في مقدمة الموضوع دخلنا باب سورة الجن
في بلاغها الأوّل و قلنا أنّ هذا البلاغ يشير لنا أنّ من يحدثنا هو صاحب شهادة
أدلى بها لنا "قل أوحي إليّ"، فهو من أشار بهذا الحدث لكل قارئ من أنّّ
مخلوقات الخفاء العالمة "الجن" أنشئوا ما به يلتقطون السمع
"استمعوا" و من منشآتهم هذه أتاهم ما سمعوه "قرءانا عجبا".
إنّ هاته المخلوقات تقول أي تعترف
بواقع حالها أنّ هذا القرءان العجب يهدي إلى الرشد ، فهي تشهد أنّها كانت في حالة
اللا رشد ، في حالة الشر ، و هذا القرءان العجب الذي سمعوه هو من أعطاهم فرصة
ليؤمنّ بعضهم بعضا "فأمنّا به" بل إنّه سمح لهم بمعرفة ذاتيتهم و
تحريرهم من رقبة التبعية لبعضهم "و لن نشرك برّبنا أحدا" بعد أن منحهم
من به تربو المعرفة هذا القرءان العجب :
"يَهْدِي إِلَى
الرُّشْدِ فئامَنَّا بِهِ ? وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا " الجن :2
إنّ هذا الرب لم يُسمع قراءنه لخوفه من
عزلة نفسية خانقة دفعته لخلق كائنات ليتسلّى بها لتخفف عنه الهموم "ما اتخذ
صاحبة" و لم يُسمع قرآءنه ليحابي أحدا بعينه من هذه الكائنات بل ما أرسله هو
هدي للكل دون تمييز :
" وَأَنَّهُ
تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا " الجن :3
فالرّب متعالي عن هذه التوصيفات فلا هو
شاعر بوحدة و لا مريد لتقييد حرية أحدا ، فلا رغبة في صاحبة و لا في ولد بل سمعه
لهداية الكل .و في هذا شهادة أنّ الجن كالإنس عوالم تعيش الخلاف و المشادات و
التطاحن و الصراعات و غياب الأمن و الرشد . و في شهادة هؤلاء النفر من الجن علم
بما يحويه السمع من إستحالة هذا الوصف على الرّب.
هذه المخلوقات "الجن" تعيش
هرمية كهرمية الإنس ، ففيها المتحكم السيد و فيها العبد المطيع الذليل الفاقد
لحريته المشرك بغيره السائر خلف السيد دون قناعة :
" وَأَنَّهُ كَانَ
يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا " الجن :4
و نرى في لفظ الشطط إبعاد للحدود و
توسيعا لدائرة التجاوز في كل مرحلة ، و نحن نقرأ هذا البلاغ علينا أن نقرأه في
سياق السورة كلّها و كما سيتضحّ فهؤلاء الجن ظنّوا أنّ معرفتهم تسمح لهم بالهيمنة
و لم ينتبهوا أنّ السنن الكونية تحتاج لهدي كي تُطوّع في خدمة الخير و إلاّ انقلب
الأمر صراعا و تعديّا و تجاوزا ، فما عُبّر عنه بالسفيه هم من أشاع قولا أنّ
التحكم في السنن هو السبيل الأوحد للهيمنة "يقول سفيهنا على الله شططا"
و الله ليس فقط للسنن الفيزيائية بل للسنن جميعا ، في عالم الروح و عالم الأشياء
فلا فصل بينهما. بل إنّ هؤلاء الجن ظنّوا أنّ تحريف الرسالة غير وارد و لكن الذي
حدث هو تكذيب الله بتحريف الرسالة إذ الرسالة إسقاط للكتاب و فتح لله فتحريف
الرسالة تكذيب لله ، فالإنس و هم أقل حيلة استطاعوا الكذب على الله بإختلاق الوحي
الموازي و كذلك الجن ستفعل ، فمنطق تحريف المفاهيم واحد تعلّق الأمر بسمع الإنس أو
بسمع الجنّ و تسبيق الإنس على الجن في الآية بيان أنّ الجن أعلى ماهية و تطوّرا
لأسبقيتهم في الخلق فهم بطورهم للتحريف أقدر :
" وَأَنَّا
ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا " الجن
:4
إنّ السورة تواصل بيان ماهية مجتمع
الجن إن صح هذا التعبير و علاقتهم المستقبلية التي ستأتي إن لم تكن حدثت فعلا مع
إنس آخرين غيرنا ، فنحن في كوكبنا إنس بين الإنسان في هذا الكون الفسيح :
" وَأَنَّهُ كَانَ
رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا
(5) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا
(6)"الجن
إن هذه البلاغات تصور ضعف الإنس أمام
الجن في مرحلة معيّنة ، فطلب العوذ هو طلب حماية ممن هو أعلى منك قوّة على من هو
أعلى منك قوّة ، فالذي يعوذ بالجن يسأل جنّا أن ينقذه من جن مثله و لكن بدل حل
المشكل زاد الرهق و الإرغام و نرى في هذا البلاغ هيمنة الجن على الإنس في مرحلة
معينة من تاريخ العالمين و حركة "رجال" الإنس للتخلص من الهيمنة بالعوذ
و لكن النتيجة سلبية ، ففي البلاغ توجيه أنّ رفع الهيمنة سنني أي بمعرفة ماهية هذه
المخلوقات لدفع شرّها ، و هذه المعرفة السننية موجز هديها في الرسالة و السمع الذي
أُلقي . سمع للإنس ليهتدوا لمعرفة الله أي سنن الكون الناظمة و سمع للجن ليتحروا
الرشد و يبتعدوا عن الإيذاء و يؤمنوا بعضهم و يؤمنوا الإنس :
" وَأَنَّهُمْ
ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا " الجن :7
ففي السنن الكونية دليل و هدي لرفع
الهيمنة عن كل واحد ، إنسا عن إنس و جن عن جن و إنس عن جن . و علينا أن نسأل الآن
:من يتحدث في الآية ؟
الذي يتحدث قولا هو الرّب قولا عن
"نفر الجن" ، و في مفهوم النفر النفور فهؤلاء جماعة من الجن استقلّوا عن
البقية و اهتدوا و اعترفوا ، و ليس شرطا أن يكون الحدث ماض بل إن الرّب هنا يوحي
أن هديه سيصل نفرا على الأقل و به يحصل في نفوسهم التغيير و التحوّل قولا ، فالهدي
القرءاني بيان لما هو موجود في هذا الكون الفسيح من كائنات عالمة و بيان لماهيتها
و هدي لتجنب شرّها و التفاعل الإيجابي معها ، لنواصل :
" وَأَنَّا
لَمَسْنَا السَّمَآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ( 8 ) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ? فَمَن
يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا (9) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ
أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْـ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)"
الجن
لقد أتى السمع هديا لهؤلاء الجن و لكنّ
الذهل أصابهم فقد ظنّوا أنّهم محيطين بالعلم الكوني كلّه و أنّ ما حققوه من تقدّم
أوصلهم إلى السمع أي دون تعب فإمكاناتهم وصلت المنتهى في نظرهم و لمّا جاءهم الهدى
سمعا ذُهلّوا و حاولوا أن يضاعفوا الجهد ليطوّروا إمكاناتهم فقد وصلهم جديد لم
يعهدوه و لهذا جاءت عبارة "فمن يستمع الآن" .
إستماع دال على بذل جهد لتوليد هذا
السمع و لكن الهدي انقطع فالرب يحترم حرية العالمين إنسا و جن و هديه رحمة ليس
القصد منها الإرغام ، و لم يبق في السماء إلاّ "شهابا رصدا" و علينا أن
نقف لحظات هنا. فقد ظنّ المفسرون أنّ الجن يُقذف بالشهب المعروفة و كانت نظرتهم
للشهب نظرة علمية سطحية جدا فقد رأوا فيها إنذارا بوجود جن و تتبع له إن هو أراد
إستماع ما يحدث في "الملا الأعلى" ليتعرف على المخططات المستقبلية !!!
إنّ هندسة الآية تنفي هذا فمن يستمع هو
من يبذل جهدا ليصله السمع و نحن ننشئ في كوكبنا آلات للسمع أهمها كان آلات بنزياس
لسماع بقايا الإنفجار الكوني الأول الذي تبلغ حرارته الآن 3 كلفن.
فهؤلاء الجن انتهى سعيهم بأن لم
يستطيعوا التقاط هدي جديد بعد الذي تلّقوه .
" وَأَنَّا لَا
نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْـ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ
رَشَدًا " الجن :10
إنّ هذا الهدي ليس تغييرا دون تدخل
المعنيين بل هم من عليهم أن يرفعوا الشر عنهم ليتحقق الرشد ، فالهدي جاء لتفريق من
يريد الرشد و من يريد البقاء في شرّه و عبارة "لا أدري" تصوير لحرية من
تلّقى الهدي فهو يشهد أنّه من يصنع مستقبله بنفسه إن أراد إرادة الجمع الذي يريد
الخروج من دائرة الشر. و لفظ "الأرض" مفهوم قراءني متعلق بالمكان الذي
يمكنه حمل الحياة ، فمستوى الصراع بلغ حد تهديد الحياة فهو صراع بلغ مستوى صراع
الوجود بين الأطراف.
" وَأَنَّا مِنَّا
الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ (صلى) كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11)
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ
هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى ءامَنَّا بِهِ (صلى) فَمَن
يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13)" الجن
هذا الهدي ليس إرغام فالإنس كالجن
أحرار في رسم مستقبلهم بعيدا عن الرسالة و الهدي إن أرادوا و غاية الأمر لو درى
الجميع هي الإيمان و الصلاح ، فهؤلاء النفر يشهدون بوجود من قرّر الإصلاح و ضم
جهده إلى الأخرين "الصالحون" و بوجود من هو أقل من هؤلاء ، صامتون أو
محايدون أو منتظرون أن تُحلّ الأمور من غير جهد و إصلاح .
هؤلاء الجن كالإنس مذاهب و شيع و
تشعبات و مصالح و سلطة "طرآئق قددا" ، و كل طريق يقد الأخر ليجذبه إليه
تصويرا لحال الصراع المستعر و لدينامكية الدفع .
و بين الجن هؤلاء النفر المعترفون
الصالحون ، اعترفوا أن لا مخرج من سنن الله إلاّ إليه فهو إمّا مشيا معها جميعا أو
سقوطا و شرّا يعقب من أراد أن يعجز الله . فمعرفة تطابق السمع بالله جعل هؤلاء
الجن الصالحين أو سيجعلهم يدخلون الإيمان فيمتنعون عن ترويع الأخر و قهره و
إستعباده و إكراههه ، فالهدى المسموع كان سببا في إيمانهم و لن نفتأ التكرار أن
الإيمان هو تأمين الأخر و ليس للإيمان هو التصديق.
فمن ربت معرفته "من يؤمن
بربّه" لا يسعه إلاّ أن يؤمن و إيمانه ليس ضعفا ، فما دام سائرا في سبيل الله
، سبيل الإيمان فلن يخاف أن يُبخس و يُحتقر و لا يخاف الرهق من شدّة التآمرات و
التحالفات معه أو عليه.
إلى هنا ، ساقتنا الآيات في رسم مرّوع
للكون بما يحمله من إنس و جن يتصارعون و لا يؤمنون و يرفضون الهدى و يستمرون في
الشر و الرهق و الخوف، كلهم على بعضهم ، يتحالف إنسهم مع جنّهم على إنسهم و جنّهم
، و في هذه البلاغات بيان أنّ الجن يحتاجون الإنس كما يحتاج الإنس الجن في مراحل
تعارفهم السابقة أو المستقبلية و أن خلق الرّب هو توازن بين الضعيف و القوي رغم
شدّة القوي بل في سنن الله إمكان رفع الضعيف ماهية هيمنة القوّي عليه و في هذا بحر
لمن يحاول أن يتخيل ماهية الجن و حاجتهم للإنس.
و يستمر نفر الجن قولا :
" وَأَنَّا مِنَّا
الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ (صلى) فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ
تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَـ حَطَبًا
(15) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّآء غَدَقًا
(16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ (ج) وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ
عَذَابًا صَعَدًا (17)" الجن
المسلم من يضع السلاح إبتداءا فميمه
الأولي تصور جعله السلم عنوانا حيّا ، فحياته سلم لغيره ، فما هو القاسط ؟
القسط هو إعطاء بالسوّية و ليس القاسط
ظالم إلاّ أن يكون الكاتب هو من يمتنع عن الكتابة و لقد اعتبر الأسلاف معنى الظلم
في القاسط ليتسق فهمهم مع الآية إذ لا يمكن لمن يقسط أن يكون لجهنم حطبا و لكنّهم
بهذا أفرغوا فهمهم على الآية دون مراعاة سياق السورة و موضوعها و دون الإنتباه أن
القاسط في البنآء القرءاني لا يمكن أن يكون ظالما.
فما المقصود ؟
الجنّ ماهية أعلى من الإنس و حين تعامل
الأعلى مع الأدنى عليه أن يعامله بالعدل و ليس بالقسط . فمعاملة الجن للإنس بالقسط
تجاوز غذ هناك إختلاف ماهية على الجن مراعاتها ، و هنا إشارة قرءانية عميقة
لمعاملة الأخر حتى إن كان مثيلنا بما يراعي نسبة الفارق ، و نرى في سورة النساء
توضيحا لهذا المعنى داخل نفس المخلوقات ذات الماهية الواحدة.
إن مشكلة الجن الذي لم يتحر الرشد أنّه
استبعد الإنس لمجرد تفوقه و حاصرهم و أفناهم و قتلهم و شرّدهم ، هذا ما حدث أو
سيحدث "فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا" و لكن ليس كل الجن مسلم ، و نرى هنا
ضراوة ما سيحدث للإنس بوحي هذه الآيات "قل أوحي إلي" و نرى طمأنة القرءان
أنّها مرحلة و أنّ الجن ليسوا كلّهم سفكة للدماء فهو هدي لمن يعيش هذه المرحلة أن
يبحث بينهم عن مسلمين ممن تحرّى الرشد و انتبه أنّ قوّته ليست ذريعة للقتل و
الإرغام لتحقيق المآرب بأي ثمن.
بن نبي
اذا دجال او ساحر يستعين بجن استاذ
ردحذفجن هم بشر مثلنا هم متبعون ولايوجد جن مختفي
ردحذف