يظنّ النّاس أن إعترافهم بالله كوجود
يمهّد لهم طريق الجنان و يظنّون أن مسألة الإعتراف هي الدعامة و المرتكز لإعتراف
الله بإمكان دخول الجنان. و كأنّنا أمام وجود نرجسي يربط إمكان عطاءه و رحمته و
سعة فضله بالإعتراف المسبق به و في هذا تشكيك كبير بإطمئنان "الله"
بوجوده و إطلاق أسماءه دون حاجة لإعتراف معترف.
ليس في القرءان طلب إعتراف بالوجود
المطلق بل دعوة و دعاء لعبادة الله أي دعوة لليسر الحثيث لمعرفة السنن الناظمة
للكون و الإنتفاع بها و السير نحو أحدية هذه السنن في عمقها، فعبادة الله ليست
خضوعا بل هي مرادف هدي الإنسان لوظيفته الخلافية ،
فلا خلافة دون عبادة الله وكشف الله في
كل مرحلة .
إنّ فاطر السماوات لا يحتاج لإعتراف بل
لا تمكن معرفته لأنّ أسماءه حسنى أي مطلقة و لا يمكن الوصول إلى غاية أسماءه لا
هنا و لا في العوالم المقبلة بل إنّنا سنلبس في كل مرحلة قشرة من أسماءه هي للوهم
أقرب و نرتفع في معارج لا نهائية في العوالم المقبلة إن نحن حضّرنا أنفسنا في عالم
الأن للعالم المقبل و كنّا مؤهلين لإستمرار المسيرة بالنسخة الأخروية التي تضفيها
نسخة أعمالنا على ماهيتنا المقبلة. فالكهنوت لم و لن يقدّم خدمة لله بدعوة الناس
لتصديق بالوجود المطلق و، إذ مثل هذا الله الذي يدفع بالأخر ليعترف به منقوص
الأسماء و حقيقة الأمر أنّ الكهنوت لا يؤمن بالله أي لا يؤمّن غيره و لا ذاته
بالبحث و تقديم الدليل و الحنف عند ظهور الدليل بل الكهنوت يريد من دعوة النّاس
إلى التصديق بالوجود المطلق الإستفراد بحقه المطلق للحديث بإسمه. و قيمة الإيمان
بالله في القرءان قيمة لا يمكن لكهنوت أن يعلو إليها و لا يمكن لصغير أن يرتقيها
فأن تعفو عن الأخر و أنت تملك العلم و التقنية و القوّة ذاك هو الإيمان بالله.
إنّ المؤمن مطمئن طبيعة إذ هو قد طمأن
نفسه بحثا و لا يمكنه إكراه الأخر على أمر لم يقتنع به و يعلم أنّ العلم معارج و
يدرك أنّ القوّة معه معرفة بالسنن و إستعمالا لها و أخذا بأسباب القوّة و الإرتقاء
و مثل هذا لا يمكنه الإكراه إذ هو مرتقي يُشفق أخلاقيا على غيره. فإيمانه ليس
تصديق مسلمات بل موقف أخلاقي أملته قوّته .
إنّ الله كمطلق لا يحتاج لإعتراف أحد
بل كل وجود هو فيض من وجوده و نفس منه و إن كانت العبارات هنا تئن تحت وطء ثقل
المراد و الذي يحتاج للإعتراف هو الإنسان ذاته إعترافا بصلاحه لمواصلة المسيرة ،
فهل صحيح أن الحساب الأخروي موّجه لتصفية حساب إنكار وجود المطلق و عدم الخضوع
الطقوسي له أم أنّ الحساب لا معنى له إلاّ في علاقات العباد بينهم و تعاملهم
ببعضهم البعض ؟
هذه أفكار مركزّة لمشروع موضوع
"الجنّة و النّار" الذي سيُطرح بتفصيل في المستقبل و آليت هنا أن أحدد
الوجهة و أضع بين يدي القارئ البلاغ القرءاني التالي للتأمل :
"وَإِذْ
يَتَحَآجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَؤا لِلَّذِينَ اسْتَكـــْبَرُوا
إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمـ مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ
النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكــْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ
قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمـَ
ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا
أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُــم بِالْبَيِّنَاتِ ؟؟ قَالُوا بَلَى ؛
قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَؤا الْكَــافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50) إِنَّا
لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءامَنُوا فِي الْحَيوَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ
؛وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52)" غافر
نخطئ بل نظلم هدى القرءان إن نحن
تصوّرنا أنّ هذه الأيات واضحة لا ثقل فيها و أنّ ألفاظ :
النّار ـ استكبروا ـ بين ـ جهنّم ـ
الظالمين
إنّ الحكم يتم بين العباد و هذه
العبارة تشرح للقارئ أنّ الحساب موّجه للعلاقات بين بني الإنسان ببعضهم و بين
العالمين ببعضهم فهو حكم يفصل بين الخلافات الفكرية و بين الحجج المقدمة و لكنّ
غايته حساب المستكبرين و الظالمين و أتباعهم ممن أشركوا دون بينة و دليل غير
الإمعية .
فالإستضعاف التابع كالإستكبار
"إنّا كل فيها" و إنّ دعاء هؤلاء هي محاولة لتغيير مسار طبيعة الأشياء و
هو محال فتغيير مجال الحركة يحتاج لشروط و هم جينيا غير مؤهلين و لن يستطيع الحمار
أن يسابق الحصان مهما أراد إلاّ بتغيير جيني . و هذا التغيير كان ممكنا بالإصغاء
للرسل بالمفهوم الواسع الشامل و هو الأن محال.
تعليقات
إرسال تعليق