التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنس و الجن ..

 

إن كنت أنا من الإنس و غيري من الكائنات الأخرى في أراضي الكون الفسيح جنّا، فالأمر قرءانيا ملتبس.

فالقرءان لا يمكنه أن يخاطب أيّا من العالمين في أجواء الكون إلاّ أنّهم إنس و غيرهم جن ، ذلك أنّ كل مُخَاطب يعتبر غيره من سكان العالمين خفي. إلاّ إن كان هناك فارقا نوعيا مطلقا في ماهية الإنس و الجن يتعدى مجرد الخفاء عن الأبصار لسعة الكون و عرضه .

لنغص في القرءان و لنرى في هندسة ألفاظه و بلاغاته ما يمكنه وضعنا على الطريق الأقوم فيما يريده هو من دليل للجن و الإنس.

كوننا الذي نحن فيه بدأ فيه عدّ الزمن و إتساع المكان من إنفجار أوّل عظيم سمّاه القرءان "فجرا" و منه بدأت الشهور الإثنا عشر من "كواركات" و "لبتونات" تصاحبها ملائكة "بوزونات" تعمل لإنشاء الهيدروجين ثم باقي الذرات وصولا إلى الهيليوم ثم تكوين النجوم أين تمّ تخليق الذرات الأكثر ثقلا ثم ظهور المجموعات الشمسية بكواكبها و الحياة في مسرح كوني طويل عرض القرءان تصويره بالمجهر و عرضت الفيزياء الحديثة و الفيزياء الفلكية تحديدا بعضا من هذه التفاصيل بما لا يترك الشك أنّ من خاطبنا في القرءان يعلم عمّا يتحدث عنه بدقّة رهيبة و أيّا كان موقفنا من هديه ففي هذه النقطة تحديدا يُصاب الإنسان في عمق أعماقه بالدهشة و الذهول أمام هذه الدقّة و العلم و قد يتغير المشهد الفيزيائي كلّه في تنظيره و نحن لسنا إلاّ أبناء عصرنا نتفاعل بمستواه المعرفي و يحاول بعضنا إختراق الحجب تنظيرا أو تجربة مخبرية و ما ينبغي أن يحكم سيرنا هو الحنف إلى الدليل الموضوعي إذ ما سواه سراب

عندما اكتمل تكوين الكواكب في بعض المجموعات و من ضمنها مجموعتنا الشمسية و اكتملت شروط تهييئ الحياة في كوكبنا يوسف ، بدأ فيه تكوّن أول شفرة جينية فيروسية في النشوء بظهور الغلاف الجوي الغازي الميثاني أو الحمئي كما يسميه القرءان ثم ـ و في ثم هذه ضاعت الإنسانية في البحث و التنظير ـ ظهرت خلايا عدّة من هذا الأول الجيني الفيروسي و استطاعت هذه الخلايا في أجزاء الصلصال البركاني و الطين الرطب بين البرودة و الحرارة أن تتخلق و تستقر ليتم خروجها بهائم متنوّعة ، هذا هو عموم المشهد و إن كان يحتاج إلى تفصيل خيوطه ، فالحدث البيولوجي لم يصل إلى مستوى أحسن الحديث بعد.

من هذه البهائم التي خرجت من التربة طرأ على بعضها تغييرات جينية بفعل الفيروسات نفسها و بدأ التطور يدب في أغلبها إلى أن وصلنا إلى كائن استوى على قدميه و ظهرت فيه علامات تُخالف كل ما حوله فقد أهلته جيناته للريادة و الهيمنة.

هذا الكائن هو إنس و إنسان عُلّم و نفخت فيه الروح ، ذاته محصورة في جسم ، و علينا الأن أن ندخل القرءان لنرى مشتقات و تفريعات الجذر القرءاني ( ء ن س) ، و سنجد :

ءانس / ءانست / ءانستم

تستأنسوا

مستأنسين

إنسيا

 و كل هذه المشتقات تدل رغبة إقتراب من مثيل ، لنقرأ :

"وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ (صلى)وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ (ج) وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ (صلى) وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ (ج) فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ (ج) وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا" النساء :6

 

في الأنس تتبع و لقاء و حديث و رؤية للتصرف لمن هو مثلك و هو معاملته بنفس ما ترغب أن يعاملك به و يتتبعك ، فأنس رشد اليتيم ليس تجسسا في خصوصياته إذ لا يريد ايا منّا أن يطلع الأخر على خصوصياته بل الأنس رغبة في معرفة ما نريد معرفته في الحكم على رشد اليتيم دون أن نتعدى إلى غيره من النطاقات الخاصة . فما سيقرر حكم دفع المال هي معرفة مستوى هذا اليتيم و قدرته على التحكم في ماله . فأنس الرشد هو ما وصل إليه الباحث فردا أو مؤسسات إلى تقرير رشد اليتيم لتسليمه حقّه.

لنقرأ :

 

" قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ (صلى) أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَىَّ (صلى) وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ءانَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي ءانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)" القصص

 

النار ليست لهيب مشتعل في حريق متحرك بل هي شعلة محصورة في الفضاء تنشر ضوءها في الفضاء ، فما ءانسه موسى هو تصور لجماعة من مثل بنيته متحلقين حول الشعلة فرغب في معرفة ما حولها ليأتي بالخبر أو بجذوة من النار و يهتدي بهؤلاء الذين تحلقّوا لمعرفة كيفية مواصلة السير بعد فراره من فرعون :

" وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي ءانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)" طه

" إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي ءانَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ " النمل :7

الأنس هو أن ترغب في معرفة مثيلك لسانا و حديثا و "ثقافة" و علما ، نجد هذا المعنى في البلاغ القرءاني :

" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامـٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمـْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ (ج) إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ (صلى) وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ (ج) وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ (ج) ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ (ج) وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا (ج) إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا " الأحزاب :53

الإستئناس هو السعي الذي ترسمه السين للأنس و محاولة تجسيده فهو بهذا يوّضح معنى الإِنس من حيث أنّه رغبة في معرفة المثيل و أقرب طريق لهذه المعرفة هو الحديث فمنه يأتي الكلام أي كم المعلومات عمن تحدثه فتخصيص الإستئناس بالحديث هنا هو طلب إمتناع من جرّ قآئد الذين ءامنوا و من يرسم بعمله خطط المجتمع المستقبلية "النبي" إلى الحديث كي يبدأ بعدها عملية الإرجاف و التضليل و التحريف ، فإستناس النبي يمكن معرفته من خلال واقع ما يطرح أي من خلال حديثه على العام و لا يقرب في خصوصياته .

و هذا الأنس تصوير لهذه الرغبة و نقرأ :

" فَكُلِى وَاشْرَبِى وَقَرِّى عَيْنًا (صلى) فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِى إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمـَ إِنسِيًّا " طه :26

إنّه شغف الأخر بالحدث عندما يرى مشهد امرأة منعزلة في المخاض ليسأل عنها و عن أهلها و سبب عزلتها ، و هذه الرغبة حاصلة في كل إنسي يقترب و يرغب في المعرفة و إن لم يسأل فهو يريد كلاما أي معلومات و إن لم يصله خطاب شفوي.

لفظ "الأُنس" يدل على الرغبة لمعرفة من هو مثلك. أمّا "الإنس" يمثل الصيغة الإجتماعية لهذه الرغبة بين كائنات متماثله بنية ، كأنّ الإنس بطبعه يرغب في معرفة من يبادله نفس البنية في إختلافه و تنوعه رغم تشابه اللسان حينا و التاريخ و الأمة و القوم أمّا لفظ "الإنسان" فوعاء النون يرسم مجموعة الكائنات الإنسية التي تحمل نفس البناء و ليس نفس البينة كما سيأتي تفصيله بعد ، فالإنسان هو مجموع الإنس في هذا الكون الفسيح ، فخطاب القرءان للإنس هو خطاب لكائنات بنفس البنية و خطاب القرءان للإنسان هو خطاب لنفس الكائنات ذي البنآء الواحد و من هنا ندرك أنّ لسان القرءان ليس لسانا لأحد من هؤلاء .إذ لا يمكن أن يكون القرءان خطاب للإنسان إلاّ أن يكون لسان القرءان مستقل منفرد عن جميع ألسنتهم فبنيته ليست من بنيتهم . الإنس بهمزته يدل على إستقلال البنية و خفاءها في الجين التحتي لكل إنس و الإنسان هو الوعاء الجامع لكل هذه البنيات تحت بنآء متماثل ، لنضرب مثلا ليتضح الأمر.

في بنيتنا نحن في كوكب يوسف تحمل أربع لبنات بروتينية في لولبنا الجيني هي :

AGCT الذي يشكل DNA و هناك إنس أخرون في هذا الكون يختلف عنا في عدد اللبنات و ماهيتها البروتينية و لكنها يحمل نفس البناء ، يمكنه أن يحمل بنية ذات خمس لبنات أو ست أو أكثر أو أقل و داخل هاته اللبنات شبكات كيميائية تختلف عمّا نحمله نحن في كوكبنا لكنّ كل هاته الكائنات بناؤها كيميائي جيني ، فالنون وعاء يبين لنا أنّ البنيات مختلفة لكن البنآء واحد ، و كذا الأمر بين الجن و الجآن كما سيأتي بيانه .

 

سأبقي لفظ "الناس" للتفاعل لأهمية الحوار حوله و أشير فقط أنّ لفظ " الأناس" يصورمن استقل و لم ينخرط مع الجمع تدل عليه الهمزة في الأول ، لنقرأ :

"قد علم كل أناس مشربهم" البقرة :20

"اخرجوا أل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون" النمل :56

"يوم ندعو كل أناس بإمامهم" الإسراء :71

حديث القرءان بين الإنس و الإنسان يحتاج غوص ، فعند حديثه عن الإنس يدفعنا للتفكير في الجانب الخاص أي لكل متماثلين على حدة :

"و كذلك جعلنا لكل نبى عدّوا شياطين الإنس و الجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" الأنعام :112

فمنطق إختلاق الوحي الموازي واحد ، فكل نبي ينشأ عقبه من يختلق بتقليد نفس اللسان هذا الوحي الموازي و يتكاثف لينوّع الوهم "شياطين" و تنتقل العدوى زخرف القول غرورا لا تصل إلى الهدى أبدا بل غايتها التضليل .

و أمّا حديث القرءان عن الإنسان فهو حديث عن الجانب العام الحاوي لكل الأطياف :

"خُلق الإنسان ضعيفا" النساء 28

"إنّ الشيطان للإنسان عدو مبين" يوسف :5

"إنّ الإنسان لظلوم كفّار" إبراهيم :34

"و كان الإنسان أكثر شيء جدلا" الكهف :54

"إنّ الإنسان لربّه لكنود" العاديات :6

 

هو حديث عن ماهية الإنسان النفسية ، عموم الإنس و هي طبيعة ناشئة من خلقته الضعيفة ، فهو سريع الإنقياد للوهم "شيطان" ، و هو يظلم ثم يظلم و يعمّي الحقائق و يغطيها و يواصل ، و لا يفتأ يقلّب الحقائق حتى و إن ظهر بيانها و تكرر ، فكل هذا من طبيعته.

فما هو الجن في ماهيته ؟

أول الملاحظات في ثنائية الإنس و الجن هي التالي :

الجن مرتبط في القرءان حصرا بالإنس في ثنائية :

جن / إنس : الأنعام :130 ـ الأعراف :38 ؛179 ـ النمل :17 ـ فصلّت :25؛29 ـ الأحقاف :18 ـ الذاريات :56 ـ الرحمان: 33

إنس / جن : الأنعام :112 ـ الإسراء :88 ـ الجن :5

الجآن مرتبط في القرءان بالإنس و الإنسان في ثنائية :

الإنسان ... / ..الجآن : الحجر :26/27 ـ الرحمان :14/15

إنس ..../... جآن : الرحمان :39 ـ الرحمان:56 ـ الرحمان:74

الجِنّة في القرءان مرتبطة حصرا بالناس :

الجِنّة / الناس : هود :119 ـ السجدة :13 ـ الناس :6

قبل أن ندخل لقراءة هذه الثنائيات ، علينا أوّلا أنّ نر الأيات التي وردت فيها جن/ جآن/ جنّة من دون ربطها بالإنس / ناس/ الإنسان، ففي البلاغات المنفردة يظهر خصائص اللفظ و محيط حركته لنعود بعدها للثنائيات:

لنقرأ :

" وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ (صلى) فَلَمَّا رءاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جآنٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ(ج) يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ (صلى) إِنَّكَ مِنَ الْأمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ (صلى) فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِيهِ (ج) إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32)" القصص

 

الهز متعلق بحركة إرتداد حول نقاط إستقرار، فأغصان الشجر النبات تهتز بسبب إستقرار جذعها و عصا موسى التي تهتز حول محورها الأول الثابث ، و تصويرها إهتزازها كأّنه جآن يصور لنا ماهية الجآن ، فهي مخلوقات ذات ماهية جينية كهرومغناطيسية مقارنة بماهيتنا الجينية الكيميائية ، فالجأن ليس له لباس جسمي بل هو ينحسر و يمتد وفق آلية نجهلها اليوم و نجد تأكيد هذا في البلاغات التالية :

" خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15)" الرحمان

فبداية خلق الإنسان في وعاء صلصالي نمت فيه الخلية البشرية ثم خرجت كائنا بهيميا وصولا بالتطور الجيني إلى إستواءه على قدميه و تأنسه و أمّا وعاء خلق الجن فهو مارج من نار ، وورود هذا اللفظ "مارج" مرّة واحدة في القرءان يجعل تحديده بالمشترك اللفظي مستحيل فلا مجال هنا إلاّ البنية لتحديد المفهوم و حتّى لا نؤسس المفاهيم الأن بنيويا ما دمنا نجهل الآليات يمكننا إعتماد دليل كوني لتقريب المفهوم.

في الشمس حقل مغنطيسي هائل متغير ، و يظهر على سطح الشمس بقع سوداء فيه لم يُفسر سبب وجودها إلاّ في نهايات هذا القرن بدراسة مستفيضة للحقل المغنطيسي الشمسي و هذه البقع هي أماكن تخلخل الحقل المغنطيسي الشمسي حيث تنفر منها "موارج" من النار تصل إلى ألاف الكيلومترات

نرى من هدي القرءان أنّ خلق الجآن في وسط مغنطيسي يجعل من بنيته الجينية بنية أعلى و أرقى و نجد هذا مصدّق في البلاغ القرءاني :

" يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا " النساء :28

فالضعف النفسي كذلك منبعه ضعف بنيتنا البيولوجية و لولا حفظ مجموعتنا الشمسية بحزام أورت و كويبر و الحقل المغنطيسي الشديد للشمس و وجود الحقل المغنطيسي اليوسفي لما استطاعت بينتنا أن تتحمل أعاصير الكون الهائلة.

إنّ إختلاف الإنس و الجن إختلاف ماهية و ليس إختلاف نسبيا أي يمكنني إعتبار ما حولي ممن لم أرهم جنّا و هم كذلك يمكنهم إعتباري جنّا ما لم يروني ، بل حديث القرءان مطلق الحق لا تعتريه نسبية ، فلو كانت كل الكائنات العالمة أو ما يسميه القرءان "العالمين" إنسا لما أمكن مخاطبة بعضهم إنسا و الأخرين جنّا إذ في نهاية جمعهم سيكونون إمّا إنسا كلّهم أو جنّا :

 

"وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ " الشورى :29

و لا يمكن تحديد فرق الجآن و الإنسان إلاّ بتحديد الفارق الكوني و مع أنّ هذا مجرد تخمين فيما يحويه هدي القرءان في دليل الجآن و الإنسان إلاّ أنّي أراه السبيل الأوحد في سبب ورودهما مختلفين في القرءان. ففي الكون إنسان ، بنونه الوعاء أي أنّنا لسنا الوحيدين ببنتنا الجينية الكيميائية في كوكبنا هذا فهناك مخلوقات مماثلة لنا قد تكون بنيتها الجينية مختلفة و لكنّها بنفس البنآء الجيني ، و كذا الأمر بين الجن و الجآن فالبناء الكهرومغنطيسي واحد لكن لبناته تختلف و لا يمكنني بحال التخمين أكثر من هذا فجهلنا بماهية جني واحد لا يسمح لنا بالحديث عن إختلاف اللبنات التحيتية الأن. فالجن هو كل صنف من الجآن ذات بنية تحتية واحدة و الجآن بوعاء النون هو مجموع كل هاته البني على إختلافها.

قلت في بداية الموضوع أنّ الجذر (ج ن) تعبير عن الخفاء و هذا المفهوم كاف بنظري ففي القرءان تأييد ا له بالمشتقات التالية :

جُنّة

أجنّة

في البلاغات التالية :

" اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ (ج) إِنَّهُمْ سَآء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " المنافقون :2

الأيمان هي القوّة الداعمة التي يتكأ عليه الإنسان في تطبيق خططه ، فهؤلاء المنافقين جعلوا بينهم و بين مؤامرتهم دروعا بشرية و حوائط كي لا يُعلم أنهم هم وراء الخراب ، فهاته الدروع و الحوائط هي الجُنّة و ضم الجيم دليل تراص هذه الدروع و تتابعها و الغاية منها إخفاء من يحرك خلف الستار .

الجُنة هي ما يخفي ما وراءه و لما كانت أسترة و أردية عديدة أصبحت كلها خفاء فلا يعرف الإنسان من يحرك حقيقة و أمّا لفظ أجنّة في البلاغ القرءاني :

 " الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِـ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ (ج) إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ (ج) هُوَ أَعْلَمـُ بِكُمْـ إِذْ أَنشَأَكُمـ مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمـْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ (ج) فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى" النجم :32

الأم هي من ترعى و تحفظ و تغذّي ، فالأرض التي رعت الخلية الأولى في الصلصال و مارج النار الذي رعى "خلية" الجن الأولى "أم" و البطن و ليس الرحم ورد ليدل على شبكة كليّة لخدمة الأجنة ، فالجنين مودع مخفي مستور عن تأثيرات المحيط المشوشة كي ينمو و يستقر و يتهيأ للخروج لمجابهة المحيط.

تعبير الخفاء وحده يكفي لرسم المفهوم الكلي للجذر العربي (ج ن) فهو خفاء في البنية إذ هي من خصائص بنية هذه الكائنات التي تخنس و يمكنها أن تتلبس بكل هيئة لبنيتها الكهرومغناطيسية ، و ليس هذا الفهم إلاّ تخمينا لكنّه يصور إلى مدى معين ما أقصده و ختاما ، فالكون الذي نحن مليئ بالإنس و الجن تحت أوعية الإنسان و الجآن ببنى متنوعة لكلاهما و سنرى في سورة الجن دقة القرءان في حديثه عن الجن .

للحديث بقيّة

بن نبي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

معارج التأويل البيولوجي للفاتح الم

  معارج التأويل في سفينة المـ في تقابل بنآء النص القرءاني مع بنآء الأحياء البيولوجي   ملاحظة تحتاج قراءة هذا البحث شيئا من القدرة على معفرة الذنوب فصاحبه ليس مختصا في البيولوجيا و لكنه متطفل عليها أرغمه القرءان على الدخول إلى أبوابها و لعل كتابة هذا البحث تملي على قارئه أن يعود إلى قرائته ثانية إن كان مثلي متطفل على البيولوجيا. ---------   هي رحلة ، حكاية عن رحلة مع ءايات سورة أل عمران و فاتحها الذي جعلني أكتشف نفسي، أكتشف مقدار التعاسة التي أحملها ظالما للقرءان، إكتشاف رهيب جعلني أرى صورتي الفرعونية الصغيرة و هي تحاول أن تقحم القرءان أن تدخله في البوتقة التي تريد أن تعنفه ليصل إلى مبتغاها مستعملة كل الوسائل. بعد كشف رهيب في الفاتح المـ البقرة ظننت أن القرءان سيواصل معي رحلة البنية اللفظية ، رحلة كشف البنآء القرءاني أخيرا. و لكنّه قادني بل هداني إلى ما لم أكن أتصوره يوما ، ما لم يخطر ببالي حتى في أعظم أحلامي. لعلنّي و لأول مرة أتسور القرءان و أدخل في باحة صغرى من باحاته لأرى حجم العمارة.     المـ ، كتاب علمني أن أساير النص ، أن أتركه يقود ، أ...

الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر | الجزء الأوّل | مفتاح البنآء "الٓمٓـ" البقرة

  الفواتح مفاتيح الغيب المنتظر الجزء الأوّل مفتاح البنآء   الٓمٓـ البقرة   " وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ " البقرة 77 في المصحف الذي بين أيدينا ما يشبه الأكواد في بعض السور ، في 29 سورة من سور القرءان أكواد 14 عشر. أكواد أبجدية غريبة لا علامات إعراب فيها و بعض علاماتها تحمل رمزا غريبا، رمزا يشبه الموجة المنكسرة     هذه الأكواد الأربعة عشر لا تشبه كلمات  القرءان الأخرى و تلاوتها هجائية في أغلبها فالكود  الٓمٓـ ينطق الف لام ميم و الكود كٓهيعٓصٓ ينطق " كاف هـ يـ عين صاد " ، فالكاف و العين و الصاد تهّجى  أمّا الهاء و الياء  و الصاد فتنطق بلا إضافات ، يـ و ليس ياء و هـ و ليس هاء. هكذا تم نقل نطقها منذ أن نطق بها النبي و واصل الناس نطقها في نسك الصَّلَوٰةَ فمن خلاله تأصّل هذا النطق و استقر.   لم يسبق أنّ شكك أحد في نسبة هذه الفواتح لنص القرءان إلاّ المستشرقون فالقرءان عندهم من تأليف النبي بل و في بعض أجزاءه من تأليف غيره و ما دام النبي هو من ألّف هذا القرءان...

الجزء الثالث | المـ التنزيل - خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني

  المـ التنزيل خطوة أولى في طريق فهم البنآء القرءاني   " وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ " نقلنا الفاتح المـ آل عمران إلى بحث الثنائيات ، و الذي نقلنا إليها فاصلة آل عمران بين الفاتح و حديث السورة عن الكتاب المـ " الٓمٓـ (1) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَىُّ ٱلۡقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا  بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَ أَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ (3)" عبارة الحي القيوم وضعتنا على فكرة الإرتباط فلا يرد القيوم في القرءان إلا مرتبطا بالحي ثم لما تلونا الكلمات التي تبدأ بالكتاب المـ كما فعلنا في سورة البقرة وقعنا على المفاجأة الغير المنتظرة و هي بداية تسلسل المجموعة و نهايتها بنفس الثنائية الميعاد  - المهاد ثم مفاجأة تشابه كلمات الثنائية المـ  ـيعـ   ـاد...