التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هم بنو إسرائيل؟ (الجزء الثاني)

قلت سابقا أنّ الإنسانية مرت بطورين، طور آدم الذي تمّ فيه أنسنة الهمج و نفخ الروح في المصطفين منهم ، أصبحت الإنسانية بالنفخ حاملة للبنوّة "الروحية" و إمتدادا لها موسومة بإسم "بني آدم" بيانا للطور الجديد، ثم تفرقت الأمة الأولى الواحدة أمما و دخلت طورا جديدا طور اللقاء و التعارف و التعايش و التفاعل عودا لربط الأواصر التي قطعتها الجغرافيا، هذا الطور المعبر عنه في القرءان بـ "بني إسراءيل" مثلّه أحسن تمثيل أبوهم إسرائيل الذي رفض قتل أخيه و فضل السلم و التقوى عن سفك الدم الحرام بفعل شهوة الإنتقام و تصفية الآخر كما سبق شرحه في الجزء الأول.

إسرائيل هو رمز لطور التعاون بين الناس و الإسراء إلى بعضهم بعضا بإحترام بنود ميثاق نفخ الروح، و من أخص بنود ميثاق "بني إسراءيل" بندين ينبغي الإلتزام بهما في علاقاتهم:

ـ البعد عن سفك الدماء 

ـ البعد عن الإفساد في الأرض

و في هذا البحث النافذة أحاول تعميق هذا المفهوم و توضيحه أكثر إذ فكرة حصر بني إسراءيل في قوم جمعهم لسان واحد و جنس واحد و إنتماء عرقي واحد متأصلة في العقل الجماعي للإنسانية بفعل الكم الإعلامي الهائل لـ "شعب الله المختار" و من صدّقهم من المغفلين و هذه الفكرة الخطيرة لا زالت تنخر الإنسانية و تعيق سيرها بل هذه الفكرة هي أساس بعد الإنسان عن الرسالة و ليس غريبا أن ينظر الإنسان لأخيه الإنسان من جهة إنتماءه العقائدي و المذهبي و الفكري رافضا أن ينظر إليه كإنسان ينتمي مثله إلى طور "بنى ءادم" و يريد مثله أن يكون من "بنى إسراءيل"، لكن الكهنوت كرّس و ركزّ و أحاط هذه فكرة التقسيم بأسيجة لا تقدر عليها حتّى القنابل النووية.

أول فكرة أبدأ بها السير تتمثل في عالمية الرسالة، فرسالة الأنبياء عالمية بطبيعتها متوجهة للإنسان و مخاطبة له كإنسان و لا يمكن أن تكون الرسالة محلية أو قومية، و الغريب أنّ فكرة تجزيء رسالة الأنبياء متأصلة في نفوس من يزعم إتباع الأنبياء حتى و كأنّ مجيء نبي من الأنبياء يعني الحكم على السابقين بالسفه و التاريخية و التكلس.

فعند أغلبهم أنّ عيسى نبي النصارى و موسى نبي اليهود و محمد نبي المسلمين !!. و مع أنّ مفهوم النصارى سلبي في البلاغ المبين و مفهوم اليهود أشد سلبية منه نجد أنّ تراثنا يزخر بنسبة اليهودية لموسى و النصرانية لعيسى.

فلنرى كيف تعامل القرآن مع رسالة الأنبياء.

يحذر البلاغ المبين من التفريق بين رسالة الأنبياء و يعتبر القرآن الرسالة واحدة أحدية في سيرها لا تجزيء فيها و لا يمكن بحال تجاوزها و حصرها بل يعتبر القرءان أنّ أي تصنيف للأنبياء و محاولة الفصل بينهم تهودا أو تنصرا :

البقرة 2/135 ـ 136

فلا تفريق بين النبيين بل ما نزل إلى الأنبياء هو سبب للإيمان في كل واحد فيهم و أن التفريق بينهم تهود يراد منه تحقير الأنبياء الجدد و رفض بينّاتهم و رفض الإرتقاء أو هو تنصر بقبول النبي الجديد و رفض السابقين بزعم تجاوز النبي الجديد للأنبياء السابقين و هو في النهاية دعوة حرب على الأخرين و رفض للإسلام.

إنّ القرءان لا يمنع فقط التفريق بين الأنبياء بل يمنع التفريق بين الرسل، فكل فتح و كشف علمي هو من الرسالة بل هو موضوع الرسالة و أي تفريق بين الرسل يعتبره القرءان بداية للطعن في الرسالة يتسلل به من يريد هدم الصرح :

النساء 4/ 150 ـ 152

فمنابع الهدى تحمل ماهية واحدة و بصمة واحدة و من أي منبع أخذت الإنسانية فهي تغرف الهدى. توراة وقرءانا، فالتنزيل للعالمين و كل هدى حمله نبي يصدق غيره من هدى الأنبياء و لا يمكن أن تختلف أمة الأنبياء أو يلعن بعضهم بعضا.

و إنّما تعدد مجيء الأنبياء لتغييب الإنسان لنفخ الروح فيه، إذ لو بدأ الإنسان مهمته لما كانت حاجة لنبي أصلا فعكس ما يتصور الناس فأول نبي هو نوح و ليس ءادم و لقد مرّ وقت طويل قبل أن تصلنا الهداية و الرحمة، إذ ما حاجة الهدى الرّباني و هو أساسا مبثوث فينا و لكن الإخلاد إلى الأرض و العودة إلى أمة الهمج هو من دق ناقوس بدء بعث الأنبياء و الرسل.

 

أكدّ القرآن إذن على وحدة الرسالة الإلهية و إن تعدد حاملوها وأنّ هدف الرسل و الرسالات واحد وهي إعانة العالمين لبسط قواعد القسط بينهم و الإرتقاء العلمي الذي رُبط به الحديد في ءاية سورة الحديد و ليقطع القرءان حبل من يعتقد الإنتماء إلى شعب الله المختار أكد القرآن أنّ الله يؤتي الفضل لمن يستحقه و يسعى له و أنّ الفضل موزّع دون أن يكون الجنس أو القومية معيار العطاء:

الحديد 57/25 ـ 29

فمهمة الأنبياء هي أن يقوم الناس بالقسط مدعمين بالبينات الموضوعية العلمية التي تتجاوز عصرهم بكثير ليقتنع الناس و يطمئنوا بصدقهم و يرتفع الناس علميا بمعرفة ما في الحديد من بينات، فالحديد منزل كما أنزل القرآن، أي يحمل بينات و بين التنزيلين تطابق يتجاوز هذا البحث البسيط و تكفي الإشارة أنّ ذرة الحديد هي الوحيدة في الكون التي لم تنفصم بعد خلقها لتكوّن ذرات أعلى فبلوغ تكوينها جعلها مستقرّة فالرسالة كذرة الحديد مستقرة الخطاب.

نعود فنقول أنّ شجرة الإنسانية لا تنتمي إلى نوح بل لها فرعين من أحدهما أتى إبراهيم و جاءت الأخرى من فرع نوح(57/26) و حملت النبوة في الفرعين و هي بهذا ليست لجنس واحد و تضعنا هذه الآيات أمام تفرع النبوة على الإنسانية جميعا.

و يأتي الأنبياء الآخرين من التقاء فرع إبراهيم و فرع نوح. و ينبه القرآن في آية الحديد 57/29 أنّ الفضل لا يخص حاملي الكتاب (توراة، إنجيل، قرآن) بل هو لكل من يطلبه و يسعى له (من يشاء) و أنّ فضل الله عظيم.

ووصف القرآن قافلة النبوة بأنّها أمة واحدة، أي بتعبيرنا الأعجمي الحالي "ثقافة واحدة"، و نجد هذا المصداق في سورة الأنبياء ، فبعد أن ذكر البلاغ المبين قافلة الأنبياء :

النبي الكريم محمد؛ موسى؛هارون؛إبراهيم؛إسحاق؛يعقوب ؛ لوط؛ نوح؛ داود؛سليمان؛أيوب؛ إسماعيل؛إدريس؛ذو الكفل؛ يونس؛ زكريا؛يحي؛ مريم

ختم هذه الأسماء الزكية بالآية 92 :

الأنبياء 21/92

و نجد نفس الطلب متوجه للرسل الحاملون للنبوة :

 

المؤمنون 23/49 ـ 56

و أمة الرسل و النبوة واحدة مهما تواصلت الصعوبات برمز الفخاخ المتصلة على الطريق برمز الحاجز المستمر برمز المد الموجي (23/52).

و لكن الإنسانية رفضت أن تكون الرسالة واحدة و انقسمت زبرا كل منها يدعي أنّه شعب الله المختار (كل بما لديهم فرحون) و الغريب أنّ كل منهم يدّعي علو فكره بما حققه من نمو اقتصادي من مال و بنين (عمران ) و كأنّ النجاح الإقتصادي هو المحك في إثبات صدق الإتباع، فكل إمبراطورية صعدت و رفعت إسم نبي و بلغت السؤدد الإقتصادي تقوم قاهرة مخالفيها رامية إياهم بأبشع الأوصاف بدل القيام بمهمتها الأخلاقية و التاريخ خير شاهد على تحويل أمة الأنبياء إلى أمم تتقاتل رافعة كل أمة علما للنبي.

فالنبوة و الكتاب حملتها الإنسانية التي تذهب للآخر و تتفاعل معه و تسري إليه وهي بهذا التفاعل أصبحت مؤهلة للحكم و القيادة :

الجاثية 45/12 ـ 18

هذه الآيات موجهة للإنسانية جميعا و تؤكد أنّ بدء إرسال الأنبياء بدأ مع بداية تفاعل المجموعات البشرية بعضها ببعض.

فلقد أتاهم الكتاب (الكون المبصر و الكون المقروء) و الحكمـ المتصل (السلطة على الأشياء) و النبوّة (الإتصال مع السماء) و أعطاهم ما به يقومون به (رزقناهم من الطيبات) و فضلهم المولى على بقية الإنسانية (العالمين).

و لكن غريزة البغي و التسلط على الآخر دفعتهم إلى الإختلاف من بعد مجيء البينات. و يبين المولى لنبيه أنّ إتباع الآخر يُبنى على القناعة وليس على الهوى و يحذره أن يميل، و ينصحه بالإعتراف من هذه الشرعة (القرآن).

 

ما قلناه سابقا يؤكد أنّ طور بني إسراءيل بدأ قبل نوح، إذ طور إسرائيل هو بداية العلاقات بين الأمم المختلفة و الجماعات الإنسانية الأولى المتناثرة. فالأمة كانت واحدة وبتعددها إلى أمم فتح طور إسرائيل و به بدأ بعث الأنبياء والرسل :

البقرة 2/213

و نلاحظ فاء التعقيب التي تنقلنا إلى صورة انقسام الأمة الواحدة التي تسببت في بعث الأنبياء لترتيب البيت و حل النزاعات بينهم، لكن المشكلة كانت دائما فيمن ورث الكتاب (إنشاء كهنوت) بفعل البغي و التعالي السياسي و التسلط.

و لكل أمة (ثقافة بتعبيرنا) بعث الله رسولا أو رسلا توضح سبيل تفعيل نفخ الروح و بدء المسيرة :

"و يوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهمـ من أنفسهم، و جئنا بك شهيدا على هؤلاء؛ و نزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء و هدى ورحمة و بشرى للمسلمين"

النحل:89

هذه الآيات تؤكد أنّ الأمم جميعها بلغتها الرسالة و سُطرّ لها السبيل بمجيء النذير و الرسل و لا يُفهم كيف ترسخت فكرة تركيز بعث الأنبياء و الرسل في أمم معينة محددة و آيات الكتاب تؤكد العكس. فليس صحيحا بمنطوق الكتاب أنّ غالب الأنبياء و المرسلين من قوم و جنس واحد. فهذه الآيات تقول و بالحرف أن انقسام الأمة الواحدة إلى أمم تبعها إرسال الرسل إلى هذه الأمم جميعا و لم تخلو أمة من نذير و رسول.

إلى هذا الحد من البحث توصلنا إلى وحدة رسالة الأنبياء و بلوغ الرسالة إلى جميع الأمم و إنتفاء حصر النبوة و الرسالة في جنس أو قوم و أنّ رسالة الأنبياء بطبيعتها عالمية فهي تحدث بنفس الماهية و إن تعدد اللسان. هذا ما يزيدنا قناعة في ربط مفهوم "بني إسراءيل" بالإنسانية المرتقية التي تقبل التعاون و التفاعل فيما بينها، ذلك لأنّ موسى و عيسى لم يبعثا إلى قوم و جنس بل إلى كل الإنسانية التي تقبل الرسالة و الإرتقاء. و لنبدأ بموسى النبي الكريم لنستقي من البلاغ المبين ما له علاقة ببحثنا.

موسى عليه السلام ذهب مطالبا فرعون تحرير "بني إسراءيل" و الكف عن إيذاءهم و استعبادهم و انتهت الأحداث كما هو معروف بغرق فرعون و خروج موسى و من معه :

 

يونس 10/90 ـ 93

فبني إسراءيل جاوزوا البحر و انتقلو إلى الطرف الآخر من مسكن فرعون و التجئوا إلى مكان رزقهم الله فيه من الطيبات. ولكننا نفاجئ أنّ "بني إسرائيل" استقروا في قرية فرعون و استلموا الحكم بعد غرق فرعون دون حرب :

الشعراء 26/52 ـ 86

فخروج فرعون من بلدته الصغيرة التجارية في جزيرة "العرب" أعلن استلام الحكم من "بني إسرائيل" الباقون في البلدة الذين لم يخرجوا مع موسى و في نفس الوقت جاوز موسى و من معه إلى الجهة المقابلة من بلدة فرعون.

و هنا تضعنا الآية أمام مجموعة من الحقائق لن نستطيع حصرها في هذا البحث البسيط.

و أولها أنّ فرعون لا علاقة له ببلاد النيل، كيف و هو يطلب الغوث و العون من القرى المجاورة له (إنّا لجميع حذرون)، وملك القبط له جيش نظامي لا يحتاج إلى مثل هذا النداء الإستغاثي. وثاني الملاحظات هي أنّ بني إسرائيل ليسوا محصورين فيمن تبع موسى و جاوز البحر بل من بقي في مصر فرعون هم كذلك من بنى إسراءيل و تحليل لقصص موسى مع فرعون يجعلنا نرى تعبيد فرعون للأجانب الذين استقروا في الوطن "بنى إسراءيل" في مقابل سكان البلد الأصليين "أل فرعون"، و خطة فرعون في تركيز السلطة العسكرية و الإقتصادية في الأل و إمتهان "بنى إسراءيل" و إستغلالهم رغم قوّتهم العددية، و انتهى الحال بخروج فئة مع موسى و بقاء فئة أخرى من بنى إسراءيل راضية بالهوان و أُسدل الستار على فرعون و تمّ للأجانب حكم البلد بعده :

الأعراف 7/134 ـ 137

فالكهنوت حصر بني إسراءيل في قوم موسى بالنسب إلى النبي الكريم يعقوب و الأمر أعمق، فالمهاجر الذي يدخل بلدا قصد العمل و الإقامة و التعاون و تقديم الخدمة و الكفاءة هو من "بنى إسراءيل" و الآية تصف من دخل مصر فرعون و أقام فيها بهذا الوصف لتبين أنّهم لم يقيموا قصد الإفساد و لم يأتوا محاربين مروّعين مرهبين لسكان البلد الأصليين بل ما حدث أنّهم استسلموا لإذلال فرعون و ظلمه و طغيانه و لعلّ هذه النفسية المسالمة التي ترضى بالهوان و تمتنع عن المواجهة يفسر إمتناع الذين اتبعوا موسى مواجهة قاطني الأرض الحرام و ركونهم، و لا شك أنّ البلاغ المبين انتقد موقفهم و عنفهم و مع أنّ القرآن نبههم أنّ سفك الدم ممنوع بين الإنسانية في علاقاتها و لكنّه أمر حتمي ضد سافكي الدماء و ضد المفسدين في الأرض.

و ربّما تعلّق إسم إسرائيل بالنبي الكريم يعقوب لهجرته و تركه وطنه الفقير اليثربي مع ضعف يعقوب و شيخوخته و فقدان بصره.

و الآن نلج في قمة التعامل الإنساني بين "بين إسرائيل" الممثل في النبي الكريم عيسى إذ يرسم لنا البلاغ المبين صورة لمثل السلم و المحبة في قمتها في شخص السيد المسيح عيسى بن مريم :

الزخرف 43/57 ـ 60

لقد رفض قوم النبي الكريم الطريق السلمي في تعاملهم مع النبي و دعوته و فضلوا طريق العدوان و الإكراه و القهر، رفضوا ترك العنف الذي مثلّه بصورة منقطعة النضير نبينا الكريم عيسى، و لو قبلوه مثلا لعلاقاتهم لأصبحوا من بني إسرائيل في ارتقائهم و علاقاتهم و تضعنا ءايات القرءان في صورة يستحيل أن نواصل اعتبار "بني إسرائيل" جنسا معينا و قوما، فلنقرأ :

الصف 61/6

فالنبي عيسى يبشر بني إسرائيل قولا برسول يأتي من بعده موضحا لأتباعه ضرورة الإرتقاء مع مجيء الدعوة الخاتمة. و نلاحظ ميم "إليكم" الناقصة التي تفيد إستمرار رسالة عيسى بن مريم عليه سلام و مثله في الناس.

و لكن "بنو إسرائيل" لا يرتقون بنفس الطريقة و منهم من يتوقف عن الإرتقاء و لا يقبل البينات و يرفض البراهين و يقفل رأسه مع بقاءه على منهج السلم و رفضه للعنف.

ومع حسنة منهج السلم الذي يتبعه إلا أنّ منهجه الفكري الذي سيجرّه إلى الكفر أو التهود و التنصر، و يمكن أن يتحول منهج السلم بعدها إلى منهج عنف و تعنت، و ليس غريبا أن يأتي إنتقاد من كفر من "بني إسرائيل" الذين يتوقفون عن الإرتقاء على لسان عيسى (مثل بني إسرائيل الأعلى) مرتين في البلاغ المبين و مرة على لسان داود الذي داوى شعبه، و لنقرأ الآيات :

المائدة 5/77 ـ 80

 

فالذين كفروا من "بنى إسراءيل" في زمن عيسى هم من توطأ مع روما لقمع المسيح و توقيف أي نقاش و حوار بل و تأليب للسلطة السياسية عليه و هم ليسوا إلاّ أجانب يعيشون تحت محمية لا يملكون إستقلال قرار و لا تنفيذ أمر .

لقد فُضحّوا أو بتعبير القرءان "لعنوا" بقلّة إنفتحاهم على التوراة و بتأصل الكهنوت فيهم و بذلّهم لسلطة قهر. وجاء خطاب الآيات لكل أهل الكتاب

( أهل التوراة/إنجيل/ قرآن) أن لا يتبعوا منهج الغلو دون دليل

(غير الحق)، و لا يتبعوا من ضل ولم يعرف السبيل. و يشير القرآن أنّ هذا الغلو قد تسبب في فضح من مارسه من قبل، فتأليه الغاليين لعيسى ليس إلا محاولة منهم ستر عصيانهم (عكس اللين للحق) و اعتداءهم (تجاوزهم)، و ملاءتهم على المنكر من الأفعال،

وتوليهم لمن رفض الحوار و المحاجة و جعل من عداء الحرية الفكرية و العقائدية منهجه في الحياة و انزلق نحو فعل الكفر.

ليس غريبا كذلك أن يأتي الفضح من داود لما لحقه من تبجيل و إلى اليوم كلّما أراد بنى صهيون تغيير حكومة نادى غلاتهم بإسم داود بمجيء رئيس الحكومة الجديد و هم مفضوحين إذ لعنة داود تلحق كل من رفع إسمه ليستضعف الناس و يجرم في حقّهم ، فالبلاغ المبين يوضح أنّ الأساس هو التزام مبادئ ميثاق التعامل بين"بني إسرائيل" وليس ستر السوءة بتبجيل نبي أو رسول.

و لا غرابة أن نجد الآية 5/82 بعد هذه الآيات تصف و تجسد فعل الكفر الذي تمارسه فئات الإنتماء للذين آمنوا و معاداتهم :

فأشد الناس عداوة لمجتمع الذين آمنوا عبدة الأسلاف (اليهود) و أقربهم مودة العاطفيين من الذين يناصرون معاصريهم دون وعي (نصارى) كما سنوضحه فيما بعد.

هذه العاطفة الممثلة في قسيسيهم من الذين لا يفترون عن العمل، إذ أقرب مشتق لقسيسين قَسَى و علامة الكسر في القاف و السين تدل على الخفاء فهي قسوة خفية يظهرها العمل الدائم، و فيهم رهبان ممن ليس له رغبات مادية في نصرته بفعل الرهب المقابل للرغب، ومن طبيعة المناصرين البعد عن الإستكبار فهم يناصرون دون أن يكون لجنس أو قوم من يناصرونه وزن، فهم بهذا أمميون بتعبيرنا الحالي و أقرب مثال لهم في عصرنا مناصري الأحزاب السياسية. و المقصود خطورة تحول "بني إسرائيل" إلى منهج اليهود أو النصارى أو منهج "الذين كفروا" الذي يخرجهم نهائيا من حالة المتفرج المسالم القابل للإعتداء إلى حالة العدوان.

و لمّا كان مفهوم "بني إسراءيل" يتعلق بالإنسانية التي تفضل السلم في علاقاتها و الإقتراب من الآخر و السير إليه فإنّها خضعت لبنود ميثاق سطرها البلاغ المبين، والميثاق من الثقة و الوثق (الرباط المعنوي) بين المتعاقدين و هذا يبين و يوضح أكثر مفهوم "بني إسرائيل" المتعلق بالعلاقات الإنسانية و قوانينها، ولنرى الآن بنود الميثاق في البلاغ المبين:

البقرة 2/80 ـ 86

العهد مع الله هو في فعل الإنسان و ليس في نسبه أو انتماءه العقائدي و المذهبي، و الذي تحاصره خطاياه و يبقى حبيسها لا ينفعه الإنتماء. و يفصل البلاغ المبين في أسس التعامل بين المجموعات الإنسانية الساعية لربط علاقاتها مع الآخر بادئة ببنود الأمر :

بند 1 :

لا سيد فوق الناس بل هم سواسية أمام القوانين الموضوعية (لا تعبدون إلاّ الله)

بند 2:

مهما كان خُلق الوالدين فالإحسان لهما واجب

بند 3:

الإحسان إلى الأقرباء مهما اتسعت الدائرة

بند 4: الإحسان لليتامى (أيّا كان سبب يتمهم ممثلا في الألف الوتدية القاصرة التي تعبر عن التنوع)

بند 5 : الإحسان للمساكين (من فعل سكن ولم يستطع الحركة بفعل دين أو حاجة مالية أو لأي سبب بآخر(

بند 6: القول الحسن لكل الناس كلاما و فعلا (قول(

بند 7 : لزوم الحد في التعامل مع الناس و عدم التدخل في حياتهم الخاصة (و أقيموا الصلواة(

بند 8: الإبتعاد عن الأفكار المسبقة في التعامل مع الأخر و معاملته بأرفع أنواع الإحترام (آتوا الزكاة(

ثم تستمر الآيات في توضيح بنود المنع في دستور "بني إسرائيل" الذي ينبغي أن تنتمي إليه كل الإنسانية بدلالة تغيير الخطاب "وإذ أخذنا ميثاقكم" الذي يعني أنّكم أيّها القراء منهم:

بند 9 : الإبتعاد عن سفك الدماء

بند 10 :عدم تهجير السكان لأي سبب

فسفك دم الغير هو سفك لدمكم (لا تسفكون دماءكم) و تهجير ناس من قومكم هو تهجير لأنفسكم.

و مع أنّ كل مجتمع يقر بهذه المبادئ المستمرة بدليل بالميم الناقصة في "أنتمـ" للتعبير عن استمرار ملاحظة عواقب سياسة مغايرة لما نص عليه الميثاق، إلاّ أنّ الإنسانية تنحدر فتهجر نفسها بفعل الحروب الأهلية و العدوان الطائفي، و مع أنّ التهجير يولد فقر المجتمع و عودته المطالبة بقدوم سكان جدد ليستقيم اقتصاده، فلماذا إذن الدخول في عمل يقودك إلى الندم الأكيد.

و يؤكد البلاغ المبين أنّ الميثاق أُخذ منّا في كل مرة و لكننا تعود القهرية و نكذب الرسالة بفعل التحريف (كذبوا بصيغة الماضي) و نقتل الرسل (يقتلون) بصيغة المستقبل إذ الرسل لا ينقطعون و قتلهم لا ينقطع :

"لقد أخذنا ميثاق بنى إسراءيل و أرسلنا إليهم رسلا، كلّما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذّبوا و ريقا يقتلون"

المائدة 5/68 ـ 72

و ما دامت الخطوط محترمة في بنود الميثاق التي أوضحتها ءايات سورة البقرة (2/80 ـ 84) فأيّا كان منهج الإنسان فلا خوف عليه و لن يحزن. و هذه رحمة الله وسعت المناهج كلها، فلنوسع على أنفسنا فالأمر في البلاغ المبين أوسع مما نتصور، ولنسر على بنود الميثاق في تعاملنا كأفراد أو كجماعات، و لكن الإنسانية ترفض هذا الميثاق و تكذب الرسل و تسعى في التكذيب و التحريف و تصل إلى قتل الرسل حاملي الحلول، و تظن الإنسانية أنّ تجاوز الميثاق و ما حملته الرسل ينفعها و تظن أنها بمنهجها المعوج في قمع بعضها بعضا هو السبيل الأمثل، و مع توالي الفتن عليها و إبصارها للكوارث الناتجة عن هذا المنهج تواصل في سيرها و كأن شيئا لم يحدث (ثمـ بالميم الناقصة التي تشير إلى الإعادة و الإستمرار) و الذي يقودها إلى الإنهيار النهائي يوم الحساب التي تصوره ثم بالميم الكاملة التي ترسم نهاية الحدث إذ لا يجدوا طريق الخلاص (عمّوا) كما عمّوا في الفتن المتصلة و لا يجدوا مبررا لعملهم (صمّوا) كما صمّوا في الفتن.

 

مع نفخ الروح الذي به نفعل منهج قراءة الكون و التفاعل معه و تطويره و الإرتقاء، إذ نفخ الروح هو البرنامج الوحيد الذي يسمح لآلة أن تغير من برنامجها الداخلي، و نحن الكائن الوحيد الذي يملك هذا البرنامج الذي يسمح لنا بتجاوزه، و بطور إسرائيل و بدء إرسال الرسل لإرساء ميثاق العلاقات الإنسانية التي من بنودها الأساسية تحرير الفرد و منع سفك الدماء و الإفساد في الأرض لم يبق أمام المجتمعات أي ذريعة لإتهام الله، بل لقد أغدق الله عليها النعم وهي تتهم الله مع أنّها حرة في اختيارها، و كلام الله يحذرها من مغبة هذا المسلك الخاطئ و أنّ تدهور علاقاتها من مسؤولياتها و ليست من سننه و لا من رسله و يوجه لها الخطاب بإسمها الحامل لمجموع علاقاتها :

البقرة 2/37 ـ 48

يصور لنا البلاغ المبين تاريخ الإنسان منذ أن نفخ الله فيه الروح و هبوط الأوائل و هم مجموعة ممن نفخ الله فيهم الروح (قلنا اهبطوا منها جميعا) ، و لقد أتاهم الله الهدى (نعمتي التي أنعمت عليكمـ ) النعمة المتصلة برمز المد الموجي ~ في "التي" و العهد المأخوذ عليهم المتصل برمز المد الموجي في "عهدى" و الميم الناقصة في "عليكمـ"، الهدى الذي ينظم حياتكم الإجتماعية بالعهد المأخوذ "يابني إسرائيل"، والغريب أنّ بعض قارئي القرآن يعتقد أنّ الخطاب موّجه لغيره و هو ليس معنيا بالخطاب و يظن أنّ الخطاب موجه لليهود و يجعلهم مرادفا لـ"بني إسرائيل"!!

إنّ مناقضة العهد يقود إلى عواقب كاريثية "و إياي فارهبون". الخطاب موجه لبني إسرائيل في علاقاتهم مع بعضهم بعضا "تأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم" و نلحظ رسم التاء في "تتلون" و"كتاب" بتنقيط أفقي للدلالة على تناقل الكتاب جيلا بعد جيل، و المقصود به الكتب السماوية (التوراة و القرآن)، فالخطاب القرآني ليس محصورا في التاريخ بل الخطاب لا ينقطع، و يأمرهم القرآن ب :

ـ إقامة الصلاة : الوقوف عند الحد

ـ إيتاء الزكاة : التعامل بأرفع أسلوب مع الغير

ـ الركوع : التواضع

ـ الإستعانة بالصبر

ـ الإستعانة بالصلاة

 

و تعود الآيات بأسلوب الرحمة و العودة إلى التذكير بنعمة الرسالة و تفضيل "بني إسرائيل" على العالمين، فما معنى العالمين؟

فقد يقود لفظ العالمين إلى اعتبار بني إسرائيل شعب الله المختار أمام مجموع الشعوب الأخرى و لو كان الأمر كذالك لقال البلاغ المبين "و فضلناكم على الناس". فلنرى ما يقول البلاغ المبين عن دلالة لفظ "العالمين".

العالمين هي كل من يعلم و حُمِّل من الآليات ما به يعلم أنّه يعلم، فالكون الفسيح الذي نحن جزء منه يحوي غيرنا ممن علّم ليعلم، و لقد فضلنّا الله على العالمين.

فتفضيل بني إسرائيل على العالمين "فضلتكم" تحديدا في التاريخ ببعث الرسل منهم، إذ لا يُعقل أن يرسل الرسل من جماعة لا يسيرون إلى الآخرين و لا يتفاعلون معهم وذلك بالميم الكاملة، أمّا النعمة فهي متصلة على بني إسرائيل بفعل تأثير هذه العلاقات و دلت عليها ميم الإتصال الناقصة في "عليكمـ " و ليس عبثيا هذا الرسم و هذا الرسم نجده كذلك في الآية (2/122).

و تواصل الآيات بعد آدم ذكر قصة بني إسرائيل مع موسى و عيسى وقبل أن تذكر ما حدث مع إبراهيم تفصل بين موسى و إبراهيم بهذه الآيات :

البقرة 2/118 ـ 123

النعمة متصلة برمز المد الموجي ~ على "التي" و ميم الإتصال على "عليكمـ" و في هذه الآية التفضيل متصل بميم الإتصال على "فضلتكم". ولا يمكن أن يقال أنّ هذا التفضيل متعلق بجنس أو قوم، إذ قوم موسى سرعان ما انقلبوا، و أتباع موسى كأتباع عيسى كأتباع محمد مسلمون. أمّا الآية هنا فهي تفصل في قضية العلاقات الإنسانية و ذلك واضح في تعقيب المولى :

"و اتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا و لا يقبل منها عدل و لا تنفعها شفاعة و لا هم ينصرون"

و هي آية واضحة الدلالة للإنسانية كلها أنّ ما يعولون عليه في دنياهم من حماية (لا تجزي نفس عن نفس) و خدمات متبادلة (عدل) و نيابة عنهم في مسؤولية أفعالهم (شفاعة) و نصرة من خارج مجتمعهم (و لا هم ينصرون) لن ينفعهم يوم الحساب. فالمسؤولية فردية و الآية تطالبنا بالتقوى في أعمالنا و بذل الوسع حتى يرتاح ضميرنا. ونلاحظ أنه حدث قلب في

الترتيب :

"لا يقبل منها شفاعة و لا ينفعها عدل" 2/48

"لا يقبل منها عدل و لا تنفعها شفاعة" 2/123

ولمّا كانت آية 2/37 تتحدث عن التفضيل بإرسال الرسل (الميم الكاملة في "فضلتكم") سبقت الشفاعة لتصورها أولا، أمّا آية 2/122 فهي تتحدث عن التفضيل المتصل بفعل التبادل و التعاون سبق العدل الشفاعة لتصوره أولاّ.

و هذا المثال يكفي لدقة القرآن و نفي الإعتباطية عنه.

هذا الخطاب موجه لكل تجمع إنساني في علاقة أفراده الداخلية و علاقاته كمجتمع بغيره من المجتمعات الأخرى. و لا يمكن اعتبار هذا الخطاب لجنس معين أو أقوام محددون.

و هذا التسلسل و الإعادة في سورة البقرة بين آدم و موسى و إبراهيم و جعل خطاب بني إسرائيل يتوسطهم دليل آخر لمفهوم بني إسرائيل الذي أكدناه إذ السياق القرآني وحدة موضوعية، و سورة البقرة هي نظام و ميثاق الإنسانية بكل أطيافها:

"الذين آمنوا"

"أهل الكتاب"

"الذين أشركوا"

"الكافرين"

"اليهود"

"النصارى"

"الصابئين"

فعند الله لا تغني الأسماء عن المسميات، فأيا كان المنهج المتبع فالمهم هو الفرد بعينه لا شعار انتماءه، وحتى لا نمر متغافلين لمعاني هذه الأطياف، ليسمح لي القارئ بجولة في معاني هذه الجماعات و مناهجها فهي ممثلة في:

ـ حرية الفكر و الإرتقاء و البحث (الذين آمنوا).

ـ العودة و البقاء في فكر الأسلاف (الذين هادوا)الذي تمثله السلفية بجميع مذاهبها التاريخية و الفكرية.

ـ الأممية الفكرية والإجماع (النصارى) ممثلة دائما تجمعات تناصر المعاصرين عاطفيا.

ـ الخروج على المألوف الفكري و العقائدي و معارضة الأغلبية في المجتمع (الصابئين ) .

لنحاول الغوص في القرءان ليطمئن القارئ للدلالات السابقة و لنبدأ في إشتقاقات لفظ "الكفر" و رسمه:

رسم "الكـ ا ـفرين" يدل على جمع في الزمن أي كافري الأمس و اليوم و الغد و هو جمع تنوّع بتنوع آليات الكفر و لم يأت في القرءان رسم "كافرين" أمّا الكفار" بالثور ألف فهي ترسم جمع تعدد في مرحلة ما لذلك فهم إسم يشير إلى تجمع يسعى لفرض تصوره فالجمع هنا مكاني إن صح التعبير و لذلك قتال الكفار ضروري أمّا حرية الكـ ا ـفرين فهي مضمونة لا غبار عليها في القرءان.

و لننتقل إلى النصارى فهم العاطفيون في نصرتهم لفكرة أو شخص وهم بهذا ضحايا لعاطفتهم مع ما فيهم من رحمة و تفاني دون رجاء مقابل لنصرتهم فهم كمن يناصر قبيلته أو حزبه. ولقد جاء رسمهم بهذا في البلاغ المبين :

فالنصـ ا ـرى بتنوّع وسائل نصرتهم و آليات النصرة يجمعهم مفهوم النصرة لمعاصريهم نصرة عاطفية فقد تكون فئة النصارى حركة مناصرة جديدة تفتقد الدعم و السند و هو ما يدل عليه غياب الألف الوتدية على الألف المقصورة و قد تكون فئة النصـ ا ـرى تحظى بالدعم أيّا كان مرّكزة ألفها المقصورة و قد تكون إمتدادا لحركة مناصرة قديمة بدليل رمز المد الموجي.

أمّا دليل الصابئين فهو متعلق بالأقلية التي تعارض توّجه الأغلبية ودليل الكلمة يأتينا أولا من "إعرابها"، فلقد ظنّ بعضهم أنّ في القرآن أخطاءً نحوية و زعم أنّ إسم إنّ منصوبا على الدوام و اعتبر ذلك قاعدة لا تُخالف. واعتبر الآية :

المائدة 5/69

اعتبرها خطأ نحويا، و تناسى أنّ القرءان كتابا مؤسسا يحمل بنيته الداخلية فيه فكتابة "الصابئون" بالواو تدل على الضم و الرص لتشير إلى وجودهم كحركة و تجمع و أمّا مجيء "الصابئين" بالياء فهو يشير إلى اليد الممتدة لإخراج هؤلاء الصابئين من طور الفردية المستضعفة إلى تجمع لذلك جاءت عبارة "فلهم أجرهم عند ربّهم" لتشير إلى جزاء الجهد المبذول في هذا الإخراج :

البقرة 2/62

هل يعقل أنّ نساخ القرآن يغفلون عن تصحيح هذا الخطأ؟

القرآن يدل على الألفاظ برسمها و ترتيب حروفها و تنوع استعمالها في البلاغ المبين و يخبرنا في آية 5/69 أنّ وجود القواعد غير فيزيائي و يمكن تعديه من العليم الخبير.

و ربّما ظنّ بعض الباحثين أنّ الصابئين جماعة بعينها ما زال أفرادها يعيشون إلى اليوم في بلاد الرافدين و الأمر في القرءان أعم دائما فالنبي الكريم إبراهيم صبأ و النبي محمد صبأ و كل من قام معارضا للأغلبية صابئ و هو لا يخاف و لن يحزن يوم الحسان إن ءامن و عمل صالحا.

بعد هذه الجولة في أطياف المجتمع الإنساني و محاولة كشف ما يدل عليه البلاغ المبين تبين أنّ سورة البقرة تخط بنود ميثاق بني إسرائيل التي من المفروض أن تحترم لأنّها الأرضية الربانية للإنطلاق نحو تمثيل خلافتنا في الأرض و الخروج من كوكبنا الأزرق و تعميرنا للكون الفسيح و التفرغ لمعرفة سنن الله في الكون. وتطالبنا السورة بإحترام بنود الميثاق خاصة الحد الأدنى منها و هو الإبتعاد عن سفك الدماء و الإفساد في الأرض.

إنّ مهمة بني آدم بعد أن ارتقوا إلى طور إسرائيل هي التعارف و التبادل والتجاري و المعرفي والعلمي خاصة، فمعرفة حقائق الكون و القرآن لا يأتي إلاّ بالتبادل العلمي بين "بني إسرائيل" و ليس في جو إنغلاق و رفض التفاعل، ولقد فُسرت بعض آيات البلاغ المبين تفسيرا كارثيا بحكم الخلط بين مفهوم بني إسرائيل و اليهود:

الشعراء 26/191 ـ 199

لقد فسرّ الأسلاف "علمـ آ ـؤا ء بني إسرائيل" أنّهم كهنوت اليهود من أتباع قوم موسى و قالوا أنّ دليل صحة نسبة القرآن إلى الله هو علم أولئك بالقرآن قبل أن ينزل هو دليل صحته!!!

 

و لو كان الأمر كما قالوا لجاءت الآية "أن علمه" في الماضي و ليس "أن يعلمه" للدلالة على حدث مستقبلي تخرجه اليد ياء. هذا خطأ أول، أمّا الخطأ الثاني فمتعلق بلفظ "علماء" في البلاغ المبين، فهو لم يأت أبدا للدلالة على دارسي الصحف أيا كانت و لم يأت بتاتا للتعبير عن كهنوت أو أصحاب أخبار و روايات و إنمّا أتى لفظ علماء في القرآن لوصف دارسي العالم الميت (فيزياء و توابعها) و دارسي العالم الحي (بيولوجيا وتوابعها)، وها هي الآية الثانية التي ورد فيها لفظ "علماء":

فاطر 35/27 ـ 28

و أسجل قبل أن أنتقل ملاحظة هامة وهي أنّ رسم علماء في البلاغ المبين عجيب، فهو يشير إلى اتصال و سير بين من يحمل هذا الإسم برمز المد الموجي فوق الألف الممدودة القاصرة.

هذه الألف القاصرة في بناء الجمع تدل على تلاحم أفراد هذا الجمع رغم البعد الزمني حتى كأنّهم مفرد ، و يشير الرسم إلى بقاء طاقة العلم و عدم تمريرها لمن يليهم بسهولة بدليل علامة السكون اللامتناظر في آخر الألف الممدودة، هذا السكون يدل على بداية كسر التناظر فيه لخروج مكنونه، فما وصل إليه العلماء ليس متاحا فتحه من غير جهد، و يشير الرسم كذالك إلى الأواصر التي تجمع بين هذه الفئة برسم الواو الذي يدل على الضم الشديد. فالعلماء بطبيعتهم لا يكتمون ما توصلوا إليه و هم أسرة واحدة تتراكم فيها المعرفة و يشكر اللاحق منهم السابق وهم بذلك نوع خاص بين عباد الله.

فهل هذا الرسم اعتباطي وهل لبشر من القرن الأول أو الثاني أو الثالث يمكنه أن يخترع من تلقاء نفسه هذا الرسم ؟

فأي ناسخ للفظ علماء سوف يخطه و بكل بداهة "علماء".

لا وجود إذن في آية 26/197 لكهنوت من قوم موسى وإنّما تتحدث الآية و توضح أنّ حقائق القرآن سوف تكشف شيئا فشيئا بتراكم معرفتنا بالكون و بفعل التبادل بين علماء تسمح لهم مجتمعاتهم بهذا التبادل "علماء بني إسرائيل" لتكون شهادتهم آية لمن يشك. و نحن قوم النبي الكريم أقصينا أنفسنا من دراسة الكون والكتاب فأقصانا غيرنا من هذا التفاعل و غبنا و لم نحضر بدايات الثورة الصناعية، و غبنا و لم نحضر بدايات الثورة المعلوماتية، و غبنا وطال غيابنا عن حضور الثورة الفضائية و ها نحن نغيب عن مساجد الثورة البيولوجية.

 

و قبل الختام أذكر بهذه الآية التي دوخت الأسلاف:

المائدة 5/20

و حقيق بهم أن يستغربوا، فقد اعتبروا قوم موسى هم اليهود و اليهود بتعريفهم لم يصبحوا ملوكا إلا بعد موسى!! و في هذا دليل أنّ قوم موسى (من يقوم بهم) ليس جنسا إسمه اليهود و إنّما أمة تعيش في جغرافية محددة .

و نصل في النهاية إلى تحديد هوية إسرائيل و هو الذي ذكر في آية "ابني آدم" الذي رفض القتل و فضل الحل السلمي و حل النزاع سلميا و التقوى في تعامله مع أخيه من الجماعة المقابلة و بنوه هو متبعي منهجه من "بني آدم" في طور "بني إسرائيل". هذا الطور حدث بين آدم و نوح كما سبق الإشارة إليه و اسم إسرائيل هو صفته و منهجه و ليس هو اسم الهوية الذي يحمله فالمجتمع الذي عاش فيه إسرائيل لا يمتلك لغة التخاطب بعد و لا يعرف فعل الدفن إذ الأسماء في القرآن هي نفسها المسميات.

و أخيرا فطور إسرائيل هو طور الإرتقاء في العلاقات الإنسانية التي أسس لها من لا يعرف الكتاب و خرق بنودها من يزعم قراءة الكتاب. و لا علاقة كما سبق تفصيله بين إسرائيل و اليهود لا تاريخيا و لا مفهوما إلاّ أن يقبل عبدة الأسلاف أيا كانوا الحلول السلمية و لا أعتقد أنّهم سيقبلون.

إنتماءنا إلى بني إسرائيل لا يعني السلم السلبي و الذل و الهوان و الرضا بكل ظلم ، فذلك ما عاتب الله عليه من تبع موسى من "بني إسرائيل" و رفض تحمل تبعات المواجهة مع سفاكي الدماء الظالمين. فانتماءنا لمنهج إسرائيل "بني إسرائيل" يعني قبولنا للآخر و التعاون معه و السير السلمي إليه و التقوى في التعامل معه مبدئيا و الإلتزام ببنود الميثاق معه.

لعلّ الإنسانية تسعد و تخرج من شقاءها لو أنّها قرأت قصة إسرائيل و تمعنت في ما أرساه الله من ميثاق تأكيدا لهذا المنهج.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...