التخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسى وآياته إلى فرعون

 

إسم موسى متعلق بمشروع تغيير بين قوى مستضعفة ذليلة و قوّة مهيمنة فرعونية ، فالبعد السياسي في إسم موسى لا يخفى على أحد حتى إن رأى أن موسى التاريخي أتى بالمعجزات ، فحركة موسى سياسية بإمتياز .

بطبيعة الحال ، مواقفي السياسية مبنية على مرجعيتي الفكرية و الروحية و لكنّي لا أربط هذا بذاك حتّى لا أسمح لنفسي أن أكون ناطقا رسميا بإسم الرسالة ، فأنا لست إلاّ قارئا .

فصل الدين عن السياسة هو فصل لا معنى له ، فالدين شروط بين متعاقدين و السياسة دستور بين سلطة و شعب ، فالفصل هو بين السلطات في المجتمع و ليس بين هوّية مواطني المجتمع و هذه المقولة "فصل الدين عن الدولة" عبارة خاوية لتفجير الوضع على كنائس و كهنوت إذ الدين عند هؤلاء هو سلطة كهنوتية تملي إرادتها على المجتمع .

أوّد التركيز على هذا ، إذ القرءان ثورة تغييرية للإضطلاع بمهام الخلافة و لعل إسم موسى عنوان كبير في هذا التغييير. و أشير عابرا أنّ ما أكتبه ليس معرفي للترف الفكري بل له معقباته الواقعية و قد يرى القارئ ما أطرحه أكاديمي و أنا من هنا أؤكد أن لا أكاديمية فيما أطرح .

لندخل إلى البلاغات القرءانية التالية :

ـ [ ولقد ءاتينا موسى تسع ايات بينات فاسأل بني اسرائيل اذ جاءهم فقال له فرعون اني لاظنك يا موسى مسحوراََ َ]

لفظ "ءاتينا" يعبر عن من حصل على شيء بعد جهد منه، عكس "أوتوا" ، و سآتي على ذكر الأيات بتفصيل و لكنّي أرى أنّ إتيان الأيات ليس إرسالا لصندوق معجزات يستعمله موسى .

ـ " فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ" الأعراف

نفس ما قلته في الموضوع ، فإلقاء العصا هو رغبة ذاتية في لقاءها حال كل ثائر يريد التغيير، و عند اللقاء و الشرح و العمل تتحول العصا إلى "ثعبان مبين" و قلت أن الثعبان ليس ما نطلق عليه "حية " أو "حنش" بل هو إنتشار تفجيري ، فالثاء تحمل ثلاث نقاط تشير إلى تولد و إنتشار و سأعود غلى هذا بتفصيل .

ما كتبته هو أنّه ينبغي قراءة الأية هنا ، ليس كحوار في جلسة و في غرفة بل قراءتها على أنّها قول و للقارئ أن يرسم تفاصيل الحدث بعدها ، كيف عمل موسى لتوعية العصا و التفاعل معها و دفعها للتعبير عن نفسها و المطالبة بتغيير سياسة فرعون .

ـ " فالقاها فاذا هي حية تسعى" طه

نفس الملاحظة ، فالحية رحم ينتظر نفخ الحياة فيه ، فإلقاء العصا ـ و ليس رمي العكاز ـ سمح بجعل الحياة تدب فيها و بدأ السعي ليتم إحياءها و قد كانت من قبل ميتة ، كانت أغلبية صامتة هامدة مهانة مذلة .

ـ " وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآء لِلنَّاظِرِينَ" الأعراف

بيضاء للناظرين ليس وصف للون فلا وجود لألوان في القرءان بل لمفاهيم ، فالأصفر ليس ما يعتبره الناس في لغتهم بل الأصفر هو ما نسميه "الهزيل الرائق" كحال الإناث الممارسات لمودا الثياب في المحافل .

البيضاء هو معنى للشفافية و البراءة عكس الأسود ، فاليد البيضاء هي اليد التي لم تتلطخ بما تُتتهم به .

ـ " فاوحينا الى موسى ان اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم" الشعراء

الطود ليس جبلا شاهقا من صخر ، و ضرب العصا هو عملية تمويه و إنشاء لغز و معضلة للحل كما سبق تفصيل مفهوم الضرب في بحوث سابقة ، فضرب العصا هو ما نراه اليوم في إنفجار حروب أهلية داخل نفس المجتمع و كل فرق يصطف ليواجه الأخر، و أنا هنا لا انف أنّ موسى المستقبلي لن يفرق البحر ، المتعارف عليه بيننا ، بوسائل تقنية كبيرة ، ما أنفيه أن يكون قصص موسى محصور في تاريخ و جغرافيا ، فقصص موسى مفاهيم و ليس رسم جغرافيا و المعراج الأول للقرءاة هو موسى التاريخي و لا شك و لكنّه معراج أولي يمهد لمعارج. و سيتم تفصيل الحديث عن ما سُمي "شق البحر" و لكن المنهج الذي ارتضيته يدفعني أن أرى كل لفظ بتلسكوب و أن أدخل في جذريته .

ـ "واذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا" البقرة

تكوين اثنتا عشرة عينا من ضرب العصا أتركه للتأمل و لي عودة له و لكّني اشير أنّ إيقاع عكاز مهما كانت قوّته على صخر يوّلد إثنتا عشرة حنفية و كل حنفية يعرف أصحابها عنوانهم فيها !!!

و في الختام ، أرجو أن تهدأ نفسي و تلتزم الحياد في قراءة النص القرءاني لكن أؤكد لك أن قراءتي لقصص موسى بهذا الشكل سبقت حرب تموز.

تحياتي

بن نبي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...