في سورة الجمعة بيان للشروط الموضوعية
لإنشاء تجمع المؤمنين و من يريد الإلتحاق بهم . فلا حركة و لا سير نحو مجتمع رسالي
دون تجمع قوّي للمؤمنين.
و الناس تسمّي بإستحسان العرف إجتماعا
ما يسميه القرءان الجمعة و ترى أن لا حياة للإنسان دون مجتمع يحيط به و يحميه و
سنرى أنّ سورة الجمعة لا تنفي هذا البعد لكنها لا ترى في مجرّد الإجتماع شيئا ذا
بال عندما يتحوّل إلى أشبه بإجتماع قطعاني خاصة إن بلغ بهذا المجتمع الظّن أنّه
"شعب الله المختار" كما سنرى في السورة.
قارئ سورة الجمعة يجد نفسه في دوّامة
مجهدة، بين جمعة تحوّلت في العرف طقسا و بين "أميين" تحوّلوا بقدرة قادر
إلى مجتمع قبائلي لا ثقافة فيه و لم يبلغ بعد مستوى الكتابة و التأليف و النشر ،
هذا رغم تأصل فكرة تناقض هذا المذهب و هي القول و التأكيد أنّ القرءان صاغ علاماته
بناءا على علامات قبيلة "قريش" و صاغ بيانه على خطى شعرهم و نثرهم و
بلاغتهم ، نجد الأميين تحوّلوا فجأة عباقرة لتصبح "أمية" النبي الكريم
معجزة و يُحمى القرءان من خطر الصياغة البشرية!!!
تبدأ السورة بإعلان ماهية الوجود كلّه
، فالقوّة و الطاقة و الحركة و السير و التجديد لا يُستمّد من تجمع و إجتماع مهما
بلغت شأوته بل يُستمد من المعرفة الكونية و إنغراس المجتمعين في البحث الكوني و
معرفة سنن الوجود :
"يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِـ
" الجمعة :1
التسبيح هو بلغة الفيزيائيين الأعجمية
"تجديد الطاقة" ، و لكنّ هذا التجديد لا ضياع فيه بمفهوم القرءان تحت
وطأة قانون الفوضى التي تعتري كل إنتقال من طاقة إلى أخرى أو من مرحلة لأخرى Entropy ففي التسبيح معاني
التجديد نحو الأعلى و هذا ما يظهر منذ الفجر Big bang فبدل الضياع تراكم النظام إلى ظهور كائنات
عالمة واعية مدركة.
كل ما في السماوات و الأرض يستمد تجديد
طاقته من الله و كلّهم يسعى بتسبيحه لغاية تعريف الأخرين بالله "يسبح
للهّ" ، و ما في السماوات يشمل طبقات الوجود كلّه بدءا في سماوات الذرّة اى
سماوات المجموعات الشمسية إلى سماوات المجرّات و ما فوقها من بنى ، فمفهوم السماء
في القرءان مرتبط بكل تكوين طبقي و أمّا مفهوم الأرض فهو مرتبط بكل ما يمكنه
إستقبال الحياة و حملها في مكان ما في هذا الكون الفسيح.
لا شيء و لا مخلوق و لا تجمع يخرج من
السنن فالله هو الملك و ملكه موّطد ، و من يظن أنّ بمقدوره تجاوز السنن فيستفيق
سريعا ، فالله هو القدّوس العزيز الحكيم..
فجأة ينتقل المشهد لخطاب الأميين و
كأنّ إفتتاحية السيمفونية تنبّه الغافلين الظانين أنّ قومهم أو قبيلتهم أو إمبراطوريتهم
أو جيوشهم يمكنها تجاوز السنن و البقاء في الهيمنة الأبدية دون أن تسبح و ترتقي
لمعرفة الله ، و هذا الإرتقاء لمعرفة الله الملك القدّوس العزيز الحكيمـ هو عين
مطلب الرسالة و لهذا جاء العطف :
"هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي
الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ
مُّبِينٍ " الجمعة :2
الأمّيين هم من تعاضدت أياديهم رغم
صعوبة العمل و كثرة الحواجز لإخراج الأم إلى الوجود، و في معاني الأم الراعية و
الحاضنة و منها الأمة التي في معناها إنتظار الشروط لإخراج الأم إلى الوجود ،
فمهمة التجمع البشري أن يصبح راعيا لكل فرد فيه و حاميا له و ضروريا له لا منأى له
عنه حسّا و شعورا و إنتماءا و ولاءا .
هذه بعض التجمعات الإنسانية التي نجحت
في إنشاء مجتمع حام راعي و هناك أخرى تكافح بالحروب و الصراعات و المحن و المخاضات
التاريخية الطويلة لتلحق بالأميين و تؤسس هي كذلك لنفسها مجتمعا حام :
"وءاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا
يَلْحَقُوا بِهِمْ(ج) وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ
يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمـ (4)"الجمعة
القرءان يخاطب الأميين ممن أصلوّا
مجتمعاتهم و وضعوا أسسها فأصبحت أمّما قائمة ترعى و تحافظ على من يسكنها ، فلهذه
الأمم اتجهت الرسالة إبتداءا لترتقي بهم نحو هدف تعليم الكتاب و الحكمة ، و لقد
كانوا قبل الرسول في ضلال مبين ، تائهين عن الهدف هائمين من غير وجهة غير وجهة
البقاء و سواء كان هذا الرسول توراة أو قرءانا ، ففي كل مرحلة يعيد
"الأميين" التجربة المأساة و يخلدون للتيه و الضلال المبين .
هذا الرسول مهمته أن تُتلى الآيات و
يُعرف ترتيبها ، ءايات الرسالة المنبهة لترتيب ءايات الكون ، فالرسول مرآة الله ،
فآيات الصحيفة هادية لآيات الكتاب ، و هذا الرسول ليست غايته تغيير ماهية من
يخاطبهم ليصل إلى هدفه بل يقول أن الرسول منهم أي ما يخاطبهم به هو عين ما هو
مبثوث في روحهم و ماهيتهم الخالصة ، فلفظ "بعث" يشر إلى تجانس الرسول مع
ماهية من تخاطبهم ، و لا شك أنّ تزكية من يتلّقى لمرآة نفسه ليستقبل أمواج الرسول
هي من تسمح له بتعليم الكتاب أي بوضع علامات على الكون في كل مرحلة إرتقاء فلفظ
علّم في القرءان لا يُقصد به التلقين بل وضع العلامات و تثبيتها ، و هذا التعليم
يصل كذلك الحكمة أي مرحلة متقدّمة في كيفية إستخراج الحكم في مسارنا.
إنّ العالم اليوم في طفولته الفكرية
بدأ يعرف قوّة تعليم الكتاب و الحكمة و ما إنشاء جامعات البحث العلمي في كل مجال
إلا دليل على هذا الفهم و لكنّه لا يزال في ضلال مبين إذ الهدف من هذه الجامعات
ليس تعليم الكتاب بل للهيمنة على الأخر بالتحكم في تقنيات معيّنة يسمّيها القرءان
سحرا.
إنّ تأسيس الأم مهم و ضروري و هو فضل
الله مسخر لمن يشاء تجسدي هذا الهدف فإن رغب في حياة الأعراب و العزلة و ترك
الصلواة فله ما أراد و لكنّه لن يرتق ، ففضل الله عظيم ، مهما ظن الناس أن في
التجمع حسرة و صعوبات و بوار فهو في قول الرسالة الفضل.
الأم و التجمع من دون رسالة ومشروع
يحمل بوادر الفناء فيه إن ظنّ أنّ مجرد هدف البقاء كاف. و أزمة التجمعات التي
تدّعي أنّ أمّها هي "شعب اله المختار" و "الفرقة الناجية هي
مجتمعات لا تحمل بعدا رساليا بل بُعدا حماريا أي أنّها صالحة لتُركب و إن كثرت
شعاراتها فهي لا تقود بل تُقاد شأن الحمار الذي يوّظف في حمل الأسفار و لا يدري ما
تحويه :
" مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا
التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا
(ج)بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمـِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِئايَاتِ اللَّهِ (ج) وَاللَّهُ
لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " الجمعة:5
تكوين الأم بعد أن كانت أمّة و انتظرت
شروطا موضوعية للمخاض ثم بحث عن رسالة تحفظ الوجود و ترسم الهدف و لكن بدل أن يصبح
المجتمع رساليا بتفاعله مع ءايات الكتاب و أن يقود تحوّل إلى ما يشبه الحمار ينعق
شعارات و لا يدري ما يحمل بل إنّه يجعل الأخر ممن لم يعرف الرسول يفرّ و لا يقترب
من الرسول ، فالمجتمع الذي شبّه سيره بالحمار لم يُفلح في تحويل ءايات الرسالة إلى
هدى لمعرفة الكتاب بل تجاوز ظلما ليُعلن أنّه الوحيد الذي توّجهت لمخاطبته الرسول
و أنّه المختار المصطفى و لم يدر أنّّه حُمّل الرسالة أي حمل واجبا ثقيلا ليوصله
للناس و لكنّه عجز لأنّه لم يحمل الرسالة بل أصبح عائقا أمام الأخرين.
لقد أتت التوراة لقوم ليحملوها فإذا
بهم يجعلونها شعارا لتهوّدهم و شعارا لإصطفاءهم من دون الناس و قد اصبحوا بهذه
الشعارات أرذل الخلق يختفون بالتآمر و يتحركون بالدسيسة و غارت فيهم الأمراض
النفسية حتى لم يعودوا في ميدان الفعالية الرسالية إلاّ كالحمار ، يحمل الأسفار
لمن يحسن القراءة ، هذا إن فعل ، و هذا المثال نفسه ينطبق على "الذين حمّلوا
القرءان ثم لم يحملوه" فالآيات تُخاطب من يقرأ القرءان كي لا يقع في هذا
الوصف الشنيع و يزعم لنفسه بحكم العادة مصطفى للحمل لكنّه لا يتحمل أعباء هذا
الحمل ، و قد يفر الناس عن الرسول لرؤية عجز من يرفع شعارات الولاية الله و هو
عاجز بائس يُقاد و لا يقود و القرءان يخاطب "شعب الله المختار" و
"الفرقة الناجية" و "مستحقي الشفاعة" بمنطق بسيط ليفهم الناس
كلّهم منطق الرسالة الروحي :
"قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْـ (ج) وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ
إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُـــمْ (صلى) ثُمَّ
تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِـ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ
تَعْمَلُونَ (8)
"
التجمع المتكلس على موروث الأسلاف غير
مقبول في القرءان ، فمن يزعم أم موروث أسلافه مفيد "هادوا" فليوقف عن
الحياة إن استطاع و ليمتنع من استعمال التراكم العلمي و التقني إن استطاع ، أي
بتعبير القرءان ليتمنّى الموت و توقف الحركة ، و السلفيون أوّل الناس معرفة أنّ
هذا مستحيل ، فمشاريعهم كلّهم مبينة على ما أفرزه الأم و يحذرهم القرءان من الكذب
على النفس و من محاولة تقديم الجثة على أنّها الحل ، فهذا التناقض بين الممارسة و
الشعار سيفضي إلى موت حقيقي ثم حساب حقيقي عن هذا التلاعب.
إنّنا في السورة نعيش غاية الجمعة و
التحذير من الإنزلاق نحو مجتمع بلا مشروع أو مجتمع مغرور دون بينّة إلاّ إدعاء
حمولة الرسالة دون دليل موضوعي يبيّن قيمة الرسالة من حاميلها ثم يأتي المقطع
الأخير من السورة لبيان وسائل الإجتماع الرسالي :
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا
إِذَا نُودِي لِلصَّلواةِ مِن يَوْمِـ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ
اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ (ج) ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمـْ تَعْلَمُونَ
(9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلواةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن
فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْـ تُفْلِحُونَ (10)
وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا
(ج) قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ
(ج)وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)"
تجمع الذين ءامنوا ليس مجتمعا هدفه
البيع و المبادلات التجارية و الربح ، بل هدفه ذكر الله أي معرفة السنن و ما البيع
إلاّ جزءا يسيرا في سير هذا المجتمع لا يعدو كونه تفصيل ، فذكر الله بمعرفة السنن
الكونية هو من يجعل الحاجات تُلبّى تلقائيا و هو ما يجعل النعمة تعم و هو ما يجعل
الفرد في المجتمع يشعر بأخلاقية الإنتماء لمثل هذا المجتمع فلا يفسد فيه بل يشارك
فيه بصدق ووعي ، فالصلواة في هذه الآيات تعطي مفهومها إذ هي تفاعل بين الناس لا
منفعة بيعية مباشرة فيه ، بل على المصلين أن يُبعدوا شبح البيع من الصلواة ،
فالإلتقاء على محاضرة علمية صلواة و الإلتقاء لبحث حاجة المستضعفين و الأيتام
صلواة و الإلتقاء بين المسئولين في المجتمع ليلا و نهارا دون تفكير في راتب إلاّ
الصالح العام صلواة ، و فيما سوى الصلواة فرص للبيع و الكسب و لكن الناس تجعل عمود
حركتها البيع و الربح في كل صلة لهم مع الغير و يطالب أغلبهم بما تجرّه عليه هذه
العلاقة من ربح و كسب ، هذا في جانب الأفراد و هو أكثر وضوحا في العلاقات الدولية
للأسف الشديد و يدفع اليوم العالم ثمنه غاليا جدّا و شبح الإنهيار الكّلي قائم و
دخول العالم في مرحلة حروب مستديمة قائمة بإحتمال كبير بعد أن أضاع هذا العالم
البائس الصلواة و فكّر فقط في البيع و التجارة و اللهو.
إن ترك الناس الرسول قائما و ولوا
وجوههم للتجارة و اللهو ، فعلى الرسالي أن لا يركن و عليه أن يفكر في أم للذين
ءامنوا تحمل الجمعة القرءانية .
هذا معراج أوّلي في قراءة سورة الجمعة
في إنتظار معارج القراء.
عيد الجميع سعيد.
بن نبي
تعليقات
إرسال تعليق