من النّاس من
يتحدث عن اليوم الأخر و يعلن أنّ التصديق به شأن عظيم و أنّ تكذيبه يُدخل الإنسان
في عذاب و ألم لا ينقطعان ، يعلن هذا و من وراء الستار يخون و يغدر ، يسرق و ينهب
و يكذب . و الله المسجل لحركاتنا بكاميرا لا يخفى عليه شيء، لا يعتد بتصريح لفظي
"ذلك قولهم بأفواههم" بل ما يهم هو القول ، ما يهم هو سير الإنسان في
الواقع و ليس مزاج تعبيره ، و لأصدق القارئ أُعلن أنّ قلّة قليلة تصدق باليوم
الأخر و قلّة أقل منها تؤمن باليوم الأخر ، هذا رأيي في مسيرة صغيرة و بسيطة في
هذه الحياة الدنيا.
عندما تأتي
الأزمات و المواجهة ، فعادة الناس أن تخلي الطريق و تترك الفرصة للأخر كي يكوّن
السباق ، و لعل الأزمات هي الأمر الوحيد الذي يغيب فيه المنافسة.
عندما يأتي
"رب العم" و يُعلن نيته في طرد بعض العمال فكثير منهم يرفاوض كي يبقى
على حساب الأخرين و إن لزم الأمر أن يعمل محرّضا أو باعثا للإشاعات بين نفوس
العمال المهزومين . و لن أدخل في حديث عن المقاومين المجاهدين حتّى لا أتهم
بالإرهاب فأيامنا هذه جعلت الدياثة حسن تصرف و جعلت الغباء حكمة و جعلت الإنبطاح
مشروعا و دأب بعض الناس يُقنع الأخرين أنّ نهاية حياتهم إستهلاك.
و من يدخل
القرءان ، يعطيه حد أدنى من الكرامة حتى و إن لم يغص في معانيه، يعطيه صورا
للانبياء و هم يواجهون ، وحدهم بين الجموع ، صورا لنبي في معركة يقاوم الظالمين ،
صورا لأننياء ينطقون بقناعاتهم دون خشية من أحد و دون إنتظار منّة و لا شعبية ،
صورا لرفض الذل و الهوان و رفض الإنسان أن يكون قردا تسوقه الخنازير.
الحياة في
القرءان ليست أيّا حياة ، هي تستحق تسمية الحياة وفق شروط و معايير و إلاّ
فالإنتحار أجدى :
"قُلْ
إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ
النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَن
يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا
هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا
يَعْمَلُونَ (6)"
البقرة
حديث عن قوم
موسى المتهوّدين و عن كل متهوّد يظن الخلاص بالإنتماء و لم يدر أنّ المسؤولية في
القرءان فردية فلا الإنتماء يُجدي و لا الإحتماء ينفع و لا الجوار و لا الشفاعة .
من يُعلن أنّ
الدار الأخرة خاصة به و خالصكة له من دون الناس ، هو الأعلى و المصطفى فليعجل
بموته و ليبادر بعمليات الإستشهاد كي يسرّع من لقاء ما يتمناه ، كذب في تلافيق.
خرافات لا
يصدقها من يطلقها ، من مختلقي مقولة "شعب الله المُختار" و لقد اختير
على ما يبدو في غياب منّا ، فلا الإنسانية تذكر أنّها انتخبت و من مختلقي مقولة
"الفرقة الناجية" كأن يوم الحساب فرق عقائدية تتناطح علة أقلام و مقولات
لا بينة عليها و لا دليل إلاّ أخبرنا و حدثنا و سمعنا و ووجدنا و أجمع "أهل
القبلة" من مكعب هنا و حائط مبكى هناك.
لإنّ اليوم
الأخر للناس ، جميع الناس ، هناك في دار الحيوان يرتقي من ارتقى بنفسه في عالمه
الأدنى و ينحدر من استعصى عليه الإرتقاء و لكن المتهودين يكذبون حتى يصدقهم الناس
من تكرار العبارات و إجترار المصطلحات "
"فتمنوا
الموت إن كنت صادقين"
قضية الصدق هي
محور فصلنا يوم الحساب و كل منّا يصدق نفسه في وحدته و يعلم ما اجترحته يداه و لو
حبّر ألاف النسخ في التبرير :
|و لن يتمنوه
أبدا بما قدّمت أيديهم"
"شعب
الله المختار" يحمل مشروعا عقائديا ، هذا ما قدمته يداه و هو أعلن و يُعلن
أنّه استاذ الإنسانية و ضميرها و أنّ غيره من الشعوب يصلح للركوب فقط ، عبيدا له
يجب إسجادهم ، و تنازل "شعب الله المختار" على مشروعه هذا يعني نهاية
الخرافة و هو لتهوّده لن يتنازل و مهما ظهر للعيان فكريا و وواقعيا خواء
إيديولوجية الإصطفاء و الإختيار فهو مستمر يعمل لنفخ الروح في الخرافة ، يظلم
" في حال قوّته و طغيانه و تحالفه مع قوّي كحاله اليوم في فلسطين و في دول
غربية شبّك فيها أخطبوطه بالتآمر و الكيد و كما يفعل دعاة "الفرقة
الناجية" في ركل عباد الله لتأدية طقوس و في تحمير جلودهم لأمور صغيرة حقيرة
"و الله عليم بالظالمين" ، و لكن المتهودين في حال ضعفهم ليس لهم درك في
الهبوط ، فهم يرضون بأي حياة ، حياة تُغتصب فيها أزواجهم و بناتهم و أطفالهم و
يُعاملون كالحشرات و يُمزّقون شر ممزق ، ما دام ربّهم يضمن لهم قوتا ينجي من الموت
. و كل من يرى حياته بهضا المعنى :
"و من
الذين أشركوا"
من باقي
العقائد من النحل و ملل ، بإستعمال التقية المذلّة أو الإستكانة المُرغمة . من
يشارك في رؤية الحياة بنفس منظار المتهودّين ، هؤلاء لا تتعدى الحياة عندهم سنين
تمر ، و هنا يلفت نظرنا لفظ "سنين" المعبرعلى أقل تقدير على وقتي حيادي
مُجدب لا فعالية فيه.
"ألف
سنة" ليست 100 سنّة بل الألف يحمل مفهوم التوالي و "التأليف" أي
تجميع سنة وراء أختها ، فدع الوقت يمر و الزمان يجري لغاية الحتف.
هذه ليست
الحياة كما يراها من صاغ القرءان ، فليست الحياة "أي حياة" و ليست
الحياة تآلف سنين و مرور زمن بل الحياة تُقاس بفعاليتها في عمل الصالحات و في
مواجهة الظلم و الظالمين و في جهد فكري و علمي و مشاركة فعلية في التغيير ، دونها
فالمرء لا يعدو بهيمة إستهلاك لا يمكن تسمية عيشه حياة إلاّ مجازا لا تعرف لها ،
هكذا "حياة".
إبراهيم بن
نبي
تعليقات
إرسال تعليق