القلم الأوّلي في البحث يجعلنا نرى الرسالة تنتمي إلى جو بدوي أعرابي تفتقر فيه إلى أبسط مؤهلات الإنفتاح على البحث العلمي و الرقي الإجتماعي و ربّما و بحكم تسلّط قبائل قريش ة ما جاورها على مقاليد إمبراطورية كبرى في سرعة البرق ، يجعلنا على أكثر تقدير نرى في الرسالة عقيدة دفعت بهذه القبائل لتكوين إيديولوجية سلطة فعّالة سرعان ما أتت ثمارها.
لكن كثيرا ما
تخطئ الأقلام حين إلقاءها على مائدة البحث.
أول ما يتبادر
إلى الذهن حجم الخلافات الفكرية حول ماهية هذه الرسالة منذ البداية . إختلافات
طالت المفردات و المفاهيم و الماهية و وُظفت هذه الرسالة توظيفا سياسيا مفضوحا
فاتحة المجال لظهور مذاهب سياسية زعم الأسلاف أنّها مذاهب "دينية" و فرق
عقائدية و الأمر لا يعدو تموقعا سياسيا مع هذا الحزب أو ذاك. و يمكننا أن نتهم هذه
الرسالة ببث البلبلة في عالم هادئ صحراوي و بإشاعة الفوضى في حضارات سابقة عريقة
بفعل الغزو. و ما لا يمكننا فعله هو تجاهلنا لحجم الديناميكية التي خلقتها الرسالة
، و لعلّ هذا هو الأساس، فحياة الأفراد كحياة إستهلاك للمتاع و الرزق و التناسل لا
معنى له ، غذ هو بهيمي محض ، فأس الحياة و معناها هي تطوّرنا كمخلوقات عالمة ترقى
في فهم محيطها ماهيتها ووظيفتها و تقليل الإستهلاك إلى أقل ما يمكن و كسر شره
الجمع و التكاثر.
إنّ الرسالة
لا تضع فقط إشكالات للحل بل تضع نفسها كإشكالية كبرى متوازي فهمها بفهم موضوعها
الكوني ، تلك هي نافذة الديناميكية الفكرية و العلمية التي تدفعنا إليها الرسالة.
و لنرى الأمر عن قرب.
جاءت التوراة
و القرءان في عصر منعدم لتقنية الإتصال و لتقنيات عصرنا المبدع ، لقد أتت في لباس
يشبه في بدائيته قول الكهنة و تمتماتهم حتى ظّن من ورثوا الرسالة في صحيفة متكاملة
أنّها تحدت شعر "امرئ القيس" و "الشنفرة" و ظنّوا أنّ الرسالة
تحدث البلغاء و الشعراء !!!
ماذا يقصد من
صاغ الرسالة بهذا الإنزال و في هذا التوقيت بالذات و لماذا انقطع إنزال الرسالة
بعد أن انفتحت نوافذ البحث العلمي الفيزيائي و البيولوجي و تطوّر الرياضيات ؟؟؟؟
ربّما يسرع
الباحث في إعتبار التوراة و القرءان مجرد كتابات شخصية لتائهين زعموا شيئا سموه
نبوّة و زعموا أنّهم يتلقوا نصوصا من قوى خارجية عن ذواتهم لا يملكون ردّها و
فعلهم لا يعدو إلاّ تبليغا لما يتلقونه . و يستمر التساؤل حول سبب إصطفاء هؤلاء عن
غيرهم من البشر ، فما دامت الرسالة متوّجهة إلى كل الناس فلما لا يتلقّاها كل واحد
منّا في فؤاده "دماغه" و ينتهي الإشكال و تسود الطمأنينة !!
سهل أن تأت
الرسالة في زمن يجهل الناس أبجديات البحث العلمي و في عصر تنعدم فيه التقنية ، إنّ
هذا في حد ذاته إشكال كبير.
الّرب الصائغ
للرسالة يقول أنّ كتابه تحدّي للعالمين في بنيته و في محتواه و في تصديق ما بين
يديه ممّا يأتي من كشوف علمية و لا يمكن بحال إبطال أي نقطة من الرسالة التي صاغها
!!!
هو إذن تحدي ،
ليس مهمته فقط أن يدفع الناس للبحث ، بل أن يغيظهم و بفعل الغيظ تبدأ المشاكسة و
في غضونها يتحدث الراسخون في العلم ممن لم يقرءوا و لم يعرفوا الرسالة ليزيد
المشاكسون غيظا لأنهم صغار ، فالرسالة أساسا وظيفتها أن ترفع الصغار
"الكافرين" و تطمئن الكبار "المؤمنين". تطمئنهم على قضيتين
جوهريتين :
ـ أن حياتنا
الدنيا هذه ليست نهاية الرحلة
ـ أنّ رحلة
البحث لا تنتهي
ليس هاتين
النقطتين قضايا عقائدية تُلزم سامعيها بالتسليم بل هي خبر سعيد و إن لم يصل المرء
إلى تيقنه من بحثه الكوني الحالي ، فبحثنا الخلافي متعلق بالذي ليس كمثله شيء ، و
مادام إسمه "ليس كمثله شيء" فالرحلة لن تنته لمن تهيأ.
إن هذه الرحلة
تضع الصغار في ظن البهائم ، فهم يظنون أن اليوم الأخر محطة للإسترخاء و الإستمتاع
البهيمي و الإستهلاك اللانهائي و هم بهذا الظن يحكمون على أنفسهم أنهم غير مؤهلين
لمواصلة المسيرة ، فما تحدثت عنه الرسالة من متاع أخروي وظيفته تنبيه العالمين ممن
حمل الروح أنّ كل ما يراه مشكلة سينتفي إن فعل نفخ الروح فيه ، فهو يستطيع أن يقض
على المرض و الجهل و الفقر و أن ينه أرقه في البحث عن القوت و الرزق و المال إن
تعاضد مجتمع الذين ءامنوا و تعالى إلى مستوى نفخ الروح. و لكن الناس سرعان ما
يعودون إلى الشجرة الملعونة و أصلهم الأول و يرضخون بدل أن يتعالوا إلى الكلمة
السواء.
إن الرسالة هي
كتاب الإنسانية المدرسي ، إن هي وعت من الرسالة حجم ما تحمله من إمكانات روحية ، و
إن هي انتبهت أن الرسالة ليست كهانة للفتوى و الإكراه العقائدي و ليست بوقا لصاحب
السلطة يخرجها كبعبع ليقتل معارضيه و يمنع به البحث أن يقول كلمته. هكذا سأقرأها و
هكذا أراها
بن نبي
تعليقات
إرسال تعليق