقد تكون الشجرة سلالة أحياء قد تكون فروع نبات و قد تكون غير ذلك . فالمفهوم واحد و المعاني لا منتهية ، هذا ما قلته و أكدته في بحوث المنهج و أؤكده الأن. 


الأعراف ليس معنى محصور بالحياة الدنيا فقط أو لما يستقبلها من حيوات أخروية ، فهي مفهوم عام ، و هو أساس نابع من عنوان السورة ، فما تقصه الصورة كلّه أعراف ، أعراف تنتظر الدخول و تطمع و لكنّها غير مهيأة للدخول : 
"لم يدخلوها و هم يطمعون" 


شاب في مقتبل العمر يجري إمتحانا يتطلب أكثر من المعدل و لكنّه لم يحصل إلاّ على المعدل ، فما العهمل معه، هو ليس من أصحاب النّار ، ممن يجب إدخاله الفتنة ثانية لكي يُحضّر لمرحلة الجنّة لأنه ليس في المستوى . و هو ليس من مستوى أهل الجنّة ، لأنه لم يثبت بعد أنّه مبتعد عن أصحاب النار بمسافة كافية ، هو من الأعراف. 
الحساب ، يفصل الناس إلى ماهيات جينية مختلفة و يفصل بينهم في العوالم و الأبعاد و نحن هنا أعراف في هذه الدنيا ، منّا من يستجاوز إلى أهل الجنة و منّا من ينحدر و منّا من يبقى على ماهيته ، أعراف تنتظر في العالم الأخر و تعيد الكرّة كي ربّما ترتقي. 
القرءان قول و ليس حديث شفاه ، فهو يصور سيرورة الحدث فنحن كأعراف نعرف أصحاب الجنة و أصحاب الناّر إذ نرى من حولنا من بهائم و نرى أنّنا لسنا في مستوى علوي إذ نحن ننتناحر و نقتل و نكذب و نخون. 

ليس من السهولة بمكتن دخول سورة الأعراف خاصة و أنّ فاتحها هو "المص" يحمل صادا أي عين للذاكرة ، فماذا عسانا سنتذكر !!!!!! 
ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ 
سورة الأعراف وحدة موضوعية ، هذا ما لا شك فيه إذ لا يمكن دخول سورة في القرءان لرسم إحكامها و تفصيلها دون إفتراض وحدتها الموضوعية. و أظظني في ردي على الأخوين عبد الباري و حفيد سقراط أجبت عن بعض معاني الأعراف. 


ما معنى أن يهتدي بهداية الله و ما معنى أنّه لا يمكننا أن نهتدي لولا أن هدانا الله؟ 

لعل أنشتاين أجاب على هذا السؤال ببلاغة كبيرة عندما قال : 
"أغرب ما في الكون أنّنا نستطيع فهم كيفية عمله" 

الهداية أن تصل إلى الهدف عبر مجموعة إشارات توصلك إليه ، و في الكون إشارات توصلنا إلى معرفة قوانينه و هذا تحديدا ما يقوم به الفيزيائي و البيولوجي من تجارب في مخبرة للوصول إلى القوانين العامة. شيء غريب أن تصل إلى فهم أمر من نفس الأمر ، لعل هذا أغرب ما في الكون . 
جماعة الأعراف يرغبون في الإرتقاء و لكنّهم في أعرافهم ينحدرون إلى مستوى أصحاب النار شأن الإنسان في هذه الحياة الدنيا و عندما ينحدرون يعودون ، و يستعيذون من الإنحدار إلى أهل النار ، فـ "تلقاء" تصور حالة الإنحدار إلة مستوى أهل النار الفعلي . 

و في جذر تلقاء تولد اللقاء بين اصحاب الأعراف و أصحاب النار في مستوى العمل : 
"لا تجعلنا مع القوم الظالمين"

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...