سورة التوبة هي حديث عن وجوب التوبة
لمن يقرأ السورة وفق غاية قتل المخالف ، لعلّ هذا هو سر تسميتها و بعيدا عن هذا
المزاح فسورة التوبة هي فتح الباب واسعا أمام جماعات المشركين للدخول في الإيمان .
لكن من هم المشركين ؟؟؟؟؟
شيء غريب أن يأتي من يضيف في نص ءايات القرءان
ما ليس فيها ، فما كرّسه الأسلاف أنّ المشركين هم من أشرك مع الله إلها أخرا أي من
جعل مع المطلق مطلقا أخر أو زعم أنّ "الله" يشاركه في حكمه آخرون.
إنّ سورة التوبة ليس فيها شيئا من هذا
و القرءان الكريم لم يطرح الشرك في إطار عقائدي بل موضوع الشرك فيه مرتبط بمن ظنّ
أنه مسلوب الحرية ، و كنت فصّلت الحديث عن هذا الموضوع في بحث "الشرك و
أنشودة الحرية في القرءان" ، فموضوع الشرك موضوع ثوري تفجيري يجعل من يقرأ
الرسالة يشعر حريته عمقا و شكلا.
لنقرأ :
"بَرَاءَةٌ مِّنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (1)
فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ
اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2)"
التوبة
القرءان يتحدث عمن عاهدهم المؤمنون من
جماعات المشركين و أمر بالإمهال أربعة أشهر قبل بدء الحسم ، وهؤلاء المشركون الذين
عاهدهم المؤمنون غدروا و خانوا و مع ذلك تم إمهالهم أربعة أشهر قبل إعلان الهجوم ،
دليل ذلك في سياق الآيات:
"إِلاَّ الَّذِينَ
عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ
يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى
مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)"
من لم ينقض و لم يخن فلا بد إتمام عهده
إلى شرطه الأقصى و لزوم التقوى في التعامل معه.
من هنا نفهم المقصد بالمشركين في هذه
الآيات و هم كل من حمل السلاح على دولة الذين ءامنوا ، فكل تجمع قام و تأسس ليهاجم
مؤمنين قامت دولتهم على الميثاق و لم يعتدوا على أحد و يعيشوا في جو أمن داخلي ،
من هاجم مثل هذا التجمع فهم من سماهم القرءان مشركين ، لأنهم اشتركوا في حمل
السلاح ، فكلّما ورد لفظ مشركين في القرءان علينا أن نقرأ معناه في سياقه ضمن
مفهومه العام و هذا ما تمّ بيانه في بحوث المنهج و في بحث "الشرك".
ألفاظ القرءان مفاهيم و القارئ هو من
يجد المعاني و الموجودات التي تتناسب هذا المفهوم ضمن تفصيل الآيات و إحكامها ،
فنحن من يرسم صورة المعاني في مرحلتنا التاريخية ووفق سقفنا المعرفي بإسم الرحمة.
فمن أراد أن يجد في القرءان مبررا
لإجرامه و عدوانه فليعلم أنّه يتبع أوهامه ، ساقها للقرءان ليفرغها فيه و يجد فيه
مبرراته و هيهات ، أمّا من دخل القرءان دون أفكار مسبقة ليقرأ منه لا ليفرض عليه
أجندته فلن يجد إلاّ الهدى.
إنّ الأسلاف جعلوا المشركين كل من
خالفهم في العقيدة و هذا تخريب للقرءان كلّه إذ القرءان هدى لمعرفة الكتاب أي
معرفة حقائق الكون و بديهي أن لا يكون كتابا للعقيدة و تكريسا للمسلمات فهو نفسه
يقول أنّه متشابه و ليس في عالم العقيدة شيئا متشابها إذ العقائد مسلمات متكلسةّ.
إن قراءة الآيات الأولى من سورة التوبة
توّضح أن المؤمنين يمكنهم أن يعاهدوا من رفع عليهم السلاح و ناوئهم و عادهم ،
يمكنهم معاهدته و حفظ العهد و المواثيق و لكّن واجبهم اليقظة و الحذر و التربص و
ضرب الرقاب أي الرصد و المراقبة و تتبع العدّو في حال نقضه للعهد ليكون المؤمنون
في أعلى تجهز و قدرة رد و لا يجدون أنفسهم في حال ضعيفة يسهل أكلهم:
"كَيْفَ يَكُونُ
لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ
عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ
فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)
كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا
عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم
بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)
اشْتَرَوْا بِآيَاتِ
اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ (9)
لاَ يَرْقُبُونَ فِي
مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)"
إنّ الإيمان ليس حالة عقائدية كما كرّس
هذا المعنى ثقافة بأكملها قادت للخراب ، فالإيمان حالة إنفتاح الإنسان على الأخرين
بتأمينهم في ذاتهم و بحثهم و طقوسهم و قبل ذلك في تأمين الإنسان ذاته بالبحث و
الرقي المعرفي و الروحي :
"فَإِن تَابُواْ
وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ
وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)
وَإِن نَّكَثُواْ
أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ
أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ
(12)"
الأخوة في الدين هي أخوة في الشرط و
إمتثال مثلي من الأطراف لنفس الشروط ، شروط العهد الموّقع. فالقرءان يطالب الذين
ءامنوا بالعفو و التجاوز ، فالقصد ليس قتل الأخر بل إدخاله في حال الإيمان ليرتفع
و يرفع معه غيره و المحيط .
هذا مع الجماعات أم حال الأفراد فهو
هيّن و أقرب للموّدة مهما كان الخلاف :
"وَإِنْ أَحَدٌ
مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ
(6)"
هذه ذرات و الأمر يحتاج وقفة أطول.
تعليقات
إرسال تعليق