وَ
جَآءَ السَّحَرَةُ فِرعَونَ قَََالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجرًا إِن كُنَّا نَحنُ
الغَالِبِين (113) قَلَ نَعَم وَ إِنَّكُم لَمِن المُقَرَّبِين (114 )
إدخال كل ساحر
عليم إلى جو مواجهة موسى أمر يسير إذ الغالب في الناس تأليف جيوبهم و إغرائهم
بإنهاء أزماتهم المالية و الغرائزية و ينتهي الفيلم هنا بأن يخضع لك الكثيرون أو
أن ترهبهم بقطع الرزق و سجن الأحباء و تلفيق الإتهامات و إخراج الخصوصيات حتى تجد
الإنصياع أمامك ، لكن أن تجمع هؤلاء السحرة حول مشروع فأمر يحتاج جهد ، إذ جمعية
المصالح لا تجتمع إلاّ و كل واحد يسعى لأخذ الحصة الأكبر من العطاء :
"و جآء
السحرة"
المجيء في
القرءان متعلق ببذل جهد من الطرفين كي يصل من تريده ، و تحويل جمعية "الساحر
العليم" إلى سحرة أي إلى رحم يجمع هؤلاء يُنتظر تفجيره سحرا يشوب مسيرة موسى
و عصاه أمر احتاج إلى مجيء ، احتاج إلى جهد و اصطف هؤلاء للتفاوض فرادى و جماعات
للبث في موضوعهم الأساسي "الأجر ::
"إنّ لنا
لأجرا إن كنّا نحن الغالبين"
قضية فرعون
سلطوية و المال تفصيل فيها ، فالسلطة في قرية فرعون هي كل شيء ، منها تتفرع البقية
، فكرا و إعلاما و مالا و إقتصادا و فرعون لا يعبأ بمثل هذا الطل :
"نعم"
نعمة مسداة
بزيادة و فوق هذا تقريب إلى مراكز القرار حيث يُصنع كل شيء في قرية فرعون. و بدأت
معركة حامية الوطيس ، معركة أصحاب المصالح المدفوعين من السلطة من وراء ستارات
عدّة و معركة موسى الرسالية في إخراج بني إسراءيل من تعبيد ، فرعون لهم و يكاد
النبي أن يكون خاسرا من البداية ، فمعركته لا مصلحة من ورائها و متى ما تعّدى الناس
إلى خصوصياته و حرموه رزقه و ضيّقوا عليه الخناق و أرهبوه حتى ينصاع ، هو إمّا
حالم في نظر السحرة و ربّهم فرعون أو مريد مغانم و تبدأ الضربات تأتيه من كل صوب :
قَالُواْ
يَا مُوسَى إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115)
قَالَ أَلْقُوا?ْ فَلَمَّآ أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ
وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍـ (116 )
بدأت المعركة
، و البدء كان من السحرة فالقول المتبادل بين موسى و السحرة رسمه واقع الحال و ليس
خطبة من هنا أو هناك، فالسحرة هم أول من ألقى و يرسم قول موسى حدّا فاصلا يحترمه
في الإلقاء و كان ينتظر منهم أن يرسموا حدودا أخلاقية إن صح التعبير دلت عليها
علامة "صلى" فوق ألقوا :
"القوا ?
"
و لكن السحرة
على ما يظهر استعملوا كل أنواع الإلقاء ، فالهدف هو التمويه ، الهدف تغيير صورة
موسى و إحباط معنويات العصا و كسر إرادتهم و القرءان لا يقلل من هكذا حرب بل يقول
أنّها تسحر و تنجح في التمويه بل يصل الأمر بالناس أن يرهبوا و يرتدعوا ممّا
يفعلونه ، يشكون في قناعاتهم و في قضيتهم العادلة لرفع ظلم حقيقي حلّ بهم وهذه
الرهبة تضع حدّا نفسيا لحركتهم ، و لمن يرى أن السحر هو لعبة تمويه بـ
"حبال" أو لعب عليه أن يدقق النظر في توصيف هذا السحر:
"و
جاءو بسحر عظيمـ"
العظيم من لا
تسطيع كسره بسهولة و لا تسطيع ليّه بيُسر ، فكل عمل السحرة موّجه و محسوب ليمر بين
العصا و يضعفها و يرهبها نفسيا حتى تتصوره بعبعا مستحيل تقويضه و تخضع حينذاك ،
فالأمر ليس متعلقا بتغيير قناعة موسى و العصا حول ماهية طغيان فرعون بل بمحاولة
إقناعهم أنّ تغيير حال قرية فرعون مستحيل .
إنّه الظلم
المجسد و الطغيان الأكيد و لكن لا حيلة للعصا و لا إمكان ، هذا هو مخطط السحرة من
وراء سحرهم بل إن هذا السحر لم يجد حاجزا أمامه في حملته الأولى ، فلفظ
"جاءو" في الأية ورد دون الألف الحائط "ا" ليدل أنّ الحواجز
رُفعت و أنّ الناس أُحبطت حقيقة في المواجهة الأولى و أنّ المعركة الموسوية بدت
خاسرة إبتداءا ثم تأتي جولة إستعادة موسى للأنفاس شأن أي نبي يسير وفق قناعة روحية
عالية و ليس وفق وجهة مصلحية آنية :
وَأَوْحَيْنَآ
إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ? فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ
وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (119 )
موسى بدأ
المواجهة من عصاه ، فالوحي الموسوي هو إقتناع موسى بإمتلاك العصا قوّة المواجهة و
المقاومة و التصدي لفرعون و دميته "السحرة" و للقارئ أن يتصوّر كيف
استطاع موسى تحويل ضعف عصاه إلى قوّة ، إلى حيّة ، إلى ثعبان ، و هنا مركزية
القيادة في القرءان فهي على عكس التنظير الماركسي أساس الحركة و حين تكون القيادة
هشّة مصلحية أو ضعيفة دون رؤية و لا هدف إنساني واضح سرعان ما تندثر أو ترتخي أو
تسقط في براثن الرشاوي و الترهيب و القيادة لا تتحرك من فراغ بل بعصا تتوكأ عليها
و تهش بها على الغنم و تراقب بها الأحداث ، و عمل موسى هو قلب وعي العصا من عصا "خشبية"
ترضى الهوان و الذل و الإنكسار إلى عصا " تلقف ما يأفكون" ، توقف الإفك
عند حدّه و تهزأ منه و تُظهر عوراته و سوءته و مهما طال إفك السحرة و عظُم سحرهم
ابتلعته العصا كأن لم يكن ، إذ منطق العصا آتي من منطق موسى :
هل الإستضعاف
مقبول ؟ هل الظلم جائز ، هل تفتيت القوم طائفيا مستساغ ؟
هذا ما سنفصله
في باقي البحث
انقلب السحر
باطلا و أزيح الستار على التمويه فظهر عواره أمام الحقائق من جراء عمل موسى و
العصا من بيان للإفتراءات و الإختلاقات و من وقوف العصا على مطالبها الأساسية
ووعيها الموسوي ، بل إن هذا الوقوف و الصمود أدّى إلى نتائج ثورية حقيقية إذ انقلب
السحرة إلى صف موسى و عصاه ، و هذا وعد القرءان أنّ كل مقاومة لظلم تأتي بنتائج
غير منتظرة لصالح العصا مهما طال الزمن شرط أن تلتزم القيادة و عصاها.
للحديث بقيّة
تعليقات
إرسال تعليق