القرءان هدي لفتح كتاب الكون و هدي
لمعرفته و هدي لتثبيث أقلامه و ما علاماته إلاّ رسم للحدث الكوني كلّه و ما
الأردية التي تظهر لنا إلاّ غشاوات تتبدد بمعرفتنا الكونية ، و هدي القرءان هو
برنامجنا الدراسي إلى مطلع الفجر الجديد، فبه يمكننا أن نفتق مساجدنا في بحث الحي
و الميت و به يمكننا رسم غاية وجودنا و سر بعثنا و سبب إعادتنا ثانية لمواصلة
المسيرة.
يقرأ الناس القرءان بما تحمله قلوبهم
من طهارة، فنحن أمامه كزجاج المرآة نعكسه بقدر ملس قلوبنا لتصوير حقّه و هذا الملس
محصور بدرجة نفخ الروح فينا و درجة سقف معارفنا :
و قد يعتبر القارئ هذا الكلام تبريرا
لتوجيه القراءة حسب ما يُمليه الظرف و محاولة للقفز على ما ترسخ و ترّكز من لسان
القرءان لإعادة الصياغة بما يملبه الظرف. و لن أفر من الإجابة بل أقول أنني أعتبر
الإنسان حلقة من حلقات العالمين في هذا الكون الفسيح و حوله عالمين أرقى معرفة
اتصلّوا به ليعرّفوه بإمكانات تطوّره خلقا و رحمة دون أن يتدخلّوا بإكراههه و
مصادرة حريته، فهديهم كتب و أسفار ، له أن يقبلها و أن يرفضها و أن ينتقدها بل من
واجبه أن يبطلها إن استطاع، فأنا أقبل من البداية تواضعي أمام معارف هؤلاء و أسعى
لفهم ما أرسلوه و ظنّي أنّ بشر كموسى أو محمد أو غيرهم أعجز من كتابة توراة و
قرءان في سقف قومهم المعرفي و في مجتمعات منعدم فيها الكتابة و البحث العلمي. و
تبقى هذه فرضية بحد ذاتها و هي فرضية تحميني و تحمي من حولي. تحميني من أن أبطر
فأدعي إمتلاك الحقيقة و تحمي من حولي ممن لا يتقاسمون معي الأفكار بتأمينهم لطرح
ما عندهم، فهدف المؤمنين البحث عن الدليل الموضوعي و الإعتراف به أيّا كانت الظروف
و مهما كانت التضحيات فكهفنا هو الدليل و فيه ينبغي أن تسجد أنانيتنا لنرتقي
بإنسانيتنا.
من هو ماروت ؟ و من هو هاروت ؟ و ما هي
بابل ؟ بل ما هو السحر أساسا ؟
ما هي هذه الأحجية حول هذا البلاغ
القرءاني و كيف يصح أن يصبح علم الشيء دعوة للإمتناع من إستعماله ؟
طيف يكون التفريق بين المرء و زوجه
ضررا و في نفس الآن لا يملك هذا الضرر مفعولا إلاّ بإذن الله؟
سبق في بحث "كتاب الكاف القرءاني
منظار تلسكوبي مجهري"
بيان أبجدية الكاف و نرى في تنوع رسم
كاف الكتاب في البلاغ 101 حصر و توسيع ، فمن أوتي الكتاب هو من أُعطي موروثا
تلقّاه سواءا كان علما كونيا أو صحيفة "مقدّسة" و تلقى حوله شروحا و
حفظها و رتلّها و لكنه لم يصل إلى توسيع ما تلقّاه و فرق بينه و بين "من
أتيناه الكتاب" فهذا وصل إلى الكتاب ببحثه أو بتلقي لما يحمله من مواصفات
التبليغ و الصبر و الصدق و الإيمان . فمن "أوتوا الكتاب" هو حملة أسفار
منتقدون في القرءان و هؤلاء لم ييستطيعوا الإنفتاح على الكـــــــتاب بكافه
المنبطحة الموسعة للمكان و الزمان الواصفة لهذه السعة في التلقي ثم التراكم و
التوسيع . فهؤلاء تلقوا صحيفة أو إرثا علميا و أوقفوه عند حد التلّقي و عمت
أبصارهم عن الكتاب الحقيقي و هو الكون "الكـــــتاب" في تعبير القرءان .
و يخبرنا القرءان أن كل قارئ للكتاب توراة و قرءانا ـ يرجع القارئ لمعرفة سبب إيرادي
هنا للتوراة و القرءان لسياق الأيات بدءا بالأية 92 إلى الأية 99 ـ يُدرك أنّ
موضوعهما هو الكون و هديهما و بينتهما هي للتعريف بالكون و هدي لدراسته للإضطلاع
بمهمة الخلافة فيه . و لذلك قال البلاغ "كأنّهم لا يعلمون" لتصور الكاف
تهكما متصلا في لزمان و المكان إذ القرءان و التوراة موضوعهما الكون و كل قراءة
خارج هذا المجال لا تصلح لمعرفة ما يحويانه من حق.
سليمان يحمل في إسمه اليد التي تُخرج
السلم و قرءاتنا لسليمان التاريخي في القرءان تُظهر بحثه النبي التاريخي على شيوع
السلم و لكن في إسم سليمان بُعد ءاخر توضحه ءايات البقرة و توضحه بلاغات قرءانية
أخرى ، فما هو ؟
فملك سليمان لن يأت من وهم و عبثا
ينتظر الناس هذه الأيات إذ هم المُطالبون بفهمها لإخراجها إلى الوجود .
الذين نبذوا "الكــــتاب"
الذي يجودن تصديقه في الرسول "و لما جآءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم
" هم من يتبعوا الشياطين ، فالرسول يسبقه الله و من نبذ الكــــتاب لا يمكنه
أن يثبث صدق الرسول و يتعجب الإنسان أن يتبجح الناس بإتباع الرسالة ثم لا تجد في
نفقاتهم جزءا للبحث العلمي يثبث أنّهم من أتباعها.
"ملك سليمان" ليس محصورا في
ملك نبي تاريخي بل في ملك إسم سليمان وهذا ما لم ينتبه له الناس في رأيي ، فهم
يبحثون في النقوش على إسم سليمان و لن يجدوه بل سيجدون ألقابا عدّة هنا و هناك
كلّها تحمل إسم سليمان و إن اختلفت لقبا و سيبحثون عن صالح في جزيرة سموها
"عربية" و لن يجدوا لقبا كهذا يحمل إسمه و عبثا يحاولون و لقد عاش بيننا
في القرن العشرين صالحا إسمه
ROGER RAVELLE
هو نبي هذا القرن في دعوته للإنقاص من
نشر ثاني أوكسيد الكربون في قميص الأرض و قد قتلوا ناقته و ها نحن اليوم ننتظر "فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها (14) و لا يخاف
عقباها (15)" الشمس
سليمان لم يكفر ، فهو لم ينتهج الإكراه
و تعمية الأدلة و تغطيتها طريقا له و لكن من كفر هم الشياطين صنّاع الوهم، هؤلاء
يعلّمون الناس السحر. و هنا المشكلة، فقد تعوّدنا أن نرى السحر طلاسم عبارات و
خليط كيميائي مضر تناوله يمس بجهازنا العصبي و يؤثر فيه و كل هذا لا يصلح مفهوما
للسحر في القرءان. فمفهوم السحر في القرءان متعلق بإظهار أمر جديد دون كشف لكيفية
إظهاره و هذا ما نسميه التقنية ، فالتقنية هي جسر العلم إلينا بأدواتها الجديدة و
هذا ما يمثله هاروت و ماروت.
هاروت هو كشف للخفاء ، فحرف الهاء سواء
دل على التناظر أو الشبكة فهو يدل على كشف الخفاء فبداية الكون الحالي تم بكسر
التناظر في نواته الأولى و الكشوف العلمية تبدأ كلّها بكسر التناظر في جهة معينة
أيّا كانت . و ماروت هو إعطاء الحياة لهذا الأمر في عالم الناس فهاروت باحث و
ماروت صانع و كلاهما يسعى ببحثه و تصنيعه لتعليم التقنية "السحر" للنّاس
. فالسحر مفهوم يتنوع تجسديه بتونع معانيه محافظا على مفهومه الذي سبق بيانه . و
بتعلم الناس للتقنية نبدأ الفتنة و الإختبار، فمن يمتلك التقنية يمتلك القوّة و
السيطرة و هو أمام طريقين ، طريق الكفر أو طريق الإيمان .
هاروت و ماروت ملكين ، فهما ليس
مخلوقات عالمة بل كائنات ساجدة ، فالباحث أو الصانع له سبيل واحد يسجد له ليكشف
السر في أمر أو يصتع شيئا فلا مجال للإختيار هنا و هما يقولان و ليس قولهما عبارات
شفوية بل صيرورة للحدث أن ما يعلمانه فتنة .
للإنسان أن يكفر إن امتلك التقنية التي
تعطيه القوّة ، فيرغم الأخرين على إعتناق "أيديولجيته"و
"عقيدته" و يرغمهم على فعل ما لم يقتنعون به و يوجب عليهم بالإكراه
قراراته و له أن يمنعهم من الوصول إلى الدليل الموضوعي الذي يهدد سلطته كما تفعل
الشركات المتعددة الجنسيات في صناعة السم الذي تسميه دواءا و صناعة الكيماويات
القاتلة و السرطانية التي ترجسها في الغذاء المعلّب ، و كما يفعل اللوبي البترولي
في خلط الأوراق في وسائل الإعلام التي يدفع أجرها للتقيل من خطر الإحتباس الحراري
، و كما تخبر الأية نفسها عندما سنصل إلى التخليق الجيني بالتدخل في بناء الإنسان
الجنيني :
زوج المرء الظاهري هو من يعاشره جنسيا
و لكن هناك زوج ءاخر باطن هو إحد زوجي لولبه الجيني
DNA
فالتقنية ستصل إلى التفريق بين أزواج
المرء و التدخل فيهما و يمكنها إلحاق الضرر بالإنسان و ماهيته بجعله مجرما جينيا و
يمكنها نفعه بإبرائه من علله و أمراضه و لذلك قالت الأية :
"و ما هم بضآرين به
من أحد إلاّ بإذن الله"
إنّ هذه العبارة ليست حشوا و ليست
مرادفة للمفاهيم المنتشرة عند الأسلاف و أنّه تعني إذن فاطر السماوات و الأرض !!!
"إذن الله" هو القوانين و
السسن الناظمة للكون و لا يمكن للإنسان أن يكون مجرما إن أرغمانه جينيا على فعل
الجريمة ، فهذا لن يضره يوم الجساب و أعماله المسجلة عليه ستسجل سننيا و ليس هناك
خلط بين الماهيتين .
و ممّا يتعلمه الناس من هاروت و ماروت
أمورا أخرى مضرة لا نفع فيها و يكفي الإشارة إلى الدعاية للإستهلاك و إلى أدوات
التجميل المبالغ فيها و الأغذية القاتلة و حرق قميص الأرض و ...و و كل هذا بإسم
التقنية .
"و لقد علموا لمن
اشتراه ما له في الأخرة من خلاق (ج) و لبئس منا شروا به أنفسهم (ج) لو كانوا يعلمون
"
إنّ من يجعلنا نواصل المسيرة هو العمل
الصالح في سبيل نشر الإيمان أي في تأمين الأخرين و نشر السلم في الإنسانية بما
نملك من قوّة قادنا إليها البحث و أمّا البحث و الإنفاق لإمتلاك القوة السحرية
"التقنية" ثم السير في طريق الكفر المناقض للإيمان سيجعلنا نقف يوم
الحساب وقوفا نهائيا و لن نخلّق بعدها و ستنتهي عبقريتنا ترابا لا وجود له.
سبيل ملك سليمان هو البحث الهاروتي
الماروتي لجعل السحر "التقنية" منفعة لا ضررا على الناس و السير لإشاعة
السلم بهذه القوة لا بإشاعة الكفر و كل هذا حمله النبي الكريم سليمان التاريخي و
يحمله كل من حمل إسمه و لا نرى في القوى المستكبرة اليوم إلأا نقيضا لهذا الإسم .
تعليقات
إرسال تعليق