التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عيد المسيح

 إنّ القرءان يقول أنّ خلق عيسى كخلق ءادم، فإسم الأول ءادم بصورته البشرية مثل إسم الثاني عيسى في صورته، و القرءان هنا يضعنا على سبيل البحث البيولوجي. فأول الخلق كائنا يحمل كلاما جينيا DNA انشطر ليتم تخليق زوجه منه ليحصل التزواج و يخرج هذا الشفع وترا مولودا جديدا و تتم صياغته ، فخلق البشر بدأ كبذرة النبات و خرج من عمق الأرض حيّا بعد تخليقه ثم تطور أطوارا ليصل إلى هيئته المعروفة .

هذا الذي حدث "طفرة" لا يمكنها أن تحدث بقانون الإحتمالات إلاّ بالقول أنّ في الكون آلية تنظيم و غائية. ففي الكون بيان لبنيته و فيه رءيا لمن فطره .

ما حدث في خلق ءادم أتى مثيله في خلق عيسى ، ففي الأنثى بويضة و إحتمال تخليقها من دون مني ذكر موجود و هذا الإحتمال و إن كان صفريا فهو موجود ، و هذا ما يقوله القرءان ، و يقول لنا أنّ هذا الحادث فريد لا يمكن إعادته و هو كالحياة نفسها حدث فريد ، لنقرأ :

" إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)" أل عمران

هذا هو الحق الذي يعلنه القرءان فمن يريد الحجة "فمن حآجك" فعليه أن ينتظر جهد الأبناء و النساء و الأنفس كلّها إلى النهاية لنرى على من تقع الفضيحة "اللعنة" و ينكشف الأمر ، لمن واصل البحث ليخرج قرء القرءان أم لمن رفض و ادعى التكذيب دون أن يعطي لنفسه فسحة البحث بدل الرفض المبدئي. فالحجة تأتي بعد العلم "من بعد ما جآءك من العلم" ، فمن يقول بأن عيسى وُلد بغاءا و من يقول وُلد من غير والد كلاهما يلقي قلما و ما دام العلم لم يكشف فكلاهما صاحب عقيدة و إن كان القرءان يفضل الثاني إن هو بحث و ووصل البحث وفق قول القرءان، إذ فيما يقوله القرءان فسح و توسيع للبحث في عالم الخلق.

فعيسى مثله في الخلق كمثل ءادم في خلقه يخضعان لنفس السنّة و نحن اليوم نجهل ماهية خلق الأول في آلياتها الكيميائية و البيولوجية و حتّى نعرف خلق ءادم علينا أن نبحث في خلق عيسى ، أليست كل ءاية في القرءان برنامج؟

ابحثوا في البويضة و تركيبها وابحثوا في آلية التخليق فهذا وحده من سعرفكم بخلق ءادم بل هذا سيكشف لكم براءة مريم من الإتهام :

" وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ "

أل عمران :42

مريم مصطفاة أولاّ لحمل الأية فقد حملت الروح ـ أي الإنسان الحامل للروح ـ و هي مصطفاة ثانيا لأنّ إصطفاءها لن يتكرر ثانية و هذا هو سبب تكرار لفظ "اصطفاك" مرتين . هذا الإصكفاء على نساء العالمين و ليس على إناث العالمين ففي القرءان دقة هندسة أي إحكام للأجزاء. فلما لفظ النساء هنا ؟

مريم لا تستطيع الدفاع عن نفسها و لا أحد الأن و لا في الغذ القريب يملك أم يدافع عنها ، بل من يدافع عنها هو الله أي معرفة السنن الكونية النتعلقة بالتخليق ، هذا هو وحده هو من سيعرّفنا بإصطفاءها و أصحاب العقائد هائمون في الحديث و أصحاب المساجد البيولوجية هم من ستأتي بهم البراءة بل و الشهادة للقرءان بالعلو و للرسالة بعمق القلم و لصائغها بعلم السر في السماوات و الأرض. و البلاغ 42 من أل عمران لا يقول هذا فقط بل يقول أنّ هذا البحث من أخر و أعقد البحوث الكونية إذ هو إصطفاء وحيد كحال من يقول أن إحتمال وقوعه 1 على ملايير الملايير الملايير ....

إن مريم هنا من النساء فهي مستضعفة لا تقوى على الدفاع و كيف تدافع و بما :

" يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)"

أل عمران

كثيرا ما يقرأ النّاس الغيب في قصص مريم على أنّه غيب التالريخ و لم ينتبهوا أنّه غيب المستقبل و من سيلقي الأقلام هم الباحثون كفالة لمريم و الخصام متصل لن ينقطع فمن سيحلّه :

" إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ " أل عمران :44

الذي يحله هو فهمنا للبنات العالم الحي فهما كاملا لنعرف كيف تعمل الأحماض الأمينية و نعرف هل هناك إحتمال التزواج في بويضة دون اللجوء لتلقيح خارجي ، هذا وحده هو ما يكشف و الأسلاف قالوا أنّ الملائكة مخلوقات نورانية و أنا أقول قولهم و الفرق بيني و بينهم أنّ الملائكة عندي نور في العالم المتناهي الصغر في هذه الأية ضمن المفهوم العام المتعلق بالملك و التحكم في الأمر و السيطرة عليه سجودا.

مريم لا تملك إلاّ أن تسجد لهذا الإصطفاء و لا تملك إلاّ التواضع له و هذا ما فعلته الصديقة فلم تقتل الصبي و لم ترتكب الجريمة و لا هي بالبغي و لا هي استطاعت الدفع و الدفاع عن نفسها ، أي بلاء هذا "و أمّه صديقة".

إنّ عيسى ءاية في خلقه كأية خلق ءادم كأية خلق الكون كأية الخلق كلّها و حركة عيسى في واقع بني إسراءيل ـ روما و يهودا و ..ـ حركة النبي في عمق منقطع النظير. فلقد أراد أن يحطم المعبد الحجري لينشأ القداسة في معبد الإنسان و هذا عمله بالمسح ماءا على الأجسام و بالمسح طهارة على روح كل إنسان ، فإسم عيسى هو المسيح الدائر على كل جزء في روحنا لينتفض و انتهى الأمر بتسميره في خشبة من كهنوت أثم جبّان مجرم و من سلطة أذعنت لصوت الكهنوت و سايرته .

لقد بدأ يحي المسيرة ، بدأها بتبيه النّاس أن المعبد "اليهودي" و كهنته يكذبون فبيت الله في كل إنسان و مودع سر الله فينا و لكنّها عادة الأنبياء السلم و السلام فدينهم الإسلام ، فحركتهم ليست ثورة لحظات بل نبوّة تتجاوز الأفاق لتصل للعالمين، ففي النهر الصغير "يعمد" يحي النّاس بعيدا عن المعبد الكهنوتي لتصل الرسالة للنّاس و ليعي النّاس كذب "اليهود" بقولهم أنّ الشعب المصطفي و المختار و ليعرفوا أنّه "من الصخر يخرج أبناء إبراهيم" و من رافعي الشعارات الإبراهيمية "أولاد للأفاعي" . يحي كالمسيح يحاربون بصمت الأنبياء و يأتون سيرا كدبيب النمل حتى تنفجر المعابد الكارتونية و تنشأ المساجد . فها هو يحي يعمد بعيدا عن الهيكل الحجري و ها هو عيسى ينهي أسطورة شعب الله المختار فقد جاء ليكون مثلا لبني إسراءيل بما يحمل إسراءيل من السير للأخر سلما و معرفة و إستقواءا به بل إنّ خلق عيسى بيان لليهود من كل جنس أنّ جيناتنا واحدة فأيته جينية في عمق تركيبنا ، و اليوم وصلت دعوته و رأى النّاس جميع النّاس أن في خلقتنا شهداء أربعة يتساوى فيها صاحب العقيدة و المؤمن و يتساوى فيها ألأسود و الأبيض و مع ذلك لا زال اليهود يعلنون مرّة أنهم "شعب الله المختار"و أخرى أنّهم "الفرقة الناجية" و أخرى أنهم أبناء الله و أحباؤه.

إنّ تركيز القراءن على قضية نفي الولد عن الله ليس نفي تهمة عن نفي فاطر السماوات فالأمر لا يحتاج و لكنّه بيان للنّاس أن لا محاباة في الكون و أن الله يصلي على الجميع بنفس الآلية ، فعيسى و إن كان خلقه ءاية فكلنّا في الحقيقة ءاية فخلقه مماثل لخلق ءادم الأول و إختلاف الخلق إظهار لقلم الخلق ليبحث النّاس و يسيروا ساجدين بنفخ الروح ليضطلعوا بالمهمة الخلافية، فالأمر ليس إصطفاءا عنصريا بل سنّة كونية .

" مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (36)" مريم

فقضاء الله أي إكتمال القدر و خروجه شيئا سنّة و ليست شهوة و لا محاباة و عيسى يقول أنّ الله ربّه و رب الجميع و هذا البلاغ في قوله ينصح أن لا نشخصن الأمر في عيسى التاريخي بل علينا مواصلة الصراط لمعرفة عمق أمر الخلق فهذا هو النافع الباقي .

هذه عبارات في عيسى أمرها ظرف إحتفاء النّاس بمولد عيسى فسلام له منّا فميلاده عيد ووفاته عيد و كل من حمل إسمه سائر في قدسية الروح محطم للهياكل الحجرية :

" قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)"

مريم

سلام يحي تبعه "السلام" عند عيسى و هنا بيان لدليل أل التعريف في القران التي تحمل دليل إبلاغ الأمر إلى منتهاه.

--------------------------------------------------------------------------------

مائدة عيسى

في رحاب عيسى و مائدته

سورة المائدة

سورة المائدة ليست سورة لوصف أثاث طعام خشبي أو معدني كما يمكن للقارئ تخمينه بحكم المعنى المتعارف عليه للمائدة بين جماهير "قوم الرسالة القرءانية" بل سورة المائدة هي توصيف لجدلية الحي مع محيطه بقاءا و توازنا و فيها إكمال الدين لهذه الجدلية تحديدا و قهر لكل كهنوت لا ينصاع لله أي لسننه في ضبط هذه الجدلية و يخرص على النّاس محرما أو محللا دون علم و دليل موضوعي.

على عادتنا لن نساير المفسرين في إعتبارهم المائدة مرادفا لما تعارف عليه النّاس بل سندخل السورة بقراءة مفاهيمها الكبرى ، فمفاهيم السورة هي وحدها التي ستفتح لنا دلالة هذا اللفظ و سنقف في مائدة عيسى بن مريم في أواخر السورة لإتصالها بموضوعنا.

لنا أن نسأل عن موضوع سورة المائدة الذي يحكم أجزائها كلّها سورة و يفصل ءاياتها في وحدة موضوعية، إذ تظهر سورة المائدة كغيرها من سور القرءان في أول قراءة شتات و تجميع عفوي إعتباطي لألفاظ و مفاهيم لا رابط بينها بله أن تجد هذه القراءة رابطا بين عنوان السورة و موضوعها.

لنبدأ خطواتنا حذرين من أن ننساق نحو طريق الأسلاف في ضبط قراءتنا بموروث أو مقولة أو أن ننساق وراء حصر ألفاظ السورة في معاني متكلسة تُفقدنا إحكام اللفظ في الأية و تفصيل الأية في سياقها و سنبدأ في رسم صورة للسورة في خطوطها العريضة.

تبدأ السورة حديثها عن تنبيه الذين ءامنوا لشعآئر الله و الشهر الحرام و القلائد ـ سبق و أن فصلنا الحديث عن هذه الألفاظ في موضوع الحج ـ و تتحدث الأيات الأولى عن ما هو حلال و ما هو حرام من المطعومات و تبين حدود الصيد كي تُبقي على الكعبة البهيمية في الوجود و تضعنا أمام هذا الهدى لننفر من طاغوت :

"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِـ ؛ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ، الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ؛ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ؛ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " المائدة :3

لقد اعتبر المفسرون هذه الأية من أواخر ما نزل من القرءان لورود عبارة "اليوم أكملت لكم دينكم" و لا أدري ما وجودهو في هذه الأية ليحكموا بأخريتها نزولا ؟

إنّ المحرم تناوله هو ما يمكن أن يلحق ضررا بمخلوق حرام و لماّ كانت أجسامنا حراما و كان الحفاظ عليه ضرورة أتى القرءان لينبه مرارا إلى هديه في هذا التحريم ، و من جملته البهيمة التي ماتت حتفها و الدم و لحم البهيمة الذي رجس و اختلط فيه صالحه بقاسيه ما ثبت ضرره تجربة أو علما مخبريا "مآ أهل لغير الله به" ..الخ .

هذه الحدود تجعلنا لا نسمع للكهّان و لا لمتخرصين بغير علم عن تحريم أو تحليل دون بيان علمي يشرح السبب ، و من عادة الكهنة الكفر أي الإمتناع عن البيان و الحج و عن تقديم الدليل و سبيلهم دائما هو الإكراه و التعسف و الضغط الإجتماعي و السلطوي لا غير "فلا تخشوهم و اخشون" ، فالحقيق بالخشية أي بإتباع قوله و إن لم نصل إلى معرفة دليله و إستبانته هو الرّب إذ هو لم يحدد لنا ألقاب الممنوعات بل أسماءها لنتعرّف عليها بحثا و علما . و حدوده التي خطتها هذه الأية هي الدين الكامل أي مجموع الشروط كلّها التي بها نعلم الحرام و الحلال في طعامنا و لا نجد في ءايات القرءان الأخرى حديثا عن الالمنخنقة و الموقوذة و النطيحة و ما أكل السبع و ما ذُبح على النصب و الإستقسام بالأزلام ، ففي هذه الأية كمال من كل في تحريم ما يضر دعا إليها موضوع السورة نفسه. و مع هذا الكمال فسبيل الذين ءامنوا إحترام قناعات النّاس و عاداتهم ما لم يُعتدى عليهم ، فمن لم يقتنع بهذا المقال القرءاني فله أن يأكل من الخروف وحده إن أراد و له أن يمتنع عن أكل السلحفاة و الجحش و له أن يأكل مما يريد فالإسلام دين المؤمنين على كل حال من غير إكراه أحد على وصفة أكل معينة.

ثم حديث السورة عن حل طعام البشر بعضهم للبعض و حديث للمؤمنين خاصة بأنّ المتهودين ممن وقفوا على ما أوتوا من الكتاب يجوز نكاحهم و مؤاكلتهم إن كان من الطيبات و حديث إليهم لطريقة التفاعل مع الأخر نظافة و تحضيرا نفسيا و إستعدادا من غير إحتقار لأحد "يأيها الذّين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلواة" و إعطاء كل ذي حق حقّه في التعامل "اعدلوا هو أقرب للتقوى" ثم حديث عماّ حل بمن نقض ميثاق الصلواة و الزكواة من بنى إسرءيل يهودا و نصارى ثم حديث لأهل الكتاب جميعا أن ينتبهوا لما جاء به الرسول "القرءان" ففيه حل لمشاكلهم التاريخية "يبين لكم كثيرا ممّا كنتم تخفون" و مشاكلهم النفسية "و يعفوا عن كثير" رحمة من إثقال كاهلهم باللوم و فتح لأبواب الرحمة و الحديث موّجه هنا لقرءاء التوراة و الإنجيل و القرءان وكل من رأى قداسة في كتابه :

"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16)" المائدة

إنّ الطعام و مأدبته فرصة للقاء بني الإنسان ، فلتوضع المطاعم و ليختر كل واحد ما يشآء من أكل فالمهم هو الصلواة و الزكواة و المهم أن لا يضر الإنسان نفسه و ليحفظ كل واحد عاداته الطعامية إن أراد و لا يفرضها على غيره ليبدأ الجد في التعرف على الأخر صلواة و نكاحا ، فلا إعتداء على أحد في عاداته ما دام الإسلام بمفهومه القرءاني دينه و لا سماع لمتهود او لنصارى إلاّ أن يعرف حدوده و يتذكر حظ الكتاب الذي نسيه ، أن لا إعتداء".

ثم فجأة نجد السورة تقفز بنا إلى أحضان موضوع المسيح عيسى بن مريم . لنجد أنفسنا مرغمين على بحث تفصيل الأيات، فما العلاقة ؟؟

إنّ التحريم و التحليل ليس متعلقا بشخص مهما أُوتي من خصائص بل هي إختصاص الله أي من يحرم هي السنن التي توجب علينا إتباعها ببيانها للضار و النافع و ليس المسيح عيسى و لا غيره من عباد الله البررة ، فلا قول لعيسى أمام قول العلم و السنن حتى و إن كان خلق المسيح ءاية في ذاته:

"لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " المائدة :17

و المتاجرين بأقوال من يتبعوهم من معاصريهم "نصارى" و المتسلفين عبدة أقاويل الأباء "اليهود" يزعمون أنّهم لا يحتاجون لعلم و بحث بل تكفيهم الأقاويل المكررة إذ هم المجنبون المصطفون المختارون ، شعب الله المختار و الفرقة الناجية وطينة الله المختارة و لو انتبهوا لرأوا أن الويلات تنزل عليهم كغيرهم "فلمت يعذبكم بذنوبكم ؟ بل أنتم بشر ممّن خلق" ، فلا محاباة بين الأفراد و لا بين الجماعات ، لا بين عيسى بن مريم و البشر و لا بين المتهودين و النصارى و باقي الجماعات بل كلّهم تجري عليهم السنن و أي تفريط في فهم السنن أو إستيعابها سيرون عواقبه بأجله :

"وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)" المائدة

ثم دخول إلى تجارب من ظن أن إنتماءه ينجيه و من لم يحسن التفاعل مع الأخر فكبا به حصانه . حديث أول عن موسى و قومه و عن الإرتداد ساحة الحسم جبنا و خوارا ظنّا أن "المعجزات" ستنقذهم من بطش أعدائهم دون مقاومة :

"قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ"

المائدة: 24

قولهم هو سير فعلهم و وواقعهم المصوّر في هذا البلاغ . فلا مبادرة و تثبيط و جبن و عجز أمام من يبطش و يجرم و يقتل و يمنع و ينفي و يهجّر. و جاءت النتيجة السننية "قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنّة يتيهون في الأرض" ، فهذا ما أل إليهم وضعهم من تشريد دام أربعين سنّة و ليس هذا الوعد قرار إداري من الرّب بل هو القول الذي تبع الإرتداد و الخشية الغير مبررة.

ثم حديث عن ابني ءادم في علاقتهما ببعضهما ، بين من يغش في تقديم القربان و بين من يريد سفك دم أخيه الإنسان من أجل غش لحقه و بين جماعات تذكي الفتنة بدل تهدئة الوضع وصولا إلى سفك الدماء و قطع الأواصر و تفويت فرص الإجتماع و الإل .

حفظ وجودنا الفردي و الجماعي هو مضمون سورة المائدة ، حفظا يبدأ فيما نتناول ثم كيف نتعامل مع من هم مثلنا من بني الإنسان سلبا و إيجابا لإيجاد التوازن مع الأخر. و ليعلم كل أحد شآء أم لم يشأ ، صدّق أم كذّب أنّ ساعة وقوف يومـ القيامة تُعرض فيه أعماله و تُكشف فيه معادلته ، فأمر التوازن مع الغير يتجاوز حياتنا هنا و يتعداها :

"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (37)" المائدة

ثم حديث عن التعامل داخل مجتمع المؤمنين نفسه ، بالإنتباه إلى من يتحسس الأخبار لينقلها للعدو يُضعف بها المؤمنين "السارق و السارقة" ثم حديث عمّن يظهر ما لا يُضمر من الذين ءامنوا بأفواههم و لم تؤمن قلوبهم و ينتظرون الفرص و يتحينونها للإنقلاب عن المؤمنين بالتحالف مع الأعداء سرّا "سمّاعون لقومـ ءاخرين لمـ يأتوك" و بتحريف المفاهيم إعلاما "يحرفون الكلمـ من بعد مواضعه" . كل هذا لا ينبغي أن يحزن حملة الرسالة القرءانية فهو من طبيعة الأمور و الواجب الحذر و اليقظة و المراقبة و تركهم أحرار ينعمون بالأمن و الإيمان :

"فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ، و إن تعرض عنهمـ فلن يضرّوك شيئا"

ثم حديث خطير عن التوراة و أنّ حكم الله لا يتغير و لا يتبدل فما صاغه الرّب توراة صاغه قرءانا و عبثا يحاول الكهنة من الجانبين فصل الرسالة و الأنبياء:

"إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" المائدة:44

لا يمكن لمتهود أن يحكم بالتوراة لأنّها تحمل تصديق ما بين يديها كالقرءان و المتهود يحمل أسفار أسلافه التي تبطل بعد أو حين إن لم يكن باطلها وصله و يرفض أن يرى الأمر و الدليل أمامه. و لا يمكن لرسالة عيسى أن تخالف رسالة موسى "و قفينا على ءاثارهم بعيسى بن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة" و لا يمكن لرسالة محمد أن تخالف رسالة الأنبياء ، مثل هذا لا يقتنع به إلا ّ المتهودون ممن يقولون أن رسالة "نبيهم الوطني" تلغي رسالة الأنبياء الأخرين !!!

إنّ هذا التوسيع في الحديث عن اليهود و النصارى و الّين أوتوا الكتاب في سورة المائدة تنبيه للنّاس بخطورة هؤلاء على وحدتهم الإنسانية المتمثلة في أنبياءهم ، الأمة الواحدة، و مهما قوت شوكة المتهودين و النصارى فالسير معهم خطير من كل جهّة :

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)" المائدة

إن خطورة الحدود المصطنعة على الإنسانية كبيرة في نسف علاقاتهم و تدمير صلواتهم و تحضيرهم للفساد في الأرض بسفك الدماء و الحروب على دين مصنوع يضحكون به على الناس تفريقا بين موسى و عيسى و محمد و يصدّق النّاس أن فاطر السماوات و الأرض يسكن مكعبا حجريا أو يحتاج حائطا للدموع تُرسل إليه منه الرسائل أو يحتاج سيرا على الركبتين ليسمع ولده حديثه و يبلّغه إياه و تنطلق من هنا الحروب عن الهياكل و المطاقس بحثا عن رسول و قتل لأخر و القرءان هنا ينبه أنّ مثل هذا غباء كبير إذ لا يمكن للأنبياء أن يكون أمة مختلفة و لا يمكن للرسالة أن تختلف مهما تعدد حاملوها . هذا التهود و التنصر خطير على وحدة الإنسانية سواء انطلق من العرق أو العقيدة ، و لولا هذه الخطورة لما تحدث عنها القرءان و لما كشف في هذه السورة بواعثها وغاياتها و ماهيتها :

" يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ " المائدة :67

حديث هذا البلاغ ليس تهديدا للنبي محمد كما ظنّ الأسلاف بل و تجرأ بعض أغبياءهم للقول أنّ في هذه الأية توبيخ للنبي محمد كي يبلّغ وصيته لعلي بن أبي طلب !!!! و اخترعوا حول هذه الأيات خرافات نتركها لمن يهمه البحث فيها .

هذا البلاغ من سورة المائدة يتحدث عن ثقل الحديث قبله عن أهل الكتاب و المتهودين و النصارى ، فهو كما يُقال:

" لولا محبتي لك ما نبهتك"

فهذا الحديث ليس عن طيب خاطر و بين هؤلاء المتهودين و النصارى صادقين مخلصين أفتهم أن استمعوا للكهنة و أغلقوا نفخ الروح فيهم ، فالقرءان هداية للنّاس بما فيهم اليهود و النصارى ـ بالمفهوم القرءاني ـ و لولا خطورة هؤلاء على وحدتنا الإنسانية أي على مائدتنا ما استفردهم القرءان بالحديث. فالرسول هنا هو القرءان سواء كان حامله حيّا أو ميتّا.

--------------------------------------------------------------------------------

ثم عودة السورة إلى المسيح بن مريمـ و حديث عن نفي ألوهيته و تصوير لقوله النافي للألوهية عنه قولا و ليس تعبيرا شفويا منه فالقرءان لا يعير كبير إهتمام لحديث الشفتين بل للقول في سير واقع النّاس الحق في تجلياته الداخلية النفسية و نتائجه الواقعية في الميدان ، فحيواة عيسى ابن مريم التاريخي كلّها حيواة عبد لله عارف بحدّه حامل لرسالة إسمه مبلّغ لها و مثلا أعلى في صلواته مع النّاس ، فالله ربه و رب غيره و ليس عيسى هو من ينشأ السنن أو يشارك في فطر الكون بل هو إنسان بشر حر في تصرفاته مسؤول عنها و يطالب غيره أن يبني قناعته بناءا ذاتيا غير مقلّد للأباء أو للمعاصرين "إنّه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنّة و مأواه النّار" ، فلا حيواة حقيقة إلاّ لمن يشعر بذاته مستقلا تحررا صادق القناعة و العمل . هذا هو المسيح في رسالته "عيسى بن مريم" فلا هو إله و لا هو مشارك لله في بسط نظام سنن الكون :

" مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمـَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ؛ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ ، انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُـ الآيَاتِ ثُمـَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا؛ وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)" المائدة

التفاعل مع الغير ينبغي أن ينطلق من قاعدة المساواة بين النّاس إذ حمل الرسالة لا يعطي لحاملها حقّا فوق البشر فهو مثلهم يأكل الطعام و يمشي في الأسواق و حمله للرسالة هو هداية لهم لمواصلة بحثهم و ربطهم بالله و عبادته لا غير. إنّ هذا التركيز على عيسى ابن مريم في سورة المائدة عائد لأية خلقه ، فأية خلقه هي مفتاح هذه السورة و لنر الأمر عن قرب.

لو تلونا سورة المائدة فسنجد ذكر المسيح عيسى ابن مريم بالصيغ التالية :

المسيح ( 72)

المسيح ابن مريم (17 :مرتين)

المسيح ابن مريمـ (72 ؛ 75)

عيسى ابن مريم (46 ؛ 110 ؛ 114 ؛ 116)

عيسى ابن مريمـ (78 ؛ 112)

و يغيب في سورة المائدة ثلاث صيغ لذكر إسم عيسى :

عيسى

ابن مريم

المسيح عيسى ابن مريم

لنبدأ النظر . فإسم عيسى في القرءان غالبا ما يأتي مقترنا بمريم للتدليل على رسالته و لفتح أبصارنا للعلاقة بين عيسى و مريم ، فهي علاقة خلق فرد من فرد بتزويج البويضة بآلية لن نعلمها إلاّ بالسير الطويل مع مضمون الرسالة الإسم "عيسى ابن مريم"، فعيسى رسول بكيفية خلقه و رسالته تحتاج إلى فتح لمضمونها من حواريين عرفوا سر الإسم و إن لم يعرفوا شخصا تاريخيا بهذا اللقب .

إسم عيسى ابن مريم متعلق ببنية الكائنات الحيّة الجينية فما يجمع عيسى بمريم بنوّة جينية و لا نجد في القرءان ذكرا لإسمين بهذه الهيئة إلاّ عيسى بن مريم، و لعلّ المناضلات لحماية ذكر الأنثى يردن الإستشهاد بهذه التسمية للقول برفع القرءان للأنثى ، و لكن ما يحمله هذا الإقتران أبعد من مشكلات الذكر و الأنثى في عالمنا الحالي الكئيب، فهو يحمل بعدا كونيا في العمق الجيني التكويني الذي بدأنا في فتح نافذته على يد واتسون و كريك في خمسينات القرن العشرين.

غياب ذكر إسم المسيح الجامع "المسيح عيسى بن مريم" و غياب "عيسى" وكثرة ورود "عيسى ابن مريم / المسيح ابن مريم " في سورة المائدة يجعلنا نرى الأمر متعلقا برسالة الخلق الجيني التي يحملها المسيح فهي بتعبير القرءان مائدة كما سيتم بيانه في باقي البحث.

إنّ إسم عيسى ابن مريم لا يرسم فقط وحدة الإنسانية في بناءها الجيني بل يرسم وحدة في بناء جميع الخلق في بنية أعمق تحتاج إلى تجلية ، فعيسى ابن مريم هو المسيح إذ كيفية خلقه مسح لجميع خلق العالمين بل إن علمنا المستقبلي بكيفية خلق عيسى هو مفتاح فهمنا لخروجنا ثانية في خلق ءاخر ، فهو مسح كلّي للعالم الحي :

"وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ (59)وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (61) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (62)"

الزخرف

و مع هذا فعيسى ابن مريم مخلوق لا يملك حقّا فوق غيره و ليس له محاباة سننية في الكون بل هو كبقية خلق الله بشرا يأكل الطعام و يمشي في الأسواق ، فهذا عمق سورة المائدة في حديثها عمّا يجمع الإنسانية و العالمين في بيانها أنّ التوازن شعور بالمساواة أو شعور بإمكان المساواة .

إنّ الإنسان وحدة في خلقه و هو يحمل روحا يمكنه أن يفعلّها لتنتفخ فينفتح بإنتفاخها مكنون الكتاب ليصل حاملها مستوى الرب و يبلغ أقاصي مهمته الخلافية و لهذا ركزّت السورة على ذكر عيسى ابن مريم إذ خلقه يحمل مفتاح كل الوحدات. و لكن النّاس لا يريدون لا الروح و لا نفخ الروح بل الإرتكاس في أحضان الأباء تهوّدا و رضا بالخطأ الواضح و تبريره و إجتراره و الحرب من أجله و سفك الدماء و الإفساد في الأرض من أجل معتقد هش قومي أو فكري يجزأ الوحدة الإنسانية و يمزّقها أو إرتكاسا في أحضان من يغنّي و يأجج و يصّف النّاس ليقتتلوا و يبتعدوا عن وظيفتهم الخلافية و يجعل منهم أنصارا له يصفقون مهما قال من باطل و ظلم و اعتدى و كذب فهم معه " و ليحيا الرئيس".

و لهذا جاء التركيز في هذه السورة على ركيزتي التمزيق اليهود و النصارى بل إن القرءان ينقلنا درجة أعلى دقة في تفريقه بين اليهود و النصارى فالأولون عقائديون متمسكون مرتكسون في مسلماتهم لا يقبلون لا حوارا و لا نقاشا و لا تنازلا مهما كانت البينّات و أمّا النصارى فعاطفيون يناصرون من يظنون فيه القدرة على سوقهم و لكنّهم مخلصون في هذه النصرة لا يطلبون بذلك مصلحة "قسيسين و رهبانا" ، و هذا التدقيق القرءاني ضروري في بيان كيفية تعامل المؤمنين مع الفئتين .

إنّ تفجير المائدة الإنسانية و تمزيقها سببها الأساسي السلفيين بكل توجهاتهم قومية أو عقائدية دينية، فكل من ركس في عبادة الأباء يساهم بقسط في تمزيق الإنسانية و يساهم في إذكاء التفريق و الحرب . بين مائدة تجمع و مائدة تُطعم جسور يوضحها هذا الإنتقال بين الحديث عن المائدة الإنسانية و المائدة الطعامية ، فهذا الحَور بينهما يعطينا مفهوم عنوان السورة:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)" المائدة

طيب في العلاقات و طيب في المطعومات و توازن فيهما هو موضوع سورة المائدة و غايتها. و ليسمح لنا القارئ بتركه يغوص هو بنفسه في السورة لننتقل مباشرة إلى موضوع طلب الحواريين مآئدة من السمآء.

إنّ سياق الأيات يضعنا في نهاية الحدث الرسالي :

" يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ " المائدة :109

إنّ الرسالة تحمل الغيب في طيّاتها و تحمل معارج في إستكناه هذا الغيوب ، كل معراج يقود لأخر ، دل على هذا الرص واو "الغيوب" ، و هذا البلاغ بيان لحمل الرسالة للغيب و طلب للتفاعل معها وفق هذا البعد ، فليست الرسالة خطابا متكلسا محصورا في تاريخ من حمله يتحدث إليهم في محيطهم الجغرافي و الإجتماعي و في حدود سقفهم المعرفي بل هي هدى للعالمين و فاتحة لمغاليق البحث و هدي لإخراج الأقلام ، فالأية 109 تضعنا في نهاية الرحلة الكونية و ليس في بداية حيواة أنبياء تاريخين لتبين لنا غاية الرسالة.

يوم الجمع هذا هو سؤال لنا الأن و تأهيب لنا لفهم غايتنا في الوجود فعبارة "ماذا أجبتم" حديث من الله للرسل أي من سنن الكون لمن حمل الرسالة ، و هي بتعبيرنا :

هل سمع أحد ما حملتم أم أنّ "المسيح يغنّي و القافلة تسير" أو "لمن تقرأ زبورك يا داوود" !!!!

الرسالة تحمل الغيب المستقبلي الذي بدوره يُخرج الغيب الماضي كما يُخرج الكربون 14 تاريخ السابقين و تأريخهم ، و الرسالة حاملة لهدي خلق المسيح كي تنتفي التهمة عن المسيح حين نصل إلى مستوى فهم خلقه ، إذ لن ينف التهمة عن مريم و ابنها خطب و عبارات و إنّما سجود في المحراب العلمي، و هذا وحده هو من تحدثنا الرسالة عنه ، فهي حديث لمن يعلم ليرسخ في العلم و يواصل البحث و لا يفتر خشية و عبادة ، فهل سيصل الإنسان إلى علم ما تحمله الرسالة؟ سؤال ستجيب عنه البلاغات التالية :

"إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ ءامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ ءامَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)" المائدة

الحديث في هذه الأيات من الرّب و هو حديث عن الله أي عن حوار السنن لإسم عيسى بن مريم ، فالله ليس ذاتا تحاور شفويا بل حوارها قول أي سير في واقع الأمر و الخلق ، فماذا قال الله لعيسى ؟

تذكير بالنعمة و هو أمر غريب ، فعيسى بن مريم النبي التاريخي لم يطلب شيئا و لا حاول ذلك قبل خلقه و قراءتنا لهذه البلاغات القرءانية على أنّها جوار بين عيسى و فاطر السماوات و الأرض أمر عبثي ، إذ خلق كل فرد منّا ءاية و نعمة و تحييد عيسى التاريخي لتذكيره أمر لا معنى له ، و إنّما الأمر متعلق هنا بعيسى ابن مريم الإسم ، فلا لقب في القرءان بل أسماء تحمل حدودها و دلالتها معها . فتذكير النعمة موّجه لمن يقرأ إسم عيسى بن مريم ، فهو من سيذكر النعمة التي أنعمها الله على هذا الإسم ليحمل الرسالة و هي رسالة ليست بالهينة :

ـ تأييد بروح القدس من حيث إستطاعتنا لفك كلام الصبي بتفكيك شفرته الجينية و هو في المهد في بداية تخليقه تفكيكا يجعلنا قادرين على جعله أقرب لنفخ الروح بتجينبه المرض و العته و من حيث إستطاعتنا مداواة الكهل بعلمنا بآلية كلامه الأول الجيني .

ـ هذه التهيئة تحضرنا لعلم الكـــــتاب بكافه المنبسطة أي الكون و القدة على تحضير الشروط للحكم على أي أمر "حكمة" و التوراة علما ببنيتها الداخلية إذ هي إسقاط للكتاب و الإنجيل ربطا بين الكـــــتاب و التوراة و أبعدت الأية ذكر القرءان لمجيئ إسم عيسى بن مريم قبل القرءان فهو مرحلة تسبق العلم القرءاني الذي يحوي السر .

ـ علمنا بإسم عيسى بن مريم سيجعلنا قادرين على الخلق و إبراء أشد الأمراض خطورة

ـ علمنا به سيجعلنا قادرين على إستنساخ البشر "إحياء الموتى"

وصولا إلى كف بنى إسراءيل عن إتهام عيسى ، و بني إسراءيل بمفهومهم القرءاني يحملون هنا معنى السائرون إلى غيرهم في أصقاع المجرات ، فمرحلة بدء رفع الإتهام عن عيسى و أمّه مرحلة بعيدة لم نصل بعد إلى خطواتها الأولى.

إنّ الأية تتحدث عن قول الله أي عن سريان سننه في الواقع الكوني بلحظة إنطلاق سطرتها أداة "إذ" و نرى أنّ لحظة البداية بدأت بعد وفاة عيسى ابن مريم بدخولنا في مرحلة العلم التجريبي ، فمناداة الأية لعيسى هي مناداة لإسمه في الكون و هو رهان ربّاني أن إسم عيسى سيستمر في الوجود و سيقول من يرفض البينات "إن هذا إلاّ سحر مبين".

إنّ الرب سيصل وحيه بلحظة إنطلاق للخلّص "الحواريين" يتولد وحيه درجة درجة الدال عليه تاء "أوحيت" ، هؤلاء الحواريون سيصلون إلى مرتبة الإيمان ببحثهم و تراكم معرفتهم الدال عليه إسم الرّب "ءامنوا بى" و سيصلون إلى الإيمان بهذا الرسول و ما يحمله من ضرورة إيمان للوصول إليه ، فلا بحث جيني و لا بحث علمي إلا بالإيمان و لذلك قال هؤلاء الخلص "اشهد بأنّنا مسلمون" ، أي بدأنا المسيرة بمسالمة الأخر لبداية التأمين و عبارة "أنّنا" تشير أن لا بحث علمي دون تجمع و جماعة متناثرة زمانا و مكانا ، كل واحد يوصل محتوى السابق.

هؤلاء الخلص من بني الإنسان هم حاملوا مشعل إسم عيسى بن مريمـ في بحثهم العلمي ذهابا و إيابا و لمّا كانت سبيل البحث الجيني أمرا عسيرا و مستعصيا كحال كل بحث جاد ، نرى في القرءان هديا لحل المغلق من نوافذه بالهدي الربّاني الذي يحمله ، و لهذا جاء الهدي القرءاني ليبين كيفية بحث خلق عيسى ابن مريم و كيف ستبدأ حل معضلات خلقه :

" إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَـ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء ، قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112) قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكــُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)" المائدة

هذه هي غايات الأسئلة الجوهرية يطلبها من يريد العلم لا من يقبع في الخرافة :

ـ نريد أن نأكل منها

ـ تطمئن قلوبنا

ـ نعلم أن قد صدقتنا

ـ نكون عليها من الشاهدين

هم يطلبون "مآئدة من السماء" حتّى تتداخل عناصرها مع تكوينهم و هذا هو مفهوم الأكل في القرءان ، هذا الطلب غايته أن تطمئن قلوبهم و ترتاح ذواتهم و يعلموا حق القلم القرءاني و صدق خلق عيسى بن مريم من غير بغاء و لا فاحشة و من دون مس بشر و ليطمئنوا الجموع "و نكون عليها من الشاهدين".

كيف سيعلم الخلص من أبناء عيسى ابن مريمـ و حاملي إسمه الباحثين في عالم الحي أنّ الرسالة ليست حاملة لخرافة بل لصدق و كيف سيخرجون من الورطة البحثية في تخمين خلق إنسان من بويضة دون تدخل زوج ذكري !!!!!

إن الجواب سيأتي من "مآئدة من السماء". فما هي ؟؟

لنقرأ العبارة جيّدا و لا ننساق إلى روايات الأسلاف و مقولاتهم :

" هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء"

إن إعتبار الحواريين هم أصحاب عيسى التاريخي حصرا يضعنا مع هذا البلاغ في إشكالات أولّها موضوع الصدق "أن قد صدقتنا"، فما هو الموضوع الذين يطلبون فيه صدق عيسى ؟؟؟؟

إنّ الصدق هو في إسم عيسى نفسه أي في طرقة خلقه و لذلك جاءت عبارة "يا عيسى بن مريمـ" مقرونا بوالدته من جهّة للتدليل على موضوع التصديق و بميم مقصوصة لتدل على إتصال القول المستقبلي بحثا و علما.

الحواريون هم الخلص في بحث علم الحي الجيني و العارفون بإشكالات البحث و الغارقون في أزمة البحث عندما ينغلق ليأتي الهدي القرءاني و يوّضح لكل باحث بأسلوب التشابه في نصّه كي يهتدي إلى الحل .

إنّ الرّب يستطيع أن ينزل مآئدة من السمآء و المطلوب تقوى الله أي توفير الموانع التي تحمي تنزيل المآئدة لإستقبالها و تأمين المنزل فيها و عدم الإعتداء عليه :

"قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ "

إنّ عيسى التاريخي رسول و حامل رسالة ، أي هو بالضرورة يحمل هديا لفتح كتاب الكون و إسمه شفرة هذه الرسالة و إقترانه بأمه دال على رسالته الكونية في بيان بنية العالم الحي الجيني في تعقيدها . و سنكشف عن خلقه بالمائدة المنزّلة من السمآء ، فما هي ؟؟

لنعد قراءة العبارة :

" هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء"

الحديث عن إستطاعة الربّ ليس عبارات شفوية بل وصف لعجز عن تحقيق نتائج رغم البحث و الجهد المتصل. فهو إستجداء لحل خارج الإطار المعروف حتى تربو المعرفة ، فالحواريون قد استنفذوا كل الوسائل و لم يبق إلاّ "مائدة من السماء" ينزلها الربّ . و هنا المعضلة فلفظ "ينزّل" لا يعني أن تأتينا "طاولة " فيها أصناف الطعام و الشراب تأنينا داخلة غلافنا الجوّي ، بل هذا اللفظ يعني أن نستطيع ترجمة ما نتلقاه و نفهمه فالنزول إسقاط و التنزيل قدرة على الترجمة بتعبيرنا ، فما سنتلقاه من السماء يمكننا ترجمته ، و حتى يمكننا هذا علينا بتأمين البحث و توفير الموانع التي تحمي المائدة المنزلة.

"قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ " المائدة :114

ستنزل هذه المائدة بـ "اللهم ربّنا" فهي ليست بعث ربّاني مجاني بل هي أمر سنني دل عليه لفظ "اللهم" المخرج من الله ميمه حيواة لتربو المعرفة و تنزل المآئدة حينها لتعطي نتائجها ، فما هي المائدة ؟

إنّ فهم إسم عيسى ابن مريم متعلق بالسماء أي ببعد فوق أبعادنا و بطبقة أعلى من طبقتنا ، فهي سماء متعلقة بما وراءنا محيطنا المعهود أي خارج كوكبنا بل و خارج مجرّتنا في رحلة كشفنا للحياة في كواكب أخرى في مجرّات أخرى ، حينها فقط ستنزل علينا "مائدة من السماء" .

إنّ القارئ يرى إستحالة معرفة ماهية هذه المائدة إستقراءا بل ما يمكننا فعله هو إلقاء الأقلام حتى يظهر الحق عند خروجنا من كوكبنا و من مجرتنا ، و هذا هو الهدي القرءاني لدفعنا إلى المعرفة ، ليس فقط لإستنهاض قدراتنا الخلاّقة بل لقيامنا بدورنا الواجي و هو دور الخلافة.

مائدة من السماء قد تكون مخلوقات على غير هيئتنا تحمل تكوينا جينيا يختلف عنّا و إن كنّا نستطيع معاشرتهم جنسيا و التزاوج معهم بدليل "نأكل منها" ، فالأكل كما سبق بيانه في بحث "ءادم و شجرة الهمج" هو تداخل بين مكونات خارجية تصبح ضمن تركيب الحي العضوي ، فما نأكله من طعام يتداخل في تكوين أحماضنا الأمينية و يجددها . و هي بلا شك كائنات ستسمح لنا بمعرفة كيفية خلق عيسى بن مريم و ستحل لنا اللغز و تجعلنا نعلم أن إسم عيسى بن مريم ليس كذبا بل صدقا .

و هذه المائدة المنزلة حين بلوغنا إياها هي شرح لخلق أولنا و ءاخرنا في خلقنا الإنساني ، فهي عيد ، و مفهوم العيد متعلق بما يمكن العودة إليه بما يحمله من أيدي تمكننا من هذه العود ففي الياء العيد هذه الأيادي الرابطة بين العين و الدال .

هذه المائدة تسمح لنا بمعرفة كل أطوار خلقنا من الكائن الأول إلى الأخر عند الوضول إليها . و قد تكون هي المسؤولة عن وجود الحيواة في كوكبنا ، و هذا ما دلت عليه بخفاء عبارة "و ءاية منك" .

إنّ تنزيل هذه المائدة ليست مستحيلا بل هو ضمن السنن فالله هو من ينزلها إشارة أنّ عمل الرب القرءاني ليس إلاّ هديا و نحن المطالبون بالجهد للوصول إليها :

"قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ " المائدة :115

بحث العالم الحي مرتبط ببحث الفلك و رحلتنا الخلافية فكلا الأمرين مرتبط بالأخر و سير البحث لا بد أن يسير على هاتين القدمين ليُعلم خلق عيسى ابن مريم . فتنزيل المآئدة سنني "اللهمـ" ووظيفتها أن تكون محطة عودة تخرجها الأيادي متى شاءت ، و لكن البلاغ القرءاني يقول "عيدا لأوّلنا و ءاخرنا" ، فهي هدي قرءاني لبيان أن المائدة ستخرج لنا سرّا حين فهمها لنا عن خلق البشر الأول و الأخر ، بل هذه المائدة منارة تحتاج دخولها و مساءلتها "ءاية" .

إنّ من يواصل في طريق التعنت و البعد عن الحوار و المساءلة و البحث و يسير في طريق الإكراه بعدها سيُصاب بعذاب لا مثيل له "لا أعذبه أحدا من العالمين" فما هو هذا العذاب ؟

هذه الأية تلقي اضواءا على موضوعنا بحديثها عن العالمين بدل الإنس و الناس ، فلسنا وحيدين في هذا الكون بل معنا كائنات أخرى أكبر منّا معرفة و علما و علّمت لتعلم كما حدث معنا و منها من سبقنا أزمانا في الخلق و التطور ، فحديث الأية عن العذاب هو حديث عن توقف تطور من يسير في طريق الكفر بعد بيان هذه المائدة.

فالإنسانية التي تواصل الكفر مع هذه البينات و تمتنع من الأكل منها ستبقى متخلفة في درجتها لا ترقى طورها. 

--------------------------------------------------------------------------------

" وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ ؟؟ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ؛ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ؛ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُـ مَا فِي نَفْسِكَ ؛ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ؛ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ؛ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ، وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)" المائدة

حوار القول ثانية بين الله و عيسى لينفي التهمة عن نفسه. و هذا الحوار ليس ألفاظا شفوية و عبارات متبادلة بين فاطر السماوات و الأرض و شخص عيسى التاريخي بل هو عمل السنن في تبرئة إسم عيسى ، فالله عنوان السنن الناظمة للكون في القرءان و قوله "يـ ا ـعيسى " هو بيان أنّ السنن هي من ستبرأ عيسى و أنّ البحث في إسمه هو من سيكشف لنا أبعاد إسمه و أبعد من هذا ، فالله هو من سيثبت حين بلوغنا لمستوى إسم عيسى أنّ في الكون إله واحد ، فلا عيسى و أمّه إلهين من حيث وجودهما التاريخي و من حيث إسمهما القرءاني.

يأتي جواب عيسى دون جواب أمّه لبيان عبودية إسمه كأي مخلوق ، و في هذا هداية قرءانية أنّ مائدة السماء المنزلة هي من ستكشف عن خلق عيسى قبل أن تكشف عن آلية خلقه في رحم أمّه . فبدء التبرئة لإسم عيسى أولاّ . فما هو قول القرءان في نفي التهمة ؟

إن سنن الكون ستنطق و هي بدأت النطق بتبرئة إسم عيسى للحواريين في خمسينات القرن العشرين على يد واتسون وكريك حين كشفهما لبنيتنا الجينية . فلن يسبح الكون "سبحانك" إلاّ بالحق القرءاني و لن يتكلم القرءان إلاّ بالحق الكوني ، فعيسى معلوم في سنن الكون و خلقه مضبوط سننيا ة لكن عيسى الإسم لا يمكنه أن يعلم ما وراء إسمه فهو مرحلة من مراحل إرتقاءنا المعرفي في عوالم الغيب :

" تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُـ مَا فِي نَفْسِكَ ؛ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ"

إنّ إسم عيسى يقودنا لبحث سنن خلق الحي في بنيته الجينية و يفتح أقلامنا لنصل إلى الحق في إسمه "ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به" شاهدا في حيواة عيسى التاريخي "ما دمت فيهم" و مواصلا للرسالة بعد وفاة النبي التاريخي عيسى في سنن الله المجلية لإسمه "فلمّا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ؛ و أنت على كل شيء شهيد" ، و يمكن للقارئ أن يرى عيسى النبي الكريم التاريخي هو المتحدث في يوم الحساب و كأنّه إستعراض لجلسته الحسابية هناك و مساءلة له عن مسؤوليته في إنحراف من زعم إتباعه . و كان يمكن لهذه القراءة أن تثبت لولا أنّ المتحدث فيها هو الله أي السنن و الصائغ للحوار الكوني هو الرّب الصائغ للقرءان الذي يقول في خاتمة هذا الحوار الكوني :

" قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)" المائدة

إنّ إسم عيسى يطالبنا بعبادة الله أي مواصلة سير البحث دون إنقطاع وصولا إلى الحق في خلقه و كشفا لآلية خلق الحي و يعدنا أنّ الإمتناع عن العبادة نتيجته قد تكون عذاب ، فلا إرتقاء دون عبادة تجمع بين الجهد و الصبر و القلم و المساءلة و التراكم .

سورة المائدة هي بيان لكيفية حفظ مائدة الفرد "ذاته " حتى لا ينفرط حبل أجزاءها بالمرض و غيره و هذا سبب تركيزها على الطعام و ما حرّم منه و هي بيان للحفاظ على مائدة الجماعة بمراعاة حرمة الصيد للحفاظ على التوازن الغذائي ثم حديث عن مائدة العلاقات بين الأفراد و توضيح لخطر اليهود و النصارى على مائدة الإنسانية ثم حديث عن مائدة العالمين بإلتقاءنا مع كائنات خارج محيطنا المعهود لتلتئم الموائد في مائدة واحدة عابدة رب العالمين .

إسم عيسى هو مفتاح تعريفنا بوحدة المآئدة الكونية في عالم الحي و إسمه لم يبدأ دخوله معينه إلاّ مؤخرا و نحن في بداية البدايات في عالم البحث الجيني .

و لا يفوتني الموضوع لتسجيل تأكيد هذه القرءاة برمز حملته هذه السورة بكثرة. وهو رمز الميم الناقصة "مـ " الذي فصلت الحديث فيه في بحث "حفريات في كتاب الميم القرءاني " و توصلنا هناك لدلالة الميم على الحيواة في إستقرارها "م" أو في إستمرارها "مـ" و نرى إيراد هذا الرمز أربعة مرّات في سورة المآئدة بيانا لقارئها أنّ مآئدتنا الإنسانية ليست إلاّ حلقة بسيطة جدّا في العالمين و لا بد أن نبحث عن الفيلم الناقص لتتضح الصورة ، فقص الميم "مـ " هو إيحاء لمواصلة تخيل البقية كقص شريط فيلم لترك الخيال يسبح في رسم البقية و لكن الخيال لا حيواة له في رسالة القرءان إلاّ بالله أي بالدليل الموضوعي السنني الناطق لكشف الحق المخفي غيبا .

أتى في سورة المائدة رمز الميم الناقصة في أربعة مواضع و هي وحدها و سورة البقرة التي ورد فيها هذا الرمز بهذه الكثرة :

1 ـ "..و لا يجرمنّكم شنئان قومـ أن صدوكم عن المسجد الحرامـ أن تعتدوا (مـ).." المائدة :2

2 ـ "يأيها الّذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود و النّصارى أولياء (مـ) بعضهم أوليآء بعض.." المائدة :51

3 ـ و قالت اليهود يد الله مغلولة ؛ غلّت أيديهم و لُعنوا بما قالوا (مـ) بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء.." المائدة :64

4 ـ "لقد كفر الّين قالول إنّ الله ثالث ثلاثة (مـ) و ما من إله إلاّ إله واحد.." المائدة :73

هذا و الدعوة عامة للمائدة

بن نبي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...